المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مقال: جماليات التشبيه التمثيلي في القرآن الكريم



أبو أيوب العامري
03-07-2015, 04:41 PM
 مقال بعنوان: جماليّات التّشبيه التّمثيلي في القرآن الكريم وسماته البلاغيّة.

للأستاذ: عبد الرحمن بوزنون .
نُشر بمجلة الحكمة للدراسات الإسلامية، العدد 20.
 ملخص المقال :
يدرس هذا المقال أحد الظّواهر الفنية المشعّة، والصّور البيانيّة البارزة في التّراث العربي عموما والنّص القرآني خصوصا، وهو: فنّ التّشبيه التّمثيلي، وقد كان المنطلق من تحرير المصطلحات، ونقد التّعريفات المتّصلة بهذا الباب، ثمّ إيضاح فضل هذا اللّون البلاغيّ وقيمته الجماليّة من نصوص أئمة البيان وفرسانه، مع بيان مفهوم الجمال وتجلّياته عندهم، ثمّ التّفرغ لبيان جماليّات هذه الصّورة وخصائصها من التّشبيهات القرآنية، ونظمها في عناصرها الجامعة لكل فرعٍ منها، مع بيان اللّطائف والأسرار المبثوثة في ثنايا هذه التّشبيهات، وكان ختام هذا التّطواف بذكر أهم النتائج المتوصّل إليها من خلال هذا البحث.

مقدّمة:
علم البيان صاحب الحظوة السّامية الرّاقية، والمقام الرّفيع المهيب، والشأو المرموق الشّامخ بين أترابه من فنون البلاعة، ويكفيه مزية وفضلا كونُه الوسيلة التي تجلو معاني الصّور البيانيّة الواردة في كلام العرب، وتنثر جواهرها وتستقرأ دلالاتها وتستنبط مقاصدها ومراميها، فما مكانته ومنزلته والحال أنّه يميط اللّثام ويكشف النّقاب عن باب عظيم من أبواب الإعجاز في القرآن الكريم، وهو الإعجاز البيانيّ.
وفنّ التّشبيه أحد أهمّ أبواب هذا العلم وأرفعها، وأكثر الصّور الأدبية حضورا وأوسعها، وأقواها تأثيرا وأحسنها، وأرغبها للنفوس وأقربها، فنال بذلك السّيادة والرّيادة، وحصّل المكانة الرفيعة والدّرجة العليّة، وفي ذلك يقول الإمام أبو العبّاس المبرّد ( ت 286 هـ ): " التّشبيه جار كثيرا في كلام العرب حتّى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يُبعِد " ، ويقول أيضا "والتّشبيه كثير، وهو باب كأنّه لا آخر له" .
وقال أبو هلال العسكري في " الصّناعتين " ( ت 400 هـ ): "التّشبيه يزيد المعنى وُضوحا، ويُكسِبُه تأكيدا، ولهذا أطبق جميع المتكلّمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحدٌ عنه ".
ومن مزايا التّشبيه أنّ أبوابه متعددة وألوانه متنوعة، وأصنافه كثيرة مختلفة، وقد ارتأيت دراسةَ أحد أرقى أقسام هذا الباب وأمتعها، وهو فنّ التّشبيه التّمثيلي، والسعيَّ لتلمس جمالياته، والكشف عن أسراره ومحاسنه في القرآن الكريم .
وقد استحثّني للتّشمير لذلك: قلة الحديث عن هذا الضّرب من البلاغة، والغموض المكتنف لمصطلحه ومدلوله، بما يُوقع كثيرا من اللّبس بينه وبين ألوان بيانية مغايرة، وكذا تقَصُّد الإحساس بجمالياته في القرآن الكريم، وتذوق محاسنه في أفصح قول وأبلغِه، خصوصا مع الحضور الظّاهر لصورة التّشبيه التّمثيلي في القرآن الكريم، ممّا يجعلها حرية بالدّراسة والبيان قصد محاولة الكشف عن الإضافة الجمالية التي تحملها هذه الصّورة في القرآن الكريم، وملاحظة أثرها البالغ في إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللّفظ .
وقد انتهجت في هذا المقال خطة بحث مصغرة تمثلت فيما يلي :
تمهيد: في التّعريف بالتّشبيه وضوابطه.
المبحث الأول: تاريخ مصطلح التّشبيه التّمثيلي وتحرير الفرق بينه وبين التّشبيه العادي.
المبحث الثّاني: قيمة التّمثيل وفضله .
المبحث الثّالث : مفهوم الجمال البلاغي ومظاهره .
المبحث الرابع: أصناف الجماليات في التّشبيه التّمثيلي في القرآن الكريم وتطبيقاتها.
خاتمة .
 تمهيد :
أصل لفظة التّشبيه في اللّغة ترجع بجميع صيغها وأحوالها إلى التّمثيل والمماثلة . وفي ذلك يقول جمال الدّين ابن منظور ( ت 711هـ) :"الشّبه والشّبه والشّبيه: المِثل، والجمع أشباه، وأشبه الشّيء الشّيء: ماثله، والتّشبيه: التّمثيل، وشبّهه إِياه وشبّهه به مثلّهُ " .
وأمّا في الاصطلاح فقد ذكرت له تعاريف عدة أشهرها، ما عرّفه به أبو الحسن الرّماني (ت 382 ) في قوله: " التّشبيه هو العقد على أنّ أحد الشيئين يسدّ مسدّ الآخر في حسّ أو عقل " .
و حدّه أبو هلال العسكري بقوله: " التّشبيه: الوصف بأنّ أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التّشبيه، ناب منابه أو لم ينب، وقد جاء في الشّعر وسائر الكلام بغير أداة التّشبيه" .
والملاحظ على هذين التّعريفين هو إيهام إمكانية المطابقة بين طرفي التّشبيه، وهذا ردّه كثير من أئمة البلاغة، وقد تنبه ابن رشيق القيرواني ( ت 463 هـ ) لهذا المحذور فتفاداه في بيانه للتّشبيه بقوله: " التّشبيه: صفة الشّيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته، لأنّه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه".
ومن أجود ما رأيت في تقرير ذلك قول الإمام أبو يعقوب السّكاكي (ت 626 هـ ): " أنت خبير بأنّ ارتفاع الاختلاف من جميع الوجوه حتى التّعين يأبى التّعدد فيبطل التّشبيه، لأنّ تشبيه الشّيء لا يكون إلاّ وصفا له بمشاركته المشبّه به في أمر، والشّيء لا يتصف بنفسه " .
و في تعريفه يقول ضياء الدّين ابن الأثير ( ت 637 هـ ): " التّشبيه هو اللّفظ الدّال على غير الوضع الحقيقيّ لجامع بين المشبّه والمشبّه به وصفة من الأوصاف" ، وهذا الكلام فيه لبس وتداخل مع باب الاستعارة، حيث لا نجد بين هذا الحدّ وبين تعريف أجلة من العلماء للاستعارة كبير فرق . ومعلوم أنّ الحدود يلزم فيها الوضوح والبعد عن الالتباس والخلط بين الفنون .
والتّعريف الذي يمكنني الإسهام به في هذا المجال من خلال مطالعتي لجهود العلماء وتقويماتهم بما يكشف عن ماهية هذا الفنّ، ويجمع أنواعه المتعددة ويحترز عن سائر الصّور البيانيّة التي لها تداخل وتقارب مع هذا اللّون هو أنّ: التّشبيه: صفة مفرد أو متعدد بمشاركة غيره من جهة فأكثر من غير مطابقة ".
 المبحث الأول: تاريخ مصطلح التّشبيه التّمثيلي وتحرير الفرق بينه وبين العادي.
أولا: تعريف التّمثيل لغة :
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت170 هـ ): " التّمثيل: تصويرُ الشّيء كأنّه تنظُر إليه " . وجاء في لسان العرب: " مثل كلمة تسوية يقال هذا مِثله ومثله، كما يقال شِبهه وشبهُه بمعنى، والمِثل الشّبه يقال مِثل ومثل وشِبه وشبه بمعنى واحد " .
ثانيا: تعريف التّشبيه التّمثيلي اصطلاحا :
أول ما عرف هذا المصطلح بين أرباب البلاغة بلفظ " التّمثيل "، وكان مفهومه عاما واسعا عند المتقدمين من علماء البلاغة، فقد أطلقوه على كثير من الصّور البيانيّة كالاستعارة والمجاز والكناية والتّشبيه الاصطلاحي، ولم يجعلوه نوعا خاصا بعينه له خصائصه ومقوماته التي يرتكز عليها، وأسسه ومبادئه التي يتميز بها، وهذا شأن سائر الفنون الأدبية والبلاغيّة في تلك الفترة، إذ انصرف أهل العلم آنذاك إلى الجمع والتّدوين ونسبة الأشعار والأقوال إلى أصحابها، ولم يكن لهم كفاية وقت لتنظير الفنون وتقنينها ووضع القواعد وضبط الشوارد...
و كان أعرق ما رأيت من كلام عن التّمثيل ما ذكره أبو الفرج قدامة بن جعفر ( ت 337 هـ ) في كتابه " نقد الشّعر " حيث جعله تحت باب نعت ائتلاف اللّفظ مع المعنى فقال: " التّمثيل وهو أن يريد الشّاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاما يدلّ على معنى آخر، وذلك المعنى الآخر والكلام منبئان عمّا أراد أن يشير إليه ".
و الملاحظ أنّه بهذا التّعريف أقرب إلى باب الكناية منه إلى باب التّمثيل .
وتكلم عنه أبو هلال العسكري فأورد له كثيرا من الشّواهد القرآنية والأدبية تحت أبواب التّشبيه الاصطلاحي والكناية والمجاز والاستعارة ولم يجعله بابا بعينه ..
وهو عند ابن رشيق القيرواني من ألوان الاستعارة حيث قال: " ومن ضروب الاستعارة التّمثيل، وهو المماثلة عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة، نحو قول امرئ القيس وهو أول من ابتكره، ولم يأت أملح منه :
وما ذرفت عيناك إلاّ لتقدحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
فظاهر من خلال هذه النّقول أنّ التّمثيل في كلام هؤلاء العلماء لم يكن له ضابط معين يضبطه ويميزه عن سائر ألوان البيان.
وأول ما وقفت عليه من كلام أهل البلاغة في محاولة ضبط هذا اللّون البلاغي، والتّفريق بينه وبين التّشبيه الاصطلاحي كلام نفيس للإمام الحكيم التّرمذي ( ت 320 هـ ) عليه رحمة الله في كتابه " الأمثال من الكتاب والسّنة " لم أر ــ والله أعلم ــ من سبقني لنقله ــ ولله الحمد وذلك فضله وكرمه ــ في سياق ذكره مثالا للتّالي لكتاب الله حيث فرق بينهما بأنّ التّمثيل ما كان الغرض منه بيان معاني الغيبيّات وتمثيلها للسّامع من ما هو ماثل وشاهد أمامه .
و قد ذكر ذلك بعد أنْ شبه التّالي لكتاب الله بمن له حبيب حنين إلى قلبه، ثمّ قال على إثر ذلك:" فإن نفر نافر من هذا فقال أليس هذا تشبيه؟ قيل له هذا تمثيل وليس بتشبيه، قال والتّمثيل أن تصف شيئا غاب عنك فتمثل له في الشّاهد ليقف على ما يؤدي معنى الغائب " ، فالتّرمذي ــ كما هو ظاهر ــ خصّه بما تناول الغيبيّات دون غيرها من مقامات الكلام كيفما كانت صفته وأسلوبه .
رأي الشّيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت471هـ) :
كان شيخ البلاغييّن عبد القاهر الجرجاني ـرحمه الله ـ بحق صاحب الفضل الكبير على هذا اللّون البيانيّ ومؤسس دعائمه ومقيم أركانه، إذ حدد له مفهومه وفرق بينه وبين التّشبيه الاصطلاحي وكشف النّقاب عن بلاغته ..
فقد قسم الشّيخ عبد القاهر التّشبيه من حيث وجه الشّبه إلى قسمين: تشبيه عادي وتشبيه تمثيلي.
التّشبيه العادي: هو ما كان وجه الشّبه فيه أمرا بينا بنفسه لا يحتاج فيه إلى تأول وصرف عن الظّاهر لأنّ المشبّه مشرك للمشبّه به في نفس وجه الشّبه وحقيقة جنسه لا في مقتضاه ولازمه.
وذلك يتحقق في أمرين اثنين:
الأول: أن يكون وجه الشّبه حسيا أي مدركا بإحدى الحواس الخمس الظّاهرة سواء أكان الوجه مفردا أم مركبا. والثّاني: أن يكون وجه الشّبه غرزيا طبعيا ( عقليا حقيقيا ) .
أمّا التّشبيه التّمثيلي: فهو ما لا يكون وجه الشّبه فيه أمرا بينا بنفسه بل يحتاج في تحصيله إلى تأول وصرف عن الظّاهر، لأنّ المشبّه غير مشارك للمشبّه به في حقيقة وجه الشّبه الظّاهري وجنسه بل في مقتضاه ولازمه.
فإذا قلت ( ألفاظ فلان كالعسل في الحلاوة ) فإنّ الحلاوة وجه شبه ظاهري فقط، لأنّ المشبّه به وهو العسل يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة بخلاف المشبّه وهو "الألفاظ "، فإنّه لا يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة، ولذا يحتاج إلى التّأول بإرادة ما تستلزمه الحلاوة من قبول النّفس للشّيء وحسن وقعه فيها، ولا كذلك الحسيّ .
والملاحظ أنّ التّشبيه التّمثيلي عند عبد القاهر محصور في كل تشبيه كان وجه الشّبه فيه عقليا غير غرزيّ، سواء أكان مفردا أم مركبا .
ثانيا: رأي أبو يعقوب السّكاكي :
و أما السّكاكي فالتّشبيه التّمثيلي عنده ما كان وجه الشّبه فيه مركبا عقليا غير حقيقي .
حيث يقول: "واعلم أنّ التّشبيه متى كان وجهه وصفا غير حقيقي، وكان منتزعا من عدة أمور خصّ باسم التّمثيل ..
والتّشبيه غير التّمثيلي عنده: ما كان وجه الشّبه فيه على خلاف ذلك، وهذا صادق بالعقليّ الحقيقيّ ( الغرزيّ ) والشّأن فيه أن يكون مفردا، وكذلك العقلي غير الحقيقي إذا كان مفردا، وكذا جميع الحسيات مفردة كانت أم مركبة .
فنخلص إلى أنّ السّكاكي اشترط في التّشبيه التّمثيلي أمرين اثنين: أن يكون مركبا، فخرج من ذلك ما كان مفردا، وأن يكون عقليا فخرج منه الحسيّ الملموس ..
رأى الخطيب جلال الدّين القزويني (ت 739هـ ) :
يقول الإمام القزويني: " التّمثيل ما كان وجه الشّبه فيه وصفا منتزعا من متعدد أمرين أو أمور" . والتّشبيه غير التّمثيلي عنده: " ما كان وجه الشّبه بخلاف ذلك" .
فالتّشبيه التّمثيلي عند صاحب الإيضاح هو ما انتزع فيه وجه الشّبه من متعدد أمرين فأكثر من غير أن يضبطه بالعقلي، وهذا يتحقق في كل تشبيه يكون وجه الشّبه فيه هيئة منتزعة من متعدد سواء أكان ذلك الوجه حسيا أم عقليا.
الموازنة بين هذه الأقوال :
إنّ هذه الآراء مع وجاهتها ورسوخ أقدام أصحابها في البلاغة العربية فإنّه قد يلاحظ فيها شيء من القصور، فعبد القاهر يقصر تشبيه التّمثيل على ما كان الوجه فيه عقليا غير غرزي سواء أكان مفردا أم مركبا، وحجّته في ذلك أنّه يحتاج في تحصيله إلى إعمال فكر وإلطاف رويّة، وينفي التّمثيل عما كان الوجه فيه حسيا مركبا، مع أنّ هذا الوجه وإن كان مدركا بالحواس إلاّ أن انتزاعه من الطرفين ونظمه في هيئة مركبة، يحتاج إلى إعمال الفكر وإلطاف الرّوية كالوجه العقلي .
والسّكاكي يخص التّمثيل بما كان وجه الشّبه فيه مركبا عقليا، لأنّ هذا المركب يحتاج في الوصول إليه إلى إعمال الفكر وإرهاف الحسّ، وقد تابع عبد القاهر في إهماله المركب الحسّي مع أنّه مشارك للمركب العقليّ في احتياجه إلى بذل الجهد والمشقّة حتى يمكن تحصيله والعثور عليه.
كما أهمل السّكاكي المفرد العقلي شأن الخطيب القزويني بعده في تقييده التّمثيل بما كان الوجه فيه مركبا سواء أكان حسيا أم عقليا، مع أنّ هذا الوجه لا يمكن تحصيله والوصول إليه إلاّ بعد كدّ الذّهن وإرهاف الحسّ، لأنّه يستلزم صرف اللّفظ عن ظاهره وإرادة مقتضاه ولازمه.
وإذا تأملنا حديث هؤلاء الفرسان عن التّمثيل والتّشبيه، فإنّنا نراهم يعتمدون في إيضاح الفرق بينهِما على احتياج الوجه إلى بذل الجهد والمشقّة وعدم احتياجه إلى ذلك.. فإذا كان الطّريق إليه سهلا ميسورا لوضوحه وقربه سمّوا التّشبيه المعقود عليه " تشبيها غير تمثيلي "، وإذا كان الطّريق إليه وعرا لدقّته وبُعده سمّوا التّشبيه المعقود عليه " تشبيها تمثيليا "، ولذا لزم علينا إيجاد تعريف يدور عند هذه العلّة ويحوم حول حماها، بحيث لا يبقى تشبيه فيه حاجة إلى إعمال الفكر وكدّ الذّهن إلاّ وتناولناه في الاصطلاح..
ولذلك فإنّي توكلت على الله وأدليت بدلوي الضّعيف في هذه المسألة، مستعينا بما انقدح في ذهني من خلال أقوال العلماء السّابقين وملاحظات الباحثين المتأخرين، فرأيت أنّ حدّ التّشبيه التّمثيلي الذي يجمع كل صوره وأشكاله هو كالآتي: " التّشبيه التّمثيلي ما لا يدرك وجه الشّبه فيه إلاّ بعد إعمال الفكر وبذل الجهد، حسيا كان وجه الشّبه أو عقليا، مفردا أو متعددا بأداة " .
 المذهب الثّاني: القول بعدم التّفريق :
من علماء البلاغة المتبحرين في هذا الفنّ الملمّين بقواعده وأحكامه من يرى أنّه لا فرق بين التّشبيهين، وما هما إلاّ وجهان لعملة واحدة، وقد بنو قولهم هذا على أساس اتفاق المعنى اللّغوي بين اللّفظين في أصل الوضع، فالتّشبيه لغة هو التّمثيل وقل عكس ذلك .
و في هذا السياق يقول الإمام ضياء الدّين ابن الأثير: "وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التّشبيه والتّمثيل، وجعلوا لهذا بابا مفردا ولهذا بابا مفردا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: شبهت هذا الشّيء بهذا الشّيء كما يقال مثلته به، وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه" .
ونُسب هذا القول أيضا للإمام محمود بن عمر الزّمخشري (ت 538 هـ )، وأنّه يعتبر كلّ تشبيه تمثيلا، فلا فرق بينهما البتّة .
والحقّ أنّي حاولت الوصول إلى هذا القول للإمام الزّمخشري غير أنّي لم أعثر له على أثر، لا في تفسيره ولا في غيرها من الكتب، ثمّ وجدت كلاما لبعض المعاصرين يذكر فيه أنّه في معرض دراسته عن الإعجاز لدى الزّمخشري لم يجد ما يثبت هذا الرأي عنه، اللّهم إلاّ إطلاقه لفظ التّشبيه على صور تمثيلية والعكس ، وهذا ليس كاف في إثبات هذا القول لعلامة خوارزم .
و التّعقيب على هذا الرأي ـ على حسب ما بدا لي ـ أنّه وإن كان اللّفظان لهما معنى واحدا في أصل الوضع، فإنّ ذلك لا يمنع أن يكون لكل واحد منهما مفهوما خاصا به في الاصطلاح، وهذا مشهور منثور في كتب اللّغة والفقه أيضا، فالعبرة بما اصطلح عليه أهل العلم لا بأصل اللّفظ ومرجعه .

 المبحث الثّاني: قيمة التّمثيل وفضله .
يقول العلامة أبو السّعود العمادي (ت 982 هـ ): " التّمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا ؟ وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشيّ في هيئة المألوف" .
ويقول العلامة بديع الزمان النّورسي ( ت1379هـ ـ 1960م) رحمة الله عليه: " لقد أكثر القرآن الكريم من التّمثيلات إلى أن بلغت الألف، لأنّ في التّمثيل سرا لطيفا وحكمة عالية، إذ به يصير الوهم مغلوبا للعقل، والخيال مجبورا للانقياد للفكر وبه يتحول الغائب حاضرا، والمعقول محسوسا، والمعنى مجسما، وبه يجعل المتفرق مجموعا، والمختلط ممتزجا، والمختلف متحدا، والمنقطع متصلا، والأعزل مسلّحا ".
و يضيف في بيان فضله :" الكلام البليغ ما استفاد منه العقل والوجدان معا، فكما يتداخل إلى العقل يتقطر إلى الوجدان أيضا، والمتكفل لهذين الوجهين التّمثيل، إذ هو يتضمن قياسا وينعكس به في مرآة الممثل القانون المندمج في الممثل به، فكأنّه دعوى مدلّل..." .
و من أجمع ما قيل في شرف التّمثيل ومكانته في إيصال المعنى إلى القلب، كلام الشّيخ عبد القاهر الجرجاني في أسرار بلاغته إذ يقول: واعلم أنّ ممّا اتفق العقلاءُ عليه أنّ التّمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرِضه ونُقِلت عن صُورها الأصلية إلى صورته، كساها أُبّهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشغفا..
فإن كان مدحا: كان أبهى وأفخم، وأنبل في النّفوس وأعظم، وأهزّ للعِطف وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على المُمتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغُرِّ المواهب المنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر، وإن كان ذمّا، كان مسُّهُ أوجع، ومِيسمُه ألذع، ووقعُه أشده، وحدُّه أحدّ ..
وإن كان حِجاجا: كان بُرهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر، وإن كان افتخارا كان شأوُه أمدّ، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدّ.. وإن كان اعتذارا، كان إلى القبُول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسّخائم أسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عُقد العُقود أنفث، وعلى حُسن الرجوع أبعث..
وإن كان وعظا، كان أشفى للصّدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التّنبيه والزّجر وأجدر بأن يُجلِّي الغياية، ويُبصِّر الغاية، ويُبرئ العليل، ويشفِي الغليل...." .
ومما ورد خصوصا في فضله على غيره من صيغ التّشبيه الأخرى قول الأستاذ: أحمد الهاشمي بك (ت 1362ه): " تشبيه التّمثيل أبلغ من غيره، لما في وجهه من التّفصيل الذي يحتاج إلى إمعان فكر، وتدقيق نظر وهو أعظم أثرا في المعاني، يرفع قدرها، ويضاعف قواها في تحريك النّفوس لها، فإِن كان مدحا كان أوقع، أو ذما كان أوجع، أو برهانا كان أسطع، ومن ثمّ يحتاج إلى كدّ الذّهن في فهمه" .

 المبحث الثّالث: مفهوم الجمال البلاغي ومظاهره :
الجمال إحساس داخلي يستعصي على الحصر والتحديد، ينبثق من داخل النّفس الإنسانية باستحسان أسلوب ما أو صورة معينة أو محسنا مخصوصا أكثر من كونه هيئة محسوسة، فالجمال جمالٌ بما تولّد النّفوس من معانيه، وتقيس من مشابهه وتتخيّل من دلائله وإشاراته، لا بما يلقاها به من حدود وزخرف، وإنما هو جمال بما يثير فيها من بهجة، ويطلق من أصداء، ويحبو من حريّة وخصب .
وأمّا مفهوم الجمالية في القرآن، فهي علم الجمال القرآني وفنيته الذي يعنى بالكشف عن أسراره وأساليبه من خلال المواضيع القرآنية المتعددة، ويشمل ذلك المفردة المنتقاة الصافية، والتركيب الجزل، والصّورة البارعة، والحكمة البليغة والمثل السّائر، والقصة الواعظة والحوار الفني والتشريع السّامي والتصور الكامل، والتهذيب المربي .
 المبحث الرابع: أصناف جماليات التّمثيل الواردة في القرآن الكريم وتطبيقاتها :
إذا نظرنا إلى التّمثيل في القرآن وجدنا أسلوبا فوق طاقة البشر، ووجدنا تصويرا فنيا عجيبا يعجز عن إدراك شأوه أساطين البيان، وتنحني له البلاغة في أسمى درجاتها، والمتأمل لهذه الجماليات الإبداعية والخصائص الفنية الواردة في القرآن الكريم يلحظ تنوعها وتعددها من حيث الأصل والمبدأ، ومن حيث الغرض والمقصد، فمن حيث الأسلوب والطّريقة .. فهي شاملة عامة لكل نواحي الإبداع وأقسامه، فلا تطلب بابا من أبواب الإبداع ولا جزئية من جزئياته إلاّ ولفت اهتمامك صورة التّشبيه التّمثيلي المُتضمنة في القرآن العظيم، ومقامها الرفيع الظّاهر بين أترابها من الألوان البيانيّة في ذلك الباب .
و قد ارتأيت نثر هذه الجماليات، وتلك الخصائص والمزايا في أقسام متعددة تتضح معالمها، وتستبين قسماتها مع التّمثيل والإيضاح لذلك، وجعلتها على ثلاثة أصناف :
• الصّنف الأول: الجماليات المتعلقة بالأساليب .
الخاصّيّة الأولى: المقابلة بين وجوه الشّبه في طرفي التّمثيل :
إن التّقابل في التّمثيل من مبتكرات القرآن، حيث يتدرج القرآن الكريم في تعداد وجوه الشّبه بين ركني التّمثيل واحدا واحدا، فيشبه الصّفة الأولى مع صفة ما في المشبّه به، وصفة ثانية مع صفة أخرى غيرها في الممثل به، وهكذا تتقابل في أذهاننا صور متعددة متجاورة كلّ على حدا تتلخص منها الوجه الحقيقيّ المراد من التّشبيه، ومثال ذلك قوله تعالى "{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيطان فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } [الأعراف: 175 – 176 ]
تأمل بلاغة التّمثيل في هذه الآية الكريمة من حيث مقابلة أجزاء المشبّه لأجزاء طرفه الثّاني في صورة منسجمة متناسقة، تنبه العقل وتأخذ الذّهن في مقارنات متعددة، يخلص منها الفطن النّبيه إلى معنى التّشبيه، فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبّهة والحالة المشبّه بها من متعدد، حيث " تتقابل أجزاء هذا التّمثيل بأن يشبه الضّال بالكلب، ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في مدة البحث عن الدّين، بلهث الكلب في حالة تركه في دّعة، تشبيه المعقول بالمحسوس ويشبّه شقاؤه في إعراضه عن الدّين الحقّ عند مجيئه، بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس .
وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية، فقرروا التّمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التّشويه أو الخسة، فيؤول إلى أن ّالغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسّة المشبّه كما درج عليه في الكشّاف، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر ( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) كبير جدوى، بل يقتصر على انه لتشويه الحالة المشبّه بها لتكتسب الحالة المشبّهة تشويها، وذلك تقصير في حق التّمثيل " .
ومن ذلك أيضا ما ساقه القرآن من وجوه التّشابه بين المعرضين الكفرة، وبين الحمر المستنفرة:
إذ تتلاقى الصّورتان في عدة نقاط تبرز عظمة التّمثيل القرآني، وتبين دقّة الاختيار في هذا التّشبيه الكريم، وهذه الوجوه نسوقها فيما يلي :
الوجه الأول: في تمثيلهم بالحمر الفارة أصدق وصف للحالة النّفسية التي يكون عليها الكفرة وهم في حالة الإعراض والصّدود عن الذكر الحكيم، وما يكون عليهم من رعب وذعر وقلق واضطراب، وكذا ما يكون من انقسام نفسي داخلي بين ذلك المسلك وهذا المنفذ، في هيئة لا تمثلها إلاّ تلك الحمر المستنفرة التي رأت الهلاك والخراب فراحت تطير في كل حدب وصوب، ذاعرة مرعوبة في تدافع وتقاذف فيما بينها، لا تدري أي اتجاه تسلك وأي سبيل تأخذ وتتبع.
الوجه الثّاني: أنّ الحمر الوحشية شديدة النّفار والاطراد في العَدْوِ بمجرد أن يريبها رائب، أو يساورها شك بوجود خطر يداهمها بما لا تراه في غيرها من الحيوان، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدّة سيرها بالحمر، وعدوها إذا وردت ماءً فأحسّت عليه بقانص يتتبعها .
الوجه الثّالث: في تمثيلهم بالحمر الوحشية كناية عن سفاهة رأيهم وبلادة عقلهم، وقلة نصيبهم من الفهم والإدراك، ومذمة واضحة وتهجين لحالهم وتشنيع وتنكيت بهم أيمّا تنكيت، وهم قد نالوا هذا الوصف عن استحقاق وجدارة، كيف لا وقد دعاهم داع إلى ما يزعم أنّ فيه صلاح رأيهم وحسن منقلبهم ومآلهم، فلا يقفون هنيهة يسمعون كلامه، وينظرون حجته وبرهانه، فإن كان حقا أشفقوا على أنفسهم فتبعوه وأطاعوه، وإن كان باطلا ردوا إليه بضاعته وزادوه، وخلوه وكلامه وتركوه .
الخاصّيّة الثّانية: المقارنة بين المعاني المتعارضة :
من خصائص أسلوب القرآن أنّه يقرن المعاني المتعارضة في سياق واحد لتتميز الحقائق وتنكشف المبهمات، فمثلا حين ذكر الجنان والنعيم يذكر النيران والجحيم، وعند وصف دخائل الذين آمنوا واطمأنت قلوبهم يذكر الذين كفروا وتمزقت نفوسهم وهكذا .. وهذا باب جليل من أبواب بلاغة القرآن يزيد في إقناع السّامع ويسلط على المنكر برهانه الساطع وحجاجه اللامع .
ومن أبهر الأمثلة على ذلك تمثيل القرآن حال أهل التوحيد والإيمان أهل الكفر والطغيان بالنّخلة والحنظلة، بما يكشف عظم البون وشساعة الهوة بين الفريقين، من حيث الراحة النّفسية والطمأنينة القلبية في هذه الحياة الدنيا، ومآلهم ومصيرهم بعد الموت وفراق الأرواح للأبدان ..
فأمّا المؤمن الموحد الذي أنشأ أساسه على الكلمة النّورانيّة العالية، المشرقة في سماء الإخلاص "لا إله إلاّ الله"، فتغلغلت هذه الحقيقة الكونيّة، وهذا النّور الرباني العظيم في روحه وقلبه فسكنت منه الأوردة والعروق، وملأت الجوارح والأركان، فمثله كهاته النّخلة في طيبتها الكثيرة المتعددة من طيب المنظر والهيئة، وطيب الثّمر ولذته، وطيب الرّائحة وحسنها، أشبهت في ذلك كله: طيبة المؤمن التي لا تفارقه الدهر كله في اليسر والعسر والمنشط والمكره والضّيق والوسع، فهو طيب مع نفسه، طيب مع أهله وإخوانه بله مع أعدائه.
وهي في تأصلها في أعماق الأرض وتجذرها في طينتها ومقاومتها للرّياح والعواصف الشّديدة المدمرة، كثبات الإيمان في جوهر هذه النّفس النّقية التقية ورسوخه فيها من غير ريب ولا امتراء.
و هاته النّخلة في شموخها في السّماء، وارتفاعها عن مثيلاتها من النّبات، وما في ذلك من رفعة القدر وعلو الشّأن والترفع عن الأقذار والشوائب، كالمؤمن في علوّ مقامه عند الله على غيره من أهل الشّرك والكفر، وتسامي روحه وترفعها عن الدّنائس والرذائل والمذمومات .
ثمّ مثل تعالى لصفة الكافر الذي أشرب الشّرك والظلم قلبه، وخالط ظلام الصنمية والوثنية فكره ولبه، حتى صار عديم الإدراك والإحساس، فاقد الفهم والبصيرة، بصفة شجرة الحنظل، كريهة الرائحة، خبيثة الطّعم والذوق، قبيحة المنظر والشّكل، عديمة الفائدة والنفع ،قد اجتواها النّاس واغتاظوا بقائها، واستقبحوا جوارها، فلا يحل موطنها قوم إلاّ وقلعوها عن آخرها وأزالوا آثارها فلا يستقر لها موطن ولا مقام .
فالمشرك شابه خبث هذه الشّجرة في خبث عقيدته وفسادها ونتانة الأوثان ورجسها، وشابه هذا الكافر الحنظلة في اقتلاعها واجتثاثها من الأرض باقتلاع الخير من قلبه وطمس نور الهداية عن فكره وبصيرته بسبب اتخاذه آلهة من دون الله يدعوهم ويترجاهم .
الخاصّيّة الثّالثة: جودة انتقاء ألفاظ التّمثيل في القرآن واختيارها اختيارا مناسبا للمعنى: مع تمام موافاته لما يتطلبه المقام ويستدعيه الحال، ومن هنا كان التّمثيل في القرآن موحيا مشعا لا يكاد ينقر حبات القلوب حتى يؤثر فيها بطريقة فنّية ونفسيّة عجيبة .
فتأمل الكلمات التي نظمت منها صورة المشبّه به لا تجد في مفردات اللّغة ــ على كثرتهاــ من بقوم مقامها ويسدّ مسدّها مثل: انسلخ، أتبعه، رفعناه،أخلد، يلهث إلخ.... فإنّك لا تجد كلمات في اللّغة تصور هذه المعاني وتبرزها في صور حية متحركة سواها، ودونك هذا البيان والتفصيل :
فأولها قوله تعالى: " وآتيناه آياتنا " فأخبر سبحانه أنّه هو الذي آتاه آياته وعرّفه إيّاها من غير حول له ولا تكلف في تحصيلها، بل هي نعمة أنعم الله بها عليه فأضافها إلى نفسه .
ثم قال: " فانسلخ منها " أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد ينسلخ عن اللّحم، إذ أنّ حقيقة الانسلاخ إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده ، ثمّ استعير في الآية للانفصال المعنوي.
وهنا سر بديع إذ لم يقل المولى جل وعلا "فسلخناه منها" كما قال قبلها " وآتيناه آياتنا "، لأنّه هو الذي تسبب في انسلاخه منها بإتباع هواه بتكذيبه بآيات الله جلّ وعلا ، وإيثاره بهرج الدنيا وزينتها على الإيمان بآيات ربه عزّ وجلّ، وإتباع هديه فكان مآله الضّلال والخسران والعياذ بالله ..
ثمّ قوله عز من قائل :"فأتبعه الشّيطان فكان من الغاوين " معناه أنّ الشّيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه وجعله من خدمه وعبيده، يأتمر بأمره وينتهي عند نهيه، ولهذا قال: " فأتبعه الشّيطان" ولم يقل: يتبعه، فإنّ في معنى " أتبعه ": أدركه ولحقه، وهو أبلغ من " تبعه " لفظا ومعنى.
ثم قال الله تعالى ـ وقوله الحقّ ـ: " ولو شئنا لرفعناه بها"
وانظر إلى القرآن عندما يبلغ قمة التأثير ونهاية الإبداع حينما يصور حال المعوقين عن الجهاد وما يدور في قلوبهم من الفزع والقلق والاضطراب فيقول: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلاّ قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِالسّنة حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [الأحزاب: 18، 19].
فالصّورة الأولى في الآيات صورة المعوقين عن الجهاد الفزعين من المضي إليه، الذين لا يريدون أن يتحملوا نصيبا من أعبائه فهم ذو نفوس قلقة مضطربة يتنازعها عاملان أساسيان، أولهما هو الخوف الذي يسيطر عليهم من المآل الفظيع المحدق بهم لو انكشف أمرهم، وبانت سرائرهم، ومن هنا فهم يرتعدون في حركاتهم.. وثانيهما هو الوصول إلى غاية التثبيط عن واجب الجهاد وهو عامل أقل شأنا في واقعهم من العامل الأول لأنهم حينما ينادون حقيقة إلى الجهاد تترجرج أحداقهم في محاجرها دليلا على تقلصات نفوسهم من شدة الخوف..
والصّورة الثّانية هي صورة من يعالج سكرات الموت، يتنازع نفسه المال المظلم والخوف العميق من الجزاء المحتوم، دون أن تكون عنده القوة أو الإرادة التي يعتمد عليها في موقفه. أليست صورة المشبّه به موحية كل الإيحاء بما كان عليه أولئك المعوقون للجهاد من ضعف في الإرادة وخيبة في المآل.
و هنا دعوة إلى النظر والتأمل في الكلمات التي اختيرت للمشبّه به ونظمت منها صورته، هل في مقدورنا أو في مقدور أي بليغ مهما كان حظه من الفصاحة البيانيّة، ومهما كان يحفظ من مفردات اللّغة العربية أن يأتي بألفاظ تسد مسد هذه الألفاظ التي نظمت منها صورة المشبّه به ؟ إن أحدا من البشر لن يستطيع، واللّغة العربية على اتساع مفرداتها ليس فيها ما يسد مسد هذه الألفاظ. إنها الصياغة الإلهية يقف البشر أمامها عاجزين حيارى مذهولين .
ومن ذلك أيضا دقة اختيار لفظة " الخرور " للتعبير عن السقوط في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج: 31] فأصل هذه اللّفظة من خرير المياه وخرير العقاب، وهو الصوت الذي يحدثانه عند السقوط من أعلى إلى أسفل ثم استعيرت للحجر الذي يهوي من أعلى إلى أسفل مصدرا صوتا، ثم إن من معاني الخرور "الموت " كما يقال " خر فلان " أي مات . فدلالتها في الآية ـ فيما بدا لي والله أعلم ـ أن هذا الساقط من السّماء يسقط بسرعة واندفاع مصدرا أصوات الاستغاثة والعون ولكن مصيره الموت الأكيد والنهاية المحتومة .
ومن ذلك أيضا لفظة " فَتَخْطَفُهُ " في هذه الآية ، فأصل الخطف الأخذ في سرعة واستلاب، وخطفه وتخطفه بمعنى واحد، ومنه قول النبي للرماة يوم أحد " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل لكم " الحديث .. أي تستلبنا وتطير بنا .
فهذه اللّفظة دلالتها قوية قوة التّشبيه في هذا المقام لما دلت عليه من سرعة في الاستلاب وقوة في التنفيذ، بحيث لا تدع له فرصة في الإفلات أو النجاة بما لا تقوم لفظة مقامها في هذا الموضع .
الخاصّيّة الرابعة: التنويع في أساليب التّشبيهات والأمثال ضمن الكلام المتتابع، والابتعاد عن التزام الوتيرة الواحدة، والمتابعة على نمط واحد، فلا يتقيد التّشبيه القرآني بصيغة واحدة أو أسلوب معين، وما ذلك إلاّ اعتبار للمقام ومراعاة لدرجة القرابة بين طرفي التّشبيه وقوة العلاقة بينهما .
و معلوم أن هذا التنويع في عرض الأمثال، مرّة ببناء المشبّه على المشبّه به ومرة أخرى بالعكس، ومرّة بالعرض المفاجئ والدخول المباشر في التّمثيل ومرة أخرى بتذييل التّمثيل في آخر الكلام، وأخرى بالتّمثيل المتقابل الذي يطابق ويقابل كل جزء منه جزءا من الممثّل له، وأخرى بالتّمثيل الذي يُنتزع منه وجهُ الشّبه بنظرة كليّة عامّة. كل ذلك ممّا يضفي حيوية على التّمثيل ويجعله متجددا على النّفس يسترعي انتباهها وتركيزها، ويجنبها السآمة والملل كما قد سبقت الإشارة إليه بما يغني عن ذكره ههنا .
وهذا ما يسميه بعض العلماء " بالتفنن " وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية فهو في القرآن كثير ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ومن أبدع أمثلة ذلك قوله عز من قائل: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السّماءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة 17ـ 20 ]
وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه والمنتقل إليه هي في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلاّ عند حصوله . وذلك التفنن ممّا يعين على استماع السامعين ويدفع سآمة الإطالة عنهم " .
الخاصّيّة الخامسة: الابتكار، والابتعاد عن التكرار والاجترار للتّشبيهات المستعملة في أقوال الشّعراء والأدباء، فأكثر الأمثلة القرآنية ـ إن لم نقل جميعها ـ إنما هي إبداع قرآني خالص .
و إنّما ذكرت ذلك لأنّ تشبيهات عامة الشّعراء ليست في غالبها إلاّ إعادة رسكلة وصياغة لصور سُبقوا إليها، فهم يحاولون إبرازها في قالب جديد ينالون به براءة الإبداع، وهذا كثير مشهور في كتب الأدب، ومن الشّواهد على ذلك تمثيل القرآن لحال الداعين غير الله في إلحاحهم في نجواهم واستغاثتهم في قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الحقّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [الرعد: 14]: فمن بلاغة الآية الكريمة أنّه لم يأت التعبير بالكفّ الواحدة، على نحو ما هو متداول في أمثال العرب من نحو قول القائل :
وخيرك من باسط كفه ... وممن ثناها قريب الجنى
وقول الآخر :
هل هو إلاّ باسِطٌ كفّه ... يستطعمُ الوارد والصادرا
إلا أنّ القرآن الكريم عدل عن ذلك إلى التعبير بالكفّين الاثنتين، عوض التّعبير المشتهر في أساليب العرب، وناسب ذلك مقتضى المقام من شديد الإلحاح والرّغبة في تحصيل الماء .
الصّنف الثّاني: الجماليات المتعلقة بالتّصوير الفني البيانيّ :
الخاصّيّة الأولى: تماسك الصّور التّمثيلية في القرآن تماسكا شديدا بحيث لو حاولنا فصل أحد الأجزاء لا نفرط عقد الصّورة، وانتثرت معالم الجمال فيها، ومن هنا نرى القوة البيانيّة متمثلة في إعطاء الفكرة عن طريق الصّورة التّمثيلية مركبة الأجزاء والعجيب في ذلك أنّ التّمثيل نفسه لم يأت عبثا، ولكننا نراه يجيء عقب فكرة يراد توضيحها، وتمكينها في ذهن السّامع، هذا لما نعلمه من أنّ الحجّة لا تقام إلاّ بعد طرح الدعوى وبسط الفكرة، فزاد على تماسك الصّورة بعضها إلى بعض تماسكها مع ما قبلها وما بعدها في القرآن الكريم، فارتباطها ارتباط وثيق عميق لا تتخلله فرجة أو تخصّه لبنة ..
تأمل قوله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة: 5]، فقد يُتوهم أنّ المعنى يفهم لو اقتصر في التّشبيه على قوله: مثلهم كمثل الحمار الذي لا يعقل، ولكنّ الصّورة تزداد قوة والتصاقا حين يقرن بقية أجزائها إليها من حمل الأسفار وعدم الفقه بما فيها، واعتقاد أنّها كبقية الأحمال التي تثقل الكاهل وتجهد القوي، وذلك في جميع أبعاده يطابق حال اليهود وقد مُنحوا التّوراة لتكون لهم نبعا يستقون منه الحكمة والهداية، ولكنّهم يحملونها بإثقال سواعدهم بها دون أن يتدبروها، كأنّ على قلوبهم الأقفال ..
فتمام الصّورة لا يحصل إلا بتجميع كل هذه الأجزاء، وإلصاق كل تلك القيود ومن هنا تبرز الصّورة قوية التّعبير صادقة الأداء.
وتأمل قوله تعالى: في تصوير نفرة الكفار من الدّعوة الإسلامية: { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} [المدثر: 49 - 51] . فقد يظن أيضا قصير النّظر أنّه كان يمكن الاكتفاء في تصوير حالتهم بوصفهم بالحمر ولكن المراد غير ذلك، فالمشركون لا يريدون إعمال عقولهم في خلق السّماوات والأرض ليهتدوا إلى الخالق، وهم ــ في الوقت نفسه ــ لا يستجيبون إلى الدّاعي، بل كلّما عرض عليهم دعوته ابتعدوا عنه مسرعين، وكأنّ في أعماقهم شيئا يحثهم على الهرب منه والابتعاد الخاطف من طريق دعوته، هذه الحالة لا تكفي لها حالة الحمر، وإنما تقتضي كون هذه الحمر مستنفرة مدفوعة ــ من نفسها أو من غيرها ــ إلى العدوّ الجبان ..
ثمّ تزداد الصّورة وضوحا، وتمكنا من النّفس عندما يلحق بها جزئية الفرار من أسد هصور يطلبها طعاما لأنيابه ومخالبه، فنجدها تتفرق في كل مكان هائمة على وجهها، والخوف الشّديد يملأ صدورها.. فهذا أبلغ تصوير لإعراض الكافرين عن الدعوة، وهو في الوقت نفسه بعث للنّفس العاقلة على السّخرية منهم .
ومن ذلك أيضا تمثيل أعمال الكفار بالرّماد، فهذا التّصوير له علاقة متينة واتصال أكيد مع ما دلت عليه الآيات السّابقة له من شدة عذاب الكفار وسوء مصيرهم في قوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} [إبراهيم: 15 - 17] فيخطر ببالهم أو ببال ممن يسمع هذه الآيات من المسلمين أن يسأل نفسه " أليس لهم أعمالا من الصّلة والمعروف: من إطعام الفقراء ومن عتق رقاب وو... فهل يجدون ثواب ذلك، أو أنّها تضيع سدى ولا تنفعهم ؟ .
فكأنّما جيء بالجملة جوابا لما يقال: ما بال أعمالهم التي عملوها أين ذهبت وأين هو جزاؤها وأجرها حتى آل أمرهم إلى ذلك المآل ؟! فضرب هذا المثل لبيان ما يكشف جميع الاحتمالات ويزيل سائر الإشكالات والتّوهمات من جهة ، ويلخص ويكشف حالة الضياع للشّيء المرجوّ نفعه في وقت الحاجة إلى الانتفاع به من جهة أخرى، فتبين أنّ هذا التّشبيه جاء مغروسا في موضعه من السورة كما يغرس العضو من أعضاء الإنسان في موضعه الذي هو فيه .
الخاصّيّة الثّانية: التّصوير المتحرّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيّة والزّمانيّة، حيث تبرز فيه المشاعر النّفسيّة والوجدانية، والحركات الفكرية للعناصر الحيّة في الصّورة، فتجسم لنا المعنويات المجردة في حركة يرتفع بها نبض الحياة وتعلوا بها حرارتها، وهذا ممّا يرتقِي بالتّمثيل إلى مستوى الذّروة.
فالصّورة التّمثيلية في القرآن تحيط بالتّشبيه من سائر جوانبه وأنحاءه، فتتناول الحال الظّرفية للطرفين والأبعاد النّفسية الخفية التي لا نستطيع تحصيلها في تشبيهات الأدباء والشّعراء، لجهلهم بسرائر القلوب وخفايا النّفوس من الفرح والحزن وإرادة الخير أو كيد الشّر، فالتّصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، والقاعدة الأولى فيه للبيان .
وكمثال على ذلك تصوير القرآن لحال أهل الشّرك وتمثيله إياهم بالعنكبوت وذلك في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت: 41] فإذا نحن تأملنا في حقيقة بيت العنكبوت ومميزاته ظهر لنا بجلاء أحقية التّشبيه به في هذا المقام دونما سواه من وجوه التّشبيه الأخرى، لأنّه مهما فتشنا ونقبنا عن صورة أخرى تلاؤم هذا المقام وتوافقه لم نجد ما يستحسن عليها ويخلفها، وهذا من عدة وجوه هي :
الأول: أنّ البيت ينبغي أن يكون له أمور: حائط حائل، وسقف مظل، وأمور ينتفع بها ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلا بدّ من أحد أمرين : إمّا حائط حائل يمنع من البرد وإمّا سقف مظل يدفع عنه الحر، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت، لكنّ بيت العنكبوت لا يُجِنّها ولا يكنّها، وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجرّ المنافع وبه دفع المضارّ، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقلّ من دفع ضرّ أو جرّ نفع، فإنّ من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنّسبة إليه سواء، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء .
الثّاني: أنّ أقل درجات البيت أن يكون للظّلّ، فإنّ البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء والماء والنّار والتّراب، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النّار، والخباء الذي هو بيت من الشّعر أو الخيمة التي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئا يظلّ ويدفع حرّ الشّمس، لكنّ بيت العنكبوت لا يُظلّ فإنّ الشّمس بشعاعها تنفذ فيه، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن فلا أقلّ من أن لا ينفذ أمر العابد فيه، لكن ّمعبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلّوه وإن أحبوا أذلّوه.
الثّالث: أدنى مراتب البيت أنّه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق، لكنّ بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإنّ العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتا، يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقلّ من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب .
الخاصّيّة الثّالثة: تصوير المشبّه بهِ كأنّه عينُ المشبّه والبناءُ عليه كأنّه هو، فيُنزلُ المشبّه به منزلة المشبّه، بعد أن سِيق لإِحضار المقصود من المشبّه عن طريقه، وذلك بالبناء على الممثّل والحكم عليه كأنّه عين الممثّل له، على اعتبار أنّ المثل قد كان وسيلة لإِحضار صورة الممثّل له في ذهن المخاطب ونفسه، وإذ حضرت صورة الممثّل به ولو تقديرا، فالبيان البليغ يستدعي تجاوز المثل، ومتابعة الكلام عن الممثّل له، وتسقط صورة المثل لتبرز القضايا المقصودة .
فقوة التّشبيه في القرآن الكريم في مطابقة الصّورة المشبّه بها لحال المشبّه، بحيث لو حاولت مرارا وتكرارا الإتيان بتشبيه آخر في ذلك السياق والسباق ما وجدت صورة موافقة للحال المضروب له التّشبيه من تلك التي جاء بها القرآن، ويحصل كل ذلك مع حضور ملاحظ للعناصر التي لها تأثر وتأثير بالتّمثيل المراد ضربه .
وهذا ليس مقتصرا على الأطراف المتعارف عليها، والتي تواضع عليها أهل الفنّ، وإنما يتعداها ويتجاوزها إلى أشياء وكائنات أخرى من محيط الصّورة، لها فاعلية وتوجيه لمعنى التّشبيه ومقصوده .
ثمّ كيف يستغرب صدق المشابهة بين المشبّه، والمشبّه به وهي صادرة من خالق الأرض والسّماوات جلّ في علاه، العالم بدقائق الأمور ولطائفها ومتغايرات الأشياء ومتشابهاتها، كما أنّ هذا التّشبيه القرآني إنّما هو كلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا .
الخاصّيّة الرابعة: دقّةُ تصوير الألفاظ في محيطها الذي هي فيه، فتجد اللّفظة في موقعها قد أغنت عن الجمل الطّوال والتّعابير العديدة المتنوعة، وما ذلك إلاّ لدقّة تصويرها وحسن تموقعها في خارطة النّص وحيزه الدّلالي .
وهذه الدقّة في التّصوير نابعة من أصل الكلمة ومعناها، حيث نجد التّطابق الحاصل بين خصائص هذه المفردة وأدق جزئياتها الصّرفية والبلاغيّة من جهة، وبين المعنى العام الذي جاءت في سياقه هذه اللّفظة وفحوى النّص القرآني الكريم من جهة أخرى، أي العلاقة التي تربط بين المفهوم الذي تؤديه هذه الكلمة والإطار الذي سيقت في ثناياه هذه اللّفظة، فتجد قوة الترابط والتناسق ودقة الجمع بينهما بما يعجز عنه البلغاء ويقف عن منازعته الفصحاء .
و مثال ذلك كلمة " الرّماد " فهذه الكلمة في أصلها تفيد الخفة والضّالة والحقارة واللّافائدة، فذكرها الله عز وجل شبها ومثيلا لحال أعمال الكفار يوم القيامة، قال تعالى :" {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } " [ الآية 18من سورة إبراهيم] فانظر الدّقة الحاصلة في تصوير أعمال الكفار بهذا الرّماد لحقارتها وضآلتها، وزد على هذه الصّورة حالة هذا الرّماد في اليوم العاصف الشّديدة القوية ريحه، كيف يصير حال هذا الرّماد وكيف هي خاتمته، إنّه إعجاز القرآن الكريم وعظمة كلام البارئ المصور جلّ وعلا .
الخاصّيّة الخامسة: عدم التّصريح بالأحداث والعناصر التي يمكن أن تُدرك ذهنا من القرائن. وهذه من أبرز الخصائص في الأساليب القرآنية على تنوعها واختلافها، فيحذف من المثل القرآني مقاطع معينة اعتمادا على ذكاء أهل الاستنباط، ويبقى في دلالات الألفاظ أو لوازم المعاني ما يدلّ على المحذوف وذلك جريا على سنن العرب في كلامها من إرادة الاختصار وطلب الإيجاز .
ومثال ذلك قوله تعالى: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: 175 - 178]
فقد كان حق الكلام أن يقال { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض } فحططناه ووضعنا منزلته ورددناه إلى أسفل سافلين، إلاّ أنّه جلّ وعلا جعل قوله: { فمثله كمثل الكلب } موقع فحططناه أبلغ حطّ" لأنّ تمثيله بالكلب في أخسّ أحواله وأرذلها أبلغ من ذلك، إذ أنّه مهما تصور السّامع شدة الحطّ والإهانة، فلن يصل خياله إلى إنزاله مرتبة الكلب الخسيس وهو يلهث من غير ارعواء ولا توقف.
الخاصّيّة السّادسة: استمداد عناصر الصّورة ومفردات التّمثيل القرآني من الطّبيعة .
والتّمثيل عندما يستمد عناصره من الطّبيعة التي تختلف من مكان إلى مكان وفي زمان عن زمان يهدف إلى أنْ يكون مؤثرا في كل وجدان، مسيطرا على كل تفكير، وكلّما امتزجت عناصر هذا الاختلاط بين الإنسان والطّبيعة ازدادت القرابة بينهما، وبرزت الألفة القائمة على معرفة الإنسان بأدقّ مظاهر الطّبيعة، ومن هنا فإنّ التّمثيل في القرآن مستمر استمرار الطّبيعة نفسها وعام يدركه النّاس جميعا، فنحن لا نكاد نجد في القرآن تمثيلا واحدا يدرك جماله شخص دون آخر، أو يتأثر به إنسان دون إنسان فالتّمثيل في القرآن يختلف عن التّمثيل عند العرب في الجاهلية مثلا، لأنّ هذا الأخير مستمد من بيئة خاصة لا يدركه إلاّ من عاش في هذه البيئة وعاشر أشياءها على اختلاف طبقاتها من نبات وحيوان وجماد.
فالطّبيعة هي ميدان التّمثيلات القرآنية منها استمدت حيويتها وتجددها الدائمين دوام الإنسان والطّبيعة. فالقرآن عندما يوضح أعمال الكفار في هذه الآية: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ النّور 39 ] .. ندرك لأول وهلة أنّ أعمال الكفار لا قيمة لها ولا غناء فيها مهما كلفت أصحابها من جهد ومشقّة، ومهما بلغت من الخير فمثلها كمثل السّراب وهو ظاهرة من ظواهر الطّبيعة، يغري منظرها الظامئ فيسرع نحوها متكلفا في ذلك جهدا حتى يصل إلى مرمى البصر لاهث الأنفاس خائر القوى.. ثمّ لا يجد شيئا، فتصور هنا كيف تكون نفسه بعد أن قطع مرحلة من المسير ولم يبل صداه، وكذلك الكافر .
ثم انظر إلى الآية الثّانية: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } [النّور: 40]
فقد شبه -سبحانه وتعالى- حالهم من حيث الحيرة والتباس الأمور عليهم، وانقطاع الأمل وأنَّهم يظنّون الخير حيث لا مظنَّة، أعمالهم بظلمة حالكة فوقها ظلمة مثلها، وفوق هذه الظلمات سحاب يوجد غمَّة،
وهل هناك أشد رهبة وظلمة من أمواج بحر لجي بعضها فوق بعض يكتنفها سحاب مظلم؟ إنّ موقف الكفار الذين لم يؤمنوا باللّه ورسوله رهيب أرهب من أي شيء، وأعمالهم مظلمة بل أشد ظلاما من الليل، وليس أمامهم بصيص من النّور يهتدون به إلى سواء السّبيل.
وهذا الانسجام في التّنسيق بين الكلمات ينتقل بك إلى خضم لا تكاد تدرك فيه نفسك فتغمرك الخشية من جانب، وتمثل هؤلاء الضّالين متخبطين في عالم أسود، لا ينبلج له صبح ولا تطلع فيه الشّمس، كما أنّ كلمات المشبّه به المتّسقة المترابطة توحي بالنّهاية المحتومة التي تحيط بهؤلاء، وبقلوبهم الكالحة التي لا تنبض بالرحمة، ولا تلين للحقّ .
ثمّ تأمل هذه الآية {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } [ إبراهيم 18 ]...
إنّ القرآن يتخذ من الرّماد وهو عنصر من عناصر الطّبيعة مثلا لأعمال الكفار الضّائعة، حيث يمثل أعمال الكفار في ضياعها وذهابها إلى غير عودة بالرّماد الهشّ الذي تذروه الرّياح وتذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدا، ثمّ يبلغ قمة التّأثير حينما يضمّ إلى الرّماد الرّيح الشّديدة العاتية، إنّ الرّماد لا يقوى على الصمود أمام قوى الرّياح العاتية العارمة، إنّه يتحلل وتتفتت ذراته، ويصبح لا شيء في دنيا العدم وأعمال الكفار مهما جلت وكثرت كهذا الرّماد الذي انعدم وتلاشى في جوف الرّيح الهادرة.
القسم الثّالث: الجماليات المتعلقة بمقاصد التّمثيل وأهدافه :
الخاصّيّة الأولى :إخراج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه : وذلك بأن يُلبس المعنوي ثوب المحسوس، ويُحلى بأوصافه ومميزاته فيصير هذا الشّيء المعنوي المعقول كأنّه مشاهد محسوس يراه النّاس ويبصرونه .
و مثال ذلك قول الله عزّ وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ النّور 39 ] . فأخرج ما لا يحسّ من حال أعمال الكفار إلى ما يحسّ من حال السّراب الذي يندثر ويزول إذا ما قصده طالبه، والمعنى الذي يجمعهما بطلان المتوهم من شدّة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرّائي ماء لم يقع موقع قوله: الظمآن، لأنّ الظمآن أشدّ فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه .
ومثال ذلك أيضا قول الباري جل وعلا: " { لَهُ دَعْوَةُ الحقّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [ الرعد: 14 ]. فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه، وذلك أنّ حالة المشرك عندما يدعو آلهته فلا تستجيب له بشيء حالة لا تدركها حواس الإنسان فلما أن شبهت بحالة الذي يبسط كفّه لشرب الماء ــ وهي صفة محسوسة ندركها بأبصارنا ــ جعلها هذا التّشبيه وكأنّها أمر محسوس مدرك بالأبصار، والجامع بين الصّورتين "الحاجة إلى نيل المنفعة والحسرة على فوات الطلبة " .
وكذلك قوله عزّ وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيطان فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } [الأعراف: 175 - 176]، أخرج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب، والمعنى أنّ الكلب لا يطيعك في ترك اللّهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان في رفق ولا عنف.

الخاصّيّة الثّانية: إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ، ومعنى ذلك أن يمثل حال الأمر الشّاذ النّادر الحدوث بحال ما اعتاد النّاس وقوعه وألفوه، ومن ذلك قوله تعالى: { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ممّا يَأْكُلُ النّاس وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [يونس: 24]،
ففي هذا التّشبيه تصوير لقيمة هذه الحياة وتمثيل لحقيقتها، فإنّ مثلها في بهجتها ومسراتها وهناءتها والسّعادة فيها مهما تبلغ من المظهر البهيّ، والزّينة الباهرة ليس لها بقاء، وإنّما مآلها إلى الفناء، كمثل الماء ينزل من السّماء فينبت النبات الذي يأكل منه النّاس مستمتعين، والأنعام والدواب، وأنّه إذ يبلغ أقصى زخرفه ونضرته ومتعته، وامتلاء أهل الأرض بالغرور، وظنَّوا أن كل شيء في قبضة أيديهم جاءهم أمر الله، فصار النّبات هشيمًا، والإنسان رميمًا، كأن لم يغن أحد بالأمس . فهو بيان لما جرت به العادة من حال الزّينة والبهجة والاطمئنان ثم الهلاك والخراب فكذلك حال النّاس وهذه الحياة الدنيا، وفيه العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تذكّر.
ومنه قوله تعالى: " {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النّاس كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [ القمر 19 ـ 20 ] فشبه حال النّاس حين تنزعهم الرّيح العاتية ـ وهو أمر لم يألفه النّاس ولم يعتادوه ـ بما اعتاد عليه النّاس من حال النّخل المنقعرة أجزاؤها.
الخاصّيّة الثّالثة: إخراج ما لا قوة له في الصّفة على ما له قوةٌ فيها، كقوله عزّ وجلّ: " {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } [ الرحمن: 24].
فهذا تشبيه قد أخرج ما لا قوة له في الصّفة إلى ما له القوة فيها. وقد اجتمعا في العظم، إلاّ أنّ الجبال أعظم. وفى ذلك العبرة من جهة القدرة فيما سخر من الفلك الجارية مع عظمها، وما في ذلك من الانتفاع بها وقطع الأقطار البعيدة فيها "وما يلازم ذلك من تسخير الرّياح للإنسان، فتضمن الكلام بناء عظيما من الفخر وتعداد النعم .
و من هذا الباب أيضا قوله تعالى: { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } [ سورة الرحمن: 14 ] قال الرّماني :"وقد اجتمعا في الرّخاوة والجفاف، وإن كان أحدهما بالنّار والآخر بالرّياح " .
الخاصّيّة الرابعة: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرفُ بها من المعقولات والمدركات: فيشبه هذا المعلوم المعقول عند الفطن النّبيه والبليد السّفيه بما قد لا تستوعبه عقولهم، وما يمكن إدراكه من البعض دون البعض الآخر، فمن هذا قوله عزّ وجل: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ الجمعة 5 ]، فمشهد الحمار يحمل أسفارا معلوم مفهوم لدى العام والخاصّ، فشبه به حال اليهود الذي يحملون التوراة، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول وعدم الانتفاع بما فيه .
ومنه قوله تعالى: { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [ الحاقة 7 ]، والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح، والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال .
وهكذا قوله سبحانه: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت 41 ]، فمن هذا الذي لا يدري ضعف بيت العنكبوت ووهنه وسخافة من يعتمد عليه، فكذلك ضعف حال من أشرك مع الله جل وعلا آلهة أخرى يعتمد عليهم ويحتمي بحماهم.


 الخاتمة :
هذه الورقات ليست في جوهرها وحقيقة أمرها إلاّ زرعا متواضعا وبذرا بسيطا، في خضم حقل رحب فسيح من جنان البيان العربي وحديقة من حدائق الإعجاز البيانيّ، حاول هذا المقال من خلالها دراسة لون التّشبيه التّمثيلي بتحديد المدلول الحقيقي لمصطلح التّمثيل، وبيان جهود العلماء والباحثين في الكشف عن جمالياته التعبيرية ومظاهره الفنية في القرآن الكريم، مع شفع ذلك بصور من التّمثيلات القرآنية وبيان لإيحاءاتها المعنوية وإشاراتها البلاغيّة مع الحرص على عذوبة اللّفظ وحسن التعبير وجزالة الكلمة وبلاغة الأسلوب.
ومن النتائج التي قاربها هذا البحث المتواضع أنّ التّمثيل مصطلح قديم عريق، غير أنّه لم يكن ذا استعمال دقيق في صور مخصوصة، بل كان عاما شاملا لكثير من الألوان البيانيّة كالاستعارة والكناية وغيرها ..
و كانت بداية استقلال هذا المصطلح بذاته واتضاح أصوله وقواعده مع شيخ البلاغة وفارسها عبد القاهر الجرجاني، ثم منظرها ومقننها أبي يعقوب السّكاكي، ثم موضحها وملخصها جلال الدّين القزويني، وكان لهؤلاء الأعلام اليد الطولى في هذا الفنّ بما استفاضوا فيه من الكلام عن مسائل التّمثيل وفروعه، وقد تمخض النّظر في أقوالهم وما لحقها من إثراء أو اعتراض إلى أن التّشبيه التّمثيلي مرتبط بالحاجة إلى إعمال الفكر وبذل الجهد وتركيب الصّور في الذّهن قصد استخراج وجه الشّبه وإدراك العلّة من التّمثيل.
كما حاول المقال استقراء خصائص هذا التّمثيل وتتبع جمالياته، مع محاولة نظم ذلك وسلكه تحت أصناف جامعة لما تيسر تتبعه منها، والنّاظر في هذه السّمات والأسس الجمالية والمطلع على بلاغة القرآن الكريم وروعة بيانه ودقة تعبيره ومتانة إحكامه، سيعلو زئبق إيمانه وترتفع حرارة يقينه ودرجة عقيدته، ويستيقن من أعماق فؤاده أنّه ليس بكلام أفصح البشر وأروعِهم بيانا ولا أرشدِهم عقلا وحكمة ولا أقواهم حجّة وبرهانا على وجه البسيطة، بل لو اجتمع أهل كلّ هذه الصّفات ـ على قدر عددهم وعدتهم ـ على أن يأتوا بكتاب مثله ما استطاعوا .
إنّه جزالة في الألفاظ، وعمق في الإيحاء، وبلاغة في التدليل، وإشراق في المعاني، وجمال في التّمثيل ودقة في التّصوير، وقوة في التعبير، وكمال في المطابقة وغير ذلك بما لا تقدر على وصفه الكلمات، ولا توفيه حقه الجمل والعبارات، والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة: في حال عدم ظهور الهوامش فلتنظر في المقال المرفوع في المرفقات، والسلّام عليكم ورحمة الله.