المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن الإفساد في الأرض



مهاجر
12-07-2015, 03:44 PM
ومن قوله تعالى :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ :
فذلك من الشرط الذي حد على جهة الوقوع الكثير لا النادر ، فطالما كان الوعظ ، وهو وعظ كثير بالنظر في مراته ، وبالنظر في الوعاظ ، فحذف الفاعل وبني الفعل لما لم يسم فاعله إذ ليس الفاعل واحد بل جمع كثير يروم استصلاح القوم فهو ينهاهم عن الإفساد ، ولا صلاح للدنيا إلا بهذه الطائفة فهي المنصورة الناجية ، فـ : (لَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) ، فالوصف : "يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ" : قيد ، فجاء على جهة المضارعة مئنة من الديمومة والاستمرار ، فتلك سنة جارية في كل الأعصار والأمصار فَيَحْسُنُ استحضار صورتها ، فالوصف الذي أنيط به حكم النجاة هو الإصلاح في الأرض في قول الرب جل وعلا : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ، فالمنطوق : أن لا هلاك بالإصلاح في الأرض ، والمفهوم : حصول الهلاك بالضد وهو الإفساد في الأرض ، فالحكم يدور مع عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، والإصلاح في الأرض يستلزم النهي عن الضد ، وهو الإفساد ، فالأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، فالنهي عن الإفساد طلب كف يستلزم الأمر بالفعل وهو الضد ، إذ لا تخلو نفس من إرادة الفعل فكفها عن السوء دون أمرها بالمعروف لا يكون في الخارج وإن حصل في الذهن صورة مجردة ، فليس خارجه إلا نفس تتحرك بإرادات شتى فإن لم تتحرك بإرادة الخير تحركت بالضد ، وإن لم تشتغل بتحصيل أسباب الحق اشتغلت بتحصيل أضدادها من أسباب الشر ، وإن لم تغتذ بشرائع السماء المنزلة اغتذت بشرائع الأرض المحدثة فحصل لها من الانشعاب والافتراق ما يوجب الخلاف والفساد ، فيكون الإفساد للأديان بالتبديل والتحريف ، ويكون الإفساد للأبدان بالتقتيل والتجريح ، ويكون الخوف إذ لا يحصل أمن إلا بسيادة الوحي فإذا عزل عن الولاية حصل من الفساد بقدره ، فالإفساد في الأرض مادته الرئيسة : تعطيل الوحي بتأويل أخباره وتعطيل أحكامه الشرعية والسياسية فضلا عن التقصير في شعائر الوحي والانحراف في التصور فهو مبدأُ كل شر إذ لا يكون حكم في الخارج بصلاح أو فساد إلا فرعا عن تصور يكافئه في الصحة أو الفساد ، والإصلاح على ضده لا يكون إلا باقتفاء آثار الوحي في القول والعمل جميعا ، فيكون الباطن على عقد التوحيد ، ويكون الظاهر على عقد التشريع ، والتوحيد والتشريع جميعا مادة نافعة للجنان والأركان ، ولا تنال زبدته الخالصة إلا من الشرعة الخاتمة التي جاءت بأصدق خبر وأعدل حكم ، فلا تضاهيها شرعة وإن بلغ أربابها ما بلغوا من جودة النظر ، فغايتها أن تصلح الخلل الطارئ إن لم تأت بفساد أعظم ! ، ولكنها لا تصلح الآجل في الأولى والآخرة ، فأي إصلاح لا يَنْهَجُ منهاج الوحي ، فهو إفساد في الأرض وإن زعم صاحبه الصلاح والتقوى ، فهو يروم التبديل والتعطيل بالتحريف الصريح تارة ، وبآخر يزعم التجديد تارة أخرى وهو يفسد الدين والدنيا معا فيكون ما نَرَاهُ الآن من هرج ومرج ! ، ولا أعجب من مفسد في الأرض ، يُنْهَى عن الفساد ، على حد التحريم والتجريم وإن لم يخل من دلالة إرشاد ومناصحة ، فيجيب بالضد على جهة التوكيد : (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) ، فَقَصَرَ بـ : "إِنَّمَا" ، وهي من أساليب القصر ، وهي ، من وجه آخر ، من أضعف أجناس القصر ، فكأن القوم إمعانا في الإنكار يظنون أن صلاحهم وإصلاحهم أمر بَيِّنٌ لا يحتاج إلى مزيد توكيد فلا ينكره إلا جاحد أو حاقد ! ، وذلك مئنة من فساد القصد أو فساد العقل إذ ظن إفساده إصلاحا وتلك دعوى يكذبها الشاهد ، فأكد إصلاحه المزعوم بالقصر ، فالخبر إنكاري إذ الخصم لا يصدق ابتداء ، فحسن إيراد المؤكد وما يغني عنه شيئا عند الرب المهيمن ، جل وعلا ، فجاء النقض بالضد : أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ : فثم استفتاح على جهة التنبيه ، وثم توكيد بالمؤكد الناسخ ، وضمير الفصل : "هم" ، واسمية الجملة ، وتعريف الجزأين قبل دخول الناسخ ، فأصل الكلام : هم المفسدون ، ودلالة : "أل" ، دلالة الاستغراق فالفساد كله قد اجتمع فيهم ! ، وزيد في التوكيد بالمصدر : "حقا" ، فهو مصدر ناب عن عامله .
وَلَكِنَّهُم لا يشعرون لفساد تصورهم ، فَفَسَدَ الحس إذ فسد التصور ، فَإِمَّا أنهم جاهلون وإما أنهم يَتَجَاهَلُون فهم يعلمون يقينا عظم فسادهم ولكنهم يتظاهرون بضده بل وَيَنْبِزُون المصلح بما انغمسوا فيه من فساد وإفساد ! .

ومن أعظم صور الإفساد في هذه الأعصار المتأخرة التي خفيت فيها آثار النبوة فظهر الجفاء في العقائد والأحكام : ما يجري الآن من تحريف لمحكمات الديانة باسم التجديد وحقيقته أنه إرضاء للطواغيت ، بإبطال ما يغضبهم من أحكام تخالف أهواءهم وأذواقهم بالكتمان تارة والتأويل أخرى ! ، فصارت المحكمات ظنيات ، وصار الاستمساك بالمحكمات أصولية وراديكالية ! ، فالتوسع في دائرة الظن ليس إلا خرصا ، فلا يورث الإنسان اليقين الذي تطمئن إليه النفس في التصور والإدراك ، وفي الإرادة والفعل ، فصار الجهاد ، على سبيل المثال ، من الظنيات التي تخضع للتأويل بل ومن المتشابهات المنسوخات ! ، فلا بد من استحداث معان جديدة تلاءم الخطاب المعاصر الذي يأنف ويشمئز من خطاب الشرع العتيق ! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، لَيْسَ إلا استنساخا لخطاب أوروبا في عصر النهضة لَمَّا عجزت الكنيسة بمقرراتها الفكرية المحرفة عن إشباع غريزة العقل الساعي في درك الحقائق ، وغريزة النفس الساعية في مسالك الإرادة ، فَقُوَّةُ العمل فَرْعٌ عَنْ قوة العلم ، فإن الإرادة لا تحدث في القلب إلا فرعا عن التصور ، والعمل تأويل ما يقوم بالقلب من إرادة ، فَعَمَلُ الجوارح الظاهر تأويلٌ لِعَمَلِ الجنان الباطن ، فلم تَفِ الكنيسة بحاجة الإنسان الأوروبي لا سيما بعد اطلاعه على معارف علمية تَجْرِيبِيَّة تخالف ما تَقَرَّرَ من علوم الكنيسة ، فكانت تلك بذرة الحداثة في أرض تقبلها فإنها تجد حرجا في اتباع التراث ، فهو تراث محرف ! ، فلا بد من إحداث مرجعيات فكرية جديدة تضاهي المرجعية الكنسية بل وتضادها ، إذ معها من دلائل النظر والحس ما يَنْقُضُ مقررات الكنيسة نقضا ، فمعها منهاج النقد التاريخي الذي أبطل نسبة النص ، ومعها المنهاج التجريبي الذي أبطل كثيرا من الحقائق والمسلَّمَاتِ العلمية في محيط الدرس الكنسي ، وكلاهما عند التدبر والنظر ، من وافد الخير من دار الخصم ، فهل فقهت أوروبا ما فقهت من مناهج الدرس الحديث إلا بما نقلت من الأندلس ، طليعة الإسلام في أوروبا ، ومنارة الغرب التي بددت ظلمة العقل الأوروبي ، فهل يجد أتباع الدين الصحيح الذين تَرَبوا في مهاد درسه وفكره ، هل يجدون من التَّنَاقض ما وجده العقل الأوروبي ليكون ذلك ذريعة إلى مشاريع إصلاحية تخرج بالدين عن طريقته المثلى ، لا سيما مع بزوغ نجم أوروبا في عصر النهضة ، وتراجع دور المسلمين في حركة الفكر والسياسة ، فضلا عن تراجع قوتهم العسكرية الرادعة ، التي كانت يوما ما القوة المانعة الفاتحة التي حملت رسالة الوحي شرقا وغربا ، وما كان ذلك الانحراف والتراجع إلا بما أصابهم من انحراف في العقد والسلوك ، وجمود في الفكر ، وتقليد في الفقه ، فأصابت الهزيمة النفسية كبد الحركة الإصلاحية الحديثة فراحت هي الأخرى تسلك مسلك الحداثة ! ، فكانت نظرتها المشككة في السنة ، مع ضعف آلة البحث أو انعدامها بإقرار المصلحين الجدد ! ، فلا تكاد تجد فيهم عالما بأصول الرواية ، فمعيار النقد الأول بل والأوحد ! عندهم هو العقل المجرد الذي لا يهتدي بهدي الوحي ، بل يرى ذلك تقليدا مذموما ! ، فثم كبر وعجب أصاب العقل أن بلغ من النظر ما بلغ ، وهو ، لَوْ تَدَبَّرَ صاحبه ، لا ينفك يفتقر إلى الوحي في موارد الغيب والتوقيف التي لا تنال إلا باقتفاء آثار الرسالة ، متواترة كانت أو آحادا ، فإن صحة الخبر ، وَثُبُوتَ نسبته إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاف في حصول الهداية بالتصديق خبرا ، والامتثال حكما ، وذلك ما يحصل باتباع الكتاب الذي يعم المتلو المتعبد بلفظه والمدون المتعبد بمعناه ، فصحة الأخبار ، وذلك ، كما تقدم ، أمر لا يدركه إلا أرباب الشأن ممن فقهوا أصول النقد ومعايير الصحة والضعف التي سلم بها المخالف بل واستعان بها في نقد كتبه المقدسة ! ، في دور الحداثة الذي وجد في الدرس الإسلامي لَأْمَةَ حرب على الكنيسة وكهنتها الذين احتكروا موارد العلم ، فأبطلوا دلالة العقل وحظروا عليه أن ينظر ويتدبر ، وأن يجرب ويكتشف إلا ما يوافق مقررات الكنيسة ، فهي الوحي المعصوم ، إذ نسبتها إلى الرب المعبود ، تبارك وتعالى ، نسبة قطع ! ، وإن افتقرت إلى شروط الصحة في النقل ، بل وعدمت إلى النبوة إسنادا ، ولو واحدا لا تقوم به حجة ! ، فليس إلا وجادات كتبها بشر فداخلها من التبديل في ألفاظها والتحريف في معانيها ما داخلها ، لا سيما والعقول تتفاوت في تأويل الألفاظ أيما تفاوت ! ، واسترقوا الروح بوعود الغفران ودخول الملكوت فلا يكون ذلك إلا عَبْرَ رجال الإكليروس الذين يحكمون رعايا الكنيسة باسم الله ، جل وعلا ! ، فكانت طريقة الإصلاح الديني ، خروجا عن الألفاظ بالقدح في صحتها استنادا إلى عقل مجرد لم يؤت حظا من علوم الإسناد ليجتهد في تحرير الأسانيد صحة وضعفا ، وما سلم من القدح في الصحة ، لم يسلم من التأويل تقريبا للأذهان على طريقة ابن سينا في تهذيب الفلسفة وتقريبها إلى الإسلام مع إلباسها ثوب الاصطلاح الشرعي ! ، وهو ما نهجه الغزالي ، رحمه الله ، وإن نقد الفلاسفة نقدا لاذعا ، فلم يسلم من شوب فلسفة في كلامه يورث الناظر فيه شكا إن كان من أهل الديانة الراسخة ، وإن زعزع رأي الفيلسوف فهو يقربه من الوحي ، وهو ما نهجه ، أيضا ، ابن رشد ، إذ انتصر للفلاسفة من الغَزَّالِيِّ في "تهافت التهافت" ، فقد قرب الفلسفة من الدين وأثبت كمال الاتصال بين الفلسفة والشريعة ! ، مع ما بينهما من التناقض ، فأعطى التأويل مساحة عظمى في محيط الدرس الإسلامي ، واستعان بالمجاز الذي صار ذريعة إلى نقض قطعيات الدين ، فصارت نصوص الإلهيات التي نزلت بأفصح لفظ صارت جملة من المجازات عن الذات فليس ثم في الخارج حقيقة تزيد على الذات المجردة التي أثبتها الفلاسفة في الخارج مع استحالة ذلك إلا في الذهن الذي يجرد الحقائق ، وصارت الأسماء مجازا في حق الخالق ، جل وعلا ، وصارت صفات الخبر كالوجه واليد والقدم ... إلخ ، مجازات ، فيجب تأويل الألفاظ إذ تُوهِمُ التشبيه والتجسيم ، وصارت صفات الفعل مئنة من الحدوث الذي يَتَنَزَّهُ عنه الرب ، جل وعلا ، فوجب تأويلها بالإرادة ، وصارت نسبة الفعل إلى الله ، جل وعلا ، مجازا ، ولو من جهة الخلق ، فَالرَّبُّ ، جل وعلا ، خالق الأعيان والأفعال جميعا ، فصار ذلك عندهم مَجَازًا ! ، فهو من فعل العبد مطلقا ! ، وقلب أهل الجبر الآية فنسبة الفعل إلى العبد مجاز ! ، فهو فعل الرب ، جل وعلا ، مطلقا ، وصار الكلام مجازا في اللفظ ، فليس إلا المعنى القائم بالنفس ، وإن لم يكن ثَمَّ لفظ يدل عليه ، وحقيقة الأمر أن ذلك جزء من معناه ، فاللفظ : معنى مفهم ولفظ مسمع ، وصار الإيمان مجازا في العمل فليس إلا التصديق المجرد أو القول المصدق في أحسن أحواله ، فالمجاز الذي توسع فيه المتأولة صار ذريعة إلى إبطال النصوص الخبرية بل وزاد من زاد من أهل الباطن فَتَذَرَّعَ بالتأويل إلى إبطال النصوص الحكمية ، فصارت الشرائع مجازات لا يدرك معانيها إلا أهل التحقيق على وجه يسوغ لهم الانعتاق من ربقة التكليف فقد خاضوا من بحور التأويل ما تحرج الأنبياء عليهم السلام أن يخوضوه بل وعجزوا فلم يؤتوا من العلم إلا علم الظاهر الذي يلائم مدارك العامة ، خلافا لعلم الباطن الذي يلائم مدارك الخواص ، ولم يسلم هذا التيار الإصلاحي من تساهل في التشريع بالتماس وجوه من التأويل دَقِيقَةٍ أفضت إلى اختيار أقوال ضعيفة بل ومهجورة وتكلف من تكلف في الانتصار لها ، بتصحيح الضعيف ، وتضعيف الصحيح ! ، واختيار الدلالة الأبعد الأغرب ، واستقراء الأدلة استقراء ناقصا يغض الطرف جهلا أو قصدا ! عن الأدلة التي تبطل قوله ، وذلك دأب المحدثة في العقائد والمقلدة المتعصبة في الشرائع ، فلا تجدهم إلا وهم يكتمون من النصوص ما ينقض قولهم ، فإن ظهر اجتهدوا في إبطال دلالته بنسخ أو تأويل بلا قرينة صحيحة ! ، فأي دليل يخالف قولنا فهو منسوخ أو مؤول على وجه يطوع فيه النص ليوافق قول الناظر الذي صار مستدلا بالوحي نافلة إذ قطع الأمر فاعتقد ثم راح يبحث في النصوص عما يشهد لقوله ! .

وكان هذا المنهاج الإصلاحي الذي اعتمد العقل مستندا رئيسا ، كان ذريعة إلى منهاج حداثي ثائر ، على وزان اللاهوت البروتستانتي الإصلاحي الذي كان أول معول في بُنْيَان الكاثوليكية ، ثم لم يلبث أن جاء اللاهوت الثوري الفرنسي ! ، الذي أطلق رصاصة الرحمة على الكنيسة بعد أن أثخنت بجراح التحريف في الفكر والانحراف في القول والفعل ، فهل كان علاج ما حصل من انحراف في الأعصار المتأخرة في ديار الإسلام لعزوفها عن مقررات الوحي الصحيح ، هل كان علاجه اتباع سنن أوروبا حذو القذة بالقذة ! ، إذ لم يكن لها مستمد صحيح من الوحي فَلَمْ تعرف منه إلا الوحي المبدل المحرف ، ولم يكن الدين في ذاكرتها الجمعية إلا حلقات من الاستبداد والظلم والتواطؤ مع الملك الجائر مع إظهار رسوم الزهد الزائف ، وتلك أمور لا يخلو منها استبداد سواء أكان في دار الإسلام أم في غيرها ، فلا بد من علماء سوء يضفون الشَّرْعِيَّةَ على الظالم المستبد فيجتهدون في تخريج أقواله الباطلة وأعماله الجائرة على نصوص الوحي ، فقوله الصدق وحكمه العدل ، وإن اجتهد في إبطال الدين مع زعمه الكاذب أنه يروم التجديد والإصلاح ! ، وسعى في الإفساد في الأرض بسفك الدم وانتهاك الحرمات وهدم البنيان وسائر صنوف البطش ، فليس إلا القوة العسكرية المسلحة والقوة الفكرية المدجنة التي تدل على فساد وإفلاس عظيم فهو يجتهد في إرضاء أعداء الديانة بإذلال أهلها ، وإن شئت فقل يخدعهم إذ يخوفوهم بالحق فهو السد المنيع الحائل بينه وبينهم ! ، فلا يخلو زمان من أحبار سوء أفسدوا الدين بما أحدثوا من المقالات ، وأفسدوا الدنيا بما سكتوا عنه من ظلامات ، بل ونصروها ونافحوا عنها ، واستعملوا ما استحفظوا عليه من إرث النبوة في مداهنة الظالم ، وتعبيد الناس له ، والشناعة على أهل الحق ونعتهم بالإفساد والإحداث في الأرض ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، جار مجرى : رمتني بدائها وانسلت ، فلم يمتثلوا النصيحة أن : (لَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) ، فهذه المقابلة بين النفي والإثبات تجري مجرى الحصر ، فتأويلها في اللسان الفصيح أن : لا تخشوا إلا الله ، جل وعلا ، إذ انتفى الأمر في حق من سواه ، فاخشوه وحده ، ولا تخشوا أحدا غيره ، وذلك يقضي أن لا يداهن العلماء الأمراءَ ، بل يجب عليهم أن يجهروا بالحق بما أخذ عليهم من ميثاق البلاغ والبيان ، فـ : (أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) ، فلا تكتموا اللفظ ولا تبدلوا المعنى ، فإن بلاغ اللفظ دون بيان معناه فساد في القصد أو عِيٍّ في الفهم ، فلا يحصل المراد بلفظ مجرد ، لا سيما إن كان حمالا لأوجه ، فلا بد من بيان وجه الحق المؤيد بدلائل النقل والعقل ، فلا يرد بتأويل مهجور في اللسان ، أو ممجوج في الجنان العاقل ، فلا تجد حبر سوء يسعى في تبديل الشرع وإقرار الظلم إلا وهو يكتم من الحق بقدر ما يحدث من الباطل ، ويكره من الوحي ما يبطل قوله المحدث ، فهو يعمل بضد الأمر في الآية ، فيخشى الناس ولا يخشى الله ، جل وعلا ، فيجتهد أن يرضي الظالم ولو بإسخاط الإله القادر ، جل وعلا ، فلا يزداد في نظر مخدومه إلا صغارا وحقارا ولا تجد له في قلوب الناس صالحهم وطالحهم إلا البغض والكره ، وتلك عاجل العقوبة ! ، فَقَدْ ناله ضد ما أراد من رضا الناس فسخط عليه الله ، جل وعلا ، وأسخط عليه الناس جميعا ، من وافق ومن خالف ، مع ما ادخر له من عظيم العقاب إن مات على ما هو عليه من زيغ وضلال ، فكل أولئك مما حدث ولا زال في دور الإسلام ، ولكن ذلك لم يَبْلُغ في الوصف والقدر ما حصل في أوروبا ، وهو أمر يمكن علاجه ، وإن عسر على الطبيب الماهر مع ما ترى من فشو الظلم ودروس العدل إذ منارة الحكم الراشد قد هدمت ، وكتابه قد عطل وسيفه قد أغمد ، ولكنه باق بما حفظ من منهاجه فتلك خاصة الأمة الخاتمة بما امتن به الرب ، جل وعلا ، عليها من حفظ الشريعة ، فالذكر وإن عطل فهو محفوظ فَإِلَيْهِ يمكن الرجوع في أي مشروع إصلاح وتجديد معتبر لا الإصلاح الذي نهجته المدرسة العقلية الحديثة فَنَهَجَت التأويل إرضاء للخصم الذي انحطت مداركه بانغماسه في موارد الحس الغليظ فَلَا يؤمن إلا بما يجد آثاره المحسوسة ، مع أن الإيمان لا يكون إلا بالتسليم والانقياد لخبر الغيب ، ولو في أمور الدنيا التي لا يدركها الحس ، فَكَيْفَ بالإلهيات وسائر مَوَارِدِ الغيب الأشرف الذي لا تحصل النجاة إلا بالإيمان به الإيمان المطلق ولو لم يدل عليه العقل فهو في أدنى أحواله لا يحيله ، فالوحي يأتي بأمور واجبة أو جائزة في العقل وإن حار في حقائقها في الخارج فلا يحيل مَعَانِيهَا في الذهن وذلك ، عند التدبر والنظر ، مناط التكليف بالإيمان بالغيب الذي امتاز به الإنسان الفاضل عن البهيم العاطل ، فأبى أولئك إلا أن ينحطوا إلى دركة البهائم ، وأبى أرباب المنهاج العقلي الحديث ، وإن انتسبوا إلى الدين ، وحسن قصد كثير منهم ، أبوا إلا أن يجتهدوا في إرضاء أولئك في تكلف تأويلات تضاهي تأويلات المتقدمين من أهل الاعتزال ، وربما أهل الباطن ! ، مع الفارق في الوصف والقدر ، فلا تخرج جميعا إلا من مشكاة الازدراء للوحي ، قولا أو لازما له ، ولا تَنْفَكُّ تقترن بالطعن في السلف المتقدم ، صدر الأمة الأعظم ، الذين نقلوا الوحي لفظا ومعنى ، فهم أجمع الناس لألفاظه وأدرى الناس بمعانيه ، وهو ما يخالف قدرا عظيما من أقوال المتأولة قديما وحديثا ، فضلا عن أقوام هم زنادقة خرجوا عن الدين وإن أظهروا الانتساب إليه فمخالفتهم للسلف أعظم وأظهر ، فالجميع قد تواطؤا على القدح في السلف ، تصريحا أو تلميحا ، فمن فحش طعن فيهم صراحة من تكفيرهم إلى اتهامهم بحب الدنيا والاجتهاد في تحصيل أسبابها والاقتتال وسفك الدماء سعيا في نوالها ، وتلك فرية الاستشراق التي ابتلعها من ابتلعها من الكتاب المعاصرين على مَرَارَتِهَا ، فهي عندهم الحق المر ! ، وليست إلا باطلا وإن كان ثم اجتهاد أخطأ في مواضع فليسوا محال عصمة كمحال النبوة ، ولا تخلو أقوالهم وأفعالهم من هَنَّاتٍ لا تصمد لعظيم بلائهم وبذلهم نصرة للوحي وحملا لرسالته ، فهي مغمورة في بحار حسناتهم الماحية ، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث ، فكيف إذا كان قلالا عظيمة ، وكان الخبث غير متمحض إذ شَابَه ما شَابَه من تأويل معتبر ، أو تأويل ضَعُفَ ولكنه في أدنى أحواله يرفع الحكم والإثم جميعا وإن كان الحق في مواضع الخلاف واحدا لا يَتَعَدَّدُ ولكنه يخفى لا سيما في مسائل العمل التي يدق فيها النظر كالقصاص والقتال حال البغي .

ولا يخلو هذا المنهاج العقلي الحديث من تهوين لقدر الإجماع ، بل وربما إنكاره صراحة ، وذلك مسلك سلكه الفلاسفة كابن رشد ، رحمه الله ، فقد وضع ، كما يقول بعض الباحثين ، قيودا على الإجماع تجعل تحققه أمرا عسيرا وربما مستحيلا ، وإن لم ينكره كما أنكرته طوائف أخرى ، فـ : "ليس يمكن أن يتقرر الإجماع في مسألة نظرية ما إلا أن يكون ذلك العصر عندنا محصورا ، وأن يكون جميع العلماء الموجودين في ذلك العصر معلومين عندنا أعني معلوما أشخاصهم ومبلغ عددهم ، وأن ينقل إلينا في المسألة مذهب كل واحد منهم فيها نقل تواتر، ويكون مع هذا كله قد صح عندنا أن العلماء الموجودين في ذلك الزمان متفقون على أنه ليس في الشرع ظاهر وباطن" . اهـ
فهو يدخل أهل التأويلات الذين جعلوا للشرع ظاهرا وباطنا ، يدخلهم في زمرة الإجماع فيعتد بخلافهم ، وذلك ما يجعل حصول الإجماع ولو في مسألة قطعية أمرا عسير المنال فَلِأَيِّ متأول أن يسلك ما شاء من ضروب التأويل الباطن لظاهر النص وإن كانت دلالته قطعية ، فكيف إن كانت ظنية فتأويلها أيسر من باب أولى ، وذلك ما يسوغ الخروج الآمن عن نصوص الشرع في العقائد والأحكام جميعا ! ، قطعية كانت أو ظنية ، فليس ثم إجماع يستند إليه في هذا الباب يُلْزِمُ النظار أن يقفوا على ظاهر النص المتبادر ! ، مع ما تقدم من الانتقاص لأهل الإجماع من الصدر الأول ، فالطعن في غيرهم أيسر ! ، سواء أكان ذلك بالتصريح أم بالتلميح مع إظهار التعظيم لهم فهم سذج بله راموا السلامة ففوضوا الأمر ولم يخوضوا بحار التأويل التي خاضها النظار والمتأولة من بعدهم إذ علمهم أوسع وطريقهم أحكم ، فطريقة السلف أسلم فهي تلائم العامة البله ، وطريقة الخلف هي الأعلم والأحكم فتلائم الخاصة من أهل النظر والتحقيق ، فأي ازدراء للوحي ذلك وإن أظهر أصحابه التعظيم لألفاظه ، تلاوة وحفظا ، فليس لهم منه إلا الأماني ، إذ عطلوا معانيه ودلالاته وخرجوا عن منهاجه المحكم إلى متشابه تأويلاتهم في الأخبار والأحكام جميعا ، بذريعة تقريب الحق لأهل الباطل ليرضوا عنه ويقبلوا الدخول فيه وإن لم يدخلوا في السلم كافة ، فقد دخلوا في سلم مؤول حرفت ألفاظه وعطلت أحكامه وصار عقدا ساذجا كالعقد البروتستانتي الإصلاحي الذي سار هذا المنهاج الإصلاحي نسخة منه ، وصار كالأول ذريعة تالية لما يروج له الآن من الثورة الدينية الكبرى فلم يعد إصلاح المدرسة العقلية الحديثة كافيا في نزع أنياب التطرف والأصولية فلا بد من ثورة كالثورة الفرنسية تطلق هي الأخرى رصاصة الرحمة على الفكر الأصولي المتطرف الذي يجمد على ظواهر النصوص ويستمسك بفقه القرون الوسطى الذي لا يلائم رسوم المدنية المعاصرة ، وتلك خطورة الدعوى الانهزامية التي نالتها دعاية الباطل في مقتل فراحت تروج لخطاب وسطي معتدل يرضي جميع الأطراف ولو بإهدار الحق بكتمان ألفاظه وتحريف دلالاته ولا يكون رد الفعل على ذلك إلا تعصبا في الطرف المقابل يروم دفع هذه الغارة فيصيبه من الجمود على ظواهر النصوص ما قد يبطل دلالات الألفاظ ومناطات الأحكام ومقاصد الشريعة ففي مقابل الأولين الذين جعلوا فقه الواقع وروح الشريعة ومقاصدها ... إلخ من المصطلحات الفضفاضة ، في مقابله ، كان تشدد الآخرين في إنكار ذلك مطلقا ، والحق ، كما تقدم مرارا ، وسط بين طرفين ، وبذريعة التيسير على الناس لئلا يقعوا في الحرج نهجت هذه المدرسة طريق التلفيق في الفقه فكان تتبع الأقوال المرجوحة بل وربما المهجورة في المذاهب وتكلف وجوه التأويل الباطل لها طلبا للتيسير وحقيقته الخروج عن الشريعة بِتَتَبُّعِ زلات علمائها ! ، وفي مقابله : كان ما تقدم من جمود على ألفاظ الشريعة ، فذلك أمر يعم العقائد والتصورات والشعائر والشرائع والسياسات ، ولكل حظه من التفريط وما يضاده لزوما من الإفراط فتلك طبائع الأخلاق ، والقصد والاعتدال سبيل من سبل النجاة في هذه الفتن المتتابعة تَتَابُعَ الحصير عودا عودا .

والله أعلى وأعلم .