المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الرد الحكيم ، على من ألزم لام الجلالة التفخيم



سعيد بنعياد
05-07-2015, 04:45 PM
(هذا موضوع سبق لي نشرُه منذ سنوات، في منتديات تعرَّض معظمها للإقفال؛ فارتأيتُ إعادة نشره هنا)


الردُّ الحكيم
على مَن أَلْزَمَ لامَ الجلالةِ التفخيم
بسم الله الرحمن الرحيم

بقول العبد المفتقر إلى رحمة مولاه ، الراجي رحمة ربه ورضاه ، سعيد بنعياد ، لطف الله به ، آمين :

الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

اللهمّ إني أسألك خير الاتِّباع، وأعوذ بك من شرّ الابتداع.

أما بعد؛ فقد اطّلعتُ على مقال للدكتور أحمد صبحي منصور [لم أكن أعلم حينئذ أنه الزعيم الروحي لطائفة القرآنيين]، منشور في بعض المواقع على شبكة الإنترنت، يتناول طريقة نطق لفظ الجلالة (الله)، ويُنكِرُ النطق بِلامِهِ مُرقَّقةً في بعض حالات الجرّ والكسر (كذا قال!)، بحُجّة أنه يشتبه حينئذ بكلمة (اللاّهي)، من (اللهو)، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

ولئن كان واضحا للعيان أن نيّة تنْزيه اسم الله تعالى وتقديسه هي الدافع إلى كتابة المقال؛ إلاّ أنه لا مفرّ من بيان ما يتضمنه هذا الرأي من ثغرات، خصوصا إذا علمنا أن كثيرا من الناس عدلوا عمّا كانوا عليه من نطق يوافق ما أجمع عليه القرّاء والنحويون، وأخذوا بِهذا الرأي الجديد من غير تفكير ولا رويّة.

ولستُ من أهل هذا الشأن، حتى أزعم أن رأيي هو الصواب الذي لا مراء فيه. ولكن، من حقي أن أدعو إلى التروّي وعدم التسرُّع في إصدار الأحكام الجاهزة، وخصوصا حين يتعلق الأمر بالمسائل الدينية المتّفق عليها.

وسأبدأ بنقل المقال الأصلي غير تغيير، ثم أعرض رأيي المتواضع في خَمْسَ عَشْرةَ مسألة متّصلة بالموضوع.

واللهُ المستعان، وعليه التكلان.


(يتبع)

سعيد بنعياد
05-07-2015, 04:51 PM
نص المقال الأصلي




القاموس القرآني – الله

(1 )


لفظ الجلالة ( الله ) ليس عربيا لأنه كان منطوقا و معروفا قبل ظهور العرب واللغة العربية، والدليل أنه يحتوى على حرف لا يوجد فى اللغة العربية وهو اللام الثقيلة. ولا يوجد فى اللغة العربية سوى اللام الخفيفة. وهذا هو الفرق بين نطقك ( الله ) باللام الثقيلة و ( الاله ) باللام العربية الخفيفة و التى تفيد نفس المعنى.

اللغة العربية مشتقة من الآرامية القديمة هى و شقيقتها اللغة العبرية. وبينما تحور لفظ الجلالة ( الله ) فى العبرية ليكون ( لاهويم ) أو نحو ذلك ، فإنه فى العربية أصبح ( الاله ) بالاضافة الى نطقه الأصلى ( الله ). ثم عندما نزل القرآن الكريم ازدهر نطق لفظ الجلالة ( الله ) و خفت استعمال لفظ ( الاله ).والملاحظ ان القرآن الكريم لم يستعمل مطلقا لفظ ( الاله ) دلالة على الله تعالى ، وان استعمل لفظ (اله ) فى إثبات أنه أنه لا اله الا الله ، كقوله تعالى لخاتم النبيين : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ( محمد 19 ) وسنتوقف بالتفصيل مع لفظ ( اله ) فيما بعد ضمن حلقات القاموس القرآنى.


(2 )

علم التجويد المزعوم و القواعد اللغوية التى تم وضعها و اختراعها بعد نزول القرآن الكريم وجهت طعنة للقرآن وحاولت إخضاعه لاجتهادات البشر القاصرة ، وهو موضوع سنعرض له فيما بعد فى هذا الباب ، ولكن نتوقف مع ما فعلوه فى النطق بلفظ الجلالة ( الله ) ومدى الظلم الذى عوّدوا المسلمين عليه عندما ينطقون اسم الله تعالى بما لا يليق ، وهو أقدس و أعظم كلمة منطوقة. ولتسهيل هذه القضية فلنبدا بالتذكير بالقواعد الأساسية فى الاعراب فى اللغة العربية.

الاعراب فى الأسماء العربية هو تغير آخر حرف فى الكلمة حسب العوامل ، بالرفع ( أى ضمة ) أو بالنصب ( أى فتحة ) أو الجر ( أى كسرة ). تقول : (جاء زيد) ، فتكون الدال الأخيرة من (زيد) مرفوعة بالضم لأنه فاعل . وتقول : (رأيت زيدا ) فتكون ( زيدا ) منصوبة بالفتح لأنه مفعول به . وتقول ( سلمت على زيد ) فيكون ( زيد ) مجرور بالكسرة بحرف الجر (على ).

والنحويون القدامى جرى عملهم على قاعدة ( الاستقراء ) بمعنى تعميم الحكم اللغوى دون اعتبار لاستثناءات توجد فى كل لغة حية ، مع أن كل لغة ( حية ) تكون بطبيعتها (حية) متحركة متغيرة ، لا يمكن خضوعها لقاعدة محكمة شاملة جامعة. أى لا بد من وجود استثناءات أو محترزات. هذا هو أساس الفجوة بين لغة القرآن و قواعد النحو التى اخترعها علماء العصر العباسى.

بالنسبة الى لفظ الجلالة ( الله ) فانهم لم يراعوا خصوصيته الدينية ، ولا حتى خصوصيته اللغوية ، باعتبار أنه أقدم من اللغة العربية ، وأن الحرف الأساس فيه وهو (اللام الثقيلة ) لا يوجد أصلا فى اللغة العربية ، وأن هذا الحرف ليس مجرد الحرف المحورى المركزى فى الكلمة بل هو أيضا الحرف المضعف فيها ، أى هو حرفان مدغمان فى كلمة لا تتعدى أربعة أحرف. ونتج ضرر كبير عن ( إخضاعهم ) لفظ الجلالة لاجتهاداتهم . و نستغفر الله العظيم من لجوئنا الى استعمال كلمة ( إخضاع ) لأنها هى التى تعبر بصراحة ودقة عن المراد.

وللتوضيح فاننا نحتاج لأن يتابعنا القارىء بالنطق لما نقول.

ليقرأ القارىء بنفسه سورة المجادلة ، وهى السورة الوحيدة التى تحوى كل آية فيها على لفظ الجلالة ( الله ) مرة أو أكثر من مرة ، وسيلاحظ أنه ـ حسبما تعود ـ ينطق لفظ الجلالة باللام الثقيلة الأصلية فى حالة الرفع و النصب و بعض حالات الجر والكسر. ولكن فى حالات أخرى من الجر و الكسر ينطق لفظ الجلالة باللام الخفيفة العربية.

ولنقرأ معا الآية الأولى من سورة المجادلة، ليرى القارىء بنفسه معنا كيف ينطق لفظ الجلالة :
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) ( المجادلة 1 ):

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ) لفظ الجلاله هنا فاعل مرفوع بالضمة ، ونطقناه باللام الثقيلة نطقا صحيحا.

إ(وَتَشْتَكِي اِلَى اللَّهِ ) لفظ الجلالة هنا مجرور بالكسرة بسبب حرف الجر ( الى ). ونطقناه باللام الثقيلة نطقا صحيحا.

(وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) لفظ الجلالة هنا مرفوع بالضمة لأته مبتدأ. ونطقناه باللام الثقيلة نطقا صحيحا.

(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) لفظ الجلالة هنا منصوب بالفتحة لأنه ( إسم إن ّ ). ونطقناه باللام الثقيلة نطقا صحيحا.

أى أن المفروض أن ننطق لفظ الجلالة فى كل الحالات باللام الثقيلة غير العربية، لأنه النطق الصحيح ، بغض النظر اذا كان مرفوعا بالضمة أو منصوبا بالفتحة أو مجرورا بالكسرة.

ولكن قبل أن تقرأ سورة المجادلة أو أى سورة من القرآن الكريم عليك أن تنطق البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم ). وهنا تقع المشكلة. ولينطق القارىء بالبسملة فسيجد أنه تعود على نطق لفظ الجلالة فيها باللام العربية الخفيفة. و اذا قرأ الفاتحة ـ وليقرأها القارىء معى ـ فسينطق ( الحمد لله ) بنفس النطق المخالف للفظ الجلالة حيث تكون اللام فيه خفيفة.

والمشكلة هنا أن أكثر سور القرآن الكريم شيوعا على الألسنة هى الفاتحة التى نقرؤها فى الصلاة وغير الصلاة ، وأكثر آيات القرآن انتشارا على اللسان هى البسملة. وفى كل مرة ننطق فيها بالفاتحة أو بالبسملة فاننا نوجه إهانة لرب العزة جل وعلا بالنطق الخاطىء للفظ الجلالة.


( 3 )

والسؤال الهام : كيف يكون نطق لفظ الجلالة باللام العربية الخفيفة اهانة لله تعالى ؟
لأنك حين تنطقه فتقول ( اللاهى ) من اللهو, أو فاعل اللهو. أى تصف الله تعالى ـ دون أن تقصد ـ
بصفة ذميمة لا ترضاها لنفسك. تقول : ( باسم اللاهى ) ( الحمد للاهى ).


(4 )

ومن عجائب القرآن الكريم أنه أشار ـ ضمنيا ـ الى ذلك الخطأ المتوقع. فمن شيمة الانسان الضال أن يعصى الله تعالى كما يحلو له ، كما لو أن الله تعالى خلقه و خلق السماوات والأرض لمجرد اللعب و اللهو ، وينسى أن الله تعالى خلق الانسان والموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملا و ليحاسبنا يوم القيامة حيث سيقول لنا (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) ( المؤمنون 115 ). وعن أولئك الضالين يقول تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ) ( الأنبياء : 16 ـ )أى أن الله تعالى لا يلهو و لا يلعب . ومع ذلك فإننا ننطق اسم الله تعالى الأعظم فى البسملة و الفاتحة و مواضع أخرى من القرآن فنقول ( اللاهى ) من اللهو . لذا وجب التنبيه و التصحيح. والله جل وعلا المستعان.


(يتبع)

سعيد بنعياد
05-07-2015, 05:06 PM
المسألة الأولى

استعمل كاتب المقال عبارتَي (اللام الثقيلة) و(اللام الخفيفة).

وهذا، وإن كان مُجرّد اصطلاح، و(لا مُشاحّة في الاصطلاح) كما يقال، إلاّ أنه اصطلاح غير دقيق، وعدم الدقّة مظهر من مطاهر التسرّع في إبداء الرأي.

ذلك أن القارئ قد يتوهم أن المقصود باللام الثقيلة: (اللام المشدَّدة)، وباللام الخفيفة: (اللام المخفَّفة)، مثلما يقال مثلا: (نون التوكيد الثقيلة) و(نون التوكيد الخفيفة).

فكان الأَوْلى استعمال التعبير القديم المألوف: (اللام المفخّمة) و(اللام المُرقَّقة).


المسألة الثانية

يقول كاتب المقال: إن لفظ الجلالة في (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) فاعل مرفوع بالضمة، وفي (وَتَشْتَكِي اِلَى اللَّهِ) مجرور بالكسرة بسبب حرف الجر (إلى)، وفي (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) مرفوع بالضمة لأته مبتدأ. وفي (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) منصوب بالفتحة لأنه اسم (إنّ).

فمِن أينَ عَلِمَ الكاتب أن اسم الجلالة مرفوع في الموضعين الأول والثالث، ومجرور في الموضع الثاني، ومنصوب في الموضع الرابع؟!

ألم يُصدِِّرْ كلامه بالقول: (الإعراب في الأسماء العربية هو تغيُّر آخر حرف في الكلمة حسب العوامل)؟

لقد جعل أمر الإعراب مقصورا على الأسماء العربية. فكيف يتحدّث عن إعراب اسم الجلالة، وهو في نظره اسم غير عربي؟

ثم إنه اسم مقدّس. فكيف يُخضعه لقواعد النحو التي اخترعها علماء العصر العباسي، على حد تعبيره؟

أليس من التناقض البيّن أن ننتقد أقوال العلماء في مجال معيّن، ثم نتّبع أقوالهم في مسألة متّصلة بالمجال نفسه؟!

قد يقول قائل: إنه اعتمد على ضبط المصحف وتشكيله.

ولكن مَن ضبط المصحف؟ لقد ضبطه العلماء الذين نقلوا إلينا طريقة لفظه برواياتِهم المتصل سندُها بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهؤلاء لا يُعتَدُّ بكلامهم في رأي الكاتب؛ لأنهم هم أنفسهم الذين نقلوا إلينا طريقة نطق اسم الجلالة.

فيبقى السؤال مطروحا: على من نعتمد الآن في تحديد حركات إعراب الكلمات القرآنية، بعد أن طعنّا في علمائنا الأقدمين؟


المسألة الثالثة

لقد اعتدنا، حين قراءة البسملة مثلا، أن نقفز من الميم المكسورة في (بِسْمِ) إلى اللام المشددة في (اللهِ)، ولا نفصل بينهما بالهمزة.

فهل يوافقنا كاتب المقال في هذه المسألة؟

أنا على يقين من موافقته لنا في هذه المسألة؛ لأنه أكّد أن ترقيق اللام يؤدي – والعياذ بالله - إلى التباس (بسم الله) بـ (بسم اللاّهي). ومعلوم أن كلمة (اللاهي) كلمة عربية فصيحة، وأن همزتها همزة وصل لا تُلفظ إلا عند الابتداء بالكلمة. ولا يقع الالتباس إلا إذا كانت همزة اسم الجلالة أيضا تُعامَل بالطريقة نفسها، فلا تُلفظ إلا عند الابتداء بالكلمة.

فما الذي جعل الكاتب لا يتلفظ بالهمزة في اسم الجلالة؟

سيقول: لأنها همزة وصل، لا همزة قطع.

فنقول له: ها أنت من جديد تُعامل اسم الجلالة معاملة الاسم العربي، وتتخلى عن فكرة قدسيتة، وتخضعه لقواعد النحو المخترعة!


المسألة الرابعة

إن اسم الجلالة يكتب هكذا: (اللَّه).

فهل ثمّة (ألِفٌ) مرسومة بين (اللام الثانية) و(الهاء)؟ لا أثر لأي ألف في الرسم.

ولكننا اعتدنا التلفظ بـ(ألف المدّ) بين (اللام الثانية) و(الهاء)، حسب ما نقله إلينا علماء اللغة والقراءات.

فهل يوافقنا كاتب المقال في هذه المسألة؟

من المؤكد أنه يوافقنا في هذه المسألة؛ لأنه يقول: إن ترقيق اللام يؤدي إلى التباس (الله) بـ (اللاّهي)، ولا يقع الالتباس إلا عند التلفظ بالألف المذكورة.

فمِن أين علم الكاتب أن اسم الجلالة يُلفظ بألف بين (اللام الثانية) و(الهاء)؟

إنه يأخذ مرة أخرى بأقوال العلماء الذين انتقدهم وشن عليهم هجومه!


المسألة الخامسة

من غير المفيد هنا أن نناقش أصل اسم الجلالة، من حيث كونه عربيا أو غير عربي.

فأيّاً ما يكُنْ أصلُه، فإن العرب عاملوه معاملة الأسماء العربية، من حيث قبوله للرفع والنصب والجرّ، ومن حيث حذف همزته في الوصل.

فلا غرابة، إن رققوا لامه بعد الكسرة، كما سيأتي بيانه، تبعا لبعض الأحكام الصوتية العربية، التي تستثقل الانتقال من الكسرة إلى التفخيم.


(يُتبع)

سعيد بنعياد
05-07-2015, 05:39 PM
المسألة السادسة

حين ننتقد نظرية معيّنة، في مجال معرفي معيّن، لا بدّ قبل كل شيء من مراعاة الأمانة العلمية، عند نقل أقوال أصحابها.

أما أن ننقل كلامهم على غير حقيقته، فهذا تصرّف لا يخلو من أحد احتمالين:
* إما أن يكون غير متعمّد؛ فنكون قد انتقدنا النظرية المذكورة عن جهل بحقيقتها، والإنسان بطبعه عدوّ ما يجهل.
* وإما أن يكون متعمّدا؛ فنكون قد سلكنا طريقة غير شريفة لإقناع غيرنا بفساد النظرية المذكورة.

فهل نقل كاتب النصّ بأمانة قول العلماء السابقين، في مسألة ترقيق لام اسم الجلالة؟

بالعكس. فقد قوَّلهم ما لم يقولوا. فأوهم القراء أن مذهبهم متناقض، وأنهم يفخمون لام اسم الجلالة في حالة الرفع والنصب وبعض حالات الجرّ، ويرققونها في بعض حالات الجرّ.

وهذا واضح في قوله:

(وسيلاحظ أنه ـ حسبما تعود ـ ينطق لفظ الجلالة باللام الثقيلة الأصلية فى حالة الرفع والنصب وبعض حالات الجر والكسر. ولكن فى حالات أخرى من الجر والكسر ينطق لفظ الجلالة باللام الخفيفة العربية).

أولا: ليت شِعْري، ما الفرق هنا بين (الجرّ) و(الكسر)!

المفروض أن مصطلحات (الرفع) و(النصب) و(الجرّ) و(الجزم) تستعمل عند الحديث عن الكلمات المُعْرَبة، ومصطلحات (الضم) و(الفتح) و(الكسر) و(السكون) تستعمل عند الحديث عن الكلمات المبنية.

والأمر هنا يتعلّق بالاسم نفسه، وهو اسم الجلالة، فكيف يصح الحديث هنا عن (الجرّ) و(الكسر) في الوقت نفسه؟! أمن المعقول أن يكون الاسم نفسه (مُعْربا) بالجرّ حينا، و(مبنيا) على الكسر حينا آخر؟!

الصواب إذن: استعمال مصطلح (الجرّ) فقط. ولا مجال هنا لاستعمال مصطلح (الكسر).

ثانيا: العلماء لم يربطوا أصلا بين ترقيق اللام وتفخيمها، وبين حركة الهاء من اسم الجلالة. وإنما قالوا: إنها تفخّم بعد الفتحة والضمة، وتُرقق بعد الكسرة:

* فترقيقهم للاّم في (بسم الله) ليس بسبب كسرة الهاء، بل بسبب كسرة الميم في (بسمِ).

* وترقيقهم للاّم في (الحمد لله) ليس بسبب كسرة الهاء، بل بسبب كسرة لام الجرّ الداخلة على اسم الجلالة.

* وتفخيمهم للام في (وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ) لا يناقض مذهبهم؛ فالتفخيم هنا بسبب فتحة اللام في (إلى)، ولا عبرة بالألف التي بعدها لأنها لا تُلفظ (بسبب التقلاء الساكنين).

راجعوا أقوال العلماء القدامى جيّدا.

لم يقل أي واحد منهم: إن نطق اللام تابع لحُكم اسم الجلالة نفسه، من حيث الرفع والنصب والجرّ. وإنما قالوا:

* إنها تفخّم إذا سبقتها ضمّة؛ بصرف النظر عن كون اسم الجلالة نفسه مرفوعا نحو: (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)، أو منصوبا نحو: (إِنِّي أَخَافُ اللهَ)، أو مجرورا نحو: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ).

*وتُفخّم أيضا إذا سبقتها فتحة؛ بصرف النظر عن كون اسم الجلالة نفسه مرفوعا نحو: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، أو منصوبا نحو: (إِنَّ الله مَعَنَا)، أو مجرورا نحو: (قَالَ مَعَاذ اللهِ)

* وترقق إذا سبقتها كسرة؛ بصرف النظر عن كون اسم الجلالة نفسه مرفوعا نحو: (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ)، أو منصوبا نحو: (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ)، أو مجرورا نحو: (بِسْمِ اللهِ الرحْمنِ الرحِيمِ) .

إذن ، حركة الهاء لا صلة لها بالمسألة إطلاقا . فلماذا الإصرار على إقحامها في الموضوع ؟!


المسألة السابعة

يرى الكاتب أن النحويين القدامى كانوا يلجؤون إلى تعميم الحكم اللغوي دون اعتبار لاستثناءات توجد في كل لغة حية.

ولكنه لجأ إلى الأسلوب نفسه، وفي نطاق ضيّق جدّا!

فلقد انطلق من أربع آيات تُفخّم فيها اللام، ليعمّم الحكم، ويُبطل حالة الترقيق!

أليس هذا بالضبط هو الأسلوب الذي انتقده؟!

أليس من حقّ أي شخص آخر أن يستعمل الأسلوب نفسه، فينطلق من آيات قرآنية أخرى ترقّق فيها اللام، مثل قوله تعالى: (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ) (وَاسْتّغْفِرِ اللهَ) (بِسْمِ اللهِ الرحْمنِ الرحِيمِ) ، ويقول : (انظروا. إن اللاّم ترقّق دائما، بصرف النظر عن كون اسم الجلالة مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا) ، ثم يعمّم الحكم، ويبطل حالة التفخيم؟!


المسألة الثامنة

ليس صحيحا أن النحويين القدامى كانوا يلجؤون إلى (تعميم الحكم اللغوي دون اعتبار لاستثناءات توجد في كل لغة حية). فكثيرة هي الاستثناءات التي تزخر بها كتب النحو العربي. ومنها استثناءات تتعلق باسم الجلالة نفسه.

ولنقتصر هنا على أربعة أمثلة:

1- القاعدة الأولى: ينادى الاسم المقترن بـ(أل) بإحدى طريقتين: إما باستعمال (أيُّ)، نحو : (أيّها الرجل) (أيتها المرأة)، وإما باستعمال اسم الإشارة، نحو: (يا هذا الرجل) (يا هذه المرأة).

استثناء: يُنادى اسم الجلالة بطريقتين مخصوصتين: (اللهم) أو (يا ألله).

2- القاعدة الثانية: لا يجوز تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع، في غير الضرورة الشعرية.

استثناء: يجوز تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع، عند نداء اسم الجلالة بـ(يا)؛ فيقال: (يا ألله).

3- القاعدة الثالثة: في الكلمات المعربة، تتغير حركة الحرف الأخير فقط؛ نحو: (جاء رَجُلٌ) (رأيتُ رَجُلاً) (مررتُ برَجُلٍ).

استثناء: في كلمة (امرئ)، تتغير حركة الحرفين الأخيرين معا (على الأفصح): الراء والهمزة؛ فيقال : (جاء امرُؤٌ) (رأيتُ امرَأً) (مررتُ بامرِئٍ) .

4- القاعدة الرابعة: يُصاغ اسم التفضيل من الثلاثي على وزن (أَفْعََل)؛ نحو : (هذا أكْبَرُ مِن ذاك)، و(هذا أعْظَمُ من ذاك)، و(هذا أجْمَلُ من ذاك).

استثناء: لا يقال في الأفصح: (هذا أَخْيَرُ مِن ذاك) و(هذا أَشَرُّ من ذاك)؛ بل يقال : (هذا خَيْرٌ من ذاك) و(هذا شَرٌّ من ذاك).

بل لولا كثرة الاستثناءات والتشعبات والتفريعات، ما عزف كثير من أبناء عصرنا عن تعلُّم القواعد اللغوية!

فهل يقال بعد هذا: إن العلماء عمموا القواعد، ولم يراعوا خصوصيات كل كلمة؟!

ثم ما علاقة هذا كله بموضوع لام اسم الجلالة؟ أليس كاتب المقال هو الذي عمم حكم التفخيم، انطلاقا من أربع آيات كريمة من سورة المجادلة؟!


المسألة التاسعة

يرى الكاتب أن في ترقيق لام لفظ الجلالة إهانةً لله تعالى، لإمكانية التباسه بـ(اللاهي) من اللهو.

وهنا، نقول للكاتب ومن رأى رأيه:

* اقرؤوا لنا سورة الناس، لو سمحتم: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناسِ * مَلِكِ الناسِ * إِلَهِِ الناسِ ...). أيمكن القول: إنكم تُهينون الله تعالى، فتقولون: إنه رَب (الناسي) وملكُ (الناسي) وإله (الناسي)، من (النسيان)؟ هل الله تعالى رب الخلق أجمعين، أم هو رب الناسين فقط؟!

* اقرؤوا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران : 97]. أيمكن القول: إنكم تستهينون بفريضة الحج، فتجعلونها فرضا على (الناسي) فقط، لا على كل مستطيع؟!

* اقرؤوا قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلناسِ بَشيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ : 28]. أيمكن القول: إنكم تُهينون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فتجعلونه مرسلا إلى الناسين فقط، لا إلى جميع البشر؟!

* اقرؤوا قوله تعالى: (وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى) [النساء : 26]. أيُمكن القول : إنكم تهينون الله تعالى، فتزعمون أنه يُوصِيَنا بـ(الجاري)، أي: الشخص الذي يَجْري؟!

وهنا، سيصرخ الجميع: ما هذا الهُراء؟! نحن نقرأ: (النّاسِ) و(الجارِ)، بكسر الحرف الأخير كسرة قصيرة، ليس بعدها (ياء مَدٍّ). فمن أين أتيتَ بالياء، حتى تزعم أننا نقرأ: (الناسـي) من النسيان، و(الجاري) من الجَرْي؟!

فنقول لهم: ونحن أيضا نقرأ: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، بكسر الراء كسرة قصيرة، ليس بعدها (ياء مَدٍّ). فمِن أين أتيتم بالياء، حتى تزعموا أننا نقرأ: (الحَمْدُ لِلاَّهـي)، من اللهو؟!

إنما يقع الالتباس لو مَطَّطَّ القارئ كسرة هاء اسم الجلالة خطأً، حتى تتولّد منها ياء مَدّ؛ وهذا لا يصدر إلا عمّن بجهل طريقة القراءة الصحيحة. أما إذا كسر القارئ الهاء كسرة قصيرة، من غير (ياء مَدٍّ) بعدها، فلا يقع الالتباس؛ كما أن كلمة (الناسِ) المجرورة لا تلتبس بكلمة (الناسي) إلا عند تمطيط كسرة السين خطأً، وكما أن كلمة (الجارِِ) المجرورة لا تلتبس بكلمة (الجاري) إلا عند تمطيط كسرة الراء خطأً.

إن حروف المد في العربية ليست مجرد تمطيطات لتزيين الصوت وتنغيم الكلام، كما هو الشأن في لغات أخرى؛ وإنما هي جزء لا يتجزّأ من بِنْية الكلمة. وإقحامُها في غير مواضعها، أو حذفُها بلا سبب معقول من مواضعها، قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تغيير معنى الكلمة:

* فـ(فَعَلَ) [أي : هُوَ] ليست هي (فَعَلاَ) [أي : هُما].

* و(فَعَلْنَا) [أي : نَحْنُ] ليست هي (فَعَلْنَ) [أي : هُنَّ].

* و(الشاعر) [الذي ينظم الشِّعْر] ليس هو (الشعير) [الذي يُؤكَل].

* و(القَاتِل) [الذي قَتَل غيْرَه] ليس هو (القَتيل) [الذي قَتَله غيْرُه].

* وقولنا: (إنك لَتَفْعَلُ الخيْرَ) [بأسلوب التوكيد]، هو عكس قولنا: (إنك لا تَفْعَلُ الخيْرَ) [بأسلوب النفي].

وإذن ، فما أوضح الفرق بين (اللهِ) [بلا ياء] و(اللاّهي) [بالياء] !


المسألة العاشرة

ها قد اتضح لنا أن اسم الجلالة المجرور لا يلتبس بكلمة (اللاهي).

لكن يمكن في بعض الأحيان أن تلتبس كلمة (اللاهي) باسم الجلالة المجرور.

إن النتيجة واحدة؛ إلا أن الأمر مختلف.

فمتى يحدث ذلك؟

1- سيقول قائل: إن ياء الأسماء المنقوصة يجوز حذفُها أحيانا ، اجْتِزاءً عنها بالكسرة، كما في قوله تعالى: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)، أي: المتعالي. فإذا حذفنا ياء (اللاهي) اشتبهت باسم الجلالة المجرور.

ولكن، لماذا نلجأ هنا إلى تعديل نطقنا لاسم الجلالة؟! ولماذا لا نفعل العكس، فنمنع جواز حذف الياء من (اللاهي)، لئلاّ يلتبس هو باسم الجلالة؟!

إن الملك لا يأمر بهدم قصره الملكي، لمجرّد أن أحد الرعايا بنى لنفسه قصرا يشبهه؛ ولكنه قد يهدم القصر الآخر، أو يُنْزِل بصاحبه أقصى العقوبات.

2- سيقول قائل آخر: إن ياء المدّ المتطرفة يجب حذفها لفظا، إذا وقع بعدها حرف ساكن؛ نحو: (فِي الْكَِِتابِ)، تقرأ: [فِلْكِتَابِ]. وفي هذه الحالة، قد تلتبس كلمة (اللاهي) باسم الجلالة المجرور المرقق اللام.

ففي (بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ) مثلا، لو فرضنا أن أحد الملحدين - والعياذ بالله – سوّلت له نفسه وضع كلمة (اللاّهي) في موضع (اللهِ)، لقرأ العبارة مثلما نقرؤها نحن تماما؛ لأنه مضطرّ إلى حذف الياء لفظا، لوقوع حرف ساكن بعدها ، وهو الراء الأولى من (الرحمن).

ولكن، أمِن المعقول أن يَصِفَ هذا الملحد رب العزة جل جلاله بأقبح الصفات، ثم يصفه بعد ذلك مباشرةً بأعظم الصفات (الرحمن الرحيم)؟! ألا ترون أن افتراضنا من أصله غير منطقي، وأن السياق كفيل بتحديد المعنى؟

ثم ماذا عن اسم الجلالة المرفوع والمنصوب، الواقع بعد كسرة، والذي أجمع القراء واللغويون على ترقيق لامه، خلافا لما يُفهم من النص؟ أيمكن أن تلتبس به كلمة (اللاهي) في أي حال من الأحوال؟! لا يمكن إطلاقا!

فهل يؤدي الالتباس المتوهم في حالة واحدة، إلى تعميم الحكم على جميع الحالات؟!


(يتبع)

سعيد بنعياد
05-07-2015, 08:48 PM
المسألةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ

على فرض وقوع الالتباس، فإن السياق - كما قلنا - كفيل بتحديد المعنى.

وإلا، فما أكثر الكلمات التي قد تلتبس بغيرها، في القرآن الكريم، وفي كلام البشر من عرب أو عجم!

يل إن العبارة الواحدة قد يتغير معناها بحسب السياق!

ولنكتَفِ هنا بثلاثة أمثلة:

1- انظروا الفرق الشاسع بين معنى (يعدلون) في كل من الآيتين الكريمتين :
* (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف : 159]، أي: يعدلون في الحُكم.
* (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) [النمل : 60]، أي: يشركون بالله.

2- انظروا الفرق الشاسع بين معنى (أصحاب النار) في كل من الآيتين الكريمتين :
* (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة : 39]، أي: المعذَبون في جهنم.
* (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً) [النمل : 60]، أي: خزنة جهنم.

3- لنفترض أن أحدنا سمع ابن أخت له، يعلم مدى حبّه واحترامه له، يناديه: (يا خالي). أمِن المعقول أن يتصوّر أنه يستهزئ به، وأنه يقصد: (يا أيها الخالي من المنفعة)؟!

فالسياق هو الذي يحدد المعنى المراد.


المسألة الثانِيَةَ عَشْرَةَ

لا شك أن العبرة عند الله تعالى بنيّة القارئ، لا بترقيقه للاّم وتفخيمه لها.

ألاّ ترى أن القرآن الكريم أنكر قول الذين قالوا: (إِن اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءٌ)، و(إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ)، و(إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)، مع أن اسم الجلالة في كلامهم مُفَخمُ اللامِ قطعاً، لوقوعه بعد فتحة؟!

فكما أن تفخيم اللام لا يشفع لصاحبه، إذا كان كلامه منافيا للعقيدة الصحيحة، فكذلك ترقيق اللام لا يوقع صاحبه في الإثم، إذا كان كلامه موافقا للعقيدة الصحيحة، ولم يخطر بباله الاستهانة بالاسم الجليل، وخصوصا إذا كانت نيّته اتّباع الروايات المنقولة إليه بالسند الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي يبدو أن كاتب المقال لا يعترف بصحتها.


المسألةُ الثالثةَ عَشْرَةَ

من الظلم البيّن أن نتهم علماءنا بأنهم استهانوا باسم الجلالة، ولم يراعوا قدسيته.

فالكثير من مواقفهم تشهد بمدى تقديسهم لهذا الاسم العظيم، وتنْزيههم له عما لا يليق:

1- فعند إعراب الجمل، كانوا يقولون مثلا: (زيد: فاعل، زيد: مفعول به، زيد: مجرور ... إلخ) . ولكنهم كانوا يجدون حرجا شديدا، حين يتعلق الأمر باسم الله تعالى. فبحثوا عن تعبير آخر، يراعي قدسية هذا الاسم الجليل، فصاروا يقولون: (لفظ الجلالة [أو: اسم الجلالة]: فاعل، لفظ الجلالة: مفعول به، لفظ الجلالة: مجرور ... إلخ)؛ فيستعملون عبارة (لفظ الجلالة) بدلا من كلمة (الله)، خشية وصف رب العزة بما لا يليق.

2- وعند ضبط المصاحف، كانوا يلحقون باللون الأحمر، أو بقلم دقيق، جميع الحروف المحذوفة رسما، إذا كان النطق بها واجبا، كالألف التي تُلفظ بعد الهاء في (هَـٰـذَا) مثلا. ولكنهم استثنوا لفظ الجلالة: (اللَّه)، فلم يُلحقوا الألف الملفوظة بعد اللام، مبالغة في التحرُّج من تغيير الصورة التي كُتِب بِها هذا الاسم العظيم في عهد الصحابة الكرام (رضي الله عنهم).

3- وعند كتابة القصائد الشعرية، كانوا يضيفون ألفا تسمى (ألف الإطلاق)، في آخر البيت الشعري، إذا كان الحرف الأخير محركا بالفتحة؛ كما في قول عنترة:


حصاني كان دَلاّلَ المَنايا **
** فخاض غِمارَها وشَرى وباعـا

وسَيْفي كان في الهَيْجا طبيبا **
** يداوي رأس من يشكو الصُّداعـا

ولكنهم استثنوا لفظ الجلالة، مراعاة لقدسيته، فلم يزيدوا الألف في آخره إذا وقع منصوبا في آخر البيت الشعري، كما في قول أبي نواس:


والدِّيكُ منتصبٌ قد سبَّح اللهَ

4- وعند الحديث عن الحروف غير المرققة، نجدهم يستعملون في الراء مصطلح مصطلح (التفخيم)، وفي اللام مصطلح (التغليظ). فيقولون مثلا: (قرأ ورشٌ كلمة (الصلاة) بتغليظ اللام).

ولكنهم حين يتحدثون عن لفظ الجلالة بالتحديد، يستعملون مصطلح (التفخيم)، فرارا مما قد يوحي به مصطلح (التغليظ) من تشبيه أو تجسيم لا يليق بالله جل جلاله.

5- وحتى الخطاطون، وضعوا قواعد خاصة لكتابة هذا الاسم الجليل، لا يشترك فيها معه غيره.

أفبعد هذا كله، نتهم علماءنا الأجلاّء بسوء الأدب مع الله؟!


المسألة الرابعةَ عَشْرَةَ

يرى كاتب النص أن اللام المفخمة حرف لا يوجد في اللغة العربية.

ومن حقنا هنا أن نسأل: ما المقصود باللغة العربية؟ أهي اللغة المبسّطة، التي يدرسها تلاميذ عصرنا هذا في مدارسهم؟ أم هي اللغة القديمة المتعددة اللهجات، التي كانت تتحدث بِها قبائل العرب في العصور الخالية؟

لا شك أن هذه الأخيرة هي المقصودة.

فكيف عَلِمَ الكاتب، وهو ابن هذا العصر، أن العرب لم تكن تنطق باللام المفخمة؟!

إن القدماء يؤكدون وجود حروف فرعية أخرى، غير الحروف الأصول التي نعرفها؛ ومنها: الألف المُمالة، والصاد المُشَمَّةُ زايًا، والشين التي كالجيم، وغيرها.

وهم ينقلون عن بعض قبائل العرب أنها كانت تُغَلِّظُ اللام أحيانا في غير اسم الجلالة. وقد صحت الرواية عن ورش من طريق الأزرق، بأنه يُغَلِّظُ اللام، إذا كانت مفتوحة، وكان الحرف الذي قبلها صادا أو طاءً أو ظاءً، بشرط أن يكون ساكنا أو مفتوحا ؛ نحو : (يَصْلَوْنَهَا) (الصلاَة) (مَطْلَعِ الفَجْرِ) (الطَّلاَق) (تُظْلَمُونَ) (ظَلَمَ).

غير أن كاتب النص يرفض الاحتكام إلى أقوال القدماء. ويبدو أنه لا يعترف أصلا برواية ورش التي يقرأ بِها ملايين المسلمين في شمال غرب إفريقيا.

ولكن، إذا كان الإثبات يحتاج إلى دليل، فإن النفي أيضا يحتاج إلى دليل. فما الدليل على أن اللام المفخمة حرف لا يوجد في اللغة العربية؟

قد يقول قائل: حين نلفظ أسماء الحروف الهجائية (ألف، باء، تاء ... إلخ)، ننطق (لام) بالترقيق لا بالتفخيم.

فنقول: طيّب، وننطق أيضا (راء) بالتفخيم لا بالترقيق. فهل الراء دائما مفخمة؟

لنقرأ معا : (رَاحَ) (رُوحٌ) (رِيحٌ)، سنجد أن اللسان بطبعه يبادر إلى تفخيم الراءَيْن: الأولى (المفتوحة) والثانية (المضمومة)، وإلى ترقيق الراء الثالثة (المكسورة).

وسنلخص أحكام حروف القرآن الكريم، من حيث الترقيق والتفخيم، حسب الروايات القرآنية المعتمدة، في المسألة التالية بإذن الله.


المسألة الخامسة عشرة
(الأخيرة)

استكمالا للفائدة، نورد ملخصا شديد التركيز، لأحكام ترقيق الحروف وتفخيمها عند تلاوة القرآن الكريم، حسب ما صحّت به الروايات القرآنية المعتمدة.

الحروف العربية ثلاثة أنواع:

أولا: حروف تُفخّم دائما، وهي حروف الاستعلاء السبعة المجموعة في قولهم: (قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ)، وأقواهُنّ تفخيما: حروف الإطباق الأربعة (الطاء والضاد والصاد والظاء)، ثم: (القاف والغين والخاء). وكَسْرُ الحرف يُضعِف تفخيمه، ولا سيّما الأحرف الثلاثة الأخيرة.

ثانيا: حروف ترقق دائما، وهي باقي الحروف، وتسمى حروف الاسْتِفال؛ لكن تستثنى الألف الليّنة واللام والراء.

ثالثا: حروف تفخم حينا، وترقق حينا، وهي: الألف الليّنة، واللام، والراء.

1- فأما الألف، فتتبع ما قبلها؛ فتفخّم بعد المفخم، وترقق بعد المرقق.

2- وأما اللام، فالأصل فيها الترقيق؛ ولكن:

* أجمع القراء على تفخيمها في لفظ الجلالة، إذا وقع بعد فتحة أو ضمّة، وعلى ترقيقها إذا وقع بعد كسرة، وأجاز أبو عمرو تفخيمها وترقيقها إذا وقع بعد فتحة ممالة (ولا يقع ذلك إلا في قراءته).

* وغلظها ورش من طريق الأزرق في غير لفظ الجلالة، إذا كانت مفتوحة بعد صاد أو طاء أو ظاء، بشرط أن يكون هذا الذي قبلها ساكنا أو مفتوحا. وأجاز الوجهين في مواضع معيّنة معدودة.

3- وأما الراء، فلها أحوال:

* إن كانت مكسورة، أو مفتوحة فتحة مُمالةً، فلا خلاف في ترقيقها.

* وإن كانت ساكنة لغير الوقف ، فإن جميع القراء:

- يرققونها إذا وقعت بعد كسرة متصِلةً لازِمة، ولم يقع بعدها حرف استعلاء متصِل.

- ويجيزون الوجهين في (فِرْقٍ) بالشعَراء، لكون حرف الاستعلاء المتصل مكسورا.

- ويفخمونها في باقي المواضع.

* وإن كانت ساكنة للوقف، فإن جميع القراء:

- يرققونها إذا وقعت بعْدَ كسرة، أو ساكِنٍ قبْلَه كسرةٌ: بشَرْطِ اسْتِفالِه مع اتِّصالِها ولُزومِها، أو ياءٍ ساكنة، أو ألِفٍ مُمالة، أو راءٍ مفتوحةٍ مُرقَّقة (في (بِشَرَرٍ) لورش) .

-ويجيزون الوجهين إذا وقعت بعد الساكِنِ الذي قبْلَه كسرةٌ: إنْ لمْ يَتحقَّقْ ما اشتُرِطَ آنِفاً، وبعْدَ غيْرِ ما سبَقَ : إنْ كانت في الوصْلِ مكسورةً لِلبنْيةِ.

-ويفخمونها في باقي المَواضِع.

* وإن كانت مفتوحة أو مضمومة، فإن جميع القراء يفخمونها مطلقا؛ ما عدا ورشا من طريق الأزرق، فإنه يرققها بعْدَ كسرة متصلة لازمة، أو ساكِنٍ مُسْتَفِلٍ قبْلَه كسرةٌ لازمة، أو ياءٍ ساكنة، وفي (بِشَرَرٍ) بالمرسلات. وله مستثنيات لا نطيل بذكرها.

والمقام هنا لا يتسع لذكر الأمثلة. فمن شاء المزيد، فعليه بكتب أهل الاختصاص.


* * * * * *

انتهى الموضوع، بحمد الله.

نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد.

ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.

عطوان عويضة
06-07-2015, 10:00 PM
وبوركت وبورك طرحك أبا المهدي.
لا شك عندي أن من يوسمون بالقرآنيين، والقرآن منهم براء، لا يخلو أحدهم أن يكون أحد ثلاثة:
إما جاهل جهلا مركبا، لا يعرف من دينه وكتاب ربه وسنة نبيه إلا قشورا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ويخال نفسه أعلم أهل زمانه.
وإما ضال مضل في قلبه زيغ يتبع ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله تأويلا يراد به خداع الأغرار من العوام لينسلخوا من الإسلام وإن زعموا أنهم مسلمون.
وإما مخدوع سمع باطلا تزيا بزي علم فظنه حقا.
أما الأول والثاني فلا يرجى صلاحهما، وأما الثالث فلعله إن عرف الحق رجع إليه.
جزاك الله خيرا أبا المهدي، واسمح لي بنشر هذه النافذة، لعلي أنال بنشرها أجرا.

سعيد بنعياد
11-07-2015, 06:38 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا ياأخي . اللغة العربية قديمة جدا وﻻ يعرف لها أصل بل قيل أنها أصل اللغات السامية والجزيرة العربية أصل الساميين ومهدهم .
التفخيم والترقيق في لفظ الجلالة ﻻ ينكره أحد .
لكن قال البعض أن السر في قراءة من جعل الهاء مضمومة
في قوله تعالى(عليه الله) أن السر هو التفخيم . وفي سورة الإخلاص قد يكون الوقوف على(أحد) أفضل لتفخيم اللام .

سؤالي هل وصل آية بأخرى تبدأ بلفظ الجلالة في القراءة
غير مستحب اذا كان سيرقق اللام ؟

بارك الله فيك، أخي الكريم، وجزاك كل خير.

أما هاءُ (عليه الله)، فضمُّها (مع تفخيم اللام) وارد عن حفص، وكسْرُها (مع ترقيق اللام) وارد عن باقي القراء. ولكُلٍّ أسانيده المتصلة بالرسول (صلى الله عليه وسلم). وأما التوجيهات، فمجرد اجتهادات قابلة للنقاش.

ومن هذا القبيل أيضا قولُهم: إن القراء اختاروا فتح الميم من (الۤمۤ اللهُ) في أول آل عمران وصلاً، هكذا: [ألِفْ لامِّيمَ اللهُ]، مراعاة لتفخيم اللام بعدها.

وأما أفضلية الوقف على (أحَد) مراعاة للتفخيم، فلم أطَّلِعْ على قول لأحد الأئمة في هذا الشأن. والذي أراه أن أفضلية الوقف هنا إنَّما يرجع إلى كونِها رأس آية.

وفي (جمال القراء) للسخاوي: (وقال له [أي: للإمام عاصم] رجُلٌ: كيف تقرأ (رُسُلُ اللهِ اللهُ)؟ فقال: الأولى شهمة والثانية ضئيلة). قلت: يقصد قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ). فالأولى مفخمة والثانية مرققة. ولم يقل له: إن الأفضل الوقف على الأولى وتفخيم الاثنتين، مع أن أفضلية الوقف على الأولى بَيِّنة، لكون ما بعدها تعقيبا من الله تعالى على كلامهم.

والله أعلم.

سعيد بنعياد
11-07-2015, 06:42 PM
وبوركت وبورك طرحك أبا المهدي.
لا شك عندي أن من يوسمون بالقرآنيين، والقرآن منهم براء، لا يخلو أحدهم أن يكون أحد ثلاثة:
إما جاهل جهلا مركبا، لا يعرف من دينه وكتاب ربه وسنة نبيه إلا قشورا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ويخال نفسه أعلم أهل زمانه.
وإما ضال مضل في قلبه زيغ يتبع ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله تأويلا يراد به خداع الأغرار من العوام لينسلخوا من الإسلام وإن زعموا أنهم مسلمون.
وإما مخدوع سمع باطلا تزيا بزي علم فظنه حقا.
أما الأول والثاني فلا يرجى صلاحهما، وأما الثالث فلعله إن عرف الحق رجع إليه.
جزاك الله خيرا أبا المهدي، واسمح لي بنشر هذه النافذة، لعلي أنال بنشرها أجرا.

بارك الله فيك، أستاذنا أبا عبد القيوم، وأظلك بظله يوم لا ظل إلا ظله.

ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

كريم عاشور
13-07-2015, 08:05 AM
بارك الله فيك أستاذنا الكريم
بحث ماتع ,,,