المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الإحالة في التراث العربي :1- الإحالة عند النحاة



فريال ريسان
05-07-2015, 11:32 PM
الاحالة عند النحاة :
لم تكن قضايا الإحالة غائبة عن اللغويين العرب القدماء ، وليس بالضرورة أنهم وضعوا في النحو العربي مقابلًا مباشرًا لمفهوم الإحالة ، أو وضعوا له نظرية على النحو الموجود في الدراسات اللسانية الحديثة إلا أنَّ هذا لا يعني اغفالهم له ، بل يمكن القول إنهم ولجوا هذا المصطلح وقاربوه من أبواب خاصة بهم ، فهم درسوا الإحالة وأشاروا اليها ضمن موضوعات (الضمائر – أسماء الاشارة - أسماء الموصولة) ، التي صُنفت ضمن أدوات الإحالة باللسانيات النصية، و فصَّلوا القول في ذكر أنواعها وأثرها في تحقيق المعاني ، وميزوا بين ضمائر (المتكلم، والمخاطب ، والغائب)، وأشاروا إلى دلالة الضمائر التي لا تتحدد إلا بما يعود عليها من الناحية الوظيفية ، وهي بذلك تقترب مع الحرف في افتقار كل منهما إلى موّضح أو مفسّر، وإذا كان الضمير لابد من عائد يعود عليه أو ما يطلق عليه بالضمير العائد (الاحالة)، فإنَّه لا يمكن فهمه في ذاته ، فهو ضرب من الكناية.
و " إنما صارت المضمرات معارف لأنها لا تضمر الاسم إلا وقد علم السامع على من يعود" . ويُفهم من كلامهم أهمية الضمير في الإحالة إلى أسم ظاهر محدد الدلالة وأثره في ربط الكلام بما يسبقه أو يلحقه ليتكامل معنى النص ويفهم مغزاه.
ويمكن ارجاع تناول النحاة إلى منظورين : لفظي ومعنوي .
المنظور الاول(اللفظي) : وهو التمييز بين النكرة والمعرفة ، وجعل للنكرة علامة تظهر بقبولها( ال) التعريف (باستثناء العلم)،وجعل المعارف أقسام :هي الضمائر، والإشارة ، والعلم ، والمحلى بالألف واللام، والموصولة، والاسم المضاف إلى احدى هذه المقولات والتي اعتمدها اللسانيين في دراسة الإحالة ؛لافتقارها الى ما يفسرها.
المنظور الثاني(المعنوي) : وهو المقابلة بين التنكير والتعريف وذلك بالإشارة إلى أنَّ التنكير يحيل على مجهول غير محدد عند السامع بخلاف التعريف الذي يحيل على معلوم واضح المعالم ومحدد ، ولم يكتف النحاة بهذا التمييز وإنما تعدى ذلك إلى دور التعريف في الربط بين الجمل من خلال تذكير السامع أو القارئ بشي سبق ذكره أو معرفته والإشارة إليه في سياق الكلام .
ويدخل في هذا الجانب دراستهم للنكرة المقصودة وغير المقصودة التي تنتقل من حيز النكرة إلى المعرفة حين تحيل على معلوم ، له وجود خارجي يعرفه المتكلم بعينه , أو في اشتراطهم توافر جملة صلة الموصول على ضمير عائد تفسره جملة الصلة التي ينبغي أن تكون معلومة لدى السامع ، وبذلك نجد أنهم قد أولوا الضمير وظيفة الربط والإحالة مما يدل على ادراكهم للإحالة ,ولنشرح تصور النحاة لها نبدأ بسيبويه (ت 180 ) وكتابه الذي عُدّ عمدة الدارسين إذ استند إلى ضوابط لغوية خالصة (تركيبية وصرفية ودلالية وصوتية)، وكذلك اعتمد على ضوابط خاضعة للموقف الكلامي او ما يعرف بسياق الحال ,إذ قد يستغني المتكلم عن بعض مكونات الكلام لما يوفره سياق الحال للمخاطب من معرفة فيغنيه عن الذكر, وكتاب سيبويه فيه إشارات كثيرة تدل على عنايته بأحوال المتكلمين ومقاصدهم في ضبط القواعد النحوية , فوصف سيبويه للعربية لم يكن وصفًا نحويًا محضًا، بل كان وصفًا يتجاوز الظاهر التركيبي إلى ما يستبطنه من علاقات دلالية و مقامية كثيرة ، ومنها مفهوم الإحالة الذي استعمله في كتابه في باب (الاستقامة من الكلام والإحالة) ، فهو استعمل هذا المصطلح بمعناه المعجمي وهو العدول عن وجه الكلام وهذه إحدى المعاني اللغوية للإحالة – التي ذكرناها - وبمقدار درجة العدول يصبح الكلام فاسدًا أو ممتنعًا ، وفي هذا الباب يقسم الكلام على أقسام منها : مستقيم ومحال بقوله:( هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة: فمنه مستقيم حسن ، ومحال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب. فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس وسآتيك غدا. وأما المحال فأن تنقض أول كلامك بآخره فتقول: أتيتك غدًا وسآتيك أمس. وأما المستقيم الكذب فقولك:حملت الجبل، وشربت ماء البحر ونحوه. وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيدًا رأيت، وكي زياد يأتيك، وأشباه ذلك. وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر) ، فسيبويه يعرض للإحالة وصورها من خلال الكلام الذي لم تكتمل عناصره ونقصه يؤدي الى قصور عن أداء المعنى في إفهام المخاطب ،أو في الكلام المفكك الذي تتفكك العلاقات فيه و الذي لا تتوفر فيه روابط تركيبية أو دلالية فلا مطابقة بين المحال والمحال اليه ، أو عبر إشاراته إلى مواضع ربط الجمل بالضمير والتي جاءت متوزعة تحت عنوانات مختلفة من كتابه (باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى ) ، و(باب مالا يعمل في المعروف إلا مضمرا) حيث يقول : (ومما يضمر ما بعده ولا يكون في موضعه مظهر قول العرب :إنّه كرام قومك , وإنّه ذاهبة أمتك ,فالهاء إضمار الحديث الذي ذكرت بعد الهاء كأنّه في التقدير- وإن كان لا يتكلم به- قال :إنّ الأمر ذاهبة أمتك وفاعلة فلانة , فصار هذا الكلام كله خبرا للأمر ,فكذلك ما بعد هذا في موضع خبره) ، فأشار بوضوح إلى مرجعية الضمير على متأخر وهذه المرجعية هي إحدى أنواع الإحالة حسب التصنيف اللساني للإحالة في الدراسات النصية .
وإذا ما تصفحنا (معاني القرآن ) للفراء (ت207 هـ) وجدناه يطلق على الضمير أو المضمر( المكنّى او الكناية) ومشتقاتها , كما استعمل مصطلح الضمير ، و"لا فرق بين المضمر والمكنّى عند الكوفيين ، فهما من قبيل الاسماء المترادفة فمعناهما واحد ، وأن اختلفا من جهة اللفظ " ، كذلك ذكر مصطلح آخر للضمير هو مصطلح العائد ، أو الراجع ذكره ، وهو مصطلح يبّين وظيفة الضمير من حيث ارتباطه بالمفسر او المحال إليه , ولم يكتف بذكر الضمير وارتباطه على مستوى الآية الواحدة في تفسير قوله تعالى :ولا تَحَسَبنّ الذين يَبخَلُون بما آتاهم اللهُ من فًضلهِ هُوَ خَيراً لَّهُم :(هو كناية عن البخل ...فاكتفى بما ظهر في يبخلون من ذكر البخل ) ، بل تجاوز إلى بيان مرجعية الضمير على مستوى النص.
وفي تعليقه على قوله تعالى:تِلكَ آياتُ اللهِ : "يريد هذه آيات الله، وقد فسّر شأنها في أوّل سورة البقرة" ، وكذلك صرح بمرجعية الضمير إلى الخارج الذي يفهم من سياق الكلام وهو ما أطلق عليه علماء النص (الإحالة الخارجية) معتمدا في معرفته على مناسبة النزول أو سياق الكلام ، على سبيل المثال تعليقه على قوله تعالى:الَّذِينَ قَالَ لَهُم النَّاسُ ... ، قائلا :"والناس في هذا الموضع واحد وهو نُعيم بن مسعود الأشجعي . بعثه أبو سفيان وأصحابه فقالوا : ثبّط محمد – صلى الله عليه وآله وسلم-أو خوّفه حتى لا يلقانا ببدر الصغرى , وكانت ميعادًا بينهم يوم أُحد . فأتاهم نعيم فقال : قد اتوكم في بلدكم فصنعوا بكم ما صنعوا فكيف بكم إذا وردتم عليهم في بلدتهم وهم أكثر وأنتم أقلّ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيَطَانُ يُخَوِّفُ أولِيآءَهُ... ، يقول يخوّفكم بأوليائه فلا تخافوهم " . فالمرجعية هنا لشخص الأشجعي الذي لم يذكر صراحة في الآية وإنّما عُرف من خلال السياق المتمثل في معرفة أسباب النزول ، فالفرّاء (ت 207 ) أشار إلى إحدى أنواع الإحالة وهي السياقية وأن لم يصرح بهذا المصطلح .
وأشار المبرد (ت 285 ) إلى مفهوم الإحالة عبر تناوله للعلاقة بين المبتدأ والخبر من حيث إنَّهما يشيران إلى الشيء نفسه "فالخبر هو الابتداء في المعنى" ، فإن كانا مختلفين فيجب أن يكون في الخبر ذكر، فأن لم يكن على أحد هذين الوجهين فهو مُحال. ونظير ذلك :" زيد يذهب غلامه, وزيد أبوه قائم......ولو قلت زيد قام عمر لم يجز؛لأنك ذكرت اسما , ولم تخبر عنه بشيء ,إنما أخبرت عن غيره " ، بمعنى " خلو جملة الخبر من ضمير أو رابط يعود على المبتدأ " .
وأكد على ضرورة وجود الضمير في جملة الصلة إذ يتوقف صحتها من عدمها على وجود هذا الضمير من ذلك قوله :(رأيت الذي اللذان أبوهما منطلقان لم يجز ؛ لأن قولك أبواهما منطلقان صلة للذين , واللذان في صلة الذي وهما ابتداء لا خبر له فلم تتم الصلة, فأن قلتَ رأيتُ الذي اللذان أبواهما منطلقان في الدار لم يجز أيضا ، وإن كنت قد جئت بخبر ؛لأنه ليس في صلة الذي ما يرجع اليه) .
وأشار ابن يعيش (ت 643 ) إلى دور الضمير في الربط بين أجزاء الكلام وكونه مفسرا عند عرضه للفرق بين المضمر والمبهم بقوله:(إن المضمر في الغائب يبّين بما قبله وهو المظهر الذي يعود عليه المضمر نحو قولك :(زيد مررتُ به), والمبهم الذي هو اسم الإشارة يُفسّر بما بعده كقولك :هذا الرجل والثوب) ، فهو أشار إلى جملتين عرض في الأولى للضمير الغائب (الهاء)العائد على ما سبقه وهو (زيد)، والجملة الثانية ذكر اسم الإشارة (هذا )الذي هو من أدوات الإحالة والتي جاءت لتفسير ما بعده وهو(الرجل) وهذا النوع من المرجعية لاحقة .
وبيّن الرضي (ت 686 ) العلاقة بين الضمير ومرجعه عند حديثه عن جملة الخبر قائلا:(إنما احتاجت [الجملة] إلى الضمير؛لأن الضمير في الأصل كلام مستقل، فإذا قصدت جعلها جزء الكلام فلا بد من رابطة تربطها بالجزء الآخر، وتلك الرابطة هي الضمير إذ هو الموضوع لمثل هذا الغرض) ،
فإذا ما وصلنا إلى ابن هشام (ت 761 ) نجده حصر الجمل التي تحتاج إلى الضمير أو الرابط في انواع هي :
1- الخبر
2- الموصوف
3- صلة الموصول
4- الحال
5- المفسرة في باب الاشتغال
6- بدل الاشتمال
7- بدل البعض
8- معمول الصفة المشبهة
9- جواب الشرط المرفوع بالابتداء
10- العاملان في باب التنازع
11- الفاظ التوكيد المعنوي .
فهذه الأنواع التي ذكرها ابن هشام لابد لها من رابط وغالبًا ما يكون الضمير، ونلحظ أن الإحالة في هذه التراكيب من قبيل الإحالة القبلية ، وهي التي يرجع فيها الضمير إلى مفسر سابق في النص يبين المقصود من الضمير, وهي أيضًا من قبيل الإحالة الداخلية ؛لأن مرجع الضمير مصرح به في النص.
وإذا كانت الإحالة إحدى وسائل الربط بين عناصر النص ،فإنَّ ذلك لا يتحقق بالضمير فقط ، وإنما بما يقوم مقام الضمير في عملية الربط ويُراد منه أسماء الإشارة والأسماء الموصولة . وهذه دلالة واضحة على وجود الفكر الإحالي النصي عند نحاة العرب.