المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الإحالة في التراث العربي:3- الإحالة عند النقاد



فريال ريسان
05-07-2015, 11:51 PM
هذا الموضوع جزء من رسالتي التي قدمتها الى جامعة بغداد إذ أدرجتُ في هذا الموضع كل ماله صلة بشرح الدواوين ، وإشاراتهم النصية التي يمكن ان تُفهم من أقوالهم مستندة إلى امكاناتهم العلمية ومعرفتهم النحوية التي يملكونها ، ومن هولاء ثعلب (ت 291 ) الذي يُعدّ من النحاة البارزين غير أني في هذا الموضع اعتمدت على آرائه النقدية في بيان جمالية النصوص الأدبية التي قام بشرحها، والتدليل على مواطن الضعف والغموض في بعضها ، مع تبيان دور الضمائر ومرجعيتها في تحديد المعنى الذي أراده الشاعر ، فنجد أن أغلب إشاراته لمرجعية الضمير لا تخرج عن الآتي:
أ- بيان دور الضمير وإحالته إلى ما تقدم ذكره ، أو تأخر في البيت الواحد ، أو أكثر من ذلك.
ب- بيان أثر الضمير عند الإحالة إلى الخارج الذي لم يذكر في النص ، ولا
يوجد ما يُستدلُّ على العنصر المحال اليه إلا عبر المقام ؛أي (سياق الحال)، من ذلك استشهاده بقول زهير بن أبي سلمى :
متَى تَبعَثُوها تَبْعَثُوها ذَمِيْمَةٌ وَتَضْرَ إذا ضَرّيْتُمُوها فتَضْرَمِ ".
إذا ضريتموها؛ أي عوّدتموها يعني الحرب " . فهذه دلالة على مرجعية الضمير إلى سابق وهي الحرب التي ورد ذكرها في بيت سابق هو:
وما الحَربُ إلا ما عَلِمْتُم وَذُقْتُمُ وما هوَ عنها بالحَديثِ المُرَجَّمِ .
فثعلب لم يكتف بتحليل البيت الواحد وبيان العلاقات الرابطة فيه ،بل تجاوز التحليل للبيت الشعري الواحد، وهذه دلالة أخرى على فهمه للدراسات النصية والنظر الى الأبيات على أنها وحدة متكاملة غير مجزءة.
من ذلك قوله عند شرح قصيدة زهير بن أبي سلمى :
فاستَبدَلَت بَعدَنا داراً يَمانِية تَرَعَى الخَريفَ فأدنَى دارِها ظَلِمُ .
"استبدلت يعني أسماء....وظَلم :جبل وقيل موضع ومعدن" .
موضع الشاهد(استبدلت )أحال بالضمير على أسماء والتي ورد ذكرها في أبيات سابقة تمتد إلى ما يقارب ثمانية أبيات قبلها وذلك في قوله :
دارٌ لأسماءَ بالغَمَرين ماثلة كالوَحي ليس بها مِن أهلها أرِمُ .
وهذا النوع من الإحالة لما سبق موجود داخل النص ؛أي أنَّ الإحالة نصية قبلية،
ومن إشاراته للإحالة الخارجية ما جاء في قول زهير بن أبي سلمى :
ثَوَى بِرُزاءَ خَيرُ فَتَى أُناسٍ ثَوَى برُزاء وارتَحَلَ الوفُودُ .
مفسّرا الضمير الغائب المستتر في (ثوى ) إلى هرم بن سنان الذي قضى نحبه في (برزاء) وهي ارض لبني أسد .
ولم يسبق ذكر (لهرم بن سنان) وإنما عُرف من الظروف التي أحاطت بالنص والأخبار التي وردت في هذا الشأن ؛أي من المقام فالإحالة في هذا الموضع مقامية (سياقية).
وجاء التبريزي (ت502 ) الذي كانت له إضاءات في شرحه لديوان المتنبي تدلل على المساهمات النصية عند شراح الدواوين.
فمن تعليقاته على قول المتنبي :
أنامُ مِلء جُفوني عن شَوارِدِها وَيَسهرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ.
"الهاء في (شواردها)عائدة على كلماته" ,الموجودة في البيت السابق
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم.
فهو يشير بوضوح إلى إحالة القبلية (السابقة)النصية .
وله إشارات عن الإحالة البعدية الموجودة داخل النص من ذلك في تعليقه عن بيت للمتنبي :
أفسدت بيننا الأماناتِ عَينا ها وخانت قلوبهُنُّ العقولُ.
" زعم أنه أرسل رسولا لا يثق به، فلما نظر إلى عينيها تغير عن حال الأمانة
والهاء في (قلوبهن) تحتمل وجهين :أحدهما أن تكون راجعة إلى الأمانات , ويكون
قد استعار للأمانات قلوبا , وإنما يعني قلوب المؤتمنين , والآخر أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي هو المفعول ....والعقول في هذا القول فاعلة ...أي خانت العقول قلوبهن" .
ومن أقواله التي أحالها إلى مرجع خارجي قوله عن هذا البيت الشعري للمتنبي :
إنّ الخليفةَ لم يُسَمّك سَيفها حتى بَلاكَ فكنتَ عينَ الصارِم ِ.
"الهاء في (سيفها )عائدة على الدولة , وإذا كان المخاطب عالما بالغرض فالمضمر كأنه مظهر" , فإحالته للهاء على لفظة (الدولة )على الرغم من عدم ذكرها صراحة , إنما فُهم من سياق الكلام ،وهو ما أشار إليه التبريزي بعلم المخاطب، ومثل هذه الأمثلة والأنماط في الإحالة نجدها في أقوال العكبري(ت 616 ) في شرحه لأبيات المتنبي منها قول المتنبي :
من للسيوف بأن تكون سَمِيّه في أصله وفِرِندِهِ وَوَفائِهِ .
طُبِعَ الحديدُ فكان من أجناسهِ وعليّ المَطبُوعُ من آبائِهِ.
إذ يرى أنَّ الضمير في(تكون) للسيوف أما الضمير المستتر في (كان)الموجود في البيت الثاني فهو للحديد .
فالإحالة في هذا النص هي قبلية على مستوى البيت الواحد، وكذلك تناول الإحالة
على مستوى البيتين وأحيانا أُخر تتجاوزها ، مما يدلل على النظرة الكلية للنص
التي أوصلته إلى الربط الدلالي عن طريق الإحالة على الرغم من تباعد الاشارة
فيما بينهما. ولم يغفل عن الإشارة إلى الإحالة المقامية مستعينا بالسياق في شرح أبيات المتنبي :
وأنت المرءُ تُمرِضه الحشايا لهِمّته وتشفيهِ الحروب ُ
وما بكَ غيرُ حبكَ أن تراها وعَثِيرُها لأرجُلِهَا جنيبُ.
" فالضمير في تراها عائد للخيل ولم يجر لها ذكر إلا أنه قد تقدم ما دلَّ عليها من ذكر الحروب والطعان ، ثم ما يدل عليها في ثلاثة أبيات تالية " .
فالعكبري استدل بالسياق لتحديد المحال إليه مستفيدًا من بعض الالفاظ التي تعود للمجال الدلالي الذي تنتمي اليه لفظة (الخيل)التي لم يصرح بها الشاعر وغير مذكورة في الأبيات التي أشار اليها.
ولا يخفى أهمية العنصر الاحالي في توجيه المعنى ومعرفة ما يعود إليه ، وما لهذا التوجيه من أهمية في صحة المعنى والتركيب .
حتى اذا ما وصلنا الى حازم القرطاجني (ت 684 ) وجدنا جهوده تتسم
بالنضج في بلورة الأسس التي يقوم عليها النص عبر البحث عن وسائل وعلاقات تجعل من النص متماسكا ومتلاحمًا ، فكانت إشارته للإحالة ومفهومها في معرض حديثه عن الشروط التي ينبغي أن تتوافر في مواد الفصل وهي :( يجب أن تكون متناسبة المسموعات والمفهومات , حسنة الاطراد ,غير متخاذلة النسيج ,غير متميز بعضها عن بعض، التميّز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه ،لايشمله وغيره من الابيات بنية لفظية أو معنوية يتنزل بها منه منزلة الصدر من العجز ، أو العجز من الصدر ) .
وبعض هذه الشروط وثيقة الصلة بترابط النص , فهو يرى ضرورة الاتصال بين مكونات النص أو البيت الشعري مع ما يليه أو ما يسبقه , فضلًا عن إشارته للعلاقات بين الفصول وإيضاح الصلة بين الفصول السابقة واللاحقة والانتقال من الجزء الى الكل ,أو أن يكون رأس الفصل (العنوان) دالًا على مضامينه بمعنى أن يكون آخر الفصل استدلالا على ما تقدم منه ، فهذه الصياغة التي اقترحها القرطاجني في تحليل النصوص تدل على نظرته الشاملة وفهم دقيق للعلاقة الترابطية بين النصوص التي تؤديها الجوانب الشكلية والتي تسهم في خلق علاقات معنوية تساهم في تماسك وترابطه , وهذا المعنى يتضح في مفهوم الإحالة التي تضفي دلالة الربط وخلق علاقات متماسكة بين النصوص بعضها ببعض بما يسبقها أو يلحقها.

زهرة متفائلة
06-07-2015, 12:33 AM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

أهلا بكِ أختي " فريال "

أولا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثانيا : حيّاكِ الله وبيَّاكِ في منتدى الفصيح ، نزلتِ أهلا ووطئتِ سهلا ، نتمنى لكِ طيب المقام والإفادة ...
سعداء بانضمامك إلى ركب الفصحاء !

في الحقيقة / لم أقرأ بحثكِ المبارك والطيّب بعد ، وإنما أحببتُ الترحيب بكِ ...

ودمتِ موفقة ومسددة للخير دوما

نحن هنا
06-07-2015, 12:54 PM
أهلا بكِ أختي الكريمة
النقد اللغوي لم يخرج عن تحليل النحو أو الدلالة , وأعني بأو : أنه يندر أن نجدَ ناقدا يُلمُ بهما معًا ـ فيما أعلم ـ , لم تكن لديهم نظرة كلية إلى جميع أجزاء القصيدة أو إلى السياق كله وتوضيح للدلالات معًا وارتباط ذلك بعاطفة الشاعر .
تحيتي

فريال ريسان
10-07-2015, 07:33 PM
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
يسعدني ايضا ان اكون بينكم والانضمام الى قافلة طلبة العلم والمعرفة
واشكر ترحيبك الطيب اما بخصوص بحثي فبمشيئة الله ساقوم بنشره تباعا
مع تمنياتي الخالصة بان يوفقكم الله للخير ابدا

فريال ريسان
10-07-2015, 07:50 PM
اشكر تحيتك اختي الفاضلة اما بخصوص النقد فانها وان كانت شذرات موجزة في انطلاقاته الاولى وارتباطها بالذوق الفني والعاطفي للشاعر في العصر الجاهلي والاسلامي الا ان علماء العربية شهدت لهم اراء اظهرت فيها توسعا في هذا المجال ولعل حازم القرطاجني (684)تناول الامرين معا في التحليل تارة النحوي والاخر البلاغي مع بيان مواطن الضعف الدلالي في تحليل الابيات الشعرية ولم يقتصر الاراء النقدية عند حدود الشعراء الذين كانوا يمارسون النقد في التحكيم او عند حدود النحويين الذين يقومون الابيات التي يستشهدون بها او البلاغيين الذين كانوا اكثر تفصيلا بل توسع مجاله الى اراء علماء التفسير الذين تطرقوا الى بيان تماسك الايات القرانية عبر اشاراتهم للجوانب اللغوية والدلالية في تحليلهم فاعطوا بعدا شموليا لفهم السور