المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من نصوص الاعتبار



مهاجر
14-07-2015, 03:34 PM
مما تقرر في أصول الاعتقاد أن الحجة إنما تقوم بعلوم ظاهرة يسيرة المأخذ فهي مما تجده النفس ضرورة ، فالاعتبار فيها يحصل لكل ناظر بلا أدنى كلفة أو مشقة ، فلا تقوم حجة عامة بمسالك دقيقة من النظر لا يدركها إلا آحاد الأذكياء ، فالحجة يستوي فيها جميع الناس ، وإن حصل تفاوت في التدبر فذلك محله ما زاد من الفروع وما استنبط من لطائف هي تأويل الأمر بالنظر والاعتبار ، في نحو قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، والاعتبار من الافتعال ، وهو مئنة من طلب الشيء وتكلفه ، ففيه حض على طلب العبرة بقياس النظير على نظيره ، والأمر مئنة من الإيجاب ما لم ترد قرينة صارفة ، وهو في هذا الموضع يحتمل كلا الوجهين ، فالسياق يجعله إيجابا ملزما بالنظر في مآل الظالمين الذين جحدوا الرسالة وسعوا في قتل صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أمر يعم بالقياس العقلي الصريح كل من سعى في حرب الدين وأهله وسعى في قتل الموحدين وإيذائهم فلا ينال أذاه إلا من جهر بالحق ، فمآل من سبق عبرة لمن عقل إذ التساوي في الفعل والوصف ينتج تساويا في الحكم والمآل ، وليس ثم ما يمنع من حمله على الندب إذ ثَمَّ من مواضع الاعتبار اللطيف ما ليس واجبا على كل أحد لتفاوت المدارك في النظر والاستدلال ، فثم من دقائق المعاني وغوامض الفروع ما يحصل للناظر بالاعتبار ، وهو ، بداهة ، ليس واجبا على كل أحد ، إذ ليس من الأصول التي لا تحصل نجاة إلا بدركها ، بل هو زيادة نفل وإن وجب في أحوال ولو على جهة الكفاية في حق آحاد من المجتهدين فذلك من حفظ الدين الذي تكفل به الرب ، جل وعلا ، إذ صنع رجالا واصطفاهم ليحملوا علوم هذه الشريعة سواء أكانت غايات أم آلات ، فيكون الأمر بالاعتبار على هذا الوجه جاريا مجرى الاشتراك إذ صح حمله على أكثر من معنى : الإيجاب والندب ، أو هو جار مجرى الاشتراك المعنوي إذ ثم قدر مشترك بينهما وهو ترجح جانب الفعل على الترك ، وإن كان في الإيجاب على سبيل الإلزام ، وفي الندب على سبيل الاختيار ، فذلك القدر الفارق ، فَبَيْنَهُمَا قدر مشترك وهو : مشروعية الفعل بل وطلبه على سبيل الرجحان ، وَبَيْنَهُمَا قدر فارق وهو القدر الزائد في الإيجاب فثم طلب وإلزام ، خلاف الندب فهو طلب واختيار .

ومادة : "عَبَرَ" : مئنة من تجاوز طرف إلى آخر ، كما ذكر صاحب "اللسان" رحمه الله ، فـ : "يُقَالُ : فُلَانٌ فِي ذَلِكَ العِبر أَي فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ . وعَبَرْت النهرَ وَالطَّرِيقَ أَعْبُره عَبْراً وعُبوراً إِذا قَطَعْتَهُ مِنْ هَذَا العِبْر إِلى ذَلِكَ العِبر" ، فاستعير هذا المعنى المحسوس للمعنى المعقول ، إذ المعتبر حال الرؤيا ينتقل من طرف المثال المضروب في الرؤيا إلى طرف الحقيقة التي تدل عليها في الخارج ، فالرؤيا : (إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) ، وتأويل يوسف عليه السلام : (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) ، فهو اعْتِبَارُ المحسوس في الخارج بالمثل المضروب في الذهن ، فتأول رؤياهم تفسيرا ، وتأول القوم أمره بالزراعة والحصد والحفظ والاقتصاد في الأكل ، وهو ما كان بعد ذلك بإذن الرب العليم القدير ، تبارك وتعالى ، فَانْتَقَل من المثل المعقول إلى الحدث المحسوس الذي وقع تأويله في الخارج كما أخبر يوسف عليه السلام فذلك في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، قطع ، فرؤى الأنبياء حق ، وفي حق غيرهم اجتهاد كحال أبي بكر ، رضي الله عنه ، فـ : "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا" ، فهم يجتهدون في القياس وذلك مورد اجتهاد يحتمل الإصابة والخطأ في حق غير الأنبياء عليهم السلام ، وأما الأنبياء فإخبارهم بالغيب أو الشرع وبيانهم له بالنص أو القياس أو الاجتهاد بيان معصوم لأن الوحي لا يقرهم على خلاف الأولى فضلا أن يقرهم على باطل فذلك يمتنع من باب أولى وإلا بطلت الحجة الرسالية إذ جاز الخطأ على الرسل عليهم السلام في البلاغ أو البيان ! ، وبيان الوحي يسعف النبي في موارد السؤال والاجتهاد ، وذلك وقت حاجة ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة كما قرر أهل الأصول ولذلك كان سكوت الوحي المجرد بَيَانًا إذ السكوت في موضع الْبَيَانِ : بَيَانٌ ، فـ : "عَبَرَ الرُؤيا يَعْبُرُها عَبْراً وعِبارةً وعبَّرها: فسَّرها وأَخبر بما يؤول إِليه أَمرُها. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ" ، وهو معنى يتعدى إلى جميع صور الاعتبار بمضاهاة النظير بنظيره فذلك قياس العقل الصريح فنظير الحق حق ونظير الباطل باطل ، فـ : "الْعَابِرُ : الَّذِي يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ فيَعْبُره أَي يَعْتَبِرُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَقَعَ فهمُه عَلَيْهِ" ، ففي الأحكام يتجاوز المعتبر من طرف الأصل إلى طرف الفرع لعلة جامعة ، هي المعبر الذي يسلكه العقل ، فإن كان المعنى حاصلا في الفرع حصولا يزيد عن الفرع فذلك قياس الأولى الذي يصح الاعتبار به في الإلهيات ، وَذَلِكَ مَوْرِدٌ يصح فيه إعمال النظر ، إذ يحصل به معنى صحيح نافع ، يوافق ما جاء به الوحي من إثبات الكمال المطلق لِلرَّبِّ المهيمن ، تبارك وتعالى ، فـ : (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فَخَضَعَ العقل لسلطان الوحي ، وجاء بنظر صحيح واعتبار نافع يؤيد ما أخبر به الوحي ، وإن كان المعنى حاصلا في الفرع حصوله في الأصل فذلك القياس المساوي ، وإن كان حاصلا فيه دون الأصل فذلك القياس الأدنى ، وَفِي كلها يَعْبُرُ العقل من طرف إلى آخر على وجه يَسْتَوْعِبُ ما يحدث من نوازل ، فالقياس أصل من أصول الشريعة ، ورافد من روافدها فهو يمدها بمدد نافع من المعاني الصحيحة التي يصلح بها الحال والمآل ، وفيها معنى زائد لا تجده في الشرائع المحدثة ، وهو معنى التعبد ، فامتثالها دين ، والدين غذاء القلب ، وأما امتثال الشرائع المحدثة ، فلا يزيد أن يكون قانونا ينظم أمور الدنيا ويرتبها فلا التفات فيه لمعنى التعبد ، فلا يحصل به من نفع الباطن ما يحصل بامتثال أمر الشرع ، فخبر الوحي ، نصا أو اعتبارا ، يحصل به النفع الباطن عبادة ، والنفع الظاهر تَرْتِيبًا وإدارة لأمور الدنيا ، فالشريعة لا تحض على خراب العالم ! ، بما أحدث المتزهدة من رسوم الرياضة التي صارت عطالة وبطالة هجر أصحابها الأمر بالسير في الأرض اعتبارا ، فذلك ، أيضا ، من الاعتبار الصحيح إذ يحصل معنى نافع بقياس الطرد والعكس ، فمن نظر في مآل الظالمين اعتبر ، فَإِنَّ من وَافَقَهُم في الوصف وَافَقَهُم في الحكم ، فَنَالَه ما نالهم من العذاب ، فذلك الاعتبار حال الطرد ، ومن خالفهم حصل له الضد ، فذلك الاعتبار حال العكس ، فاطرد القياس وانعكس ، وذلك أمر يجري في الأخبار والأحكام ، فـ : (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، فالنظر في الآية : نظر التدبر ، لقرينة الحال : "كيف" ، والنظر في الأحوال المعقولة يكون بالاعتبار والتفكر ، ولا إشكال في حمله على نظر البصر ، أيضا ، إذ هو مبدأ التفكر ، فإن بصر العين أول ما يجد الناظر ، ثم يسلك الجنان مسالك النظر والتدبر في المعنى الذي يحصل في القلب فهو أَثَرُ الحس الظاهر ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الظاهر والباطن ، فالظاهر مبدأ والباطن آخر ، فما يحصل في الخارج يسلك طريقا من النظر ، من نظر العين بصرا إلى نظر القلب بصيرة ، فيجتهد العقل أن يستنبط معنى يصح به الاعتبار طردا وعكسا ، فإذا كان النص في عاقبة أمة كفرت ، كان المعنى الذي يحصل به الاعتبار هو الكفر ، وكان الحكم هو الأخذ ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ) ، فدلالة التشبيه يحصل بها الحد على جهة التمثيل فما ذكر من آحاد الأخذ لقوم نوح وهود وصالح وشعيب وفرعون وآله ، هو حد بالمثال لأخذ ذي الجلال ، تبارك وتعالى ، للقرى و : (هِيَ ظَالِمَةٌ) ، والحال مقيدة ، وهي ، عند التدبر والنظر ، مناط الحكم ، وهو مما ينصرف إلى الظلم الأكبر لقرينة السياق الأخص ، إذ الأخبار : أخبار أمم كفرت برسالات ربها ، جل وعلا ، فحصل لها من الأخذ الشديد ما يعتبر به العاقل ألا يقع في الكفر ، ولا يتبع أمر الظالم كما اتبع آل فرعون أمره السفيه فلا رشاد فيه ولا صلاح في أولى أو آخرة ، فمن عَقَلَ أخذ على يد الظالم إن استطاع ، أو جانبه واعتزله إن عجز لئلا يشركه في الإثم ، فعجبا لمن ظاهروا الظالم فأبوا إلا أن يتحملوا معه كفلا من أديان عطلت ، ودماء سفكت ، وحرمات انتهكت ! ، وما ذلك بمنقص من وزره شيئا ، فينصرف الظلم إلى الظلم الأكبر لقرينة السياق الأخص ، كما تقدم ، وقرينة الاصطلاح الشرعي الأعم ، إذ الأصل في ألفاظ الأسماء والأحكام أن تحمل على المعنى الأكبر ما لم ترد قرينة توجب حملها على المعنى الأصغر ، فينصرف الكفر والظلم والفسق ..... إلخ على المعنى الأكبر حتى ترد فرينة تصرفه إلى المعنى الأصغر ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" ، فذلك ظلم أصغر ، إذ غصب الأرض لا ينقض أصل الدين وإن نقض كماله الواجب فصاحبه أهلٌ للوعيد ، وإن مؤقتا ، فالوعيد في الحديث مئنة أن الفعل كبيرة ، فذلك من أمارات الكبيرة كما حدها أهل الشأن ، وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت المشيئة إن ماتوا على التوحيد في الجملة ، فلا يكفرون باقتراف الكبيرة إلا إن كانت في نفسها تنقض أصل الإيمان كالشرك الأكبر والسحر الذي يكفر صاحبه ، أو فَعَلَهَا على جهة الاستحلال فذلك ناقض بنفسه سواء أكان الفعل صغيرة أم كبيرة ، بعد حصول الحجة الرسالية فقد يستحل فعلا وهو لا يعلم أنه حرام ، أو يتأول تأولا فاسدا يرفع الحكم وإن لم يرفع الإثم ، بل وربما رفع الإثم في الآخرة وإن لم يرفع الحد في الدنيا لئلا يتخذ التأويل ذريعة لإبطال أحكام الشريعة ، كما في واقعة قدامة بن مظعون ، رضي الله عنه ، إذ شرب الخمر هو وأصحابه مُتَأَوِّلِينَ قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فهذه قرينة أعم توجب حمل النص على المعنى الأكبر ما لم ترد القرينة الصارفة إلى المعنى الأصغر ، وزد عليه قرينة من خارج ، وهي حديث ابن مسعود رضي الله عنه : "لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" ، وهو نص في محل النزاع ، فالكتاب العزيز يؤول بعضه بعضا تأويلا صحيحا يحصل به جنس آخر من أجناس الاعتبار وهو جمع أدلة الباب لِتَكْمُلَ صورة الاستدلال ، فأبانت الحال : "وَهِيَ ظَالِمَةٌ" ، عن علة الأخذ ، وأبانت القرينة السياقية عن الظلم المراد في هذا الموضع ، وهو الظلم الأكبر ، ولقائل أن يقول بأن الطرد والعكس يصح في جميع موارد الظلم ، إذ هو كسائر الكليات المطلقة في الذهن ، فيعم جميع أجناس الظلم ، فيحصل من العقاب والأخذ حال الطرد بقدره ، فأخذ الظالم ظلما أكبر أشد من أخذ الظالم ظلما أصغر ، والظلم في نفسه يتفاوت ، وإن اتحد في الجنس الأعلى ، فظلم الكافر على أنحاء فليس ظلم الكافر الحربي الذي يجهر بعداوة الدين وأهله ويسعى في استئصالهم بالفعل أو التحريض ، ليس كظلم الكافر المعاهد أو المستأمن أو الذمي فأولئك لهم من العهود ما يستوجب الحفظ إلا أن ينقضوها بالطعن في الدين فذلك يوجب لأصحاب السلطان والشوكة ، من أهل الولاية العامة ، أن يقتلوهم بعد الاستتابة إن كانوا آحادا ، على تفصيل في ذلك ، أو يقاتلوهم إن كانوا جماعة ذات شوكة ، فذلك تأويل الأمر بالقتال في قوله تعالى : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ، وقل مثله في ظلم الظالم ظلما أصغر ، فمن ظلم أمة فهو أشد جرما ممن ظلم جماعة دونها ، ومن ظلم جماعة فهو أشد جرما ممن ظلم واحدا ، ومن ظلم ذا رحم فهو أشد جرما ممن ظلم بَعِيدًا ، إذ جنايته جنايتان : الظلم وقطيعة الرحم ، وهو ما يوجب الإنكار على الظالم أيا كان ظلمه أكبر أو أصغر فشؤم ظلمه يعم الأرض كلها ، فتقع العقوبة العامة ويبعث الناس على نواياهم ، فإن عجز الناظر أن ينكر ، كما هي الحال في ممالك الاستبداد التي ذاعت في هذه الأعصار ، فلا أقل من البراءة بالقلب لئلا يشركه في الإثم ولو بالسكوت إقرارا ، فضلا عن التحريض بالقول وإظهار الشماتة بأهل الحق والسعي في إيذائهم وإطلاع الظالم على عوراتهم ، تجسسا وتحسسا ، يَزْعُمُ صاحبه أنه يحفظ البلاد والعباد من شَرِّ المفسدين ، وتلك أخلاق دَنِيئَةٌ تَزْدَهِرُ في أعصار الاستبداد ، كما ترى في هذا الزمان ، وكثير ممن خذل بسوء طَوِيَّتِهِ فلو علم الله جل وعلا فيه خيرا لأسمعه سمع التدبر والانتفاع ، كثير يسعى في مداهنة الظالم أن يصطنع عنده يدا ، ولو زورا وبهتانا ، فَيَسْعَى بالوشاية في حق بريء على وجه يطلق يد الظالم فيزيد الفساد والشر في الأرض ، وهو ما يؤذن بالعقاب الذي لا يسلم منه أحد ! ، صالحا كان أو طالحا ، فأدنى معذرة إلى الرب ، جل وعلا ، تقي صاحبها مصارع السوء أن ينكر ما استطاع ولو بجنانه على وجه لا تعظم به المفسدة فلا يعطي الظالم ذريعة أن يزيد ويطغى ، فإن كان الظلم واقعا لا محالة بما كسبت الأيدي فذلك تأويل القضاء الكوني أن سلط الظالم بما جنى المظلوم ، فلو استقام على الطريقة ما اجترأ الظالم أن يظلم ويسفك ، فإن كان واقعا لا محالة بتعطيل الشرع فلا أقل من دفع ما يمكن دفعه حتى يأذن الرب ، جل وعلا ، برفعه ، ولكل حظ من ذلك قدر ما يطيق ، فذلك من رحمة الله ، جل وعلا ، أن لم يكلف محالا أو عسيرا فيه من المشقة الزائدة غَيْرِ المعتادةِ ما يوقع المكلف في الحرج ، ولكل نازلة فقه ، ولكل حادثة حديث ، فذلك ، أيضا ، مورد تتفاوت فيه الأنظار في الإنكار والدفع ، فلا يدفع شر باستجلاب شر أعظم ، فذلك خلاف الاعتبار الصحيح الذي يقضي برفع الخبث أو تخفيفه ، وذلك أمر تجد آثاره في أحكام الشريعة جميعا ، ففي باب الطهارة يتوضأ الجنب قبل أن ينام فوضوءه يخفف الحدث ولا يرفعه ، فيحصل بعض الخير إن لم يحصل كله ، وقل مثله في دفع بعض الشر إن لم يدفع كله ، وبعض الشر أهون من بعض ، فلا عاقل يرفع شرا بشر أعظم ، أو يطلب خيرا أصغر بَتَفْوِيتِ خير أعظم .
فأفادت العلة وهي الظلم في مواضع كثيرة تَزِيدُ على النص الذي ورد في نوع بعينه وهو الظلم الأكبر ، فذلك من القياس الصحيح ولو على جهة الاشتراك في المعنى الأعم ، فالظلم معنى يعم جميع صور الظلم التي يوضع فيها الشيء في غير محله ، فَتُوضَع العبادة في غير موضعها في الظلم الأكبر ، إذ يصرف الظالم من أجناسها ما لا يصرف إلا لله ، جل وعلا ، سواء أكان ذلك من الصور المحسوسة كالسجود أم من الصور المعقولة كتعطيل حكمه ومضاهاته بحكم غيره ، فضلا عن ازدرائه والطعن فيه وتقديم غيره عليه وحمل الناس عليه قسرا وكل أولئك يكون تحت اسم الإصلاح وحقيقة مسماه أنه عين الإفساد للأديان والأبدان ! ، وما ذلك إلا فرع عن الاعتبار الفاسد الذي يضاد الاعتبار الصحيح ، ولكل من خرج عن الشرع في علم أو عمل ، لكلٍّ منهم حظ من هذا الاعتبار الفاسد فما عبد غير الله ، جل وعلا ، إلا بالأهواء والأقيسة الفاسدة ، وما عطل الشرع إلا باعتبار فاسد التمس من وجوه المصلحة المتوهمة ما عارض به النص الشرعي الذي تحصل به المصلحة المعتبرة فعارض الأعلى بالأدنى ، وهو مع ذلك يزعم النظر الصحيح والاعتبار السديد ، فكيف يستقيم له هذا الزعم وهو ينقض بدائه العقل الصريح الذي يقضي بَتَقْدِيم الأعلى على الأدنى ؟! ، فاتسع المناط على وجه يستغرق جميع صور الظلم فحصل الاعتبار بالمنصوص من الظلم الأكبر ، فيحذر الناظر أن يقع فيه لئلا يناله الشر طردا وهو شر يعم الدارين فشؤمه عاجل في حصول الفساد ونزع البركة ، وآجل في عذاب لا انقطاع له ، بل ويسعى الناظر في تحرير التوحيد لِيَنَالَه الخير عكسا ، في الأولى والآخرة أيضا ، فالحكم يطرد وينعكس في الدارين ، وذلك اعتبار صحيح ، انتقل فيه الذهن من طرف أول إلى طرف ثان بقرينة صحيحة ، فذلك من التأويل الصحيح إذ العلة صحيحة سالمة من المعارضة والنقض ، بل دلائل الشرع الصحيح تشهد لها في مواضع كثيرة ، فـ : (أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) ، و : (لَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) ، فمن آمن انتفع كما انتفع قوم يونس ، ومن لم يؤمن لم ينتفع كما انتفعوا ، وحصل الاعتبار بالظلم الأكبر فيما دونه من الظلم الأصغر ، فإن الجنس الكلي المطلق في الذهن يستغرق جميع الآحاد الجزئية في الخارج ، فجنس الظلم تحته نوعان : أكبر وأصغر ، وتحت كل نوع من الآحاد ما لا يحصى ، والاعتبار يحصل في جميعها كل بقدره فلكل ظالم من شؤم الظلم في الأولى والوعيد في الآخرة ، لكل ظالم من ذلك ما يكافئ ظلمه ، فثم اعتبار في الجزاء وصفا وقدرا ، فيجري ذلك مجرى الاشتراك المعنوي في الذهن ، في الحكم والجزاء ، وإن حصل التباين فيها في الخارج ، فهي متواطئة من جهة المعنى ، متباينة من جهة الحقيقة والجزاء في الخارج ، وإن جمعها وصف الذم وحكم الإثم ووعيد الرب جل وعلا ، سواء أكان مؤبدا في الظلم الأكبر أم مؤقتا في الظلم الأصغر مع احتمال ارتفاعه إذا كان ثم موانع صحيحة تمنع نفاذ الوعيد في حق عصاة الموحدين ، لا من نقض أصل دينه وإن شهد بالوحدانية لفظا فلسان حاله قد نقضه نقضا ! ، فالإيمان لا ينقض بالجحود الباطن كما قال من قصر حده على التصديق بالقلب واللسان ، فضلا أن لا يشترط النطق فهو شرط زائد كما ذهب إليه بعض أهل الكلام ممن خالفوا أهل السنة في باب الأسماء والأحكام ، وإنما ينقض الإيمان بنواقض أخرى من القول والعمل وإن لم يحكم على القائل أو الفاعل عينا إلا بعد إقامة الحجة الرسالية وانتفاء الموانع الشرعية ولا سلطان في ذلك حكما ونفاذا إلا لأصحاب الولايات العامة من قضاة الشرع وسلاطين العدل وكلاهما منتف في زماننا فلا شرع يحكم ولا عدل ينفذ ! ، فأية مصيبة عظمى نالت هذه الأمة بعد زوال رسم الخلافة الجامعة بل وعدها جرما يستوجب العقوبة ، وتعطيل حكمها وغمد سيفها فحرمت الأرض من بركة الرسالة إذ قمع أتباعها ونفوا من الأرض ؟! .
وكذلك الشأن في مادة النظر في آية الاعتبار الأولى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، فهو وإن انصرف بقرينة الحال : "كيف" ، التي تقدمت على : "كان" وجوبا إذ الاستفهام مما له الصدارة مطلقا كما قرر أهل الشأن من النحاة ، فإن انصرف بهذه القرينة إلى نظر الاعتبار الباطن إلا أنه يعم نظر البصر الظاهر فهو مبدأ التفكر ، كما تقدم ، فلا تحصل الصورة الباطنة قبل انطباع الصورة الظاهرة في العين ثم سريانها إلى القلب ليتعقلها ويقيس غيرها عليها ، قياس أولى أو قياس تمثيل كما هي الحال في موارد الأحكام العملية ، كقياس المخدر على المسكر ، وقياس الأرز على البر في حكم الربا ، فاعتبر الناظر في الفرع وفيه تحققت العلة من الكيل والطعم ، أو الكيل والادخار ، وقياس التمثيل : الأدنى والمساوي والأعلى ، فمنها ما يصح الاعتبار به في الإلهيات ، وهو القياس الأعلى أو قياس الأولى ، وجميعها يصح في الأحكام ، كمسكر حادث قوة الإسكار فيه تزيد على قوة الإسكار في المسكر المعهود زمن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيثبت التحريم فيه بقياس الأولى ، أو يكافئه فيثبت التحريم بالقياس المساوي ، أو هو دونه فيثبت التحريم بقياس الأدنى فضلا عن دلالة النص الصحيح الصريح الذي يقطع الاحتمال أن يكون الأدنى مما عفي عنه ! ، فـ : ""قليلُ ما أسكر كثيرُه حرام ، وكثيرُ ما أسكر قليلُه حرام" ، فهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى سد الذريعة إلى الأعلى بتحريم الأدنى ، وقياس الشمول وهو القياس المنطقي الذي يتألف من مقدمات ونتائج وهو مما ينهجه العقل في طور التكوين الأول ، إذ يسمع الصوت الدال على معنى فتصح له قاعدة كلية في المحسوسات ، ففي الكلام ، على سبيل المثال ، يقال : كل من يتكلم فإنما يتكلم بِلِسَانٍ إذ لم يشاهد إلا ذلك في الخارج فمحل جريانه بداهة المحسوسات فلا يجري في الغيب لتبنى عليه لوازم فاسدة في الإلهيات صارت حجة للمتأولة أن يتأولوا الصفات بما التزموه من لوازم فاسدة هي ، عند التدبر والنظر ، من نتاج الاعتبار الفاسد ، فالاعتبار الصحيح ينتج علما صحيحا ، والاعتبار الفاسد ينتج ضده من العلم الفاسد ، فذلك ، أيضا ، مما يطرد وينعكس ، فاتسعت دائرة النظر في الآية ، وإن انصرفت ابتداء إلى نظر الجنان الباطن فهي تعم نظر البصر ، وبهما جميعا يحصل العلم النافع ولازمه في الشرع والعقل والحس : عمل صالح هو تأويل صحيح لما يقوم بالقلب من تصور صحيح وإرادة صالحة يسعى صاحبها في الخير ، وذلك من توفيق الرب ، جل وعلا ، أن تصح الأحوال جميعا ، نظرا وإرادة في الباطن ، وقولا وعملا في الظاهر ، ولا يكون ذلك إلا باستمداد السداد من الرب العليم الحكيم ، جل وعلا ، فـ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ، واستمداد العون من الرب القوي القدير عز وجل : "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
19-07-2015, 12:08 AM
والاعتبار الصحيح لا يكون ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، إلا بجمع الأدلة وتحرير ألفاظها ، فذلك تأويل الأمر أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، وتأويل الأمر الذي دل عليه الخبر الإنشائي أن : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ" ، فذلك أمر بضبط ألفاظ الرواية حتى أدائها ، فإن لم يمكن الجمع باعتبار صحيح لا تكلف فيه ، فالنسخ إن علم المتأخر فهو ناسخ مبطل لدلالة المتقدم وإن كان لفظه صحيحا فَنُسِخَ الحكم وَبَقِيَ اللفظ إما أنه مِمَّا يتعبد به كمواضع في الكتاب العزيز نُسِخَ حكمها وبقي لفظها إذ نسخت دلالة اللفظ على الحكم ولم ينسخ حكم التعبد به وانعقاد الصلاة به ..... إلخ وإما أنه من منسوخ السنة فبقي اللفظ مَرْوِيًّا في دواوين السنة والفقه فذلك مما يستعان به في درك تاريخ التشريع وحكمة الرب جل وعلا في سن الشرائع .... إلخ ويحصل بذلك الناظر اعتبار عظيم في حكمة الرب العليم الخبير تبارك وتعالى وذلك مما يدخل في عموم الاعتبار الذي خوطب به أصحاب العقول والبصائر ، على تفصيل في أجناس النسخ بالنظر في اللفظ والحكم ، فإن تعذر النسخ فجهل التاريخ فالنسخ مرده إلى التوقيف فلا يثبت بالاحتمال ، فالترجيح بوجوه كثيرة سواء أكان الترجيح لمعنى في الإسناد أم لمعنى في المتن ، فتلك طريقة الاعتبار الصحيحة التي ينهجها أهل الرسوخ لا أهل الجهل ضعفا في العقل واغترارا بظواهر النصوص دون فقه لمعانيها ونظر في قرائنها الصارفة المعتبرة فضلا عن قلة العلم فاستقراؤهم للأدلة ناقص إذ لا يعلمون من ألفاظ الباب إلا لفظا أو لفظين دون بقية الألفاظ التي تكمل بها صورة الاستدلال ، والمصيبة تعظم إذ انضم إلى ذلك سوء القصد كمن يجد في نص متشابه بغيته فيستدل به إذ يشهد لقوله دون أن يرده إلى محكمه ، كمن يستدل بمتشابه : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، فهو عنده دليل صحيح على تكفير أهل القبلة بالذنب ! ، إذ وصف القتال وهو كبيرة أنه كفر والكفر جنس واحد لا ينقسم فليس إلا الكفر الأكبر الناقض ! ، فذلك قول الخوارج ، إذ حَمَلُوا الفسق والكفر على الأكبر ، مع أن قَرِينَةَ السياق تشهد بالضد ، إذ نكرا ولم يعرفا بـ : "أل" أو : "الإضافة" ، فأفادا الإطلاق فيصدقان في الخارج بأدنى قدر من الكفر أو الفسق ، فهما مما تنقسم موارده في الخارج ، فضلا أن ثم جملة من القرائن تحتف بالظاهر توجب صرفه إلى الكفر الأصغر تارة ، والأكبر أخرى ، فالإطلاق يفتقر إلى التقييد ، فالحكم على كل متقاتلين بالكفر الأكبر يلزم منه تكفير الصدر الأول من أهل الجمل وصفين ، رضي الله عن الجميع ، مع أن ثم قرائن احتفت بقتالهم ، فلهم من التأويل ما رفع الحكم والإثم جميعا ، فثم قرينة أعم وهي : أن قتال المسلم لا يكون كفرا أكبر حال وقع لا على قاعدة دينية ، كما ذكر بعض المحققين ، فلم يقاتل المسلمَ بغضا لدينه فتلك قرينة توجب حمل الكفر على المعنى الأكبر وإن ورد منكرا في سياق إثبات فأفاد الإطلاق ، فإن لم يكن قتالا على قاعدة دينية ، فلا يخلو أن يكون لأجل دنيا بلا استحلال أو تأويل صحيح :
فإن استحل فذلك ناقض للإيمان ولو لم يقترف ، وإن كان ثم تأويل ، فلا يخلو أن يكون تأويلا معتبرا يرفع الحكم والإثم جميعا ، فلا يتصور آنذاك أن يكون القتال على دنيا ، فذلك اعتبار صحيح كما كان من أهل الجمل وصفين ، فكان التأويل في التعجيل بالقصاص أو التريث ، فكان التأويل في تحقيق المناط فكلهم أجمع على المناط وهو إيجاب استيفاء القصاص من قتلة الخليفة الشهيد رضي الله عنه ، فلم يكن القتال لأجل دنيا ، ولم يكن على قاعدة دينية يكفر صاحبها الآخر كما كان من الخوارج ، أو يبغض المقاتل فيها خصمه لأجل دينه فلا يكون ذلك إلا من كافر أصلي أو مرتد فكلاهما يبغض المسلم لأجل دينه فهذه قاعدة دينية ، إما أن يكون الكفر فيها أكبر إن كان الخصم كافرا أصليا أو مرتدا ، أو يكون أصغر إذ لصاحبه تأويل ، وإن ضعيفا يرفع الحكم ولا يرفع الإثم كتأويل الخوارج فقد قاتلوا المسلمين وقطعوا السبيل ، وأبغضوا جمهور المسلمين ، وكان قتالهم على قاعدة دينية ، كما تقدم ، قاعدة : إيمان وكفر ، فأبغضوا المسلمين ولكنهم لم يبغضوهم إلا بعد أن اعتقدوا أنهم كفار فهم يبغضون الكفر ، فمن الكفر فَرُّوا كما أثر عن بعض السلف ولم يخرجوا طلبا لدنيا وإنما خرجوا ابتغاء مرضات الله جل وعلا كما أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، وإن ضلوا في التأويل فليس لهم من العلم أو العقل شيء ، فوسمهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسفه العقل ، فحكموا على المخالفين لهم من المسلمين بالكفر فضلا عن امتحانهم الناس على معتقدهم فمن أجاب فهو المؤمن ومن لم يجب فهو الكافر فضلا عن نقص استقرائهم فالناس عندهم : إما مؤمن وإما كافر ، فأهملوا ما بينهما من رتبة الفاسق ، أو جعلوا الفسق جنسا واحدا كالكفر والظلم ... إلخ فكلها عندهم تحمل على النوع الأكبر ، مع أنها أجناس كلية مطلقة في الذهن تنقسم في الخارج فمنها الأكبر ومنها الأصغر ، فثم ما ينقض أصل الإيمان وثم ما ينقض كماله الواجب ، وثم قسمة في الخارج تتجاوز قسمة العقل الثنائية ، إذ شطر الكفر منه أكبر ومنه أصغر ، وشطر الإيمان منه كامل سلم من الناقض للأصل وهو الكفر الأكبر ، والناقض للكمال الواجب وهو الكفر الأصغر ، ومنه ناقص سلم من الناقض لأصل الإيمان ولم يسلم من الناقض لأصل الإيمان ، فالقسمة عند التدبر والنظر ، ثلاثية ، فثم إيمان خالص ، وثم كفر خالص ، وبينهما : (آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) ، فثم أصل إيمان تلبس صاحبه بذنب ، والذنوب من نواقض الكمال ما لم يكن ثم استحلال ، أو تكن في نفسها من نواقض الإيمان كالكفر أو السحر ، فهو مؤمن ناقص الإيمان أو كافر الكفر العملي الأصغر أو كفر النعمة .... إلخ ، أو فاسق الفسق الأصغر ، فالفسق ، أيضا ، مما تنقسم موارده في الخارج فمنه الأكبر ، كما في قوله تعالى : (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فَقَرِينَةُ انتفاء الإيمان على جهة الإطلاق ، الذي ينصرف إلى نفي الإيمان مطلقا ، فلا يؤمنون بالله جل وعلا وإن أقروا بوجوده وفعله إذ لم يؤمنوا إيمان التأله الذي جاءت به الرسل ، عليهم السلام ، أن : (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، فضلا عن تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فتلك ، أيضا ، قرينة تصرف النفي إلى نفي الأصل ، فقرينة السياق تدل على إرادة الفسق الأكبر ، خلافا للفسق في قوله تعالى ، فـ : (لَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) ، فمضارة الشاهدين والكاتبين فسق عملي أصغر ، فكلها أجناس كلية تنقسم في الخارج ، وذلك أصل في باب الأسماء والأحكام ، فالفسق منه : الأكبر ومنه الأصغر ، ومنه ما يَتَرَدَّدُ فهو أكبر على وجه ، وأصغر على آخر ، فالفسق الاعتقادي كالحلف بغير الله ، جل وعلا ، يحتمل فقد ينصرف إلى الفسق الأصغر وذلك الأصل في باب الحلف بغير الله ، جل وعلا ، فَيَنْصَرِفُ الكفر أو الشرك في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ" ، إلى الكفر أو الشرك الأصغر والفسق على وزانه ، فَيَكُونُ فِسْقًا أصغر إن حلف بغير الله ، جل وعلا ، على جهة الغلو الذي لا يَبْلُغُ حد العبادة أو التسوية بالرب ، جل وعلا ، فضلا أن يكون تعظيم المحلوف في قلبه أشد من تعظيمه لله ، جل وعلا ، فتلك قرينة تصرف الكفر أو الشرك أو الفسق في هذا الباب إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين ، فثم مواضع تحتمل سواء أكان في الاعتقاد ، كما تقدم ، أم في العمل ، كسائر الكبائر العملية ، فالزنى ، على سبيل المثال ، كبيرة يفسق صاحبها الفسوق الأصغر ، فهي من جنس الأعمال الناقضة لكمال الإيمان الواجب ولكنها قد تصير من نواقض الأصل إن فعلها على جهة الاستحلال أو استحل وإن لم يفعل أو سخر واستهزأ ففعلها استخفافا أو تهكم بحكم التحريم فحقيقة أمره أنه يستهزئ بآية من آيات ربه ، جل وعلا ، وذلك ناقض بنفسه ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ، ومنه من وجه آخر : العلمي ومنه : العملي ، فهذه قسمة ثانية ، فالعلمي باطن كسائر موارد الفسق الاعتقادي سواء أنقض الإيمان كسائر مقالات الفرق الباطنية التي جاءت بوجوه من التأويل الباطل يندرج في حد اللعب كما قرر أهل الأصول فهو لعب بالألفاظ والدلالات بإخراج اللفظ عن حده في الشرع واللسان بل والعقل ! ، فهي وجوه من التأويل لا ترفع الحكم ولا الإثم من باب أولى فالكفر يثبت في حق أنواعها وأعيانها ، أم نقض كمال الإيمان الواجب كمقالات الفرق التي لم تخرج من الإسلام الأدنى وإن خرجت من الإيمان الأعلى كمقالات الإرجاء والكلام .... إلخ ، والعملي ظاهر منه أيضا : الناقض لأصل الإيمان كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، على جهة التعبد والسحر ، ومنه : الناقض لكمال الإيمان الواجب كسائر المعاصي الشهوانية كالزنا ونحوه ما لم يقترفها على جهة الاستحلال أو الاستهزاء ، كما تقدم ، ومنه : القولي ، وهو ، أيضا ، إما أن يكون كفرا أكبر كالنطق بالكفر بلا إكراه معتبر سواء أنطق به على جهة الاعتقاد أم الاستهزاء ، وإما أن يكون أصغر كالحلف بغير الله ، جل وعلا ، ما لم يعتقد أن المحلوف أعظم من الله ، جل وعلا ، كما تقدم ، ومنه الفعلي ، والفعلي منه الناقض لأصل الدين ومنه الناقض لكماله الواجب ، على التفصيل المتقدم ، فذلك تقسيم عقلي لا بد منه في باب الأسماء والأحكام ، إذ الإيمان يستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، فَثَمَّ ناقض باطن ، وآخر ظاهر ، والظاهر منه القولي ومنه العملي ، فتلك القسمة العقلية لجنس الإيمان ونظيره من الكفران ، فهما ضدان في الحقيقة المطلقة وفي أجزاء القسمة في الخارج ، فكما أن الإيمان منه باطن وظاهر فكذلك الكفر منه باطن وظاهر ، وذلك خلافا لمقال الإرجاء الذي قصر الناقض على الناقض الباطن فلا يكفر الإنسان إلا بانتفاء العقد الباطن وذلك أمر غيب لا يدرك إذ لا اطلاع لأحد على القلوب إلا من خلقها جل وعلا ! ، فلما خفيت العلة الباطنة وهي العقد الباطن أقام الشارع ، جل وعلا ، من الظاهر ما يشهد لها بوجود أو عدم ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بَيْنَ الباطن والظاهر ، فنواقض الإيمان الظاهرة تجري مجرى العلل التي أقامها الشارع ، جل وعلا ، أمارات على المعنى الباطن إذ خفي فلا يدرك إلا بدليل ظاهر ، فقصر النواقض على المعنى الباطن يفضي إلى إبطال اسم الكفر وحكمه إذ أنيط بعلة خفية لا تدرك ! ، وتلك عادة مطردة في خطاب الشارع ، جل وعلا ، إذ اقتضت الحكمة الربانية أن يقوم القول أو العمل الظاهر مقام الباطن إذا كان خافيا ، فأقيمت كلمة الإيجاب والقبول في النكاح دليلا على معنى الرضا فهو مما يخفى ، وأقيم لفظ البيع والشراء المنطوق أو عقده المكتوب أو التعاطي يدا بيد لا سيما في المحقرات ، أقيم مقام الرضا الباطن الذي لا يصح بيع بدونه .
وهذا التقسيم حتم لازم في سائر وجوه الاعتبار الصحيح ، إذ التسوية بين أنواع مختلفة في الخارج وإن اشتركت في الجنس الأعلى يخالف الاعتبار الصحيح إذ يقضي بالتفريق بَيْنَ المختلفات ، ومثله التفريق بَيْنَ متساويين في الوصف والحكم ، فذلك ، أيضا ، خلاف القياس الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات وذلك أصل جليل يطرد في سائر وجوه الاعتبار في جميع العلوم الدينية والعقلية والتجريبية ، فإن النتائج تُبْنَى على مقدمات ، فمقدمة القياس الصريح أن ثَمَّ اشتراك في الوصف في حكم على حقيقة في الخارج سواء أكانت معنوية أم مادية ، ففي علم الكيمياء على سبيل المثال ، ثم خصائص للأحماض العضوية فإذا أضيف إليها الكحولات أنتجت الإسترات والماء ، فتلك قاعدة كيميائية مطردة ثبتت بالاستقراء للنتائج في الخارج ، فإذا أضيف حمض إلى كحول ، وأضيف ثان إلى كحول أيضا فَكَانَ الناتج واحدا ، فذلك دليل على التساوي في حكم الحموضة إذ تَسَاوَيَا في الأوصاف والنتائج ، فالتساوي في الوصف يوجب التساوي في الحكم ، فذلك ، كما تقدم ، من وجوه الاعتبار الصحيح في هذه الشريعة المحكمة ، والذي يصح في سائر أجناس المعارف كما تقدم .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
21-07-2015, 01:16 AM
ومثله في الاعتبار دلالة السجود في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ، إذ السجود حال أطلق فعم بدلالة : "مَنْ" وهي دلالة الموصول الاسمي المشترك ، وإن انصرف إلى العاقل فإن دلالة السياق تحمله على جميع الكائنات فكلها تحت مشيئة رب البريات ، جل وعلا ، إيجادا ، وإعدادا لمحالها أن تقبل آثار الأسباب ، وإمدادا بالأسباب التي تصلحها على وجه تظهر فيه آيات القدرة والحكمة ، على ما اطرد من دلالة السببية ، فكلها ساجد خاضع ، أو يقال بأن ذلك من الخاص وهو العاقل الذي أريد به العام وهو جميع الكائنات ، فيسجد ويخضع كل عاقل له اختيار ، فغير العاقل من الشجر والحجر والدواب يسجد من باب أولى ، إذ لا عقل له ولا اختيار إلا في مدارك الحس التي تحفظ البدن فلم يخاطب الحيوان البهيم خطابَ التكليف ، وإنما يدرك من الأشياء ما يصلح معاشه فلا عناية له بمآل وإن كان يبعث يوم الجزاء والحساب على وجه آخر يتأول فيه معنى العدل المطلق ، فـ : "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ، وذلك أمر يهون على ذي الكرب ويرضى به ذو العقل ، إذ ترى في هذه الدنيا جملة من المظالم لا تملك لها دفعا ، فيجتهد الناظر في أسباب الشرع دفعا أو رفعا فإذا أعيته الحيل أن يقتص من الظالم قصاصَ الشرع العادل ، فإن الأمر لا يخلو في العادة من تجاوز في القصاص ، إلا من عصم ، جل وعلا ، فاقتص بما يكافئ مظلمته ، والقاضي ذو العلم ، والسلطان ذو الشوكة كلاهما يجتهد في تحقيق المناط في النازلة الخاصة أو العامة ، فإن كان ثم شرع يحكم فإن المجتهد ينظر ويحقق ، فيجتهد في تحرير المناط وفي تحقيقه ، وذلك أمر لا يخرج عن حد القوة إلى حد الفعل إلا بقوة السلطان ، ويد القدرة الكونية لا سيما في النوازل العامة يقع بها ما قد يظن الناظر بادي الرأي أنها شر محض ، والصحيح أنها شر جزئي ، يستخرج به ، جل وعلا ، من الخير الكلي ما به تظهر آيات الحكمة ، فذلك الاعتبار الصحيح الذي يسكن إليه العاقل ، وزد عليه اعتبارا آخر ، فثم كثير من المظالم لم تقض حالا فإنها تقضى مآلا ولو بعد حين ، فـ : "دَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ" ، وقد يدخرها الرب ، جل وعلا ، حتى تقضى بين يديه فتظهر آيات الحكمة العظمى في دار الجزاء الأوفى ، إذ ترى الله ، جل وعلا ، يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ! ، فإما أن يقع القصاص في الأولى ، إما بيد الشرع الحاكم ، وإما بيد القدر النافذ فيسلط الله ، جل وعلا ، ظالما على آخر ، وإما أن تدخر العقوبة في الآخرة على وجه تعظم فيه الحكمة ، وتعظم فيه المنة على المظلوم أن شفى صدره وأذهب غيظ قلبه ، وتعظم فيه عقوبة الظالم فليت القصاص عجل في الأولى ! ، فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة يختص بها الرب ، جل وعلا ، من أراد به خيرا ، وتأخير العقوبة : قصاص عدل به يظهر جبروت الرب القهار ، تبارك وتعالى ، فيظهر قهره في تعجيل العقوبة ، ويظهر قهره في تأخير العقوبة ، ففي كلاهما ترى من آيات القدرة والحكمة ما يشفي غيظ القلوب المؤمنة ، فالمظلوم حال عجز فاحتسب فهو في خير ، وحال اقتص فهو في خير ، أيضا ، إذ أقر الله ، جل وعلا ، عينه أن مكنه من الظالم فاقتص عدلا أو عفا فضلا في موضع يحسن فيه العفو فلا يعفو إذا كان الأمر حقا عاما فهو حق الرب ، جل وعلا ، الذي لا مسامحة فيه فالرب ، جل وعلا ، يعفو عن حقه الخاص إذا تاب المذنب في ذنب يخصه فضرره لم يتعد إلى غيره ، وأما حقه العام الذي يتعدى فيه الجرم إلى آحادٍ غير الفاعل فلا بد من القصاص العادل لا سيما إن تعدى الجرم إلى الدين ، فكيف إن تعدى الظلم إلى عموم المؤمنين وعموم أحوالهم فنال من دينهم ودنياهم ، فانتقص الدين وسفك الدم وانتهك العرض ، فالقصاص في هذه الحال حتم لازم ، وتركه وضع للندى في موضع السيف فضرره أعظم ، إلا أن يكون ثم وجه دقيق يخفى من حكمة توجب العفو دفعا لمفسدة أعظم ، كما ترك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عقوبة بني قينقاع بعد أن حاصرهم وأنزلهم على حكمه لولا أن سارع فيهم المنافق الأكبر ابن سلول وله في المدينة مكانة والإيمان لما يتمكن من القلوب تمام التمكن وإن حصل في القلوب منه جملة عظيمة وقع تأويلها يوم بدر ، ولكن عصبية القبيل لما تزل آثارها في القلوب ، فهو من سادة الخزرج وهو الملك الذي كاد يتوج لولا هجرة النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فرأى صلى الله عليه وعلى آله وسلم المصلحة العظمى في احتمال المفسدة الصغرى في ترك القصاص وإن أنزل بهم عقوبة الطرد والإجلاء من المدينة ، فلم يغفل صلى الله عليه وعلى آله وسلم معنى الجلال وإن خفف العقوبة لمصلحة رآها في هذا الموضع ، وهي تأليف قلبه وعدم تهييج قبيله حمية له قد تفتنهم في الدين فهي من آثار الجاهلية التي لما تمح من القلوب محوا تاما ، وإلا فقد عزم ابتداء أن يستوفي القصاص ممن نقضوا العهد فانتهكوا حرمة المسلمة وقتلوا المسلم إذ نهض يذب عنها ، فذلك نقض يبيح دماءهم وأموالهم وتسبى لأجله النساء والذراري ، فذلك حكم الملك ، جل وعلا ، كما قد حكم سعد بن معاذ في إخوانهم بني قريظة لما نقضوا العهد وخانوا الحليف يوم الخندق ، فوضع صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجلال في موضعه وإن خفف بعضا فلمصلحة أعظم اعتبرها الاعتبار الصحيح فذلك ، أيضا ، من وجوه النظر الصحيح ، فقد يتأول الحاكم بعض الحق ، تركا أو تأخيرا ، إذا غلب على ظنه أن استيفاءه كله أو التعجيل به مما يحصل به من وجوه الفساد ما يعظم المصلحة في الاستيفاء ، كما ترك علي ، رضي الله عنه ، استيفاء القصاص حالا وإن عزم عليه مآلا بعد أن تسكن ريح الفتنة لولا ما كان من اجتهاد آخر في طلبه عاجلا فكان ما كان في الجمل وصفين ، من قتال لم يَسْعَ فيه طرف ، فلم يكن أحدهما حريصا على قتال أخيه ابتداء فضلا أن يحرص على سفك دمه وإنما وقع القتال فتنة أو اجتهادا في موضع حصل فيه بغي ، فكان القتال تأويلا للأمر أن : (قَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ، وكان الصلح تأويلا للأمر في قوله تعالى : (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، وهذا أصل في الحكم فثم تأويل صحيح في تَنْقِيحِ المناط وفي تحقيقه في الخارج ، وذلك ما تَتَفَاوَتُ فيه أنظار المجتهدين في التعجيل أو التأخير ، في ترك بعض الحق فضلا ، تألفا أو دفعا لمفسدة أعظم ، أو استيفائه كله عدلا ، وفي هذا الباب ترى من عجائب الحكمة والقدرة ما يجعلك توقن أن لهذا الكون ربا قادرا وإلها شارعا ، عز وتقدس ، قضى بالوحي الشرعي أن يؤخذ على يد الظالم وأن يقتص منه لئلا يذيع الفساد في الأرض ، فإن عطل ذاع الفساد وَزَادَ بالوحي الكوني ، فظهرت الحكمة أن اطرد القياس فرأى الناظر من اطراد القياس وانعكاسه في مواضع الحكم الشرعي ما يوافق دلالة العقل الصريح ، وذلك أمر يدل عليه الحس ، أيضا ، فكلما كان الناس أقرب إلى الوحي عقدا وشرعا ، حكما وسياسة ، زهدا ورياضة ، كان الصلاح فيهم أظهر والفساد فيهم أخفى ، والعكس صحيح ، فإذا بعد العهد بالنبوة ، فتأولت أخبارها وعطلت أحكامها ، ظهر من الفساد في الأرض بقدر ما يقع من التأويل والتعطيل ، فحصل الاطراد والانعكاس دورانا مع العلة وجودا وعدما ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وفي الأمر وجه اعتبار آخر إذ الأمر بالإصلاح يستلزم النهي عن ضده وهو الإفساد ، والنهي عن الثاني يستلزم الأمر بالأول .

فكل ذلك مما لم يخاطب به الحيوان البهيم ، وإنما خوطب به العاقل الفهيم ، فتلك قرينة تحمل السجود في الآية على المعنى اللغوي الأعم ، وهو الخضوع الاضطراري ، على القول بأن دلالة : "مَنْ" : دلالة خاص بالعقلاء أريد به عام يستغرق جميع الكائنات ، فيجري ذلك مجرى التغليب فأطلق العاقل وأراد غيره تبعا ، فيجري ذلك مجرى : "العالمين" في قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فهو إن أفرد دل على الشيء مطلقا عاقلا أو غير عاقل فإن جمع دل على العاقل وحده ، ولذلك لم يكن من جمع المذكر القياسي إذ مفرده ليس واحدا من جمعه ، بل دلالة مفرده أعم فهي تستغرق العاقل وغيره ، خلاف دلالة الجمع فهي تقتصر على العاقل وحده فألحق بجمع المذكر في اللفظ دون أن يلحق به في المعنى ، فدخل غير العاقل تبعا لقرينة عموم الربوبية فهي تستغرق جميع الكائنات ، فذلك تأويل صحيح إذ عم بدلالة العقل ، وضعا لسانيا أول فاللسان ترجمان العقل ، عم بدلالته : غير العاقل ، وثم قرينة من العلم الضروري أن الرب ، جل وعلا ، قد عم بربوبيته جميع الكائنات إيجادا وإعدادا وإمدادا ، فضلا عن قرينة النص الخاص : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) .
وقد يقال إن : "مَنْ" : للعاقل على أصلها في اللسان ، فتلك قرينة توجب صرف السجود إلى السجود الاختياري ، وهو معنى أخص سواء أحمل على معنى الخضوع الاختياري أم حمل على السجود الأخص في اصطلاح الشرع وهو سجود الصلاة إذ يضع الساجد أعضاء سجوده على الأرض ، فتلك ، من وجه آخر قرينة تعمل في دلالة : "مَنْ" بالتخصيص إذ تقصرها على العقلاء المؤمنين ، فلا يسجد الكافر اختيارا تأويلا للقدر الشرعي بالامتثال وإن خضع اضطرارا تأويلا القدر الكوني بالنفاذ ، ثم جاء النص : (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) ، فكلها ترجح المعنى الأول من معاني المشترك وهو السجود الأعم : سجود الخضوع الاضطراري ، ثم جاء بعدها : (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ، فهو يرجح معنى السجود الاختياري فكثير من الناس يسجد ، وكثير حق عليه العذاب إذ لم يسجد ويخضع فكفر ولم يؤمن فذلك أيضا ، من وجوه الاعتبار المطرد في الكتاب العزيز طردا وعكسا في بيان مقادير الأعمال إيمانا وكفرا ، طاعة ومعصية ، إصلاحا وإفسادا ، فكثير حق عليه العذاب عدلا إذ لم يسجد ، فذلك المنطوق ، وهو يفيد بالمفهوم أن كثيرا قد حصل له الوعد بالثواب فضلا أن سجد وانقاد ، فمن لم يسجد فقد امتنع عن سجود الاختيار الشرعي ولم يخرج بداهة عن سجود الاضطرار الكوني فلا يملك أحد أن يخرج عنه لعموم القدرة والمشيئة النافذة ، فذلك المعنى الأخص الذي يدل عليه لفظ السجود فصح حمل اللفظ على كلا الوجهين في سياق واحد ، فذلك من عموم المجاز ، إذ دل اللفظ على معنى الاضطرار العام وهو الأصل في اللسان ، ومعنى أخص فهو فيه مجاز وهو الاضطرار الخاص وهو الفرع ، وقد يقال بأن ثم حقيقتين : حقيقة اللسان الأعم ، وحقيقة الشرع الأخص ، فالأمر ليس تعارضا بين حقيقة ومجاز ، وإنما تعارض بين حقيقتين : حقيقة لغوية مطلقة ، وأخرى شرعية هي ، عند التدبر والنظر ، حقيقة اللسان وقد زيد فيها جملة قيود صرفتها إلى معنى أخص في الشرع وإن لم يخل من دلالة اللسان الأعم فلا يخلو السجود في اصطلاح الشرع من معنى الخضوع ، ولو باللازم ، فإن لازم وضع الجبهة على الأرض أن صاحبها قد خضع وانقاد فتلك دلالة التلازم بين الظاهر خضوعا بالأركان والباطن خضوعا بالجنان ، إلا أن يكون ثم نفاق لا يواطئ الباطنُ فيه الظاهرَ ، فتخشع الأركان ولا يخشع الجنان ! ، وذلك استثناء لا يقاس عليه إذ الإيمان أصل والنفاق عارض ، فَلَا يُرَدُّ الغالب بالنادر ، فالأصل في أهل دار الإسلام : الإيمان حتى يرد الدليل الناقل من العقد أو القول أو الفعل على وجه لا عذر فيه بتأويل أو جهل أو إكراه أو شبهة توجب رفع الحكم وإن لم ترفع الإثم في أحوال ، فإن قيل بذلك فالأمر عند القائل : تعارض بين حقيقتين : فتقدم الحقيقة الشرعية الأخص فهي مراد الشارع إلا أن ترد قرينة توجب صرف اللفظ إلى الحقيقة اللغوية الأعم ، ففي هذا السياق صدرت الآية بقرينة توجب صرف اللفظ إلى الحقيقة اللغوية الأعم ، ثم ذيلت بقرينة أخرى توجب صرفه إلى الحقيقة الشرعية الأخص ، فصح حمله على كلتا الحقيقتين ، كلٌّ في موضعه ، إذ الجهة منفكة ، فجهة السجود الاضطراري هي عموم الكائنات ، وجهة السجود الاختياري هي من آمن من العقلاء المكلفين ، فصح الجمع بين الحقيقتين ، أو الحقيقة والمجاز ، عند من يجعل تقييد الحقيقة اللغوية بقيد الشرع ضربا من ضروب المجاز بالتقييد ، إذ نطق بالمطلق وهو لفظ السجود الأعم وأراد المقيد وهو معنى السجود الشرعي الأخص ، وذلك أمر لا مشاحة فيه إلا أن يستعان به على إبطال الشريعة ، فيكون خطابها كله مجازا لا حقيقة ! ، بقرائن عقلية باطلة لا سيما في باب الأخبار التي لا تدرك إلا بالسمع فلا عمل لقرائن العقل فيها ، أو قرائن لسانية بعيدة فضلا أن تكون لعبا يتوسل به صاحبه إلى إبطال الوحي عقدا وشرعا بذريعة التأويل التي صَيَّرَت حقائق الشرع كلها مجازات فليس ثم حقيقة لخطاب الشارع وإنما هو محض تخييل أو ضرب أمثال أو أحكام تستصلح بها العامة فلا حاجة للخاصة من أصحاب العقول والكشوفات أن يسلكوها فقد بلغوا رتبة اليقين فانكشف لهم من باطن الشريعة ما أتى على ظاهرها بالإبطال ! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، إلحاد صريح وخروج فاحش عن أمر الرب الشارع جل وعلا .

أو يقال بأنه من عموم المشترك إذ دل على كلا الوجهين في سياق واحد فاستعمل استعمال اللسان الأعم في أول الآية ، واستعمل استعمال الشرع الأخص في آخرها ، فدل على كليهما في سياق واحد على جهة الشمول لا الإبدال كما هو الأصل في المشترك اللفظي الذي يدل حال أطلق على معان عدة ، ولكنه حال ورد في سياق فلا بد من صرفه إلى معنى واحد منها دون بقية المعاني ، فدلالته عليها دلالة البدل فإن دل على واحد انتفت دلالته على البقية ، فلا يجمع بينها لعظم التباين بينها في الخارج فلفظ المشتري يطلق على الجرم السماوي وعلى مشتري السلعة ولا علاقة بينهما من قريب أو بعيد ! ، فكذلك الشأن هنا فلا علاقة تظهر ، بادي الرأي ، لا سيما في الحس الظاهر ، بين سجود الشجر وسجود البشر ، فدلالة الشمول تمتنع ، كما هي الحال في المطلق فإن دلالته على أفراده دلالة البدل لا الشمول كما هي دلالة العام ، فإن قلت : أطعم مسكينا ، كان تأويله حاصلا بإطعام أي مسكين فحصل المراد بإطعام واحد من جنس عام يستغرق آحادا كلهم يصلح أن يدخل في الحكم ، ولكن الحكم يحصل بإطعام أحدهم فلا يشترط أن يطعم جميعهم ، خلاف ما لو قلت : أطعم المساكين ، فدلالة : "أل" في الأصل : دلالة العموم الذي يستغرق آحاد ما دخل عليه فلا يحصل المراد إلا بإطعام جميع المساكين على جهة الشمول لا البدل فلا يغني مسكين عن آخر ، وإنما يلزم إطعام الجميع ما لم ترد قرينة بتخصيص كقولك : أطعم المساكين إلا فلانا ، فذلك من التخصيص في اللفظ على جهة الاستثناء فهو من التخصيص المتصل ، أو كانت دلالة : "أل" دلالة العهد فذلك من التخصيص بالعقل فالمتكلم يقصد مساكين بأعيانهم ، فلا يقصد جميع المساكين وإن دل عليه اللفظ وضعا ، وقد يقال : إن ذلك من قبيل المشترك المعنوي إذ دلالته الكلية المطلقة مشتركة في الذهن ، وإنما تنقسم في الخارج ، فمعنى الخضوع في السجود الاضطراري الكوني والسجود الاختياري الشرعي ، المعنى في كليهما حاصل فهو مطلق في الذهن انقسمت موارده في الخارج ، فثم معنى كلي يجمع الأفراد خلافا للمشترك اللفظي فلا معنى يجمع ، كما تقدم ، بين جرم المشتري السماوي ، ومشتري السلعة ، فثم في المشترك المعنوي أصل مطلق في الذهن تشترك فيه الأفراد جميعا ، وإن اختلفت الحقائق في الخارج ، فسجود الشجر بداهة غير سجود المؤمن ، وإن اشتركا في معنى الخضوع المطلق ، وذلك أصل ، كما تقدم ، يعم جميع الحقائق فهو وجه صريح من وجوه الاعتبار يصلح في جميع الحقائق الذهنية التي يقع فيها الاشتراك ، كما في باب الإلهيات ، أشرف أبواب الديانات ، فإن دلالة ألفاظ الوحي على صفات الرب ، جل وعلا ، التي اشتقت منها أسماؤه الحسنى مما يدركه الذهن مطلقا ، فالاشتراك فيه حاصل بالنظر في معناه المجرد في الذهن ، فصحت الشركة من هذا الوجه ، بين الخالق والمخلوق ولم يلزم منه تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق ، إذ ذلك معنى مطلق في الذهن لا وجود له في الخارج ، فالمطلقات الذهنية لا توجد في الخارج خلافا للطرائق الفلسفية التي عنيت بتجريد الحقائق حتى جوزت ما يخالف العقل والحس جميعا من وجود المطلقات الذهنية في الخارج ، فلا عاقل يقول بذلك إذ المعنى المطلق في الذهن لا يوجد في الخارج إلا مقيدا ، فالصفة التي يقع فيها الاشتراك الذهني من جهة المعنى تتباين حقائقها في الخارج تبعا للموصوف الذي تقوم به إذ لا استقلال لها بنفسها ، فهي تَتْبَعُهُ كمالا أو نقصا ، فلا يحصل الاشتراك في الخارج بين مخلوقين في وصف فعلم زيد غير علم عمرو وإن اشتركا في معنى العلم ، إذ : (فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ، فلا بد أن يكون أحدهما أعلم من الآخر في الجملة ، أو أحدهما أعلم في فن بعينه من الآخر وإن كان الثاني أعلم من الأول في الجملة ، فهو فاضل في الجملة وإن كان مفضولا في التفصيل في باب بعينه من أبواب العلم ، ولذلك كان الصحيح في باب النظر والاستدلال : جواز أن يتجزأ الاجتهاد إذ يكون صاحبه قد بلغ رتبة من العلم في باب رجح فيه غيرَه حتى صار للاجتهاد أهلا مع أنه في أبواب أخرى مقلد لا يجوز له الاجتهاد أو الفتيا ، فحصل هذا التباين بين العلمين ، علم زيد وعلم عمرو ، وإن كان كلاهما عالما بالنظر في الأصل المطلق ، ولم يلزم من هذا الاشتراك في المعنى الأعم تساويهما في الحقيقة في الخارج بل لكلٍّ علم يباين علم الآخر ، فكيف بعلم الخالق المحيط في مقابل علم المخلوق القاصر الذي يعرض له من الجهل ابتداء والنقص بقصور في النظر والاستقراء أو آفة من آفات السماء ثم الاضمحلال والفناء انتهاءً بفناء الذات ، فإن انتفى التماثل بين مخلوقين مع إثبات المعنى المطلق في الذهن ، فذلك أشد انتفاء بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، من باب أولى ، وذلك ، أيضا ، من صور الاعتبار الصحيح إذ قياس الأولى قياس صحيح في الإلهيات على تفصيل في ذلك .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
22-07-2015, 10:36 PM
فظهر من تفسير لفظ : "فسوق" في الخبر الذي تقدم : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، ظهر أثر الاعتبار الذي يستند إلى قرائن صحيحة من السياق أو من نصوص أخرى في الأسماء والأحكام ، فإما أن يقال بأن التنكير قرينة تدل على إرادة النوع الأصغر إذ الإطلاق ، وهو مدلول النكرة في سياق الإثبات ، يصدق بأدنى قدر من الحقيقة في الخارج وهي الحقيقة الصغرى فيجتزئ الناظر بها حتى ترد قرينة تدل على قدر زائد ، فيحمل الفسق على الفسق الأصغر ، فهذا وجه يقابل االوجه الأول فإما أن يقال :
الأصل حمل اللفظ على المعنى الأكبر حتى يرد دليل على إرادة المعنى الأصغر ، والقرينة هنا هي ورود اللفظ منكرا ، وأن الفعل الذي أنيط به الحكم وهو السباب أو القتل من المعاصي العملية التي تَنْدَرِجُ في حد الكبيرة غير المخرجة من الدين وإن قدحت في كماله الواجب .
وإما أن يقال بأن النكرة في سياق الإثبات تصدق بأدنى قدر من الحقيقة فيثبت المعنى بأدنى قدر في الخارج ، وما زاد فهو يفتقر إلى الدليل ، فيحمل على الأصغر في هذا الموضع بِعَيْنِهِ حتى يرد الدليل على إرادة الأكبر .
وكذلك الكفر في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" ، فهو يحمل على الكفر الأصغر إذ هذا الفعل كبيرة مستشنعة فحسن إطلاق وصف الكفر عليه ، أو يقال بأنه مشترك لفظي يدل على النوعين : الأكبر والأصغر ، والقرينة هي التي تعين مراد المتكلم ، فقرينة السياق تشهد لإرادة الكفر الأصغر فتلك من الكبائر العملية إلا إن فعل مستحلا أو مستهزءا ، فيكون ثم عموم للمشترك إثراء للدلالة إذ يحتمل كلا المعنيين على وجه صحيح لا تكلف فيه فهو يدل على كل معنى من وجه ولا إشكال إذ الجهة منفكة وإنما يكون الإشكال إذا اتحدت الجهة وأراد الناظر أن يطلق على المحل جميع دلالات المشترك فإن ذلك يشبه من وجه الجمع بين الضدين أو المتباينين من وجه واحد ، فلا يتصور أن تتحد جهة المحل : عينا وزمانا ويكون أبيض وأسود في نفس الآن ! ، وإنما قد يكون أبيض في زمن ، ويكون أسود بعد ذلك فيجتمع الضدان في محل واحد لا من جهة واحدة فزمان اتصافه بالبياض يُبَايِنُ زمان اتصافه بالسواد .

وثم شاهد ، من وجه آخر ، لدلالة الاقتران وهي من أضعف الدلالات ، إذ أطلق الكفر على جملة من الأفعال بعضها أصغر ، وبعضها أكبر على خلاف ، فإن إتيان الكهان مع عدم تصديقهم كبيرة بلا خلاف ، فـ : "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" ، فإتيانهم مطلقا سبب في عدم قبول الصلاة أربعين يوما ، أو هو مانع من قبول الصلاة أربعين يوما ، فدلالة التَّسَبُّبِ أو المنع كلتاهما دلالة صحيحة في هذا الموضع ، وأما إتيانهم مع تصديقهم كما في هذا السياق : "مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" ، فهو كفر أكبر ، إذ وصف مخلوقا بوصف لا يَلِيقُ إلا بالخالق ، جَلَّ وَعَلَا ، وهو علم الغيب ، فهو من أخص أوصاف الربوبية ، وذلك شرك في الوصف ، وهو ، بداهة ، من الكفر الناقض للأصل ، فعلى هذا القول تكون الدلالة في الحديث دلالة اقتران ، إذ قرن جملة من الأفعال في سياق واحد مع اختلافها في الأحكام ، فبعضها كفر أصغر كإتيان المرأة في الحيض وبعضها كفر أكبر كتصديق الكهان فيما يدعون من الغيوب ، فَقَرَنَ بَيْنَهَا جميعا وحكم عليها بحكم واحد فيكون ذلك من عموم المجاز ، عند من يقول بالمجاز في لسان العرب ، إذ أطلق اللفظ في سياق واحد على الحقيقة والمجاز فالأصل في إطلاق الأسماء أنها تَنْصَرِفُ إلى الجنس الأكبر إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ تصرفه إلى الجنس الأصغر ، فاجتمع في السياق النوعان : الأكبر والأصغر ، وأطلق عليهما جميعا لقب الكفر ، فانصرف في حال إتيان الحائض أو المرأة في دبرها ، انصرف إلى الكفر الأصغر إذ تلك ، كما تقدم ، كبائر لا تَنْقُضُ أصل الإيمان ، وإن نقضت كماله الواجب ، وانصرف في حال إتيان الكاهن مع تصديقه فيما يدعي من علم الغيب ، انصرف إلى الكفر الأكبر فذلك من جنس الشرك ، ولا ينفك عند التدبر والنظر ، أن يكون غلوا في المخلوق فشبه بالخالق ، جل وعلا ، وتلك مادة الشرك في هذا العالم ، الغلو في المخلوق وتشبيهه بالخالق جل وعلا فهو الذي يعلم وهو الذي يغفر ويصفح بل وهو ، في أحيان كثيرة ، الذي يرزق ويطعم ! ، ولا ينفك ذلك أن يكون فسادا عظيما في التصور إذ وقع صاحبه في أفسد قياس فَقَاسَ الخالق الغائب الكامل على المخلوق الشاهد الناقص ، فأي فارق في القياس أعظم من ذلك ، وأي بطلان أعظم من التسوية بين أعظم متباينين ؟! ، الخالق الكامل والمخلوق الناقص .

فثم عموم في المجاز ، إذ أطلق اللفظ في سياق واحد ودل على الحقيقة الكبرى والمجاز الأصغر في نفس الآن ، وذلك ، من وجه آخر ، قد يصلح مثالا لدلالة المشترك اللفظي على كلا وجهيه ، على سبيل العموم لا البدل ، فَدَلَّ على المعنيين جميعا : الأكبر والأصغر ، والسياق واحد ، والاقتران حاصل بالتعاطف ، ولقائل أن يقول ، بل الجهة منفكة ، فالحكم وإن أطلق في سياق واحد على وجه يظهر فيه التساوي بينها جميعا في الحكم ، فإما أن تحمل على الكفر الأكبر وإما أن تحمل على الأصغر ، فحمل بعضها على الكفر الأكبر وبعض آخر على الكفر الأصغر تحكم ، فالحكم وإن أطلق هذا الإطلاق إلا أن القرينة تَنْفِي التحكم بلا دليل ، إذ ثم دليل وهو اختلاف الأفعال ، فالجهة منفكة ، إذ جهة إطلاق الكفر على إتيان المرأة في الحيض أو في دبرها تنفك عن جهة إطلاق الكفر على إتيان الكاهن وتصديقه ، فالأولى ليست من نواقض الأصل وإنما تَنْقُضُ الكمال الواجب دون الأصل ، والثانية من نواقض الأصل ونواقض الكمال الواجب من باب أولى فَثَمَّ زيادة في الحكم إذ ثم زيادة في الجرم ، وذلك ، من وجه آخر ، اعتبار صحيح ، إذ يقضي بالتناسب طردا وعكسا بين الجرم والحكم ، فكلما عظم الجرم عظم الحكم ، والعكس صحيح ، فالاعتبار صحيح حال الطرد وحال العكس وذلك ، كما تقدم ، مرارا ، من أظهر وجوه الاعتبار الصريحة في الشريعة المحكمة في بيان مقادير الأعمال في الشرع ، ومآل الظالمين في الأولى والآخرة ، فالقياس يعم جميع النصوص سواء أكانت لبيان مقادير شرعية أم لبيان عواقب ومآلات كونية كما جرى للمكذبين إهلاكا والمؤمنين إنجاء ، فتلك السنة الكونية الجارية في أتباع الرسالة وخصومها وإن عَلَا خصوم الرسالة في الأرض وتجبروا ، فلسان حالهم : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، وذلك أيضا من القياس الفاسد فجاء التعقيب إبطالا بدلالة أصرح إذ الرب ، جل وعلا ، هو الأقوى ، فـ : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ، فإن اجتهد أعداء الرسالة أن يبطلوا أحكامها ويعطلوا شعائرها ويبدلوا ثوابتها الرئيسة التي لم يخالف فِيهَا من لَهُ أدنى مسكة من دين أو عقل ، فجاء رويبضة الأواخر بما لم يأت به الأوائل ! ، فحري بالسنة الربانية أن تعمل فيهم بالاستدراج فالإهلاك ، وإن طال الأمد ، فمقادير العقوبة شرعا وكونا ، مقادير محكمة ، وسنن الرب ، جل وعلا ، جارية في جميع الدور ، وذلك ، كما تقدم ، من وجوه الاعتبار الصحيح ، فعم المشترك في اللفظ : الحكمين جميعا فأطلق في سياق واحد فانصرف جهة الكفر الأصغر حال الشطر الأول ، وانصرف جهة الكفر الأكبر حال الشطر الثاني ، وإن أطلق في اللفظ إطلاقا واحدا في سياق واحد ، فانقسمت دلالته بالنظر في انفكاك الجهة واختلاف الأفعال ، فمناط الكفر الأصغر يباين مناط الكفر الأكبر ، وإن جمعها كلها جنس الكفر الأعلى ، فذلك قول من يجوز عموم المشترك فهو ، في أصله ، يطلق على أكثر من معنى لا على جهة الشمول ، وإنما على جهة البدل ، فَعَمَّ في هذا السياق وأطلق على كلا المعنيين ، الأكبر والأصغر جميعا ، إذ اختلفت المناطات وإن جمعها سياق واحد على جهة التعاطف ، كما تقدم ، والواو ، عند التدبر والنظر ، تفيد مطلق التشريك لا خصوصه ، فينصرف الاشتراك إلى المعنى المطلق وهو الكفر دون المعنى الأخص الذي انفرد به كل شطر لقرينة من خارج ، وذلك خلاف الأصل في المشترك فلا يدل على جميع الحقائق في سياق واحد ، وإنما يدل على أحدها دون الباقي لقرينة من السياق .

فثم الأكبر وثم الأصغر ، وإن جمعها أصل المادة وهي الكفر المطلق ، فهو على هذا الوجه مجمل حتى ترد قرينة تصرفه إلى أحدهما ، أو يقال بِأَنَّ ذلك من عموم المشترك فهو يدل على كلا المعنيين على جهة الشمول لا البدل ، فينصرف إلى الكفر الأكبر بقرينة وينصرف إلى الأصغر بأخرى وليس ثم ما يمنع أن يحمل السياق على كلا الوجهين فكلاهما صحيح له حظ من النظر وله قرينة يصح معها حمل اللفظ على وجه دون آخر بلا تكلف ولا تعسف .

وذلك مما ينتفع به في تخريج ما كان من قتال في الجمل وصفين ، فإن الوقوف على ظاهر اللفظ ، بادي الرأي ، دون ضم قرائن أخرى تبين مراد المتكلم : جهل وتقصير أو هوى يحمل صاحبه على الاجتزاء بنص يوافق هواه في الطعن في الصدر الأول ، رضي الله عنه ، توسلا إلى التشكيك في نص الشريعة فقد نَقَلَهُ قوم ليسوا لذلك بأهل ، فعدالتهم مطعون فيها بل وأصل دينهم محل شك إذ قد وصفوا بالكفر ! ، فلا يقبل نقلهم ولا يقبل إجماعهم ! ، وذلك ما يروج له منهاج الحداثة في سعيه الدءوب إلى التجديد المذءوم الذي تُبَتُّ فيه الصلة بالماضي المجيد الذي يستمد منه أهل الإسلام أسباب الشرع التي لا ظهور لهم إلا بامتثالها ، فلا بد من صرفهم عن هذه المرجعية بالقدح فيها قبل السعي في استبدال مرجعيات أخرى بها ! ، فإن نظروا في تاريخ الإسلام فهو تاريخ ملطخ بدماء الصراع على السلطة فليس إلا سلسلة من حلقات متصلة من الدس والكيد والتآمر والسفك طمعا في الملك فجميعهم في النار ، فـ : "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»" ، وجميعم قد كفر إذ خالفوا نص : "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ، وذلك قصور في الاستدلال بالنظر في نصوص وعيد تحمل على بيان مقادير الأعمال ، فكلها على التغليظ والزجر كما أثر عن أحمد رحمه الله في "أصول السنة" ، ولا يلزم من ورودها : وجوبُها كما ذهب إلى ذلك الخوارج والمعتزلة الذين أوجبوا حصول الوعد ونفاذ الوعيد في سوء أدب وتأل على الله جل وعلا لا يخفى ، فثم موانع من نفاذ الوعيد فضلا أن الكفر في الخبر السابق قد ورد منكرا فلم يَرِدْ مُعَرَّفًا مستغرقا لمعاني الكفر ليحمل على الكفر الأكبر ، وإنما يحمل على أدنى قدر يحصل به المعنى حتى ترد قرينة تدل على الزيادة ، فذلك يشبه من وجه وصف النساء بالكفر في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ" ، فحمل اللفظ على حقيقته اللغوية وهي الستر ، وخصه السياق بستر مخصوص ، وهو : ستر المعروف بجحده وإنكاره ، فهن ينكرن معروف الزوج ، وذلك ستر .
فاستعمل اللفظ في حقيقته اللغوية مطلقا ، في نحو قوله تعالى : (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) ، أي : الزراع الذين يكفرون الحب تحت التراب .
واستعمل في حقيقته اللغوية بزيادة قيد يقدح في كمال الدين ولا يقدح في أصله وهو ستر المعروف بجحده وإنكاره كما في حديث كفران العشير .
واستعمل في حقيقته اللغوية بزيادة قيد يقدح في أصل الدين ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وذلك جار على ما تقرر أن الحقيقة الشرعية هي حقيقة لغوية زِيدَ فيها من القيود ما خصها به الشارع ، جل وعلا ، بمعنى بِعَيْنِهِ تَرَتَّبَت عليه جملة من النصوص وعدا ووعيدا .... إلخ ، ولكل سياقٍ من القرائن ما يوجب حمل اللفظ على معنى دون آخر ، فإن وصف الطائفتين بالإسلام ، فـ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، ومدح الصلح بينهما ، ومدح من سعى فيه وهو الحسن ، رضي الله عنه ، كل أولئك قرائن تخرج هذه الصورة من دائرة الكفر الأكبر ، فمن نهى عن ضرب الرقاب لأن ذلك كفر هو الذي وصف الطائفتين اللتين اقْتَتَلَتَا بأنهما طائفتان مسلمتان ، والإسلام حال أفرد فإنه يستغرق نظيره من الإيمان بمقتضى دلالة الاقتران والافتراق ، فإذا افترقا اتفقا ، فيدل كل منها على الدين كله ، وإن اقترنا اختلفا ، فيطلق الإيمان على العقد الباطن ويطلق الإسلام على الفعل الظاهر ، فهما مسلمتان في الظاهر مؤمنتان في الباطن وإن اقْتَتَلَتَا فإن القتال بَيْنَ المسلمين ، على أعظم أحواله ، كبيرة تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله فَلَيْسَ اقتتال المسلمين مطلقا كفرا أكبر فلو صح ذلك لكفر كثير من المسلمين الذين ثبت إيمانهم بِيَقِينٍ فلا يزول إلا بِيَقِينٍ مثله والقتال بالإجماع ليس من نواقض الإيمان إلا إذا كان بغضا للدين وأهله وسعيا في استئصاله سواء أكان ذلك بالتحريض قولا ، أو الإمداد مالا ، فضلا عن مباشرة القتال فهو يقتل المسلمين لأجل دينهم لا لأجل دنيا ، أو لشبهة تأويل وإن ضعفت كشبهة الخوارج فإنهم لم يستحلوا قتل المسلمين إلا بعد أن اعتقدوا كفرهم عدوا بغير علم ، أو لاجتهاد سائغ في استيفاء حكم أو دفع ما يظنه صاحبه بغيا وَثَمَّ شبهة قوية كما كانت الحال في صفين فضلا عما وقع من إثارة الفتنة في الجمل بعد أن سكن الناس وتداعوا إلى الصلح وانتهى الأمر فالعذر فيه أولى ، إذ لم يكن القتال على قاعدة دينية فلم يقاتل أحدهما الآخر وهو يعتقد كفره بل قد ورد النهي عن تكفير الطائفة الأخرى من كبار القوم في الفريقين ، كما أثر عن عمار ، رضي الله عنه ، أنه نهى أهل العراق عن تكفير أهل الشام وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ" ، ولم يقل الكافرة ! ، ودعوتهم إلى النار لا يَلْزَمُ منها دخولها ، إذ انعقاد أسباب الشر ، كما يقول بعض المحققين ، لا يلزم منه وقوعه ، فـ : "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" ، ولا يلزم من ذلك أنهما صنفان كافران الكفر الأكبر ، بل إن الظلم والتبرج من الكبائر ما لم يكن استحلالا أو استخفافا بأحكام الشريعة على وجه تُزْدَرَى فيه وَتُنْتَقَصُ ، ولا يجد أولئك ريح الجنة ، وذلك ، أيضا ، لا يستلزم عدم دخول الجنة مطلقا ، فقد لا يدخلنها ابتداء فيكون المنع مؤقتا ، ثم يدخلنها إذا استوفين العقوبة المقدرة ، فالتحريم ابتداء لا انتهاء كسائر أصحاب الوعيد ممن شاء الرب المجيد تبارك وتعالى أن يعذبهم فإن جنس الوعيد ثابت وإن لم تنفذ جميع آحاده فقد يكون ثم مانع من حسنات ماحيات أو سيئات مكفرات أو عذاب في دار البرزخ يتقدم فذلك من رحمة الله ، جل وعلا ، لو تدبر المعذب ! فإن تعجيل العقوبة خير من تأخيرها إلى دار يعظم فيها الهول فليس لمخلوق فيها حول ولا طول إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فأكرمه أن جعل له شفاعة قد تكون هي أيضا من موانع نفاذ الوعيد أو انقطاعه إذ ثم شفاعة تمنع نفاذ الوعيد ابتداء ، وثم شفاعة تمنع استكماله ، بل وثم شفاعة للجبار جل وعلا آخر الأمر بعد أن تستوفى الشفاعات ، فشفع الشافعون وبقيت شفاعة الجبار تبارك وتعالى فيخرج عتقاءه من النار بعد أن امتحشوا ، فهم آخر أهل النار خروجا ، وآخر أهل الجنة دخولا ، فيصدق فيهم أن الجنة عليهم محرمة فهي ، أيضا ، محرمة ابتداء ، وإن لم تحرم انتهاء فإذا دخلوها فهو دخول التأبيد فضلا من الرب الحميد تبارك وتعالى ، فنار العصيان يخرج أهلها خلافا لنار الكفران والنفاق فهي نار يخلد سكانها في مقابل خلود أهل الجنان سواء أدخلوها ابتداء أم انتهاء ، وسواء أستحقوها بالفضل ابتداء أم لم يستحقوها بالعدل إلا أن يكون ثم شفاعة يمن بها الرب ، جل وعلا ، فمن جملة الشفاعات الثابتة الشفاعة لقوم قد استحقوا النار عدلا بذنوبهم ألا يدخلوها ويدخلوا الجنة ابتداء ، وقد يكون التحريم لجنان بعينها تحرم على المتبرجات دون بقية الجنان ، وعلى اصطلاح المتقدمين في النسخ أنه يعم كل صور البيان ، فالاعتبار بجمع أدلة الباب وعدا ووعيدا هو نسخ لهذا الوعيد لا رفعا له وإنما تخصيصا له بجملة من الموانع ، فقد يكون ثم مانع يمنع نفاذ الوعيد ، فذلك أيضا جار مجرى الوعد والوعيد بَيَانًا لمقادير الأعمال ثوابا أو عقابا ، فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، وثم موانع تمنع نفاذ الوعيد اسْتَقْرَأَهَا المحققون من النصوص منها : الحسنات الماحيات ، والقوم لمن تدبر في أمرهم فأنصف ولم يتعسف في الحكم وَيَتَكَلَّفُ في استقصاء مثالبهم فذلك من أعظم الفتنة في الدين ، القوم لهم من المآثر والحسنات ما يَجُبُّ ما كان في القتال من خطأ وتعد فلو لم يكن لهم إلا مأثرة حمل هذا الدين وتبليغه وإدخال الناس فيه لكفاهم ذلك ، كما يقول بعض المحققين ، فما وقع كان من جنس البغي الذي لا ينفي وصف الإيمان ، كما في قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) ، والبغي أيضا منه : بغي ليس معه تأويل معتبر يعضده وإن كان ثم تأويل ضعيف يرفع الحكم ولا يرفع الإثم كبغي الخوارج فقد قاتلهم علي رضي الله عنه قتال البغاة مع أنه مقصرون آثمون ، وبغي معه تأويل معتبر يعضده فهو يرفع الحكم والإثم جميعا بل والمقاتل فيه مجتهد مأجور الأجر الواحد إذ لم يصب الحق مع اجتهاده في تحصيل أسبابه وكونه أهلا لذلك فضلا عن عظم الشبهة كما وقع بعد مقتل الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه .

فالاعتبار ، كما تقدم مرارا ، لا بد فيه من جمع الألفاظ وتقليب الأنظار فيها تقليب الباحث عن الحق ، الجامع لأسبابه ، لا المعتقد لما هوى أو وجد ثم هو يبحث في النصوص عما يشهد لمعتقده واعجب لمن يبحث في نصوص رواها فلان أو فلان ليقدح فيهما ، فهو يروم القدح في الصدر الأول ، رضي الله عنه ، استنادا إلى نصوص رووها ! ، فكيف يصح الاستدلال الذي يروم صاحبه الاستدلال برواية من لا يقبل هو روايته فعلام قبل روايته في هذا الأمر وردها في بقية الأمور مع أن قياس العقل ألا تقبل رواية المقدوح في عدالته مطلقا فلا ينتفع بها في أصل أو فرع ، ولكنه التحكم الذي ينافي الاعتبار الصريح فهو ينظر فيما يشهد ظاهره لمقاله ولو كان يشهد بضده لو تدبر ونظر نظرا معتبرا لا نظر بادي الرأي الذي لا يفقه صاحبه إلا ظاهرا من القول دون سبر لأغواره بجمع ألفاظه وتحرير معانيه ودرك مراميه ، ويعرض في المقابل عما يعارض قوله بل ويبطله ، فيكره أن يظهر الحق الذي يخالف قوله ، ومنشأ ذلك ، كما تقدم مرارا ، المحدثة العظمى في تاريخ الإنسان الذي رام أن يطغى ، فهو أبدا يجهد في الانتصار لرأيه أو ذوقه ، فيقدمها على نص الوحي المحكم ويجعلهما الحاكم المهيمن ، فصار عقله أو ذوقه ، عند التدبر والنظر ، هو المشرع الذي يحكم في الوحي حكم المتبوع في التابع ، فالوحي لفظا ومعنى لا يحتج به إلا إذا وافق ما يرى أو يجد ! ، وما سواه فبت الصلة معه حتم لازم إذ هو من العتيق الذي يفتقر إلى التجديد ، مع أن قياس العقل الصريح لو تدبر أن يقدم هذا الحق القديم المحكم ، الحق الأول الذي كتب وسطر في اللوح فعلمه الرب جل وعلا أزلا ، أن يقدم هذا الحق القديم على ما تشابه من الأهواء والأذواق المحكمة فلا بد من مرجع محكم ترجع إليه الأقوال والأحوال فهي كل يوم في ازدياد وتولد سواء أكانت باطلا مضى تعاد زخرفته بزخرف جديد من القول ، حداثة أو معاصرة ..... إلخ من المصطلحات الخداعة التي ينطق بها الرويبضة في السنوات الخداعات التي نحيى الآن فيها فذلك تأويل الخبر الصادق بها وهو عند التدبر والنظر من دلائل النبوة إذ أخبر بها المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكانت كما قال إذ ذلك من جملة الغيوب التي أطلعه عليها الرب المعبود تبارك وتعالى ، أم كانت محدثة من كل وجه فلا يزال الشيطان يعرض لأصحاب الأهواء فيوحي إليهم بجديد من الباطل لم يسبق ! ، فإذا صارت هذه الأهواء والأذواق هي المرجع وعطل مرجع الوحي في صورة من أفسد صور الاعتبار ، قلبت فيها طرائق الاستدلال فاستحسن العقل الفاسد والذوق الباطل أن يرد محكم الوحي إلى متشابه الهوى والذوق ، وأن يكون الإنسان برأيه المخلوق المحدث حاكما على الوحي الذي نطق به الخالق ، جل وعلا ، صدقا وعدلا ، فحقيقة الأمر طغيان أصاب بني الإنسان فراموا أن ينازعوا الإله منصب الألوهية فيريدون تعبيد غيرهم لهم فقولهم هو الصدق وإن خالف خبر الوحي ، وحكمهم هو العدل وإن خالف حكم الوحي ، فصار ثَمَّ أديان ومذاهب ونحل ، وشرائع وأحكام بعدد عقول المتشرعين المنازعين لرب العالمين جل وعلا وصف الحكم الذي ثبت له اسما ووصفا وفعلا فهو من المتواتر الضروري في كلام الوحي الشرعي ، فمثل أولئك كمثل الكهان الذين نازعوا الرب ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه ، وهو وصف العلم ، فأولئك أيضا نازعوه وصفا من أخص أوصافه ، فقد ثبت له على جهة القصر مئنة من الحصر والتوكيد ، فـ : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ، فذلك مما اختص به وحده سواء أكان حكما كونيا نافذا أم حكما شرعيا عادلا ، ولكن البشر إذ طغوا وبغوا واغتروا بما أصابوا من ظاهر العلم بالحياة الدنيا ظنوا أنهم في غنية عن الوحي فقد بلغوا سن الرشد وآن أن ينعتقوا من ربقة الدين ، فذلك رسم المتخلفين ! ، فصار العقل أن يلحد صاحبه فيجحد الوحي ويستخف به ، فكلما أمعن في ذلك كان أكمل عقلا فهو سائر السير الحثيث في طريق التحضر والتقدم وإن خالف بدائه الفطرة والعقل والحس ، وانحط إلى دركة الحيوان في تصوراته وأخلاقه فجمد على المحسوس ، وانحصرت همته في لذات المأكول والمشروب والمنكوح ، وصار الظلم والاستبداد هو طريقته المثلى في استلاب اللذات كما قد وقع مطلع القرن الماضي إذ اندفع الغرب بعد أن امتلك أسباب القوة المادية اندفع يستلب بقية الأمم النفوس والأموال والثروات فصيروا الأمم لهم خدما فتلك نظرية السيد الذي لا ينازع ، فهو الإله الجديد الذي يملك القوة والنفوذ والذي يخضع له المخالف فما خلق إلا ليخدمه ، وهذا ، عند التدبر والنظر ، جوهر الفكرة الليبرالية التي خرجت من رحم مجتمعات ظهرت فيها الدعوة الإصلاحية البروتستانتية وهي ، أيضا ، مما تأثر بالفكرة اليهودية المحرفة ، فكرة الشعب المختار أو الجنس الأرقى الذي تخضع له بقية الأجناس لا لشيء إلا لأنه هو الذي يملك أسباب القوة وإن لم يملك أسباب الحق ، في ردة إنسانية تلحق البشر بعالم الحيوان إذ البقاء للأقوى والأشرس ، فلا يمكن لهذا الفكر أن يسري في مجتمعات الشرق المسلم إلا ببت صلته مع الوحي لأنه ينكر هذا الفكر القبيح وما كان منه من ظلم واستبداد سرى إلى الشرق المسلم بقدر ما بشر بهذه الأفكار المنحرفة فلم نر من ثمرة لهذه الأفكار العلمانية اللادينية في مجتمعاتنا لم نر إلا مزيدا من الانهيار الأخلاقي والإنساني فضلا عن الإفساد للدين والدنيا معا ، فحرفت الأديان وانتهكت حرمات الأبدان دما ومالا وعرضا وأهدرت مقاصد التشريع التي أجمع عليها كل عاقل ، وصارت القوة الغاشمة المستبدة هب الراعي لهذا المشروع الفكري الكاسد فتحت مظلتها يستظل كل مارق من الدين مخالف لبدائه الأخلاق التي ركزت في النفوس فإنها أفكار تخالف الأديان بل والطبائع والعوائد فلا بد من فرضها بقوة السلاح الذي يحرر البشر رغما عنهم ! ، فكانت تلك وظائف القوة في ظل ما ابتلينا به من زوال رسم الإسلام سائسا وحاكما بل والتضييق عليه في الشعائر ولو استطاعوا انتزاعه من الضمائر لفعلوا ، فـ : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) ، وكل هذا يكون تحت اسم التجديد ولو عنوة ، وعلماء السوء عليه شهود بل وله جنود ، فأية مصيبة هذا التي ابتلي بها أهل الإسلام في هذه الأعصار ؟! .
والقوي إذا لم يشفع قوته بدين يستمد من الوحي فإنه يطغى بل ويكاد يتأله فيروم فرض ما رأى أو استحسن على غيره بقوة السلاح عنوة ، فـ : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، فهو الذي يصوغ المنظومة الدينية والقانونية والأخلاقية لمن ابتلوا أن يخضعوا لسلطانه الجائر ، ولو خالفت منظوماته منظومات الوحي فهو وحي عتيق يفتقر إلى التجديد فالعيب فيه لا في معارضه بهواه أو ذوقه ! ، والناس في ظل هذا السلطان ، مأسور مغلوب لا يملك دفعا للجاني إلا أن يحتسب ويلجأ إلى رب الظالم أن يكف بأسه بجبروته وأن يرفع ظلمه واسمه من الأرض وأن يتفضل فلا يبدل الناس به من هو شر منه فما ابتلوا به ابتداء إلا بعظم الذنب وما يتجاوز عنه الرب جل وعلا أعظم ، أو مكلوم لا ينطق فتأول الإنكار والاحتساب بالقول وذلك أيضا مما يعسر في هذه الأزمان فقد صار كما يتندر بعض الفضلاء مئنة من التطرف والتعصب فيستجلب ذلك من ويلات الظالم ما يستجلب ! أو بالقلب فذلك أضعف إيمان به تحصل النجاة ولو في حكم الآخرة فعقوبة الدنيا قد تعم بشؤمها من صلح ومن طلح ، أو لاه بأمر دنياه فلا يعنيه إلا إصلاح معاشه فهو أبدا لاهث في تحصيل أسباب الحس مما ينعم به البدن وإن عذبت الروح بقطع مادة النور عنها ، أو متزلف قد صار للقوي عبدا مختارا فليته سكت وانحاز وتأول أضعف الإيمان فلم ينصر الظالم بلا مقابل ! بل قد تسلط عليه بظلمه عقوبة عاجلة ، فلا يشترى مثل هذا إلا والعصا معه ، كما يقول أبو الطيب ، أو مهاجر فار قد فارق الدار إذ لا مكان فيها لصاحب حق إلا مقموعا معزولا جبرا أو اختيارا ، فهذا زمان يحسن فيه تأول نصوص العزلة حتى يكشف الرب ، جل وعلا ، الكربة فلا يخالط فيه الناس إلا في خير من أمر دين كصلوات ونحوه ، أو دنيا كمعاش أو نحوه ، وما زاد فهو فضول يضر ولا ينفع .


والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
25-07-2015, 12:04 AM
فالقتال في الحديث من جنس القتال الذي لا يكفر مباشره إذ لم يكن على قاعدة دينية ، فليس من القتال بُغْضًا للدين ، كما تقدم ، بل لم يكن بغضا لأعيان المقاتلين فإن أهل الشام لم يبغضوا أهل العراق ابتداء ، وإنما حصل البغض والتشاحن وما كان بعده من التدافع والتقاتل ، حصل بعد اختلاف المتأولين ، فنصر كل ما يظن أنه حق ، ورأى الأمر نوعا من أنواع البغي ، فكل يظن أن الآخر هو الباغي ، فأهل العراق يرون أهلَ الشام أهلَ بغي إذ امتنعوا عن بيعة الإمام الذي انعقدت له البيعة ، وأهل الشام يرون أهل العراق أهل بغي إذ بادءوهم بالقتال ، فخرج جيش العراق ابتداء ، فما كان من أهل الشام إلا أن تأولوا دفعه دفع الصائل لا سيما وقتلة الخليفة الشهيد فِيهِ مُنْدَسُّونَ وعلي ، رضي الله عنه ، قد اجتهد فرأى الكف عنهم لئلا ينتشر الأمر فيعجز عنه ، فيده مغلولة أن يقتص حالا لمفسدة أعظم رآها فرأى الاقتصاص الآجل بعد أن تسكن ريح الفتنة ولم يكن بداهة يرضى أن تبلغ الحال ما بلغت ، وأن يجد القتلة في جيشه مأوى ، فذلك مما ابتلي به فكان رغما عنه وقد برأه أولياء الدم أن يكون راضيا عن القتل والظلم ، فَبَرَّأَهُ مروان بن الحكم وشهد له شهادة حق إذ أراد نصرة عثمان ، رضي الله عنه ، بالجند فرأى الخليفة الشهيد الفتنة آتية لا ريب فكان اجتهاده أن يعصم دماء المتقاتلين لا سيما أصحاب النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبنائهم فَضَنَّ بدمائهم أن تُرَاقَ على يد حفنة من الخوارج الأراذل ، فجميعهم ، عثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم ، لهم حظ من التأويل سائغ وإن كان قدرهم فيه يَتَفَاوَتُ فبعضهم أدنى إلى الحق من بعض ، وبعضهم أصاب أكثر الحق فلم يفته إلا يسير فهو المجتهد المصيب في هذه النازلة فله الأجران وبعضهم اجتهد فأخطأ ، وكانت له هنات لا تسلم منها نفس حال الفتنة التي تطيش فيها العقول وتذهل فاجتهد وأخطأ ولا يسلم الاجتهاد في مثل هذه المواضع من حظ نفس ولو خفيا فذلك من السيئات التي انغمرت في بحور حسناتهم الماحية ولم يكن ثم منهم من يرجو عصمة فتلك قد رفعت بقبض صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك من الاعتبار الصحيح في مثل هذا الحديث فإن وصف القتال بأنه كفر مطلقا فلا يلزم من ذلك تعلق الاسم بكل من تحقق فيه الوصف الجالب له ، فَغَايَتُهُ أن يكون علة ، والعلة لا يَتِمُّ عملها فَتُنْتِجُ معلولها في الخارج إلا باستيفاء شروط وانتفاء موانع ، وثم موانع كثيرة تمنع ثبوت الاسم ونفاذ الوعيد ، فثم حسنات ماحية وثم مصائب مكفرة وثم عذاب البرزخ وأهوال الموقف وجملة من الشفاعات المثبتة ..... إلخ ، والقوم لهم من الحسنات الماحيات ما يجب ما كان من هنات فضلا أن عذر التأويل في حقهم قائم فهو ، كما تقدم ، رافع للحكم والإثم جميعا ، بل وموجب للمدح والثواب على تَفَاوُتٍ فالقوم بين الأجر والأجرين ، وقد ظهر من أخلاقهم الدينية وهم يباشرون القتال ما يعجب الناظر فيه إذ تلك مواضع تَعْجَلُ فيها النفس أن تظلم وَتَبْغِي وإن وضع لها من الزواجر ما وضع ، فذلك مئنة من كمال المراقبة وحسن المعاملة وكمال الدين والمروءة ، فالقوم قبل الإسلام كانوا أهل شجاعة ونجدة فكانوا يبذلون الروح رخيصة أن تذل نفوسهم وتخزى ، فكيف بعد الإسلام وقد زكت هذه الأخلاق بما اتقد في النفوس من جذوة الدين والشريعة ، فهم ، كما قال بعض الفضلاء ، أهل الجنة لقوا بعضهم بعضا فاستحوا أن يفروا وما فروا في جاهلية أيفرون في إسلام ؟! ، فكان ما كان من قتال البغي الذي حصلت فيه منحة التشريع كما قال أبو حنيفة ، رحمه الله ، فلولا أنهم تقاتلوا ، وذلك أمر كان بقدر الكون النافذ فلم يَسْعَ فيه القوم بداهة وإنما أجمعت الطائفتان في الجمل على الصلح فكان ما كان من الخوارج أن سعوا في الفتنة بالوثوب على كلتا الطائفتين كما قد علم من كلام المؤرخين الثقاة الذين نقلوا الأخبار سواء أجمعوا ولم ينقحوا إذ كان غرضهم التقميش لا التفتيش فَخَرَجُوا من عهدة الخبر بذكر من رَوَوُا عنه وكان لهم من المقصد الصحيح أن كتبوا ما لهم وما عليهم فتلك خاصة أهل الحق كما قال ابن مهدي رحمه الله ، فأهل الحق يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم فتجدهم يجتهدون في كتمان النصوص التي تَنْقُضُ مذهبهم ، وَكَانَ للنظار من أهل الحق في هذا الموضع نظر دقيق ، إذ اعتبروا الأخبار صحة وضعفا ، وَاجتهدوا في تخريجها على أصول أهل السنة في الأسماء والأحكام والوعد والوعيد ، فما كان إنما وقع بقدر التكوين وقد اجتهدوا في معالجته بقدر التشريع ، فكان تأول أهل الجمل في المبادرة باستيفاء الحق والخروج اقتصاصا من قتلة عثمان ، رضي الله عنه ، لا سيما والخليفة الجديد لَمَّا تحصل له المكنة والمنعة بعد فلا زالت المدينة في قبضة الخوارج البغاة ، وإن حصلت البيعة الصحيحة ، فرأوا أنهم يَسَعُهُم استيفاء القصاص لا سيما والقوم بغاة ، ودفعهم قد يجري مجرى الدفع للصائل ، ولو من وجه ، فذلك أمر فيه من التأويل السائغ في الدفع ما ليس في القصاص بالقتل أو القطع ، فدفع الصائل الباغي لا يشترط فيه ، في الجملة ، إذن إمام فينزل منزلة جهاد الدفع إذا دهم العدو محلة المسلمين فجهاده قد صار فرض عين دون استئذان إمام وظنوا معهم من القوة ما تحصل به المصلحة وتؤمن به المفسدة ، وكان تأويل علي أنه هو الإمام الذي فوضت الأمة له استيفاء الحقوق العامة والخاصة لا سيما في مسائل الدماء والفروج والأموال فتلك لا يستوفيها آحاد الناس وإلا كانت الفوضى ، وكان اجتهاد أهل الشام أنهم في منعة ومكنة بها يدفعون البغاة الذين قتلوا الخليفة الشهيد واندسوا في جيش الخليفة الجديد ، فكان الجميع متأولا لقدر الشرع في قتال البغاة وهو موضع دقيق يعسر فيه ضبط الأمر على وجه يوافق الشرع كله ، فلا أقل من السداد والمقاربة ، فـ : "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" ، فذلك ، أيضا ، من جملة الاعتبار الصحيح في هذه الشريعة المحكمة التي لا تريد من أتباعها أن يكونوا على وزان الملائكة ، وإنما تأمر بالمستطاع ، فـ : (اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) ، فالشريعة لها وجه اعتبار في تخريج المناط ، ولها وجه آخر أدق في تحقيق المناط في كل نازلة بعينها فلا يمكن التسوية بين النوازل مع اختلاف الوجوه ، واختلاف النفوس وتفاوت الحظوظ وما يكون من تأويل قد يشوبه حظ نفس خفي ، فيكون من الحق فيه قدر معتبر ، ومن الباطل قدر يغتفر إن غلب الحق الباطل وكان الباطل تأولا لا تقصدا ، أو تقصدا يسيرا لا يقوى أن يعارض حقا جليلا ، فالعبرة لمن غلب ، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث ، وهذا أصل جليل في الحكم على الأحوال والأعيان فإن مذهب أهل الحق فيما كان من تأول في أمور القتال والدماء ، أن القوم لم يسعوا في الحرب فلم يكن صراعا على الملك كما ذهب إلى ذلك من ذهب من أهل الأهواء ، ومن حمل عنهم من أرباب الاستشراق ومن اتبع سننهم من أرباب الاستغراب الذين تحملوا بضاعة الأهواء القديمة في زخارف جديدة من القول اجتهد أصحابها في إلباس الحق ثوب الباطل بِرَسْمِ الموضوعية والمنهجية ... إلخ من المصطلحات الجليلة التي تخفي وراءها من الباطل الحقير الذي تَزْهَدُ فيه النفوس السوية التي لا تخدع بزخرف القول فلها اعتبار صحيح في اللفظ والمعنى ، وقد حمل هذه البضاعة الكاسدة بعض من انتسب إلى الإسلام دينا وفكرا فَغَرَّهُ ما غَرَّهُ من اصطلاحات البحث الحديث فصارت الموضوعية هي ذكر القوادح وإن قلت ، وإغفال الفضائل وإن كثرت ! ، وذلك اعتبار فاسد عين صاحبه عين سخط تبدي المساويا فضلا أن تختلقها ! ، فثم كذب ودس كثير ، وثم اجتهاد في قلب الفضائل مثالب ! في تأويل عجيب ، وما صح من النقل فهم فيه مُتَأَوِّلُونَ لا سيما ومواضع الحق في النوازل تدق فلا تدركها العقول بادي الرأي إلا من عصم الرب ، جل وعلا ، فنظر بعين البصيرة ، وقد يَتَوَزَّعُ الحق فلا تجده في طرف واحد خالص ، بل لا بد من الاجتهاد من النظر في حجج الخصوم فَمَعَ كل حق وإنما يتراجح الطرفان في الخلاف السائغ المعتبر الذي لكل قول فيه حظ من النظر ، وذلك يعم الخلاف في الفقه في أمور العبادة والمعاملة فهو يعم سائر أحكام الشريعة ، وما كان من خطأ فلا تأويل فيه ، فهو من السيئات التي لا يسلم منها بشر ، وهي ، كما تقدم ، مغمورة في بحار عظيمة من الحسنات على وجه يُرَدُّ فيه متشابه ما كان من الفتن إلى محكم ما كان من حالهم الغالبة .
فضلا أن الاسم هنا ينصرف إلى الكفر الأصغر ، كما تقدم ، فالنكرة في سياق النفي تفيد الإطلاق فيصدق بأدنى قدر ، أو يقال بأن الأصل هو انصراف الاسم إلى المعنى الأعلى فلا ينصرف إلى المعنى الأدنى إلا بقرينة ، وثم هنا قرينة التنكير في مورد الإثبات ، فَضْلًا أن القتال لا يكون مذموما إلا إذا كان على دنيا ولا يلزم منه الكفر الأكبر ، فهو قادح في كمال الإيمان الواجب ، فكيف ولم يكن ثم قتال على دنيا ، فكان التأويل سائغا ، كما تقدم ، فلم يكن على قاعدة دينية ، إذ لم يكن التكفير أو التفسيق ... إلخ من الأسماء ذائعا في الطائفتين ، ولم يكن لأجل ملك ، وكان للتأويل حظ عظيم من النظر رفع الحكم والإثم جميعا بل وأوجب لفريق الأجرين ، الاجتهاد والإصابة ، وأوجب للآخر الأجر ، الاجتهاد فقط ، وإذا أنيط اسم أو حكم أو وعيد بفعل مطلقا فلا يلزم منه حصول الاسم أو الحكم أو الوعيد في حق المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع اللهم إلا في موارد التأويل الباطل ظاهر البطلان الذي قدح في أصل الدين على وجه لا عذر فيه بتأويل أو جهل كسائر مقالات الباطنية التي تأولت من الحقائق الدينية الضرورية ما جاء على أصل الدين بالإبطال .

وهذا باب عظم فيه الخلاف ، فهو أول ما كان في هذه الأمة من شقاق ، إذ غلا من غلا من الخوارج في الأسماء والأحكام فجمدوا على ظواهر الألفاظ ونفوا الأعذار مطلقا ، بل وزادوا فخالفوا النصوص المحكمة في مرتكب الكبيرة لا على جهة الاستحلال أو الاستهزاء ، فلم يكن اعتبارهم صحيحا إذ قصروا في جمع ألفاظ الباب فقد طعنوا في نقلتها إذ لم يوافقهوهم على قولهم ، وقصروا في الفهم إذ لا يُحْمَلُ اللفظ على دلالته المعجمية المتبادرة حتي ينظر في السياق وحتى يفتش في القرائن الخارجية المعتبرة لفظية كانت أو عقلية ، فقصروا في كلا الوجهين من وجوه الاعتبار ، وتلك آية ظاهرة في صاحب كل بدعة حادثة فإنه ينتحل قولا استحسنه ويروم حمل الناس عليه ولو قسرا ، ويجعل قوله المحكم وما ورد من النصوص متشابها يجب رده إلى محكم قوله ! ، ويجتهد في استقراء النصوص لا طلبا للحق وإنما بحثا عن متشابه من الألفاظ يشهد لقوله ولو من وجه بعيد متكلف ، ففسد القصد الأول ، فلا يرجى من نظر من تلك حاله أن ينطق بحق إلا إذا شهد لباطله فهو الحق الذي يراد به الباطل ! .

فالاعتبار بالتأويل باب واسع ، قد يثاب فيه المتأول إذ اجتهد في طلب الحق فبذل الجهد واستفرغ الوسع وحصل من آلة الاجتهاد ما يجعله لذلك أهلا ، فإن أصاب ، فالجهة في حقه متحدة إذ هو مثاب من جهة الاجتهاد ، مثاب من جهة الإصابة ، وإن لم يصب فالجهة في حقه منفكة ، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، مثاب من جهة الاجتهاد ، غير مثاب من جهة الخطأ ، ثم قد يلحقه إثم إن اجتهد وليس بأهل أن يجتهد ، أو فرط في واجب ، كسلا أو هوى ، فلم يجتهد في طلب أسباب الحق مع قدرته على ذلك وتيسر أسباب الحق فلا تخفى ، فلا يخلو أن يكون ذلك تفريطا بكسل ، أو تفريطا بهوى إذ أغفل ما يعارض قوله الذي أحدثه وانتحله ثم راح يفتش في النصوص بالمناقيش عما يشهد لقوله من قريب أو بعيد ، فضلا أن يكون تأويله لعبا لا دليل عليه من شرع أو لسان أو عقل ، وهذا التأويل الباطل جنس يعم وجوها من التأويل في الخارج فهو يَتَدَرَّجُ في الإثم من ذنب إلى كبيرة إلى ردة عن الدين كما في التأويلات الباطلة التي يشاقق فيها المتأول الرسولَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد بلوغ الحجة وتبين سبيل الهدى ، كما في تأويلات أهل الباطن قديما وقريبا منها تأويلات تقع في كلام بعض من انتحل نحلة الحداثة الفكرية فراح يتحيل في تأويل الإلهيات وسائر السمعيات ، فضلا عن إبطال أحكام الشريعة الضرورية التي لا يتصور أن يخالف فيها مسلم فما أشبهها بتأويلات من تأول الصلوات بأسماء الأئمة ، والحج بقصد مشاهدهم والجنابة بإفشاء سرهم ! .... إلخ من التأويلات التي خرجت بالشريعة بل واللسان من دائرة الجد والعقل إلى دائرة اللعب والهزل ، فصاحبها مارق ملحد أو مجنون مبرسم ، فكل أولئك يدخلون في عموم : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، فقيدت المشاقة بتبين الهدى فلا عذر لصاحبه إذ تقصد مخالفة الوحي ولا يخلو ذلك أن يكون ذنبا تغلب فيه الشهوة فتلك كبيرة تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، أو يكون معاندة للشرع فذلك مئنة من انحلال العقد ، فجنس المشاقة كسائر الأجناس المعنوية المطلقة في الذهن إذ تنقسم في الخارج فمنها مشاقة ذي العصيان التي تنافي كمال الإيمان ، ومنها مشاقة ذي الكفران التي يلزم منها جحد أصل من أصول الإيمان على وجه يوجب الحكم بمفارقة الدين بعد إقامة الحجة الرسالية وزوال الأعذار الشرعية المعتبرة ، وإلا فالقول يوصف بالاسم أو الحكم مطلقا ، وأما القائل فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع حال تحقيق المناط في عينه ، فذلك ، كما تقدم ، من أدق وجوه الاعتبار ، فثم اعتبار في تخريج المناط المطلق فذلك أمر لا يفتقر إلى قاض وإنما يحصله كل ناظر إذا حصل من العلم ما يجعله لذلك أهلا ، وثم اعتبار أدق في تحقيق المناط فذلك لا يكون إلا لقاض قد خبر الشرع وله من النيابة الصحيحة ما يجهعله أهلا للفتيا في هذه المواضع الشائكة فضلا أن تكون تحت يده قوة نافذة بها يتأول ما غلب على ظنه من الحكم على فلان أو فلان من المعينين ، فليس ذلك لآحاد المكلفين وإلا صارت تلك ذريعة إلى سفك الدماء واستباحة الحرمات على وجه تعظم فيه المفسدة وإن توهم الفاعل مصلحة في إنفاذ الحكم ، فقد يكون اجتهاده ابتداء في الحكم على الفعل أنه كفر أو فسق أو الحكم على الفاعل المعين أنه كافر أو فاسق ، قد يكون : مرجوحا ، وقد يكون صحيحا ويكون الإنفاذ بلا شوكة معتبرة مظنة مفسدة أعظم ترجح المصلحة في استيفاء الحق من الظالم .


والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
27-07-2015, 01:44 AM
ولم يكن القتال في الجمل وصفين ، من وجه آخر ، على جهة الاستحلال فتلك قرينة رفعت الحكم وبقي الإثم مجملا فقد لا يرتفع إذا كان القتال لأجل دنيا فيكون صاحبه متوعدا وعيد مقترف الكبيرة وهو ، كما قد علم من مذهب أهل السنة ، تحت المشيئة ، فإن شاء الله ، جل وعلا ، عفا عنه فضلا وإن شاء عذبه عدلا عذابا مؤقتا ، وقد لا يرتفع ، أيضا ، إن كان التأويل ضعيفا غير سائغ كتأويل الخوارج ، وقد يرتفع الإثم ، كما ارتفع الحكم ، إذ ثم تأويل معتبر شهدت له قرائن عدة ، كما هي الحال في قتال أهل الجمل وصفين فتخرج هذه الصورة من عموم : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، مطلقا سواء أكان أكبر أم أصغر ، فـ : "قتاله" : عموم استفيد من لفظ المضاف إلى المعرفة ، ضمير الغائب ، فيستغرق جميع صور القتال ، وذلك عموم يقبل التخصيص ، وقد خص بما تقدم من صور التأويل السائغ الذي يرفع الحكم والإثم جميعا ، فضلا عن جملة من النصوص تقدمت ، كقوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، و : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ، مِنْ أُمَّتِي» - وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ - وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ" ، وخص أيضا بقتال يكون فيه بغي على قاعدة دينية كقاعدة الخوارج أو على قاعدة دنيوية كالقتال على الملك والرياسة ، فهو يخص في باب الحكم دون الإثم ما لم يكن ثم استحلال ، وآية البغي تشهد له أيضا : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) ، فإنها أطلقت وصف الإيمان ولم تقيده بطائفتين يقع بينهما بغي بتأويل سائغ ، بل عمت جميع أجناس البغي سواء أكان بتأويل سائغ أم بتأويل ضعيف ، على قاعدة دينية أم على قاعدة دنيوية ، فذلك ما يوجب صرف الكفر في الحديث إلى الجنس الأدنى ، لا سيما والقتال قد أسندت إليه مادة الكفر المنكرة ، وذلك كفر لم يعرف فلا يستغرق ، كما تقدم ، فتلك نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق ، كما قرر أهل الأصول ، فأطلق الكفر ، وذلك محل إجمال يفتقر إلى البيان بالتقييد ، إذ الكفر ، كالفسق الذي تقدم بيانه ، الكفر : جنس أعلى يستغرق جميع آحاده في الخارج .
فمنه : الأكبر ومنه الأصغر ، ومنه الكفر العلمي كالتأويل الباطل سواء أبلغ حد التأويل الباطني الذي ينقض أصل الدين الرسالي على وجه يبطل فيه العذر أم كان من جنس تأويلات المتكلمين التي خاضت في الإلهيات بلا هدى من ظاهر الوحي المحكم فلم تدرك منه الأنظار إلا متشابه القياس مع الفارق إذ قيس الخالق الكامل الغائب ، جل وعلا ، على المخلوق الناقص الشاهد ، فأي فارق أعظم من ذلك في قياس ألجأ صاحبه إلى التأويل ، فصار التأويل في مسائل العلم على أنحاء ، فمنه : تأويل باطني ينقض الأصل نقضا على وجه لا عذر فيه بجهل إذ خرج صاحبه عن كل دليل من الشرع أو اللسان أو العقل أو الحس ! ، ومنه : تأويل باطل يبلغ حد الكفر نوعا لا عينا ، كمقالات التجهم والاعتزال في الإلهيات ، على تفصيل في ذلك ، ومنه : تأويل باطل لا يَبْلُغُ أن يقدح في أصل الدين ، ومنه ما يذم فاعله لنقص في عقله الذي يستنبط كالخوارج الذين وصفهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنهم سفهاء الأحلام ، أو نقص في استقرائه كمقالات الإرجاء على اختلافها إذ قصرت النظر على نصوص الوعد فقط دون تدبر لنظائرها من نصوص الوعيد لتكمل صورة الاستدلال الكامل في عين الناظر ، فالعذر في التأويل الذي لا يقدح في أصل الدين وإن قدح في كماله ، العذر فيه أولى لا سيما إن كان لصاحبه قدم في الديانة علما وعملا ، كما وقع في كلام المتكلمين الذين خاضوا في صفات الأخبار والأفعال .
فكل أولئك إن نظر فيه نظر العموم فلا يخلو من جحد وستر للحق وذلك الكفر بدلالة اللسان الأعم فهو يطلق على مطلق الستر وبدلالة الشرع الأخص فإنكار الحق ورده ستر له وبقدر ما يُرَدُّ منه ، يحصل من ضده في القلب على وجه يتفاوت من صغيرة إلى كبيرة تنقض كماله وقد يبلغ الأمر حد الناقض لأصله ، فدلالة الكفر الأعم : ستر الحق ولكنه لا يستوي بداهة ، وإن كان الباب واحدا فالخطأ في العلم ، وإن كان جنس الخطأ واحدا وهو معارضة الوحي بالقياس ، فلا يستوي أولئك ، فثم جنس أكبر من كفر العلم لا عذر فيه ، فهو يعم النوع والعين جميعا ، وثم جنس أكبر نوعا لا عينا ، وثم جنس أصغر يناط فيه الذم بصاحبه : إناطة وعيد الكبيرة بمن اقترفها فهو تحت المشيئة ، وموانع الوعيد في حقه جائزة إن شاء الرب ، جل وعلا ، أن يعفو عنه فضلا ، وإن فاتته الموانع فهو في العذاب عدلا ، والعدل من باب آخر يقضي ألا يسوى بَيْنَهُ وبين من وقع في الجنس الأكبر ، فلا يستوي عذابه إن عذب ، وعذاب من وقع في الكفر الأكبر ، بل الأكبر منه ما يحكم فيه على النوع والعين فلا عذر ، ومنه ما يحكم فيه على النوع ويبقى تحقيق المناط في العين محل اجتهاد ، فقد يقع المرء في الكفر ولا يكفر إذ ثم مانع معتبر من جهل أو تأويل أو إكراه ..... إلخ ، وذلك باب واسع يعظم فيه الاعتبار ويلزم فيه تحري العدل والقسط إذ لا أعظم خطرا من الكلام في الأسماء والأحكام .

فالقسمة العقلية على أربعة أنحاء ، فمنها : الكفر العلمي ، وهو على نحوين : الأكبر والأصغر ، كما تقدم ، ومنها : الكفر العملي ، وهو ، أيضا ، على نحوين : فمنه الأصغر كسائر الكبائر التي وصفت أنها كفر ، فـ : "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمَا كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ" ، فذلك ، أيضا ، من الكفر المنكر ، فيحمل على الجنس الأصغر حتى ترد قرينة تثبت القدر الزائد ، أو يحمل على الإطلاق وهو يفتقر إلى القيد ليحمل على النوع الأكبر أو النوع الأصغر ، والقرينة قد دلت على أن هذه المعاصي لا توجب الكفر الأكبر إلا إذا استحلها الفاعل أو بلغ الجزع بالنائح أن نطق بكفر فسب القدر أو اتهم الرب ، جل وعلا ، بالظلم ..... إلخ .

ومنه : الأكبر كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، على جهة العبادة التي لا يحل صرفها إلا له ، وكالتحاكم إلى غير شريعته وإن أقر بها ، فقد نقض الإقرار بعمله إذ عطل حكمها وأجرى حكم غيرها ، وجوز التحاكم إلى غيرها ، فالعمل الظاهر خير شاهد على ما قام بالباطن ، وأحكام الدنيا إنما تجري على الظاهر ، فذلك ، أيضا ، موضع تأويل صحيح إذ يجتهد القاضي حال أقام الحجة أن يحقق المناط في حاكم بعينه ، ويجتهد في تحرير المناط إذ ثم من التحاكم ما هو كفر أصغر ، وهو الظلم بتحقيق المناط في غير محله ، فيحكم بمناط الشريعة فلم يعطل الحكم وإنما وقع التأويل الفاسد في تحقيق المناط في غير محله قصدا إذ ظهر له وجه الحق واستبان ، فقضى بغيره مداهنة أو طلبا لدنيا .... إلخ من الأهواء الفاسدة التي توقع صاحبها في كبيرة عظيمة وصفت بالكفر ، ولكنه كفر أصغر ، فالقرينة في هذه الحال تشهد أن المراد هو الكفر الأصغر إذ لم يبدل المناط ، كما تقدم ، وإنما وقع الظلم والتعدي في تحقيق المناط وعليه يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما : "لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ" ، وقد يكون الإثم من جهة عدم التحري في تحقيق المناط فذلك موضع اجتهاد فالمجتهد لا يسلم من الذم إلا إذا كان أهلا للاجتهاد ابتداء ، ثم بذل الجهد واستفرغ الوسع أن يحكم في واقعة بعينها بما يغلب على ظنه أنه الحق الموافق لمراد الشارع جل وعلا فلا عليه إن فعل ذلك ثم أخطأ في تحقيق المناط فقضى لظالم أو قضى على مظلوم إذ لم يتقصد ذلك بل قد سعى في ضده من إقامة العدل واستفرغ لأجله الأسباب ولكنه لم يصب الحق في نفس الأمر فنال الأجر دون الأجرين ، خلافا لمن بدل المناط فتحاكم إلى غيره من المناطات المحدثة ، أو جوز التحاكم إلى غيره فذلك تأويل آخر فاسد يُجَوِّزُ فيه الحاكم ما حرم الرب ، جل وعلا ، بل ووصفه بالكفر ، فإن وصفه بالكفر يفيد بالمفهوم ودلالته من الدلالات المعتبرة في تأويل النصوص تأويلا صحيحا ، يفيد بالمفهوم أن من حكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، فهو المؤمن ، فالذم قرينة تشهد بالتحريم ، والتحريم مناط النهي ، فالأصل في النهي التحريم إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الكراهة ، فذلك الأصل في الأحكام ، وقل مثله في الأسماء فالأصل حال وردت معرفة بـ : "أل" ، أن تفيد الاستغراق الذي يكافئ المعنى الأعلى فيحمل الكفر إذا ورد معرفا بـ : "أل" على الكفر الأكبر ، إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى المعنى الأدنى ، وذلك من جملة ما استدل به من يكفر تارك الصلاة كفرا أكبر ينقل عن الملة ، إذ ورد الكفر معرفا بـ : "أل" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، خلاف الكفر في هذا السياق فإنه قد ورد منكرا ، وفرق بين كفر محلى بـ : "أل" وآخر منكر ، وإن لم يسلم لقول من أطلق حكم الكفر الأكبر حال مطلق الترك كمن يترك بعض الصلوات ، فيصدق فيه وصف الفاعل ووصف التارك معا ، فهو فاعل لبعض ، تارك لبعض ، فالكفر الأكبر حكم أنيط بالترك المطلق ، وتلك حال من لا يصلي أبدا ، لقرينة الإضافة إلى المعرف بـ : "أل" ، فذلك عموم يحمل على ترك الصلاة مطلقا لا مطلق الترك ، وتلك قرينة تصرف حكم الكفر الأكبر إلى التارك مطلقا ، وأما التارك بعضا ، فيصدق فيه أنه فاعل لكبيرة يطلق على فاعلها اسم الكفر الأصغر ، فاجتمع فيه إيمان بالنظر في الأصل ، وكفر أصغر بما طرأ من النقص الذي انحط به من رتبة الإيمان المطلق مناط النجاة ابتداء إلى رتبة مطلق الإيمان بما معه من الأصل من جنس التصديق والقول والعمل ، وإن لم يبلغ رتبة الكمال الواجب ، فقرينة التعريف بـ : "أل" في : "الكفر" ، قرينة صارفة توجب حمل الكفر على الكفر الأكبر المستغرق لمعانيه فتلك دلالة الاستغراق المعنوي ، وقد يقال بأن ثم اشتراكا في الجنس الأعلى ، فمادة الكفر المطلقة في الذهن مئنة من الستر فتلك حقيقتها اللغوية الأعم ، وهي ستر مخصوص للإيمان بما يرد عليه من الران ، وهو إما أن يكون رانا أكبر ينقض أصل الإيمان ، وإما أن يكون رانا أصغر يقدح في كمال الإيمان الواجب دون أصله ، فجنس الكفر المطلق في الذهن ينقسم في الخارج فمنه الأكبر الناقض لأصل الدين ، ومنه الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، وعلى قول من يجوز دلالة المشترك على كلا معنييه كالشافعية ، رحمهم الله ، يقال بأن الكفر في الحديث ينصرف إلى الكفر الأكبر في حال الترك المطلق فلا يصلي ، أبدا ، وينصرف إلى الكفر الأصغر في حال مطلق الترك فيصلي بعضا ويترك بعضا ، فيصدق فيه ، كما تقدم ، أنه تارك لا مطلقا ، إذ يصدق فيه من وجه آخر ، أنه فاعل لا مطلقا أيضا ! ، فالجهة منفكة إذ يصلي تارة ويترك أخرى ومثل هذا لا يطلق في حقه وصف الترك فلا يكفر الكفر الأكبر ، وإن وقع في كبيرة تستوجب الحكم بالكفر ، فينصرف إلى الكفر الأصغر ، وأما من يمنع دلالة المشترك على كلا معنييه فإنه ينظر في دلالة الإضافة في : "تَرْكَ الصَّلَاةِ" فهي ، كما تقدم ، مئنة من الترك المطلق وتلك قرينة صحيحة تستوجب تأويل الكفر في الحديث بالكفر الأكبر ، ولكل حظ صحيح من النظر ، فلكلا التأويلين وجه معتبر في اللسان والشرع .

وهذا التقسيم يجري في سائر نصوص الوعيد ، فإن نصوصا من قبيل : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ" ، وهو : النمام الذي ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد ، فنصوص من هذا القبيل إما أن تحمل على المستحل فلا يدخل الجنة مطلقا ، فيكون الامتناع مؤبدا وذلك لا يكون إلا بمانع لا استثناء فيه ولا شفاعة وهو الكفر الأكبر ، فاستحلال الذنوب وإن صغرت كفر أكبر إذ يجحد صاحبه نصا يحرم وإن كان ثم توقف في إطلاق الحكم على المعين حتى تبلغه الحجة الرسالية لا سيما في المحرمات الدقيقة التي تخفى والمحرمات في بلد ليس فيها آثار العلم والرسالة أو في حق من أسلم حديثا فلما تبلغه بعد الشريعة على وجه ظاهر يقطع العذر ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) ، والكفر جنس أعم من من الشرك ، فكما أن الله ، جل وعلا ، لا يغفر الشرك الأكبر فكذلك الكفر الأكبر من باب أولى إذ كل شرك كفر ولا عكس .

وإما : أن يحمل على امتناع دخول الجنة ابتداء فيكون ذلك من الوعيد المؤقت الذي لا يستوجب النفاذ في حق جميع الآحاد ، بل قد ينفذ عدلا وقد يتخلف فضلا بقيام موانع تقدمت الإشارة إليها .

وإما : أن يكون تحريم الجنة تحريم جنة بعينها أعدت لمن سلم من هذا الذنب فدلالة : "أل" دلالة الجنسية الاستغراقية ، فتشير من وجه إلى جنس الجنة الأعلى ، وهي دار النعيم المقيم ، وتشير من وجه آخر إلى آحاد تندرج في هذا الجنس تتفاوت من الفردوس الأعلى إلى الجنة الدنيا التي يدخلها آخر أهل النار خروجا منها ، فَبَيْنَهُمَا من الجنان ما لا يحصيه إلا الخالق ، جل وعلا ، ولكلٍّ منها موضع بما شاء الله ، جل وعلا ، له ، وبما قدم من سبب من العمل ، وهو ، عند التدبر والنظر ، من فضل الله ، جل وعلا ، أن هداه إلى الحق بيانا وإرشادا وسدده أن يمتثله توفيقا وإلهاما وخلق فيه الإرادة والطاقة ثم الفعل فباشر السبب بنفسه ولا يكون ذلك في نفس الآن إلا بمشيئة ربه جل وعلا ، وشاهده من كلام المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" ، فيمتنع دخول جنان بعينها على مقترفي ذنوب بأعيانها ، وذلك ، أيضا ، من الاعتبار الصحيح في مواضع العدل ، فالعدل يقضي أن يحرم الفاعل من الثواب إذا تخلف في حقه السبب المستوجب له ، وأن يناله من العقوبة بقدر ما اقترف ، فحرم من ثوابٍ بعينه عدلا ، ولم يحرم من جنس الثواب العام فضلا ، فالتسوية بين من اقترف ذنبا ومن لم يقترف ، من كل وجه ، أمر لا يحسن في القياس الصريح ، إذ الاختلاف في الوصف يوجب الاختلاف في الحكم ، والاختلاف يقضي بالتفارق لا التماثل ، فإذا كان ثم تفارق في الوصف فلازمه التفارق في الحكم ، وإن كان ثم تماثل في الأول فالتماثل في الجزاء حسن في الشرع والعقل معا ، فذلك أيضا ، من جنس الاعتبار الصريح في النظر .

فضلا أن ثم موارد للنصوص في الباب وعدا ووعيدا فلا يجتزئ المعتبر الكامل الطالب للحق الخالص الذي رزق العقل الفاهم والقلب الناصح من الهوى أن يأخذ ما وافق هواه ويدع ما خالفه ، فلا يجتزئ من ذلك وصفه بنصوص دون أخرى ، وإنما يجمع النصوص جميعا ، فذلك وعيد على فعل لا بد أن تجمع إليه موارد الوعد ، وهو لا يستوي بداهة ووعيد من اقترف الناقض للأصل ، فالناقض للأصل بكفران أكبر وعيده نافذ مؤبد ، والناقض للكمال بكفران أصغر وعيده يحتمل فقد يقع عدلا وقد يمتنع فضلا لا يخلو من وجه صحيح في النظر إذ قام المانع ، وطريقة العقل الصريح ألا يثبت حكم إلا بجملة من الشروط تثبت ، وجملة من الموانع تنفى ، فقد يقال بأن الزيادة على هذا النص بجمع نصوص الوعد إليه تجري مجرى النسخ على اصطلاح المتقدمين الذين يطلقون النسخ على كل زيادة على النص بها يظهر معناه ، فالنسخ في اصطلاحهم يطلق على جميع أجناس البيان سواء اقتضى إبطال المنسوخ أو زاد عليه ، وهو عند المتأخرين من بيان المجمل فإن هذا النص متشابه إذ يوهم ظاهره أن هذه الكبيرة تنقض أصل الدين فلا يزول المتشابه إلا برده إلى المحكم من صورة الاستدلال الكاملة التي تجمع فيها نصوص الوعد والوعيد جميعا ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الاعتبار الصحيح في كل مسائل الشريعة بل وفي كل مسائل النظر في دين أو دنيا ، في حكم أو سياسة ، فلا حكم صحيح يستنبط إلا بمعطيات صحيحة في النقل هي نتاج استقراء كامل أو غالب لوجوه المسألة تشفع بنظر صريح على أصول معتبرة أجمع عليها أهل الخبرة والنظر ، فيكون الاجتهاد في استنباط الحكم فقل أن يخطئ الناظر إذا نسج على هذا المنوال في مسائل الاجتهاد الفقهية أو السياسية .... إلخ ، لا سيما وليس ثم نص يقطع ، فلم يبق إلا الاجتهاد في القياس والنظر في أصول صحيحة في النقل بطرائق صريحة في العقل لا يدركها إلا أهل الشأن ولا تحصل لكل أحد فهي مما يفنى العمر في تحصيله ويبذل الجهد ويستفرغ الوسع في تحقيقه في كل نازلة بعينها ، سواء أتعلق الأمر بالحكم على نوع ، أم الحكم على عين ، وسؤال الله ، جل وعلا ، أن يبصر بالحق جمعا لموارده وأن يسدد في النظر استنباطا لدقائقه حتم لازم في كل نازلة تجد خصت أو عمت ، وفي النوازل العامة يكون الأمر أعظم إذ الحكم يتعدى إلى غيره بل قد يتعدى إلى الأمة كلها إذا كان من أهل الاقتداء العام ببلوغه رتبة الاجتهاد المطلق .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
28-07-2015, 01:01 PM
فوصف الفعل في الآية : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، أنه كفر : مئنة من التحريم ، والتحريم لازم النهي ، بل التحريم مغلظ فيكون النهي هو الآخر مغلظا ، سواء حمل على الأصل وهو الكفر الأكبر في الأحوال التي قررها المحققون والتي توجب حمله على الكفر الأكبر ، كتبديل المناط أو تجويز التحاكم إلى غيره أو اعتقاد أنه مساو له فيسوي بين أعظم مختلفين : حكم الرب جل وعلا المحكم وأحكام البشر المتشابهة ! ، فذلك من التأويل الفاسد فالاعتبار فيه باطل ظاهر البطلان إذ الاعتبار الصحيح يقضي بالتفريق لا التسوية وكلما عظم البون عظم الفرق فشتان حكم الخالق جل وعلا وحكم المخلوق ، إذ شتان ذات الخالق جل وعلا ، وذات المخلوق ، فالحكم من الاسم والوصف والفعل ، والكلام فيها فرع على الكلام في الذات ، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، فكما أقر العقلاء فضلا عن المؤمنين ! ، كما أقروا أن ذات الله ، جل وعلا ، ليس كمثلها ذات ، فكذلك اسمه ووصفه وفعله ليس كمثلها جميعا شيء ، فهذا الاعتبار الصحيح ، ولذلك كان من سوى بين حكمه وحكم غيره ، فضلا أن يفضل حكم غيره على حكمه ، فضلا أن يزدري حكمه فيصفه أنه حكم البدو في الصحراء فليس إلا جملة من الأعراف العتيقة التي لا تلائم المدنية المعاصرة فهي مئنة من التخلف والرجعية ! ، فضلا أنها نصوص متطرفة تحض على العنف فينبغي إعادة النظر فيها وإن كانت مقدسة عند أصحابها ! ، فمن يؤمن بها إنما يؤمن بشريعة تحض على العنف والقتل ، فهي شريعة البرابرة الأولين الذين فتحوا البلاد بسيف الطمع والشره والشهوة ، فلا يعنيهم إلا استلاب الأموال وسبي الحسناوات ، وتلك فرية نطق بها بعض مراجع الفرس في سياق تحليله الموضوعي ! لحركة الفتح العربي ! لا الإسلامي لبلاد فارس فليسوا إلا بدوا أجلافا تعطشوا لعفة نساء فارس ! ، فليست فتوحاتهم إلا حلقة من سلسلة الغزو الذي لا يقيم وزنا لدين أو عرف فلا يعنيه إلا التوسع في الأرض واستلاب الخيرات وقهر الشعوب بسيف الاحتلال ! ، وذلك جار على ما تقرر في (المدرسة المادية) التي تفسر التاريخ تفسيرا ماديا بحتا كالمدرسة الشيوعية ، وهو ما ظهر أثره في مدارس تنتسب إلى الإسلام في الجملة ، (كالمدرسة العقلية الحديثة والمدرسة الوطنية ذات المرجعية الإسلامية) التي تجهد أن تقدم عقد المواطنة الأدنى على عقد الإسلام الأعلى ، وإن عظمت الإسلام إلا أن محله المحل الثاني بعد عقد المواطنة ! ، فراح أولئك يلتمسون العلل في سياق الدفاع إذ نجح الخصم تحت وطأة الهزيمة النفسية في العصر الحاضر أمام منجزات الحضارة الغربية ، نجح في حصر الإسلام في خانة الاتهام فهو أبدا قد اشتغل بدفع التهم ورفعها ! ، مع أن قدمه هي العليا شرط أن يستمسك أصحابه بالأصل الأول ، وذلك ، بداهة ، لا يكون إلا بتعظيم التراث وتوثيق الصلة به والعمل على تحقيقه لفظا ومعنى ، أدلة واستدلالا وفق معايير محكمة لا أهواء وأذواق متشابهة تستحسن وتستقبح بلا مستند من الوحي فقد أنكرت أي مرجع من خارج ، أو استعانت به نافلة من القول بعد أن اعتقدت وحسمت أمرها ثم راحت تفتش في النصوص عما يشهد لمعتقدها ذي المرجعية الذاتية الداخلية ، وإن شئت الدقة فقل ذي المرجعيات فما أكثر الأهواء والأذواق وأشدها تباينا فأنى يحصل يقين بأهواء متباينة بل ومتعارضة فلا يورث النظر فيها إلا الشك والحيرة إلا أن ترد جميعا إلى محكم يورث اليقين والطمأنينة ويحصل به الصلاح في الأولى والآخرة ، ولا يكون ذلك المحكم القطعي إلا الكتاب الإلهي ، الخبري والحكمي ، الذي جاء بأصدق الأخبار الغيبية ، وأعدل الأحكام الشرعية فذلك ، أيضا ، تأويل صريح للأمر الصحيح أن إذا : (تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فالمنازعة مئنة من المفاعلة ، فثم مشاركة بين أهواء وأذواق شتى في جنس المنازعة ، وكلها يزعم أنه الحق المطلق وما سواه باطل محض ، وَبَعْضُ من رام الجمع بين الأضداد والمتناقضات ! ، فوقع في جنس سفسطة لا تخفى ، نفى المطلق نفيا قاطعا فليس ثم مطلق يورث اليقين بل ليست الأديان والمذاهب إلا جملة من الأمور النسبية ، فلكلٍّ أن ينتحل ما رأى بهواه أو وجد بذوقه وإن فاسدا ظاهر الفساد بإعراضه عن محكمات الشريعة بل ومحكمات العقل والحس والفطرة ! ، فالجميع صحيح وليس الأمر إلا مشكاة يخرج منها الضوء في كل اتجاه فكل من نهج اتجاها في التصور أو الحكم ، في العقد أو الشرع ، في السياسة أو الحكم ، في الذوق أو الزهد فهو على خير ، فكل الطرق تؤدي إلى الحق وإن تباينت بل وتضادت بل وتناقضت فليس إلا حق واحد وباطل كثير ، فجنسُ الحق في مقابل جنس الباطل ، وإن كانَ جنسَ الحق في موارد الخلاف غير السائغ في القطعيات العلمية والعملية أو السائغ في الظنيات العلمية والعملية ، جنسُ الحق فيها واحد فليس ثم إلا فرد واحد يندرج فيه ، إلا خلاف التنوع الذي تَتَعَدَّدُ فيه الأفراد فكلها صواب ، فالأصل أن الحق واحد ، وجنس الباطل في مقابل وآحاده لا تكاد تحصى وهي مما يستنسخ من مقال قديم تعاد صياغته صياغة جديدة تلائم العصر ، ولا مانع أن تكسى بلحاء الشرع ! ، باسم القراءة الجديدة للنصوص المقدسة التي تحض على العنف والتطرف ! ، فهي محاولة لتلفيق مذهب جديد ، باسم التجديد ، يجتهد في تحريف النصوص وتعطيلها وإن قطعيات محكمة في العلم أو العمل فلا تقبل النسخ سواء أكان ذلك زمن الرسالة كالمحكم لذاته أم بعد انقطاع الوحي كالمحكم لغيره ، فلا مانع من إعادة قراءتها سعيا في تعطيلها وإبطالها باسم التأويل ! ، ولو بلا قرينة إلا إرضاء الطواغيت تارة ، وخطاب الآخر أخرى بخطاب معتدل ناعم يرضى به عن القائل فهو يجتهد في تقريب الحق من الباطل ! ، ولن يكون ذلك بداهة إلا بالانتقاص من الحق بقدر ما يجتهد صاحبه في الاقتراب من الباطل ! ، وإن خالف الوحي والعقل والحس ووقع في سفسطة لا تخفى ، فصار كل من رأى رأيا ، أو نهج شرعا أو سياسة مصيبا ، فالجميع مصيب ، إذ لا حقيقة مطلقة ابتداء بل ليس إلا جملة من الظنون وإن شئت الدقة فقل الأوهام ! ، فما جدوى النبوات إن لم تنسخ هذه الظنون بمحكم ترد إليه حال تعارضت ، فلا يحسم النزاع بينها كما تقدم إلا وحي منزل ! ، فالمصيب ليس إلا واحدا ، وأما النظرية النسبية فهي نظرية ينقضها صاحبها إذ يرجح قوله ويجتهد في الاستدلال له ولو خالف صريح العقل الذي ينتحله زورا ، فهو يرى أن قوله هو الحق ، وإن دعا إلى مذهب يجحد الحق المطلق ، فقوله عنده : مطلق يجب رد النسبي إليه وإن وحيا صحيحا أو قياسا صريحا أو حسا سليما يقضي بفساد قوله ضرورة لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فهذا القول هو عين السفسطة عند أصحاب العقول فضلا عن أتباع الملل والنحل والمذاهب صحت أو بطلت ، فليس ثم من يعتقد أمرا وهو يشك أنه خطأ ، بل لا بد أن يعتقد صوابه وإن كان خطأ في نفس الأمر بل وظاهر البطلان فإذا شك فإنه يبحث عن الحق المطلق فلا يبحث عن الحق وهو يعتقد أنه على الحق ! ، أو يصنع كما يصنع بعض المتهوكين إذ يروم الجمع بين المتناقضين فهو يروم الدخول في الحق دون أن يتخلى عن قناعاته الفكرية السابقة ، فيروم الدخول في الحق دون الانسلاخ من الباطل ! ، ولذلك كانت شهادة الحق نفيا وإثباتا ، فقبل إثبات الإله الحق : "إلا الله" ، لا بد من نفي آلهة الباطل : "لا إله" ، فيعلن براءته منها قبل أن يعلن إقراره بالإله الحق ، وهو واحد ، لا يتعدد ، فليس نسبيا يحتمل ! ، ولذلك اشترط في حق الكتابي ، على قول بعض المحققين ، أن يعلن براءته صراحة من كل دين يخالف دين الإسلام فقد كان على دين يَنْتَسِبُ إلى النبوة وإن بدلت نصوصها وعطلت أحكامها خلاف المشرك أو الوثني فهو في هذا الأمر بمنزلة الملحد الذي لا يعبد إلها ، ولقائل أن يقول : إن هذا الاشتراط بالبراءة من كل دين يخالف دين الرسالة يعم كل داخل فيه ، إذ المشرك ذو دين ، ولو أرضيا باطلا ، بل الملحد ذو دين فقد عبد الهوى فكل مذهب عند صاحبه دين ينتحله ويذب عنه بالحجة والبرهان بل والسيف والسنان ، فالدين مئنة من الطاعة ، والطاعة تكون في الحق والباطل فكل من دان إلها ولو هواه ! ، فإنه يخضع لسلطانه امتثالا لأمره ونهيه فلا يخالف في ذلك إلا جاحد أو مسفسط ، والنسبية المعاصرة التي تروم نزع فتيل التطرف والعنف ! ، بالتسوية بين الحق والباطل في صورة من أعظم صور التناقض العقلي ، تلك النسبية هي بضاعة التجديد المعاصر فكسادها ظاهر بَيِّنٌ إلا عند من أعمى الله ، جل وعلا ، بصيرته فطمس على قلبه بما طعم من سحت وسمع من كذب فأصغى إليه بسمعه وقلبه وركن إلى الظالم فسار في ركابه تصريحا أو سكوتا فهو في موضع البيان : بَيَانٌ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولذلك كان السكوت في موضع البيان ليس بيانا على إطلاقه حتى يحتف بقرينة الرضا وانتفاء شبهة الإكراه .
وثم (المدرسة الوطنية ذات المرجعية العلمانية البرجوازية) ، فهي كالمدرسة الوطنية ذات المرجعية الإسلامية ، فَثَمَّ قاسم الوطن المشترك ، ولكن المدرسة الوطنية ذات المرجعية البرجوازية لا تخلو من تأثر ظاهر بل وربما استنساخ شائه للثورة الفرنسية العلمانية فهي الثورة الدينية المثلى التي قضت على استبداد رجال القصر ورجال الكهنوات وقصمت أظفار الكاثوليكية إذ لم تنجح الدعوة الإصلاحية البروتستانتية في تهذيب الكاثوليكية التي كانت ذريعة إلى أعظم استبداد باسم الدين المحرف والسلطان المستبد الذي يروم استمداد الشرعية الحكمية من المرجعية الدينية ، فَنُقِلَت هذه الصورة الشائهة إلى دائرة الإسلام ذي المرجعية الفكرية والعقدية والتشريعية والسياسية والأخلاقية المحكمة ، وذلك ، كما تقدم ، قياس مع الفارق ، وإنما عظمت الشبهة في عصر كعصرنا واستبداد كالاستبداد الذي يخيم على أجواء كثير من أمصارنا ، إذ تحالف السلطان المستبد مع عالم السوء ، لا مع دين السوء ، فذلك فارق رئيس يغفله أصحاب هذا القياس فَإِنَّ المرجعية الدينية الكاثوليكية : مرجعية محرفة في نفسها فهي تؤيد هذا الاستبداد وتزكيه بل وتشارك فيه نظير امتيازات أدبية ومادية حظي بها رجال الإكليروس ، وأما المرجعية الإسلامية المحكمة فهي لا تؤيد هذا التواطؤ الذي تراه الآن بين السلطان المستبد وعلماء السوء ، فعظمت الشبهة بأولئك الأصاغر ! الذين يزعمون أنهم آلة التجديد وحقيقة الأمر أنهم آلة تحريف في يد المستبد حال ملكه ، وذريعة يتوسل بها أهل الحداثة بعد زوال حكم المستبد فما استبد إلا بالتواطؤ مع رجال الكهنوت الإسلامي ! ، فلا بد من ثورة علمانية حداثية تقطع الصلة مع ماض ليس إلا سلسلة من الحروب والصراعات السياسية ، تواطأ فيها السلاطين مع رجال الفقه الأسود ! ، كما يغمز بعض أرباب الحداثة تاريخنا الفكري والتشريعي ، وليست فتوحاتنا إلا حلقة من سلسلة التوسع الجيوسياسي المؤيد بالدافع الاقتصادي فجزيرة العرب قاحلة ، وبلاد الشام والرافدين عامرة فضلا عن مصر ثم الأندلس في دور تال ..... إلخ ، فلم يحرك أهل الإسلام إلا ما حرك أسلافهم من المحتلين ! ، لم يحركهم إلا شهوة البطن والفرج ، فرجع الأمر إلى المدرسة المادية التي تقدس الحس وتنكر الوحي فليس إلا حديث خرافة ومخدرا تُغَيَّبُ به الشعوب أن تطالب بحقوقها المادية فليس الإنسان إلا حيوانا تحركه غرائزه ، ولا ريب أن الحداثة تُزَكِّي هذا الاتجاه وإن زعمت أنها مذهب فكري راق يواكب العصر فليست إلا مذهبا حيوانيا يقدس اللذة فهي الغاية ، والقوة فهي الوسيلة إلى انْتِزَاع اللذات قهرا ، فشريعة الغاب حاكمة إذ غابت شريعة الوحي العادلة التي يأمن فيها الموافق والمخالف أن تستلب حقوقه المعنوية والمادية فضلا أن تستلب روحه بآلة القتل ، أو حريته في قيد الأسر ، فلا يحكم المستبد إلا بإزهاق بعض واستحياء آخر ! ، فيستحيي بعضا في الأسر ويستحيي آخر خارجه ، فيد البطش قد نالت المخالف ولو ساكتا ، بل ونالت الموافق ولو ناطقا ، وتلك سنة الرب ، جل وعلا ، أن من أعان ظالما سلط عليه ، ومن هان سهل الهوان عليه .
وأما (المدرسة الاستعمارية) ، وهي وجه رابع من وجوه الاعتبار والنظر في حركة التاريخ ، فإن تسبح بحمد المحتل الذي أخرج بلاد الشرق من ظلمات الجهل والاستبداد إلى أضواء العلم والحرية ، فلولا الحملة الفرنسية على مصر ، وهي قاعدة هذه المدرسة في تشويه الإسلام والتشكيك في تراثه والدعوة إلى بت الصلة معه فهي رافد آخر من روافد الحداثة ، فليس أربابها إلا عبيدا للغرب بمناهجه الفكرية ومنجزاته التقنية التي لا يمكن الانتفاع بها إلا بانتحال الدين الأوروبي فكرا وأخلاقا ، وإن احتفظ الشرق بعقد ديني بارد لا أثر له في الخارج ، في استنساخ آخر شائه للدين الكاثوليكي بعد إقصائه إبان الثورة الفرنسية فهي قاعدة أخرى تنطلق منها قذائف الباطل طعنا في الدين الرجعي سعيا حثيثا في المنهاج التقدمي اللاديني ! .
وأما (المدرسة الإسلامية) فهي لا تنكر الدوافع المادية ، إذ ذلك جحد لِضَرُورِيٍّ في الحس ، والنبوة لم تأت لِقَتْلِ الغرائز وإنما جاءت لتهذيبها ، فالمدرسة الإسلامية فسرت تاريخ الفتوحات تفسيرا يستند إلى عقيدة صادقة وشريعة عادلة تأولها القوم سنوات قبل أن يحملوها إلى سائر البريات ، فلم يكونوا سذجا لم يفقهوا الدين ويدركوا رسالته العظمى في إخراج الناس من عبادة الطواغيت إلى عبادة الحميد المجيد تبارك وتعالى ، وحكم الأرض بالعدل الذي أمن فيه الناس جميعا بشهادة من وافق ومن خالف ، وشهادة المؤرخين الغربيين ولو خصوما غير موضوعيين أبت إلا أن تنطق بهذا الحق إذ بلغ حد العلم الضروري الذي لا يملك العاقل إلا الإقرار به ولو كارها مبغضا ، فكان هذا هو الدافع الرئيس ، ولا يمكن إنكار ما تلاه من دافع جيوسياسي لتأمين حدود الكيان الإسلامي الوليد لا سيما مع تربص فارس والروم ، وإيعازها إلى صنائعها من المناذرة والغساسنة أن يطعنوا دولة الإسلام بالإغارة على ثغورها والمجاهرة بعدواتها حتى بلغ الأمر قتل رسلها كما قتل ملك الغساسنة الحارث بن أبي عمير ، رضي الله عنه ، رسول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ملك بصرى ، ولا يمكن إنكار المكاسب الاقتصادية التي حققتها هذه الفتوحات فانثالت الغنائم على حاضرة الخلافة ، وأورث الله ، جل وعلا ، المستضعفين كنوز كسرى وقيصر ، فذلك تأويل بشرى الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ" ، فكل أولئك لا يمكن إنكاره ، وأما القول بأنه كان المحرك الرئيس لهذا الحراك التاريخي الفريد الذي أدهش المؤرخين والباحثين في تاريخ الشعوب وأخلاقهم ، فذلك قول ظاهر الفساد انطلى على بعض من ينتسب إلى الوحي ممن غرتهم موضوعية الاستشراق الزائفة .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
31-07-2015, 02:05 AM
والشاهد ، في نصوص الوعد والوعيد ، وهو أصل في باب الأسماء والأحكام ، أن الاعتبار الصحيح يقضي أن التنكير في الحكم بإيمان أو كفر في سياق الإثبات يحمل على الإطلاق فيحصل بخصلة من خصال الحكم ، فلا ينصرف إلى المعنى الأكبر الذي يلزم منه انتفاء الضد أو النقيض ، فحب آل البيت ، رضي الله عنهم ، إيمان ، وبغضهم نفاق ، وكذلك الحال في حب الأنصار ، وحب عامة الصحابة ، رضي الله عن الجميع ، كما نص على ذلك الطحاوي رحمه الله ، فذلك من خصال الإيمان ، فيكون إطلاق الإيمان عليها من باب إطلاق العام وإرادة الخاص ، أو إطلاق الجزء وإرادة الكل ، أو إطلاق خصلة من الحقيقة وإرادتها جميعا ، فحب آل البيت من خصال الإيمان ، ولكن الإيمان المنجي لا يحصل بخصلة من خصاله لا سيما إن لم تكن الأصل وهو التوحيد ، فإن أحب آل البيت كافر أو مشرك لم يَنْفَعْهُ هذا الإيمان خلافا لما ينطق به الغلاة من مدائح هي إلى الذم أقرب فهي تخالف ما تقرر ضرورة من أصل الدين الجامع : التوحيد الذي قدح فيه الغلاة في كل عصر ومصر بما أحدثوا من غلو في البشر من لدن نوح عليه السلام وإلى يوم الناس هذا ، وإن أحبهم مؤمن أتى بما ينقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع لم يمنع ذلك أن يكون أهلا للوعيد ، وإن لم يجب في حقه النفاذ ، خلافا للخوارج وأهل الاعتزال ممن أوجبوا الوعد والوعيد تأليا على الرب جل وعلا ، فهو تحت المشيئة ، ولا تنفعه هذه المحبة في رفع خطاب الوعيد ابتداء ، وإن نفعته كعمل صالح ، فالمحبة من أعمال القلوب ، فقد يكون حسنة ماحية تمنع نفاذ الوعيد ، وقد تكون شفاعة لصاحبها فذلك يجري مجرى التوسل المشروع بالعمل الصالح كما في قصة أصحاب الغار ، وإن أحبهم من ثبت له عقد إسلام ثم أتى بناقض للأصل ، لم تنفعه هذه المحبة ، إن كان الناقض على وجه لا عذر فيه كأن يكون ناقضا صريحا لا عذر فيه بجهل أو كان مما يعذر فيه بالجهل وأقيمت على صاحبه الحجة الرسالية على وجه يحصل به اليقين أو غلبة الظن في أحكام الدنيا أنه قد خرج من الملة ووافق ذلك حاله عند الرب ، جل وعلا ، فكان من الكفار في الدنيا وفي الآخرة ، إذ قد يكفر في أحكام الدنيا بغلبة ظن قاض أو إمام أن العذر في حقه قد انتفى فيحكم عليه بالكفر في أحكام الدنيا ويكون ثم عذر خفي أو شبهة دقيقة لم تَزُلْ بعد من قلبه ، فهي تنفعه عند الرب ، جل وعلا ، ولو في رفع الحكم دون الإثم ، فيكون مؤمنا في أحكام الآخرة وإن لم يمنع ذلك أن تجرى عليه أحكام الكفر في الدنيا ، فإجراء الأحكام في الدنيا يكون بغلبة الظن بما يظهر من قول أو عمل وأما الباطن فلا اطلاع لأحد عليه وإنما يثبت عقد الإيمان بقول التوحيد أو عمل ظاهر من أعمال أهل الإسلام كالصلاة ، كما قرر بعض المحققين ، فإن نطق الإنسان بشهادة التوحيد والتزم بأحكامها الظاهرة قولا وفعلا ثبت له عقد الإسلام في الدنيا وإن كان منافقا في الباطن فأمره إلى ربه ، جل وعلا ، إلا إذا أظهر من القول أو الفعل ما يدل على ما في صدره من نفاق أكبر يبغض صاحبه الدين وأهله فيسعى في تعطيل أحكامه وسفك دماء أتباعه وينصر أعداءه بالقول والفعل وهو مع ذلك مؤمن إذ نطق بالشهادة فلا يكفر إلا إذا صرح ! على وجه يجعل الكفر ضربا من ضروب المحال ، إذ قَصَرض على الباطن الذي لا اطلاع لأحد عليه إلا الله ، جل وعلا ، فَسَدَّ باب النواقض القولية والعملية وصار الناقض هو الناقض الباطن فقط ! ، فلم يعد ثم ناقض يعلمه البشر ليحكموا بكفر أو ردة ، فتعطل هذا الباب على هذا التأويل الفاسد الذي ذاع في هذه الأعصار وتبناه خطاب الحداثة وتأثرت به بعض المدارس الإسلامية الإصلاحية المعاصرة فرارا من تهم التعصب والتزمت .... إلخ ، وهو مما ترسخ في أذهان كثير من أهل القبلة حتى صار قناعة فكرية بل وعقدية تسطر في متون الأصول لا سيما أصول المتكلمين ، ولا سيما متأخريهم إذ فشا فيهم الإرجاء الذي قصر الإيمان على القول والعقد فقط ، بل وثم من قصره على العقد فقط ! ، وامتزج ذلك بالتصوف بمفهومه السلبي المتأخر الذي قعد عن الأخذ بالأسباب الشرعية والأسباب الكونية ، فلا علم ولا عمل ولا بذل للسبب في الانتصار لدين طلبا أو دفعا لصائل أو محتل ... إلخ بل صاروا عونا لكل محتل وطاغية إلا ما رحم ربك جل وعلا من بعض طرق وآحاد رجال لا زال في نفوسهم بقية دين وإباء أن يخضعوا لغير رب الأرض والسماء ، تبارك وتعالى ، وإذا كانت الحال كذلك سهل العبث بمفاهيم وثوابت رئيسة في العقيدة والشريعة فصار الكفر حرية شخصية ، فـ : (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، وصار الجهاد عدوانا وتخريبا ! ، فوجب كف الأذى عن الآخرين لئلا يتهم الإسلام بأنه دين يدعو أتباعه لقتل الآخرين ليدخلوا في دينهم عنوة ! ، وذلك بداهة ما يخالف سماحة الإسلام ، إذ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، فالتمس خطاب التجديد المعاصر ذي المفهوم الحداثي اللاديني الظاهر التمس أدلة له من الشريعة ، يؤولها على وجوه لم تؤثر عن السلف أو الخلف ! ، فهي من البدع الجديدة التي لم يقل بها أحد له حظ من دين أو قدم في علم ! ، فوجب قطع الصلة المعرفية مع التراث الذي يفضح هذه الأكذوبة الساذجة التي لا تنطلي إلا على مغفل أصغى إلى الكذب بما طعم من السحت ، فذلك المفهوم الحداثي في هذه الخطاب الذي يهدد الدين باقتحام معاقله الرئيسة فلم يعد الأمر إغارة على ثغوره بل طمع العدو في الأصل بعد أن دهم الفروع في أدوار مضت ، فهو الآن يتأول سنة التدافع أن يظهر بباطله وإن ألبسه ثوب الحق زورا وبهتانا ، وقد تولى كبر ذلك علماء السوء مع سلاطين الجور ، فكان هذا التحالف الآثم الذي يستوجب ثورة حقيقية لا ثورة زائفة كالتي يروج لها الآن ، فهو يستلزم ثورة تجدد أصول هذا الدين المحكم فتحفظ ثوابته الرئيسة أن تمس ، وتحفظ شريعته أن تزول من الأرض ففي ذلك خراب الأولى وخسران الآخرة ، فالتجديد لا يكون بالتأويل الباطل وإنما يكون بالرجوع إلى الأصل النازل من ربنا ، جل وعلا ، أخبارا صادقة وأحكاما عادلة فتلك كلمات ربنا ، جل وعلا ، المحكمة التي يجهد القوم في معارضتها بشبهات التأويل فمثلهم ، مع الفارق ، كأهل الاعتزال إذ عارضوا محكم الوحي بمتشابه القياس ، وأهل الإرادة إذ عارضوه بمتشابه الذوق ، وإن كان أهل الاعتزال والإرادة المتقدمين خيرا منهم وأصح قصدا وإن ضلوا لقلة علمهم بالوحي ولحظ نفس لا يسلم منه أحد عارض الوحي في صغير أو كبير .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
08-08-2015, 07:48 PM
والزخرف في القول ، وهو من وجوه الاعتبار الفاسد ، ذلك الزخرف تَزَيُّنٌ ، والتزين من التفعل ، وهو مئنة من التكلف ، فليس المحل حسنا ، وإنما تكلف الزينة لأجل قبحه ! ، فلا يتكلف الزينة حسن ، فحسنه أظهر أن يزخرف ، وإنما يكفيه أن يَجِيئَ في صورته الحقة بلا تشويه أو تقبيح في الأنظار فإذا الضد زاهق ذاهب ، فـ : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، وإذا الإيمان في القلب حال بلا تكلف أو تصنع يجهد صاحبه أن يتلمس له حججا ، ولو واهية ، فَتَرَاه يستمسك بأهداب متشابه في اللفظ ، فيرجحه على المحكم ، بل ويتأول لأجله المحكم ! ، وذلك خلاف الاعتبار الصحيح الذي يقضي برد المتشابه إلى المحكم ، وتراه ، من وجه آخر ، يتكلف في رد ما خالفه ، وإن محكما قطعي الثبوت والدلالة ، فهو يتكلف في تقوية المتشابه حتى يصل به إلى درجة المحكم ، ويتكلف في المقابل تضعيف المحكم حتى ينزل به إلى دركة المتشابه ، وذلك ، كما تقدم ، خلاف القياس الصريح الذي يقضي بتقديم المحكم على المتشابه ، وقضاء القطعي على الظني ، وإلا كان الفساد الظاهر في الاستدلال ، والتناقض الذي ترى آثاره ظاهرة في تأويلات المحدثين ، فمرة يقدمون العام ، وإن ظنيا ، ومرة يسلكون الجادة فيقدمون الخاص إذا شهد لهم ، فلا معيار محكم ، وإنما هوى يحمل صاحبه أن يتكلف من وجوه الاستدلال ما يخالف بدائه العلم النظري في مقدماته ، بل ويخالف في أحيان ليست بالقليلة ! ، بدائه العلم الضروري ، فهو يخالف سائر وجوه الاستدلال ، ما كان منها ضروريا وما كان نظريا ، واعجب لأناس يدعون الفقه والاجتهاد وهو لا يحسنون يَقْرَءُونَ القرآن ، ولا يحسنون من لسان العرب معانيه الرئيسة ، ولا يحسنون من أصول الفقه وطرائق الاستدلال والاستنباط ما لا يجوز لآحاد الطلبة أن يجهله ، فلا يتكلم في مسألة من مسائل الشريعة إلا من حَصَّلَ من وجوه الاعتبار فيها ما يغلب على ظنه أنه قد جمع أطرافها وسبر أغوارها فعلم من دلالات ألفاظها ما يحصل به التصور الأول ، وما يحصل به الاستنباط الأدق لمحل بحثه بلا تكلف يحمله أن يهمل الدلالات الرئيسة فيعدل عنها إلى دلالات أخرى مرجوحة بعيدة بل وربما باطلة لا حظ لها من نقل أو عقل ، وتلك آفة التعصب ، وهو قرين الجهل ولا يخلوان من كبر يأبى صاحبه أن يضع من عقله إذا بلغه الوحي الصحيح ، فهو ، أبدا ، فرح بما عنده من ظاهر العلم .
ونصوص الوحي ، لا سيما في أمور الغيب ، نصوص محكمة ، والنص يقدم على الظاهر ، فالظاهر ، وإن كان في اصطلاح الأصول ، مئنة من الظن الراجح إلا أن الاحتمال فيه قائم فلا يقبل حتى يسلم من وجوه التأويل المعتبرة التي تصرفه عن معناه الراجح إلى آخر مرجوح ، فلا تجزئ أية قرينة لا سيما في باب الغيب الذي لا عمل للعقل فيه إلا التسليم وحمل الألفاظ على ظاهرها المركب من دلالة اللفظ الإفرادية ، ودلالة السياق التركيبية ، فوجب الرجوع إلى النص لفظا وسياقا ، ووجب تأخير العقل فَلَا يَعِيبُهُ أن يأتي بعد الوحي ، بل ذلك محله الصحيح الذي به تحصل الغاية من خلقه ، فينتفع به صاحبه الانتفاع الأكمل ، فالوحي يزكيه ، والوحي يغذيه بمادة صحيحة ناصحة من كدر التشابه والاختلاف ، فـ : (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، فَعَمَلُ العقلِ فيها أن يتدبرها سواء أكانت خبريات فهو يثبت معانيها ويتدبر لوازمها ويجتهد أن يثبتها بالنظر في نظائرها في المعنى المطلق دون الحقيقة في الخارج في هذه الدار ، فـ : "ليس في الدنيا شيء ممّا في الجنة إلا الأسماء" ، كما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما .

فجاز الاتحاد في الاسم وما يدل عليه : دلالة التضمن من المعنى الذي اشتق منه ، إن كان مشتقا ، مع الاختلاف في الحقيقة في الخارج ، كاسم : "البصير" ، فالرب ، جل وعلا ، بصير ، والإنسان بصير ، فجاز الاتحاد في الاسم وما يدل عليه : دلالة التضمن من معنى البصر المطلق الذي اشتق منه الاسم دون الاشتراك في الشطر الثاني من شطري الدلالة : دلالة العلمية ، فالله ، جل وعلا ، شيء ، والمخلوق شيء آخر ، فضلا عن التباين في الحقائق في الخارج ، فليس بصر الخالق ، جل وعلا ، كبصر المخلوق إذ ليست ذات الخالق ، جل وعلا ، كذات المخلوق ، فالكلام في كلا الوجهين : الذات والوصف ، الكلام فيهما واحد ، وذلك يعم جميع الحقائق في الخارج فلا اشتراك فيها وإن حصل الاشتراك في جملة من المعاني المطلقة في الذهن ، فلكلٍّ دلالة مطابقة تباين الآخر ، فدلالة اسم "البصير" ، ولا يطلق محلى بـ : "أل" إلا على الله ، جل وعلا ، دلالته على ذات الرب ، جل وعلا ، ووصف البصر جميعا ، فالأولى دلالة العلمية الاسمية ، والثانية دلالة الوصفية ، تلك الدلالة : دلالة مطابقة ، وقل مثله في دلالة اسم بصير على فلان من البشر ، فهي تدل دلالة مطابقة غير الدلالة الأولى ، بداهة ، تدل على ذات تسمى به ، فتلك دلالة العلمية ، وقد يجتمع لها مع ذلك دلالة الوصفية ، فيكون اسما على مسمى ، ويكون الوصف لائقا بذاته الناقصة جبلة فمهما بلغ بصره فلن يحيط بجميع الموجودات بل له منتهى وأمد ، ومهما بلغت بصيرته فلن يحيط بجميع المعقولات ، وقد لا تجتمع له ، من وجه آخر دلالة المطابقة ، فيكون اسمه بَصِيرًا لَا عَلَى مُسَمَّى ، فيكون له من اسمه حظ العلمية دون الوصفية .
فجاز الاتحاد في الاسم وما يدل عليه دلالة التضمن من المعنى الذي اشتق منه ، إن كان مشتقا ، وجاز الاتحاد في الاسم ، من وجه آخر ، وما يدل عليه دلالة المطابقة ، إن كان الاسم جامدا غير مشتق ، كالنساء ، فنساء الدنيا ونساء الآخرة كِلَاهُمَا يطلق عليه اسم : "النساء" ، وهو اسم جامد غير مشتق ، وإن حصل به معنى في الذهن ، فيجري مجرى علم الجنس فدلالته إلى النكرة أقرب وهي تدل على معنى شائع له أفراد في الخارج ، فليس جموده في المعنى فهو يفيد معنى يَتَصَوَّرُهُ الذهن ، وإنما جموده في اللفظ فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ولا معنى بِعَيْنِهِ اشتق منه ، وإنما عُلِمَ بدلالة المعجم ، فهو يشبه ، من وجه ، الاصطلاحات الوضعية في العلوم النظرية أو التجريبية ، فكثير منها جوامد تدل على معان اصطلح عليها أهل الشأن ، فكذلك ألفاظ اللسان الجامدة التي تجري مجرى العلوم الضرورية فهي اصطلاحات تدل على معان تواطأ أهل اللسان عليها ، فصار ذلك اصطلاحا أن يدل لفظ ما على حقيقة في الخارج ، فيحصل به معنى في الذهن يُبَايِنُ معاني غيره ، فتجتمع للإنسان حصيلة من الألفاظ بقدر ما يمارس اللغة سمعا ونطقا وكتابة ، فتلك مراتب الوجود ، فَثَمَّ وجود في الخارج ، وثم وجود في الذهن إذ يستنسخ الذهن صورة من الخارج ، ثم وجود في اللسان نطقا ، ثم وجود في الرسم خطا ، فهو آخر مراتب الوجود بعد أن يحصل تمام المعنى في الذهن ، وبقدر ما ينظر الطفل في نصوص الوحي تلاوة وحفظا وخطا في الكتاتيب تحصل له جملة عظيمة من اصطلاحات الشرع بلغت نحو خمسين ألف لفظ عربي ، فترسخ ثقافة اللسان العربي في نفسه حتى تصير ملكة يمارسها بلا تكلف فقد امتزجت بعقله امتزاج اللحم بالدم والعظم والعصب ، فصار اللسان العربي مكونا رئيسا من مكونات روحه ، فتنشأ له هوية مستقلة تأبى الخضوع لغيرها فعندها من الرصيد الفكري ما يحجزها أن تتسول ثقافة وافدة ، فلا تفتقر إلى غيرها ، وإنما تمارس النقد الحر باستعلاء ، فـ : (لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فلا تجد ما تجده الآن من عجمة في اللسان وغربة في الفكر فصاحبه يحيى في بلاد الشرق وعقله قد اتجه صوب الغرب فهو ينظر له نظر الفقير المحتاج الذي يتنظر ما تجود به نفوس الأغنياء ، فيعيش على فضول معارفهم بل ومآكلهم ! ، فالشرق الآن يشكو أنه يتسول كل شيء ! ، معقولا كان أو محسوسا ، وثم من يسهر على ذلك فهو الحرس القديم الذي يتجدد في كل جيل من أجيال الاستعمار الحديث الذي رحل بعد أن استنبت له أذيالا تربت في معاهده ونهلت من معارفه وارتضعت ثقافته فهي تنظر بعينه وهي تفكر بعقله ، وإن كانت تحيى في الشرق بأبدانها ، فالأرواح قد توجهت شطر الغرب بعد أن انصرفت عن قبلة الشرق التالدة : الإسلام ، فنجح الغرب أن يصرف الشرق عن الحق ، والنفس ، كما يقول بعض المحققين ، قد خلقت لتعمل لا لتترك ، فإذا انصرفت عن الحق ، فدلالة الالتزام ، وهي دلالة عقلية صحيحة ، تقضي أن تَتَلَبَّسَ بالضد ، فالمحل لا يشغر ، وإنما يجب أن يشغل فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في هذه النفوس الحساسة المتحركة بالإرادة ، فلا بد لها من مستمد في النظر تحصل آثاره في الخارج نطقا وعملا ، فإرادة الباطن تنشأ من تصور ، والتصور حصيلة نظر يجمع المعاني ويرتبها في الذهن ، فيجمع أجزاء الصورة المعقولة في الذهن ويحسن يرتب الأجزاء فيضع كُلًّا في الموضع اللائق به كأجزاء الصورة المرسومة فلكلٍّ جار يلتئم معه ليكتمل جانب من الصورة ثم تلتئم الجوانب لتنتج صورة صحيحة كاملة لا اعوجاج فِيهَا وَلَا تَبَايُنَ فَلَا تُوضَعُ رأس بجوار قدم ، ولا يد بجوار لسان ... إلخ من الأخطاء التي تخرج بالصورة عن حد الاعتدال لتصير مسخا لا وجود له في الخارج وإن وجد في الذهن فرضا ، فكذلك ترى في استدلالات الغرباء عن هذا اللسان الذين نصبوا الخصومة للوحي ، فلسانه اللسان العربي ، وهم أبناؤه نشأة ، وإن كانوا أبناء غيره درسا وفهما ، فالثقافة الوافدة قد استولت على عقولهم لا سيما والمحل ، كما تقدم ، شاغر ، فـ :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ******* فصادف قلباً خالياً فتمكّـنا .

فأتاهم هوى باطل لم يجد في النفس حقا يقاوم ، فلا حصيلة له من اللسان ، ولا رصيد له من الوحي ، حفظا لألفاظه وجمعا لطرائق استدلاله وإعمالا لها في النظر الصحيح الذي يستنبط معان صريحة في الخبر والحكم جميعا فترى العقل قد تزكى بالوحي ، فهو مستمده في اللفظ والمعنى ، فبه ينطق وفيه ينظر وبخبره يصدق ولحكمه يمتثل في كل جليل ودقيق من أمور الأديان والأبدان فتجد عاداته الجبلية قد انقلبت عِبَادَاتٍ شَرْعِيَّةً ، فامتزجت ثقافة الوحي بعقله فلا تفارقه أبدا ، وظهر ذلك في نقده للثقافات الوافدة فهو ينطلق من أسس راسخة مستندها العصمة ، عصمة الوحي الذي يؤمن به ، فليس معصوما في نفسه فذلك ما لا يكون إلا للأنبياء عليهم السلام ، ولكن مستنده معصوم فهو ينظر فيه ويستعمل طرائقه في الاستدلال ويجمع نصوصه بعضها إلى بعض ليستكمل صورة صحيحة فليست مسخا كالصورة التي تحصل في ذهن الغريب الذي ركن إلى منهاج الخصم البعيد فرام قطع الصلة مع ثقافته واستبدل بها غيرها ، ولو كانت مثلها لقبح ذلك في أفهام العقلاء أن يفارق الإنسان منهاجه إلى منهاج غيره فكيف ومنهاجه الأعلى فهو الأولى بالاتباع بل من أنصف من خصومه قد أقر بذلك ، بَلْ وَثَمَّ منهم من وفد عليه يطلب الحق الذي لا تسكن النفس إلا بانتحاله ، فاستبدل خصمه الذي هو خير بالذي هو أدنى ، وذلك قياس العقل الصريح أن يبذل الأدنى طلبا للأعلى ، واستبدل هو الأدنى بالذي هو خير ! ، فخالف قياس العقل الصريح ، ولم ينل من ذلك إلا غربة في العيش وكآبة في النفس وصغارا وضعة في عَيْنِ الموافق والمخالف ، فَوُضِعَ بُغْضُهُ في القلوب ، أن أعرض عن ربه المعبود ، جل وعلا ، وابتغى الهدى في غير كلامه .

فالعقل يجتهد في خبر الغيب أن يحيط بمعناه وإن لم يدرك كنهه فما بذلك أمر ولا على ذلك يقدر ، والتكليف لا يكون إلا بمقدور ، فتكليف ما لا يطاق عبث يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فهو محال ، إذ لا حقيقة له في الشرع وإن افترضه العقل ، فمخالفته للحكمة ظاهرة إذ تقضي أن يوضع الشيء في المحل القابل له ، فيوضع التكليف إثباتا أو نفيا ، فعلا أو كفا ، في محل يقبل آثاره فهو يطيقها فلا يجد حرجا فيها ، فالحرج مرفوع شرعا كما أن الضرر يُزَالُ ، فحرمت الميتات إذ ضررها لا يخفى ، ورفع الشارع ، جل وعلا ، الحرج أن يتكلف الإنسان ما لا يطيق ، بل وأن يَتَكَلَّفَ ما يطيق بمشقة زائدة عَنِ المعتاد ، فالمشقة تجلب التيسير ، ولا يشترط فيها على قول الجمهور حصول العجز التام الذي يجعل التكليف غير مستطاع مطلقا ، كتكليف مقطوع القدمين أن يمشي ، فذلك تعجيز لا تكليف ، وهو ليس مقصود الشرع الذي يستصلح النفوس ، وإن صح في اللسان في مواضع يحسن فيها التحدي فَمِنْ أَغْرَاضِ الأمر كما قال أهل البلاغة : التعجيز ، كما في قوله تعالى : (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) ، فلا يقدرون على ذلك وإنما ورد الأمر على جهة التحدي الذي به يحصل المراد ، وقد يضاهيه في الدلالة : دلالة الأمر في خبر : "عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ لَاقِيهِ" ، فمآل الحي أن يموت ، فلا يقدر أحد أن يدفع القضاء إذا حم ، فأية مشقة زائدة تحصل توجب التخفيف بمقتضى التشريع ، فـ : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وإن تجشمته النفس فذلك تنطع يفضي إلى السآمة والملل فيحصل الانقطاع الذي توعد أصحابه بالهلاك ، فـ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" .

فيجتهد العقل في خبر الغيب ، فهو يحد الدلالة المعنوية : مطلقة في الذهن بما حصل له من اصطلاح اللسان الضروري الذي حصل له شيئا فشيئا من لدن كان طفلا يسمع ولا ينطق ثم اعتاد النطق بلسان أبويه ، فتلك فطرة الدين ، إذ الدين واللسان صنوان ، فالأول باطن ، والثاني ظاهر عنه يفصح ويبين ، فلا ينطق إلا بما يدين ، فحكمه على الأعيان والأفعال بحسن أو قبح مستنده ما ركز في قلبه من دين ، فثم دين التربية والعادة التي ينشأ عليها ، وثم دين العلم والعقل الذي يحصل بتلقي العلوم من الوحي المعصوم وتدبر معانيها بالعقل الذي يجتهد ، كما تقدم ، بما ركز فيه من مقدمات ضرورية بعضها يحصل وهبا ، والآخر كسبا من المجتمع الذي ينشأ فيه ، فإذا نشأ في مهاد الوحي تشرب ثقافته ونطق بلسانه فتجد استدلاله أكمل استدلال ، وتجد نقده واستدراكه على المخالف يجمع العلم والرحمة معا ، فأهل الإسلام والسنة ، أعلم الناس بالحق ، وأفصحهم في البيان ، وأرحمهم في مواضع الجدال بمن خالف من بني الإنسان ، وأشدهم في مواضع الجلاد على من خالف شرعة الرحمن ، جل وعلا ، وهو في كل ذلك يأوي إلى ركن شديد من أمر رشيد ، أمر النبوة والوحي التي لا يفتأ المخالف يطعن فيها ، بالتكذيب الصريح تارة فهو خصم للحق جملة ، والتضعيف أخرى فهو يؤمن بالحق ولكن للهوى من قلبه حظ يعظم بقدر ما يخالف نص الوحي ولا يكون ذلك إلا باتخاذ الهوى بديلا فهو خصم للنص إذا خالف هواه فلا تجد في استدلاله إنصافا وإنما تجد التكلف في تضعيف ما خالف رأيه وإن لم يكن من أهل الشأن فلا علم له بِنَقْدِ الأخبار وتحرير الألفاظ ، فهو بين التكذيب أو التشكيك ، سواء أكان في نقلها وإن آمن بأصلها ، أم في معناها وإن أثبت ألفاظها في مواضع بعينها ، فلا يسلم بدلالاتها ، وإنما يسلك في تأويلها مسلكا منحرفا يدل على سوء فهم أو سوء طوية فصاحبه يسيئ الظن بالوحي ونقلته فيفسر الألفاظ ويحلل الوقائع تحليلا يدل على تشربه بثقافة تخاصم الوحي ، بل وتخاصم العقل في مواضع فما اتبع أحد الهوى إلا وانتقص من دينه وعقله بقدر ذلك فلن يسلم له الدين ولا العقل فهما صنوان ، فمتى صح الدين باستمداد الوحي ، صح العقل في تصوره واستنباطه للأحكام ، فحصلت صورة الاستدلال الناصحة التي يحسن العقل فيها استقراء الأدلة ، سواء أكان ذلك في علوم النظر أم في علوم الحس ، فطريقة الوحي تعصم الذهن أن يخطئ في استدلال الشرع بل وفي استقراء الحس ، ولذلك كان منهاج الاستقراء في العلوم الكونية مأثرة من مآثر الثقافة الإسلامية ، وإن جحد المخالف ، فاجتهد المحققون من نظار الإسلام في هدم طرائق البحث الاستنباطية التي ازدهرت في المناهج الفلسفية اليونانية لا سيما الأرسطية ، وأقاموا منهاج البحث في الخارج على طرائق الاستقراء التام الذي يفيد القطع ، أو الغالب الذي يفيد الظن الراجح وهو مما يصح الاستدلال به في كثير من مواضع النظر .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
13-08-2015, 02:21 AM
وبضاعة من خالف هذا الوحي ، كما تقدم مرارا ، لا تعدو أن تكون : الاعتبار المتكلف بالمبالغة في التأويل على وجه لا عهد به في الشرع واللسان لا في الدلالات الأولية ولا الثانوية إلا على وجوه بعيدة متكلفة تكاد تخرج بالمستدل عن ناموس الشريعة الظاهرة إلى قاموس الشريعة الباطنية ذات الاصطلاحات الفلسفية والذوقية الغامضة وهو ما حصل في مَوَاضع كثيرة تكلف فيها النظار حمل ألفاظ الوحي على وجوه من العلوم التجريبية في إطار الدلائل العلمية المعجزة في الرسالة الخاتمة ، على وجه لا يخلو من تكلف ، فاللفظ لا يدل على المعنى الذي أرادوه ، إذ الاصطلاح المتأخر لا يجوز حمل اللفظ المتقدم عليه ، فأي نص لا بد أن يحمل على العرف السائد في زمانه ، أو العرف الاصطلاحي في العلوم المخصوصة ، فذلك يجري مجرى العرف الخاص بأهل فن بعينه فلكلِّ صناعة اصطلاحاتها ، وذلك أمر يعم الصنائع العقلية والصنائع المحسوسة ، والشريعة صناعة عقلية في دلالاتها الإفرادية والمركبة فلا بد من حمل ألفاظ الوحي على عرف زمانها اللغوي ، وحمل معانيها على المعاني الشرعية المخصوصة ، فهي مراد الشارع ، جل وعلا ، الذي أنزل الوحي لبيان العقائد والشرائع لا لتقرير اللغة فهي موجودة قبل نزوله وإنما استعمل ألفاظها فقيدها بقيود في الذهن جعلت دلالاتها الشرعية أخص من دلالاتها اللغوية ، فالحقيقة الشرعية : حقيقة لغوية مقيدة بجملة قيود يحصل بها مراد الشارع ، جل وعلا ، في العقد والشرع ، في الخبر والإنشاء ، في التصور والحكم .
ولعل أشهر مثال على ذلك هو تكلف من تكلف في حمل لفظ كلفظ : "الذرة" على المعنى الاصطلاحي الأخص في علم الفيزياء والكيمياء وهو : "atom" ذلك الجسيم الصغير ذو النواة التي تتألف من الجسيمات الموجب والمتعادلة ، والذي تدور حولها الجسيمات السالبة التي تلعب دورا رئيسا في تحديد تكافؤ العنصر ، وتفاعلاته سواء أكانت روابطها تساهمية أم أيونية ، وذلك ، بداهة ، ليس داخلا في حد الذرة في لسان العرب ، فهي تطلق على النملة الصغيرة أو الجزء الصغير الذي لا يرى من الهباء ، فيجري مجرى الكناية عن صغر العمل ودقته فقد لا يلتفت إليه العامل فيجده مكتوبا مسطورا ، في كتاب الإحصاء ، فـ : (يَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما قد ينساه العامل أو القائل فلا يلقي له بالا ، فـ : "إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ" ، ودلالة النكرة : "صَغِيرَةً" في سياق النفي مئنة من العموم الذي يستغرق كل جليل ودقيق من الحركات الاختيارية الباطنة والظاهرة ، فذلك ، بداهة ، يخالف معنى الذرة في الاصطلاح العلمي التجريبي ، فخاطب الكتاب العزيز العرب بما يعهدون من مشهور لسانهم ، فوجب اعتبار النص باصطلاح لسان قريش الذي نزل به الكتاب لا باصطلاح علوم الكيمياء والفيزياء ، وإن صح إجمالا أن يطلق على الذرة الكيميائية أنها ذرة لغوية ، ولكن ذلك ، كما تقدم ، لم يكن معهودا في اللسان القرشي ، فمناط الأمر : الكناية عن صغر العمل ودقته لا تعيين جسيم بعينه ، سواء أكان الجسيم الذي يعرفه العرب في كلامهم ، وهو النملة أو الجزء من الهباء ، أم الجسيم الكيميائي المعهود في العلم التجريبي الحديث .

والشاهد أن ثم تكلفا في مواضع من الاعتبار يروم به بعض الفضلاء ، تقرير الإعجاز العلمي في الكتاب العزيز ، فيتكلف من الدلالات ما لا تدل عليه الألفاظ لا من قريب ولا من بعيد إلا على وجه فيه من التعسف ما لا يخفى ، وهو ما يعطي الذريعة للمخالف أن يطعن في الشريعة ، ويطالب أن يفصل بينها وبين العلم الحديث ، فتكون غاية التنظير عنده أن نصنع كما صنعت أوروبا ، رائدة القوم في الفكر والتصور ! ، فنعزل الدين في دور العبادة ، فليس له أثر في الحياة ، فالدين طور انتهى ، والعلم الآن هو الطور الناضج بعد أن بلغ العقل رشده فانتهى دور الدين ، كما قرر أوجست كونت ، فالبشرية قد بدأت في مهاد الخرافة ثم انتقلت إلى طفولة الدين ثم بلغت الرشد فانتقلت إلى مرحلة النضج العلمي ، فصار العلم ، سواء أكان نظريا أم تجريبيا هو مستمد العقل الرئيس في التصور والإدراك ، وأقام إيمانويل كانط نظريته في المعرفة على الدمج بين المدرستين التجريبية والعقلية ، فلم يكن للوحي في هذه الفلسفة الوضعية حظ ، فما قامت وازدهرت إلا على أنقاضه فهي تناصبه العداء من مبدإ أمرها وتروم الإجهاز عليه إذ لم تدرك منه إلا صورا شائهة منحرفة إن صح من نصها شيء ، فليست إلا آثارا باهتة فيد التبديل قد طالت أصول الدين وفروعه ، ويد التحريف قد زادت فيه أمورا صَيَّرَتْهَا حقائق ومسلمات ، ثم أظهر العلم الحديث بطلانها ، فلا مناص من مهادنة الوحي ابتداء كما وقع في بواكير النهضة الأوروبية ! ، فهو سلطة روحية مناطها : ميتافيزيقا الغيب فهي الملكوت في العالم الآخر ، ومملكة المسيح عليه السلام ليست في هذا العالم ! ، فمملكة الدنيا تخضع لسلطة أخرى تقاسم السلطة الروحية الحكم ، وهي السلطة الزَّمَانِيَّةُ السياسية ، والسلطة العلمية التَّجْرِيبِيَّة ، وذلك مبدأ العلمانية التي تريد إقصاء الدين شيئا فشيئا ! ، فبدأ الأمر ناعما يهادن المؤسسة الكنسية الصلبة فلا طاقة له أن ينازلها إذ أحكام الهرطقة والإلحاد تطارد كل ثائر يحاول أن يعمل عقله في مقررات الكنيسة سواء أكانت فكرية أم علمية فقد أبت إلا أن تدس أنفها في كتابة نظريات كونية أظهر العلم الحديث بطلانها ، وشيئا فشيئا نمت روح الثورة وحركة المعارضة الفكرية والسياسية ، حتى انقلبت المهادنة التكتيكية إلى عداوة استراتيجية تحكم سلوك العقل الأوروبي إلى يوم الناس هذا فهو يتوجس خيفة من اسم الدين ! ، إذ ارتبط في ذهنه بجملة من الأوهام والخرافات التي حكمت بها الكنيسة رعاياها في عصور الظلمة والاستبداد ، فلا يريد أن يرجع إلى ذلك القيد من جديد بعد أن قدم من التضحيات ما قدم في سبيل كسره ، فهذا عقل يناصب الوحي العداء إذ لم يعرف منه إلا الأنموذج المحرف في نصه ، الظالم الجائر في حكمه ، المنافق في سلوكه فهو يغري الناس أن يزهدوا ويحيوا عبيدا في السخرة في ضياعه وإقطاعاته ، وهو في المقابل يحيى حياة الرغد والدعة فضلا عن انحرافاته الأخلاقية وفساده المالي والسياسي ، فذلك مما أزكم أنوف العقلاء فلا يمكن أن تبقى الحال هكذا ، فسنة الكون قاضية أن يتصاعد الحراك الثوري العلماني شيئا فشيئا حتى يبلغ الذروة إبان الثورة الفرنسية التي استوجبت قرونا من الإعداد الفكري حتى ترسخ في الذهن الأوروبي قناعات فكرية جديدة تضاد مفهوم الدين ، فلا يمكن أن يجتمع الدين والسياسة ، أو الدين والعلم ، أو الدين والأخلاق ، أو الدين وأي نشاط إنساني ، فالإنسان قد تحرر من قيد الوحي بعد أن مارس ضروبا من النقد للاهوت ، لا سيما النقد التاريخي ، فطعنه في مقتل ، وأوهى قرن الكاثوليكية فأصابتها الشيخوخة الفكرية لا سيما بعد بزوغ نجم الحركة الإصلاحية البروتستانتية التي جمعت في إهابها عداوة يهود التاريخية للدين كله فإفساد الأديان والأخلاق واسترقاق الأبدان في خدمة الشعب المختار أسمى أمانيهم ! ، ورغبة الشعوب النصرانية في تجديدٍ حقيقي لهذا الطرح الكاثوليكي العتيق ، فحركة الحياة ماضية ومقرراته جامدة ومياهه ضحلة راكدة تصيب العقل بالخمول والفساد وذلك ما يأباه كافة العقلاء ، فازدهر العقل في مقابل النقل ، ولكنه النقل المبدل المحرف ، فهذا قيد يحسم المسألة في هذا الباب ، ويمايز بين الشرق المسلم والغرب النصراني في التعاطي مع هذه المعضلة ، ويضع الناظر أمام الأسباب الحقيقية للتخلف والتقدم على ضفتي المتوسط :
فشماله تقدم لما نبذ الدين المحرف وانطلق بعقله يبحث وينظر في العلوم التجريبية ، ولم يثمر آخر أمره إلا جملة من الرسوم المدنية الحديثة لا يجحدها إلا جاهل أو غافل ، ولكنها ليست الغاية من خلق هذا الكون ، فعمارته وسيلة إلى تحقيق الغاية العظمى ، غاية : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فلم ينجح في حل المعضلة التاريخية ، معضلة الحيرة التي يعيشها الإنسان الذي خرج عن طوع الإله وأبى إلا أن يكفر بالوحي ويؤمن بالعقل ، فصار هو المركز ، وصار الوحي طرفا بل أقصي جانبا بعيدا يقتصر على الشيوخ والعجائز في يوم الأحد في وعظ بارد يخاطب من يستعد للالتحاق بالعالم الآخر ، فالدين يقترن في الذهن بالموت والفناء ، وأما بهجة الحياة ولذاتها فهي عقلية فلسفية ، وحسية جسدية يستمتع بها الشباب وحدهم ! ، فالإله ، كما يقول بعض الفضلاء من أبناء الحضارة الغربية ممن أسلموا أخريات عمرهم ، الإله قد ارتسم في الذهن الأوروبي شيخا ذا لحية بيضاء ، فهو رمز فناء قريب ولعل ذلك مما بشر به أصحاب الطرائق الفكرية الحديثة من موت الإله ورمز له من رمز من أدباء هذا العصر فوضع قرآنا جديدة للعلمانية بعد أن مات الإله وانتهى دور الدين في الحياة العصرية ! .

وأما جنوب المتوسط فإنه قد تخلف لما رام تقليد الشمال ، فسار على نفس القاعدة في الاعتبار ، فالدين شيء ، والحياة شيء آخر ، والوحي شيء ، والعلم الحديث شيء آخر ، فليخضع الوحي لمناهج النقد الإنسانية وليخلع عنه رداء العصمة والقداسة فهو نص كأي نص يخضع لمعايير العقل الذي اغتر بما حصل من ظاهر هذه الحياة .

وشتان وحي الشرق المحفوظ ووحي الغرب المبدل فذلك مناط الاختلاف بل والتضاد بين الحضارتين ، حضارة شمال المتوسط العلمانية ذات الجذور النصرانية ، وحضارة جنوب المتوسط الإسلامية .

ففي مقابل تجاوز بعض الفضلاء في حمل ألفاظ نصوص الوحي على وجوه من النظر التجريبي الحديث ، كان رد فعل أولئك الذين ما انفكوا يزهدون الناس في الحق بإثارة الشبهات حوله ، والتشكيك في ألفاظه والطعن في دلالاته ، وكتمان فضائله واصطناع المثالب له ، فليس فيه أي وجه من وجوه الإعجاز ، لا سيما العلمي فهو الذي يبهر الأنظار في هذه الأعصار المادية الجافة فلا يؤمن أكثرنا إلا لما يجد بحسه ، فلا بد من اختبار حقائق الوحي في المعامل ، ولا بد من عرضها على أحدث التقنيات الغربية قبل قبولها كطرائف علمية لا أكثر يتندر بها الناس في مجالسهم فلم تحدث الأثر أن حققت الغاية ، غاية : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ، فهي آيات ربوبية يتوسل بها الناظر ، لو فقه ، إلى المعضلة الرئيسة ، معضلة التأله والسيادة لمن تكون ؟! ، للوحي المنزل أم للوضع المحدث ، فهي الذريعة إلى تحقيق التوحيد في التصور والحكم وليست طُرَفًا علمية تتلذذ العقول بمدارستها .

فالناس في هذا الباب طرفان ، فثم طرف جفا فرام إبطال هذا الباب كله فهو يرد الفضل إلى العلم الحديث وأما الدين العتيق فمكانه المساجد والكتاتيب فما دوره في علوم الحياة التي ازدهرت في معامل البحث والتجريب ؟! ، وثم طرف غلا في المقابل كرد فعل لهذا الجفاء والجحود ، فتكلف ، كما تقدم ، في بعض مواضع الاستدلال ليبرهن على إعجاز الرسالة العلمي ، وهو أمر يجري مجرى الوسيلة لا الغاية فالوحي ليس كتاب طب أو زراعة ، ولكنه كتاب إرشاد وهداية ، فما يرد فيه من دقائق العلوم فهو يجري مجرى الشاهد على الدعوى الأم ، دعوى التوحيد والشريعة ، دعوى السيادة المطلقة لخالق هذا الكون ، تبارك وتعالى ، وهو ما يأباه العقل الذي حذا حذو إبليس فأبى واستكبر أن ينقاد لخبر الوحي وحكمه .
وبينهما : وسط أثبت ذلك الوجه الجليل من وجوه الإعجاز في الكتاب العزيز وفي السنة الشريفة فثم مواضع كثيرة ، ولكنه لم يجعل ذلك الغاية ، كما تقدم ، بل هي وسيلة : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
17-08-2015, 06:36 AM
والاعتبار بطرائق النظر الأرسطاطاليسية قد أجهد النظار فراموا طريقة تعصم الذهن من الخطأ بجملة من الأقيسة التي حدوها بألفاظ دقيقة المأخذ تستغربها النفس فلا تسكن إليها ولا تأنس ولا تقوم بها حجة عامة إذ هي مما اختص بدركه الأذكياء مع قلة الانتفاع بها فكثير منها ضروري ، والأمر الضروري البدهي إذا تكلفت في حده أصاب الذهن الإعياء ، وما جهدوا في بيانه قد أبان عنه الوحي بألفاظ أيسر وأنفع ، فهي غذاء نافع خالص من كدر السفسطة التي يجهد الفلاسفة أن يفروا منه فتراهم يحدون البدهيات على وجه فيه من التكلف ما لا يخفى ، فيفضي ذلك إلى صيرورتها من المشكلات إذ إيضاح الواضحات من أشكل المشكلات ، فلا يزداد البدهي بحده ووصفه إلا غموضا والتباسا ، وقد كان الناس عنه في غنية حتى نجم قرن الفلسفة فأوعر طريق الحق وصير الاعتقاد أمرا يعسر فلا تزال النفس ضالة في أودية الشك والريبة حتى يسلم لها معلوم واحد في الإلهيات أو الطبيعيات من احتمالات العقل التي لا حد لها ففروضه لا منتهى لها وإن محالات لا حقيقة لها لا في الخارج ولا في الذهن ، وما أيسر أن يشك الإنسان حتى تبلغ به الحال أن يجحد العلوم الضرورية فتصير عنده مما يستأهل النظر والاستدلال لإثباته فتلك خاصة المنطق الأرسطي ، وهو ما تأثر به أهل الاعتزال وأهل الكلام ، فصار الشك عند الأولين أول مطلوب ، وصار النظر عند الآخرين ، أو القصد إلى النظر هو أول مطلوب ، وتكلم من تكلم في إبطال إيمان المقلد ولا شك أن دين العقل والنظر في الأدلة أقوى من دين العادة والتربية ، ولكن ذلك لا يعني أن يتكلف الإنسان ما لا يجد من الشك فيوهم نفسه ويمرضها ثم هو يبحث عن علاجها ، فما ضره لو نظر في الأدلة نظر المعتبر ، وهو على يقين جازم ، لا سيما في أمر قد ركز في الفطرة فكفيت النفس منه عظيم المؤنة : (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فذلك استفهام ضمن معنى الإبطال والتوبيخ معا ، فوبخهم أن تطرق الشك إلى قلوبهم حتى صار الضروري نظريا يفتقر إلى استدلال ، بل هو ، عند التدبر والنظر ، أعظم العلوم ضرورة فدلائل النقل والعقل والفطرة والحس عليه تشهد بما لا يدع مجالا لشك فهو ينقض أي قول يخالف بل لو تدبر الناظر لعلم أن ذلك مما يغني بطلانه عن إبطاله فصاحبه ينكر ما يجده في نفسه ضرورة بل ويجده الحيوان الأعجم فإنه إذا ضرب أو عذب رفع بصره إلى السماء مستغيثا فهو يعلم أنه له ربا يرى ويسمع وينصر المظلوم ولو حيوانا فكيف بمن ظلم من البشر الناطق ، وكيف بمن أوذي في دينه ونفسه وعرضه وماله فأخرج من داره أن جهر توحيدا أو رام تشريعا أو أراد عدلا محضا مما أجمع العقلاء على حسنه فأبى الظالم إلا أن يخالف دلائل النقل والعقل والحس فقتل وحرق وهتك فلم يرع دينا ولا مرءوة ، رجاء شهوة رياسة تَزُول وهي مع ذلك لا تسلم لصاحبها من كدر ينغصها ، وإن أعدل العادلين كعمر الفاروق ، رضي الله عنه ، الذي أجهده الأمر فلا يكاد ينام ، وهو الذي تحرى العدل في كل حال ، ومع ذلك لم تسلم له من التنغيص ، فلسان حال أن ليت أمه لم تلده ، فهل بقيت لمن هو أعظم ، وهل سلمت من الكدر لمن هو أعدل ، فما قرنت إلا بالهم والحزن وما علم حقيقتها عاقل هدي وسدد إلى الحق ، إلا فر منها فرار السليم من المجذوم إلا أن يتحملها على وجه لا يسعه فيه الترك فهو تكليف الشرع ، فلا بد أن يقوم بالأمر أحد وإلا أثم الجميع فإذ كانت الحال كذلك فالأمثل فالأمثل وإلا فالنجاة النجاة ، فـ : "ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ العَوَامَّ" ، ولا عاقل ، كما يقول بعض الفضلاء ، يبدأ جهادا في أرض نكل أصحابها عنه فرضوا بالذل وحرصوا على أية حياة ، وقل مثله في سائر وجوه الإنكار ، فمن لم يطق إذ لا سامع ولا مجيب ، ولا عاضد ولا معين بل ليته يسلم من أذى الناس فهم ساعون أبدا أن يضادوه وينصروا الظالم عليه بل وربما تقربوا بدمه إليه أن يصطنعوا عنده يدا فيكون الجزاء العاجل أن يسلط عليهم الظالم عاجلا في أمر الدنيا التي وعدهم بها ! فضلا عن العقوبة الآجلة إن ماتوا على هذه الحال الناقصة ، وفي تلك الحال المزرية يحسن أن يتأول الإنسان : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، إن أعذر إلى ربه ، جل وعلا ، بإنكار باليد إن كان ثم مكنة وأمنت المفسدة ، أو باللسان إن أمنت المفسدة في نفسه وغيره فالفقه يقضي ألا يدفع مفسدة بمفسدة أعظم ، لا سيما إن نالت غيره فإن صبر في نفسه فقد لا يصبر في غيره من ابن أو قريب أو أي مسلم يمت له بسبب الدين ، فجامعة الإسلام بين أهلها رحم موصولة ، وأكرم بها من رحم ، فلا رحم أولى منها بالصلة إلا رحما زادت عليها رحم الدم فاجتمع في حقها : سبب الدين أولا ثم سبب الدم ثانيا ، وذلك على قول من جعل الإكراه في أي مسلم إكراها صحيحا لأخوة الدين الجامعة ، كما ذهب إلى ذلك ابن حزم ، رحمه الله ، وشاهده من التنزيل : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
فإن لم يطق النطق ، فله أن يسكت وينكر بالقلب فلا يضره من ضل إذا اهتدى ، إن عدمت النكاية ، فالباطل قد اشتد عوده والحق قد قل ناصره أو عدم وتلك حال لا تدوم كما وعد ربنا المعبود تبارك وتعالى ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .
وذلك ، إن تدبرته ، وجدته من وجوه الاعتبار الصريح التي نوه بها المحققون في باب : إنكار المنكر ، ومن لم يطق إزالة الباطل فليهادنه وليداره في أمر الدنيا فلا يعطه في الدين دنية إلا إن أكره فله أن يترخص وإن كانت العزيمة لمن أطاق خيرا نكايةً في حزب الباطل وجنده .

والشاهد أن الإنكار في الآية : (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، إنكار توبيخ وإبطال ، إذ لا شك في الله مطلقا ، إن بالنظر في دلائل الشرع لمن آمن بالوحي ، وإن بالنظر في دلائل العقل الذي يقضي أن لكل حادث محدِث ، أو لكل ممكن مرجِّح ، كما يقول المناطقة ، والمحدثات جميعا ترجع في آخر أمرها أن تصدر من سبب أول لا سبب وراءه ، هو كلمات التكوين ، فلا بد من غني بذاته لا يفتقر إلى الأسباب كما هي حال العلل المحدثة فلا علة تنتج أثرها إلا بإذن ربها جل وعلا أن تُسْتَوْفَى شرائطها وأن تَنْتَفِيَ موانعها ، فلا علةَ محدثةً تامةٌ ، إذ الافتقار فيها ذاتي ، كما أن الغنى في حق بارئها ، جل وعلا ، ذاتي ، فهو الذي خلقها وهو الذي خلق المحل الذي تباشره لتنتج المعلول ، فخلق الماء ، وخلق الحبة ، وخلق فيها محل الإنبات الذي يستثيره الماء ، وأجرى السنن المحكم أن تَنْفَلِقَ الحبة إذا تشربت الماء وأن يخرج منها الجذر والساق ، وأن يكون لكلٍّ تركيب يلائمه ، فتلك المشيئة النافذة والحكمة البالغة في خلق الأعيان وتكوينها ، ولا تخلو من رحمة في خلق ما ينفع الناس ، وقل مثله في تدبر آيات الشرع وإن غفل عنها كثير ، فعناية المتدبر أن ينظر في آيات النفس والآفاق ، والآيات في ذلك أكثر أن تحصى ، فـ : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فذلك أمر بالنظر في الدلائل الشاهدة في السماوات والأرض ، ولا يخلو من دلالة إيجاب أولى ، ودلالة إرشاد ثانية ، فإن التدبر حتم لازم ، فهو يقوي إيمان المتيقن ، ويدفع صائل الشك في حق من شك لا من تشكك وأوهم نفسه ليبلغ حد اليقين بزعمه فتكون عاقبته السفسطة والجحود لا سيما إن اغتر بعقله وظن فيه كفاية في النظر والاستدلال تغنيه أن ينظر ويعتبر في أدلة الوحي ، وتلك ، كما تقدم ، مدرسة في الاعتبار رائدها من أئمة الإسلام أبو حامد الغزالي ، رحمه الله ، ولكنه كان في حال عظيمة من الحيرة كما أبان عن ذلك في قوله ، فذلك عارض مرض لا حال سوية يقتدي بها العقلاء ، وإنما ينظر فيها أصحاب البصائر نظر الاعتبار ، فضلا أنه كان ، كما يقول بعض المحققين ، من خيار المخلصين ، ولولا ذلك لتلف ، فلما أقبل على السنة ، وهي من الوحي الذي يشفي وساوس الصدور ويقيم بُنْيَانَ اليقين فيها على أركان راسخة ، زال عنه ما يجد وإن في آخر أمره والعبرة بالخواتيم ، وما ترك من إرث ، فإنما ينظر فيه ، ايضا ، نظر الاعتبار فإن من الاعتبار في النقد : أن توزن أقوال الرجال وأعمالهم بميزان النبوة فهي الميزان المحكم الذي تُرَدُّ إليه سائر وجوه التَّنَازُعِ ، إن في العقائد وإن في الشرائع ، إن في السياسات وإن في الأحكام ، فمن آمن أن هذا الوحي طوق نجاة النفس ، ومادة عصمة العقل إذ قياسه الصريح يوجب أن يتبع المعصوم في كل أمره ، في نظره واستدلاله ، في فقهه واستنباطه ، في استحسانه واستقباحه ، فإن كان له من ذلك حظ لا يجحده إلا من غلا من نفاة الحكمة والتعليل وما أرادوا بذلك إلا تعظيم التشريع ، ولكنهم جفوا في المقابل في دلالة العقل ، فإن الفطرة الأولى وهي مادة حق أجملت في النفوس ركزها الرب المعبود ، جل وعلا ، في القلوب ، فإذا جاءها الوحي مبينا ، قلدته وفوضت إليه أمرها فهو رائدها في التصور والإرادة والحكم ، وهو باعثها أن تقول وتعمل ، فلا تنظر إلا بعينه ، ولا تنطق إلا بلفظه ، ولا تقيس وتنظر إلا بمعياره المحكم ، فهي على وزانه في كل دقيق وجليل ، وذلك مفهوم العبادة الأعم الذي يستغرق جميع حركات النفس الاختيارية ، ما ظهر منها وما بطن ، فمدار الأمر : خمسة عشر جزءا ، كما يذكر بعض المحققين ، فثم أحكام تكليف يدور عليها فعل العبد فلا يخرج أن يكون أحدها ، فما من قول أو عمل إلا ولله ، جل وعلا ، فيه حكم ، قد أبان عنه فيما نَزَلَ من الوحي ، إن بلفظه وإن بمعناه ، فالقياس الصحيح في باب الأحكام من أجل وجوه الاعتبار ، فذلك الاستنباط الذي تعلم به أحكام النوازل المستجدة ، والذي به تظهر آيات الكمال في هذه الشريعة فهو يكشف حكم الشارع ، جل وعلا ، في النازلة بِرَدِّهَا إلى أصل محكم ، ققد ثبت بدليل صحيح صريح ، وجه التعليل فيه ظاهر منضبط يتعدى إلى الفروع الحادثة على وجه تدركه الفهوم التي صح نظرها فسلمت أمرها لشريعة ربها ، جل وعلا ، فإذا حصل ذلك في النفس لم تجد إلا أن تنهج منهاج النبوة في جميع حركاتها الظاهرة والباطنة ، فتكليف بالأمر أو النهي أو الإذن ، فتلك خمسة في التكليف ، إذ الأمر : إيجاب وندب ، والنهي : تحريم وكراهة ، والإذن : إباحة ، فإذا وزعت على الجنان واللسان والأركان ، وهي مواضع التكليف ، فالحاصل خمسة عشر ، كلها عبادة ، إما محضة كالفعل في الواجب والمندوب ، والترك في المحرم والمكروه ، وإما باستحضار النية في العوائد الجبلية ، فالمباح لذاته قد ينقلب باستعماله في خير فيكون واجبا أو مندوبا ، وقد ينقلب في المقابل باستعماله في شر فيكون محرما أو مكروها ، ولا تخلو النفس من نية ، فقد خلقت حساسة متحركة بالإرادة ، والإرادة تنعقد في القلب بعد أن يتصور الغاية من الفعل فلا عاقل يقدم على فعل إلا إذا تصور غايته ، سواء أصح تصوره فكان الفعل خيرا وإن كان مبدؤه ألما ، فإن اللذة العاجلة ليست مطلوب العقلاء ، وإن مالت إليها النفس بما جبلت عليه من حب الراحة والدعة ، بل لا تخلو لذة صحت أو فسدت ، من مشقة ، ولو في تحصيل أسبابها ، فالاعتبار الصحيح في هذا الباب ، أن يرجح العاقل بين الإرادات إذا تزاحمت فيقدم الأولى ، ولن يحصل الاعتبار الصحيح بتقديم ما حقه التقديم إلا إذا رد الأمر إلى معيار صحيح محكم ، معيار الوحي المنزل ، فالعاقل لا يقدم على قول أو فعل إلا إذا تصور عاقبته ، سواء أصح التصور أم فسد ، فلا بد أن يكون في الأمر وجه من وجوه اللذة والمصلحة ، فلا يقدم عاقل على أمر مؤلم مفسد خالص ، وإنما تكون الشبهة أن يظن القبيح حسنا ، لوجه لذة تعرض وإن أعقبها ألم يرجحها ، فيذهل العقل حال الشبهة أو الشهوة ، فهو يستعجل أمر يجد فيه خيرا ، ويغفل أن يتصور العاقبة وذلك قد يُورِثُهُ ألما عظيما ، وذلك فساد في الاعتبار بَيِّنٌ ، يخالف ، كما تقدم ، قياس العقل الصريح أن يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير ، وعامة من ضل في هذا الباب إنما كان ضلاله أن نظر في العاجلة فلم يصبر على لذتها ، ولو تدبر غايتها وما تؤول إليه من ألم عظيم يفسد الدنيا والدين معا ، ما استحسنها بهواه ، وإن كان فيها ، كما تقدم ، وجه حُسْنٍ ، فلو كانت قبيحة من كل وجه ما اشتبهت على أحد ، وما رغب فيها إلا من لا عقل له ! ، فمن يستحسن ما تمحض قبحه من النجاسات أو نحوه مما عظم فيه وازع الطبع فهو ينفر منه بمقتضى الفطرة ، ومن يستحسن الشرك ، على سبيل المثال ، وفيه من الظلم ما لا يخفى فصاحبه يجحد فضل المنعم الذي خلق وبرأ ، ورزق وَدَبَّرَ ، وحفظ الأديان بأسباب الشرع ، وحفظ الأبدان بأسباب الكون ، وإنما وقع الشرك أن استحسنت العقول أمورا زينها الشيطان ، فـ : (قَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) ، فلم يغوهم بشرك صريح فذلك ما لا تقبله نفس سوية ، وإنما كان الغلو في الصالحين ، وهو مبدأ كل شر في هذا الباب ، فالاعتبار الصحيح أن ينهى عنه سدا لذريعة الشرك ، فليس ثم ذريعة أعظم إليه من الغلو ، وإن في نبي أو صالح ، فكيف بأفاك طالح ؟! ، لا يلتزم ظاهر الشريعة ، بل يجعل الخروج عنها أمارة على بلوغ الحقيقة التي تكفي صاحبها مؤنة الشريعة ، في اعتبار فاسد هو إلى اعتبار الباطنية أقرب ، ومرده ، أيضا ، إلى الاستحسان بالأهواء ، فسمي الشرك توسلا بالصالحين فلهم جاه عند الله عظيم ووقع الفساد في اعتبار الشفاعة أن صارت كشفاعات أهل الدنيا فيقبلها الرب ، جل وعلا ، رغما ! فلا يقدر أن يرد للشافع طلبا وإن شفع بلا إذنه بل وبلا علمه ! فَثَمَّ ضياء يخرج من الشافع المقبور يصيب من يقف على أعتابه ، فلا يملك له دفعا ، وذلك ، ولو من وجه ، يشبه اعتبار الفلاسفة في خلق هذا الكون ، إذ نفوا العلم بالجزئيات واقتصروا على إثبات العلم بالكليات ، فَصَدَرَ هذا العالم عن عِلَّةٍ أولى بسيطة لا وصف لها إلا الوجود المطلق ، ولا اختيار لها إذ لا علم لها مفصل ، فَخَرَجَ مِنْهَا هذا الكون اضطرارا ، وذلك من أفحش صور التعطيل في الإلهيات ، فلم يخلق هذا الكون فاعل بالإرادة له علم أول محيط به خلق الكون وقدره ، ثم شاء أن يخرجه من العدم إلى الشهادة ، كما أجمع العقلاء ! من أتباع الملل ، وإن حصل منهم شرك في العبادة فلم ينكر المنشأ والمعاد منهم أحد ، ولو في الجملة ، وإن وقع الخلاف في تفاصيل فالأمر : محل إجماع ، وذلك ، أيضا ، من وجوه الاعتبار الصحيح ، فإن من نظر في هذا الكون ، في إحكام صنعته ، وفي جريان سننه على وجه يَنْتَظِمُ به أمره ، فلا فساد ولا خلل ، فضلا أن ينظر في آلاء العناية والرحمة ، فتلك دلالتا الاختراع لا على مثال سابق ، فخالق الكون جل وعلا : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ودلالة العناية ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فدلالة اللام في : "لكم" : دلالة اختصاص ، ووجه المنة فيها ظاهر ، فضلا عن دلالة العموم ، فالمنة الكونية تستغرق المؤمن والكافر ، فـ : (مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، بل إن المنة الشرعية بالبلاغ تعم الجميع ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، وإن قصرت منة التوفيق على المؤمن فهو المحل الذي يقبل آثار الوحي تصديقا وامتثالا ، فهذا اعتبار صحيح في منشأ هذا الكون ، فلا يكون ذلك إلا بمحدِث مرجح بإرادة واختيار ، وحكمة ، ففعله فعل القادر العالم ، فليست قدرة بلا علم كما زعم من زعم من نفاة الحكمة والتعليل في أفعال رب العالمين ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وليس اضطرارا بلا اختيار كما زعم الفلاسفة نفاة الصفات ، بل هو فعل الحكيم القدير ، فـ : (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، فلا يسأل لكمال حكمته وقدرته ، فدلالة الاختراع والعناية من أبرز طرائق الاعتبار الصحيح في الاستدلال على وجود الرب الخالق ، تبارك وتعالى ، وذلك ما أبان عنه الكتاب العزيز على وجه أيسر لفظا وأنفع أثرا ، فلا تجد فيه ما تجد في كلام الفلاسفة وأهل الكلام من وجوه من النظر تدق ، وإن صحت فهي ، كما تقدم ، مما أوعر الطريق ، فالعاقل إذا خير بين طريقين : أحدهما سهل مذلل يوصل إلى الغاية بأيسر مؤنة وبلا خطر فهو مأمون لا قاطع فيه ولا فاتك يتخطفه أو يتهدده بالقتل ، والآخر عسير غير ممهد تعظم فيه المؤنة وهو مع ذلك غير مأمون فلا يخلو من قاطع أو فاتك ، فهو يسلك الأول ، وإن أوصله الثاني ، فما ألجأه إلى الثاني والأول يسير مبذول ؟! ، فكذلك الشأن في الطرق العقلية ، فإن طريق الوحي سهلة يسيرة في الاعتبار ، لا يجد سالكها وعورة في الفهم أو قسوة في القلب ، فليست طرائق عقلية جافة ، فمن طالع كتب الفلسفة والمنطق أصاب عقله الإجهاد ، وأصاب قلبه القسوة إلا أن يستعين بذكر أو وِرْدٍ يخفف الوطأة أن ألجئ إليها اضطرارا ، فلا يلجأ إليها اختيارا إلا من فسد اعتباره ، فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فقدم ما حقه التأخير ، أو خفي عليه وجه الحق فلم يجد إلا هذه الطريق ليسلكها وذلك أمر ندر ، فإن من رحمة الله ، جل وعلا ، أن بذل الوحي يسيرا ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فيسر للاعتبار ، فالذكر هنا بمعنى التذكر ، فالذكر يطلق على الكلام نفسه الذي يتدبره الناظر ، ويطلق على النظر والتدبر نفسه ، كما أن الخلق قد يطلق على الفعل ، فـ : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك الفعل ، وقد يطلق على المخلوق ، فـ : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، أي : مخلوقه .
فندر أن يضل طالب الحق عن بغيته في الوحي الذي يختزل الأمر اختزالا فيحفظ له طاقة الفكر أن يستعملها في استنباط معاني الحق ، فهو يجتهد في تدبر أخبار الغيب دون خوض في حقائقها ، فما خوطب إلا بالمعاني ، ويجتهد في استنباط الأحكام ، فيهتدي بالشرع المنزل الذي يحسم النزاع بين الشرائع المحدثة فكلها أقيسة عقل ومواجيد ذوق ، قد تصح وقد تبطل ، قد تنفع وقد تضر ، فأي معيار يمحض الصحيح النافع منها ، مراد كل عاقل ؟! ، فلا يحصل الانتفاع بها إلا أن ترد إلى الشرع المحكم ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، فما وافقه منها قبل ، وما خالفه رد وإن توهم الناظر فيه ما توهم من مصلحة ، فإذ لم يعتبرها الوحي ، بل قد نَصَّ على ضدها فهي هدر ، إن في أصل أو في فرع ، فأي عاقل يعدل عن الاعتبار الصريح في العقد والشرع ، في السياسة والحكم ، في الرياضة والزهد ، بعد أن عثر على معدنه المعصوم ؟! ، فذلك الوحي الصحيح الذي يواطئ قياس العقل الصريح ، فندر أن يضل طالب الحق بالاعتبار الصحيح ، ندر أن يضل عن سبيل الوحي المحكم ، فمن رحمة الله ، جل وعلا ، كما تقدم ، أن يسر الذكر ، وإن كان استثناء فهو نادر ، فثم من جهد يطلب الحق مخلصا مسترشدا ، فهو معذور ما لم تبلغه الحجة الرسالية على وجه يقطع العذر ، فذلك ، أيضا ، من رحمة الرب ، جل وعلا ، في هذا الباب ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فإذا بلغته الحجة على وجه صحيح في نقله ، صريح في دلالته ، فقد انْتَفَى العذر في حقه إذ لا شبهة ، فـ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" .

وثم أناس جهدوا يطلبون الحق ولم يهتدوا إلى طريق الحق المحض فنظروا في طرائق من الاستدلال ناقصة ولكنها أورثتهم نوع علم لا يرقى أن يبلغ اليقين فهو ظن ، وهم ، في الجملة ، خير ممن ضل عن الحق كله ، فدرك بعضه خير أن يضل الناظر عنه كله ، فمثلهم كمثل من نظر في المقالات ، فدخل في دين الإسلام على مقال محدث ، كمن يدخله على مقال الاعتزال أو نحوه ، فحصل له نوع خير إذ أصاب من الحق جزءا ، فلا يخلو مقال من حق وإن غلب عليه الباطل ، فمجرد النظر في كلام الشريعة خير وإن لم يكمل إلا أن يكون على منهاج الحق الذي جاء به المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه ، كما تقدم مرارا ، لم يبلغ ألفاظا مجردة وإنما شفعها بمعان مبينة حصل بها الإفهام في جميع أبواب الدين ، وبذلك امتاز أهل السنة عن غيرهم أن جعلوا بيان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبيان الصدر الأول الذين زكاهم الوحي ، كتابا وسنة ، جعلوه المعيار الأول في تفسير الألفاظ وبيان دلالاتها ، ولو هدي أولئك إلى الطيب من الوحي ابتداء لنالوا ما نَالُوه بالقياس بوقت أقل ومشقة أخف ، فالوحي ، كما تقدم ، يعصم الذهن أن يضل ، ويريحه أن يجهد في طلب الحقائق بطرائق دقيقة غامضة ، فيها من التكلف ما لا يخفى ، فضلا أن تظهر له الحقائق فيعرض عنها اغترارا بعقله ، فيخالف الاعتبار الصريح إذ أعرض عن محكم النبوة إلى متشابه القياس والذوق .
وثم من ينظر في هذه المواد الفلسفية بعد أن ينظر في الحق ويتضلع منه ، ثم هو يروم نقض الباطل فلا ينظر فيه ابتداء كل أحد ، وإنما ينظر فيه من اغتذى بالنافع المريء فلا يغتر بالضار الوبيء أن زخرف وخف حمله فقد يعجب الناظر ، بادي الرأي ، وهو قبيح لا يدرك قبحه إلا من رسخت قدمه في الديانة فجعل الوحي مستنده الأول تصديقا بألفاظه واعتبارا بمعانيه .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
19-08-2015, 06:26 AM
جزاك الله خيرا أخي أستاذ أسامة على المرور والتعليق والتشجيع .

ومن وجوه الاعتبار الصحيح ما استدل به أهل الشريعة على وجود الله ، جل وعلا ، فإن ذلك مما تعددت الأدلة عليه حتى بلغ حد اليقين الجازم بل صار الاستدلال عليه في أحيان كثيرة ضربا من العبث ، فإن الاستدلال على الضروري لا يصح في القياس ، فالضروري هو الذي يستدل به على غيره من النظريات التي تَتَقَدَّمُهَا مقدمات ضرورية ، فكذلك الرب ، جل وعلا ، فإنه الدليل على كل شيء ، فكيف يطلب عليه الدليل وكل شيء منه قد صدر على جهة الخلق والإيجاد ، فقدر ثم أوجد ، فكل شيء يصدر عن كلمه الكوني النافذ صدور المخلوق من الخالق الأول ، فكل ما سواه فهو مخلوق محدث فليس له من وصف الأولية إلا الوصف المقيد ، فـ : "أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ" ، فَرِوَايَةُ النصب لا تدل أن القلم أول مخلوق مطلقا ، فضلا أن يكون الأول مطلقا فذلك يمتنع من باب أولى ، وإنما غايتها أن تدل على الظرفية ، فظرف الكلام : "اكْتُبْ" هو : أول ما خلق الله ، جل وعلا ، القلم ، وذلك ظرف زمان لا يعلمه إلا الله ، جل وعلا ، فكان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والعرش على الماء فهو أول المخلوقات جميعا ، فكان ذلك أيضا في زمان لا يعلمه إلا الله ، جل وعلا ، فَلَا يُقَاسُ على زَمَانِنَا وإن اشْتَرَكَا فِي جنس المعنى المطلق ، وهو الزمان الذي تقع فيه الأحداث ، فهو ظَرْفُهَا المستغرق ، ولكن النظر فيه يختلف باختلاف الدار ، فإن ما قبل خلق هذه الدار لا تجري عليه أحكامها بداهة ، وما يتصف به الخالق ، جل وعلا ، من خلق يقع بالمشيئة فهو مما تحدث آحاده شيئا فشيئا في زمان بعينه ، فلا يقاس على الزمن المخلوق ، فذلك الظرف الذي يقع فيه فعل المخلوق ، فالظرف الذي يوصف به الله ، جل وعلا ، يُبَايِنُ بداهة الظرف الذي يوصف به المخلوق ، وإن اشتركا في الجنس الأعم ، جنس الزمان المطلق في الذهن ، وكذلك الشأن في المكان ، فإن ذلك لفظ مجمل ، إذ يحتمل حقا وباطلا ، وهو مما لم يَرِدْ فِي نصوص الوحي في هذا الباب ، فلا يثبت ولا ينفى ، وإنما يستفصل من قائله : أراد العلو المطلق فوق العرش في جهة عدم ليس فيها مخلوق فليس إلا الخالق ، جل وعلا ، موصوفا بالعلو الذاتي والوصفي المطلق على الوجه الذي يليق بجلاله فلا يشاركه فيه أحد بالنظر في حقيقته في الخارج فليس كمثله شيء في حقائق الذات والصفات وإن حصل الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن ، فذلك معنى صحيح ، فيصح من هذا الوجه أن يثبت المكان لله ، جل وعلا ، وأن يسأل عنه بـ : "أين" ، كما في حديث الجارية المشهور إذ سألها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "«أَيْنَ اللهُ؟»" ، فأجابت : "فِي السَّمَاءِ" ، أي : في العلو المطلق ، فليس السماء المعهودة وإنما دلالة أل : دلالة الجنسية المبينة للماهية ، أي : جنس العلو المطلق فهو يستغرق جميع آحاده ، فيستغرق العلو المطلق ، والعلو المقيد كعلو السقف أو السماء المخلوقة أو السحاب فيطلق عليه لقب السماء ، كما في حديث زيد بن خالد الجهني ، رضي الله عنه ، وفيه : "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ ....." ، والذهن يرشح بدلالة العقل الصريح المعنى الصحيح وهو العلو المطلق الذي لا يقيده غيره ، فمدلول السؤال بـ : "أين" في هذا الموضع هو : المكان الموصوف بالعلو المطلق فوق العرش ، أعلى المخلوقات ، فالرب ، جل وعلا ، فوقه ، فهو الذي استوى على العرش ، فعلاه على الوجه الذي يليق بجلاله على وجه لا يلزم منه ما التزمه المعطلة والمؤولة ، إذ وَقَعُوا فِي اعتبار فاسد في هذا الباب ، وهو قياس التمثيل بِقِيَاسِهِ ، جل وعلا ، على ملوك الدنيا فإن أحدهم إذا استوى على أريكته وسريره فهو يفتقر إليه فهو الذي يقله ، فلا يتصف بالعلو إلا أن يجلس فوق عرشه ، فسنن الكون تأبى أن يعلق في الهواء فذلك ضد قانون الجاذبية الأرضية ! ، وأما الرب ، جل وعلا ، فلا تجري عليه هذه السنن بداهة فهو الذي خلقها ، فَكَيْفَ تقاس ذاته القدسية وصفاته العلية بها ، فذلك مِعْيَارٌ خُلِقَ لتحكم به ذوات المخلوقات وأفعالها ، وجنس المخلوقات يباين بداهة الخالق ، جل وعلا ، وإن اشتركا في أجناس عليا مطلقة ، كجنس الوجود ، فكلاهما يصح أن يطلق عليه أنه موجود ، وإن لم تصح التسمية أو الوصف في حق الرب ، جل وعلا ، سواء على قول من جعل الاسم من باب التوقيف ، أو اشترط في الاشتقاق اللَّفْظِيِّ لأسماء تدل على الرب ، جل وعلا ، دلالة العلم والوصف ، اشترط فيه أن تكون الصفات التي اشتق منها الاسم صفات كمال مطلق ، والوجود ليس كذلك ، فإنه يطلق على الكامل والناقص ، فكلاهما موجود ، وإن كان وجود الكامل أكمل ، فلا بد من قدر زائد في وجود الخالق ، جل وعلا ، به يباين وجود المخلوق الأدنى ، وذلك وصف الأول ، فَلَهُ الأولية المطلقة ، كما تقدم ، فالعرش هو أول المخلوقات وأعلاها وأعظمها ، وهو مع ذلك لا يخرج أن يكون من جنس المخلوق ، فأوليته مقيدة ، وأما أولية الرب ، جل وعلا ، فهي الأولية الكاملة المطلقة فلم يسبق بالعدم ، فـ : "كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ" ، وقل مثله في آخريته فلا يلحقه الفناء ، بل : (يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، فالبقاء مما ورد في الوحي فعلا ، فمن رأى فيه الكمال اشتق منه اسم : "الباقي" ، فذلك موضع اعتبار حصل فيه خلاف ، فثم من رجح التوقيف ، وثم من جوز الاشتقاق وَحَدَّهُ أن يكون اسما حسنا يدل على كمال مطلق ، فهذا الباب من جهة الاعتبار يجري على ثلاثة أنحاء :
الأول : اعتبار باطل ، وهو القياس الفاسد سواء أكان قياس التمثيل على صورة بعينها ، كمن يقيس في هذا الباب استواء الخالق ، جل وعلا ، على استواء ملك بعينه قد علا أريكة ملكه ، فإذا زالت من تحته سقط ! ، فيلزم من ذلك نفي الاستواء أو تأويله ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس مع الفارق ، وقياسٌ اعتباره فاسد ، إذ خالف ما ثَبَتَ وتواتر من قطعيات النص والعقل والفطرة والحس التي تقضي ضرورة بالقدر الفارق بين الرب الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق الحادث ، فلو لم يكن إلا الخلاف في أصل الصفات ، وهي الحياة والوجود لكفى ، إذ وجود الرب ، جل وعلا ، واجب ، ووجود المخلوق جائز يفتقر إلى مرجح من خارج ، هو كلمة التكوين فهي تأويل المشيئة التي يوجب بها ، جل وعلا ، ما شاء من الأعيان والأحوال ، فالاعتبار الباطل في هذا الباب هو القياس الفاسد سواء أكان قياس التمثيل أم قياس الشمول ، وهو ، أيضا ، من الشبهات في باب العلو والاستواء ، فثم من يحد المقدمة الأولى فيه : كل ما علا شيئا واستوى عليه فهو مفتقر إليه ، والله ، جل وعلا ، قد استوى على العرش وعلاه ، فهو إذن : يفتقر إليه ، فتلك النتيجة فَلِزِمَ أن يتأول الاستواء لئلا يلتزم الناظر نتيجة هذا القياس ! ، وليس بِلَازِمٍ لأن القياس نفسه فاسد ! ، فإن هذه القاعدة الكلية التي يستوي فيها أَفْرَادُهَا إنما تصح في حق المخلوق ، فقد وضعها الناظر بعد استقراء الآحاد في عالم الشهادة ، فصح القياس في الخارج ، فكل مخلوق إذا علا شيئا فإنه يفتقر إليه في الغالب ، فذلك استقراء العقل لآحاد القاعدة في الخارج ، وهو استقراء ، كما تقدم ، غالب ، فيدخله النقض من وجهين :
أولهما : أن هذه القاعدة قد استنبطت بالنظر في الآحاد المخلوقة فلا يدخل فيها الخالق ، جل وعلا ، لاختلاف الحقائق في الخارج ، فحقيقة الخالق ، جل وعلا ، تباين حقيقة المخلوق ، وإن اشتركا ، كما تقدم ، في وصف الوجود المطلق في الذهن ، وفي كثير من المعاني التي اشتقت منها الأسماء والصفات ، فلا يلزم من ذلك الاشتراك أو التشابه في الحقائق في الخارج ، وذلك اعتبار صحيح في الفرق ، فإنه يقضي بالتسوية بين المتماثلين ، وهما المعنيان المطلقان في الذهن ، فإن جرد معنى العلم في الذهن في حق الخالق ، جل وعلا ، وجرد في حق المخلوق ، فذلك معنى مطلق تصح الشركة فيه ولا يلزم منها ما التزمه المعطلة والمتأولة في هذا الباب من التمثيل أو التشبيه ويقضي في المقابل بالتفريق بين المختلفين ، وهما الحقيقتان في الخارج فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أدنى تماثل أو تشابه ، وهذه القاعدة مما استنبط من عالم الشهادة المخلوق الذي خلقه الرب المعبود ، تبارك وتعالى ، فكيف يدخل الخالق فيها وهو خالقها ؟! ، أخلق نفسه ؟! ، فإن ذلك لو سلم به جدلا ، لانْتَفَى عنه اسم الخالق ووصفه فصار مخلوقا كبقية المخلوقات ، ولازم ذلك التسلسل في الْمُؤَثِّرِينَ ، فلا بد من مؤثر سَبَقَهُ إذ لم يكن هو المؤثر الأول ! ، وذلك مُمْتَنِعٌ فِي النقل والعقل ، فإن الله جل وعلا : (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، فالتسلسل في المؤثرين ممتنع ، إذ لا بد أن ترجع الأسباب جميعا إلى أول مطلق لا أول يَتَقَدَّمُهُ ، فكل أول سواه من الأسباب فهو أول مقيد ، إذ لا بد من علة تسبقه ، من وجه ، ولا بد من جملة أسباب تعضده ، وجملة من الموانع يجب انتفاؤها ، فليس علة تامة من كل وجه ، فليس ذلك إلا لكلمة التكوين الأولى ، فهي تأويل المشيئة النافذة التي بها تكون الأشياء ، فلا بد أن ترجع هذه الأسباب جميعا إلى سبب أول لا سبب وراءه ، من وجه ، فله الأولية المطلقة ، ولا يفتقر إلى غيره فهو تام غني ، عما سواه ، وذلك وصف الرب ، جل وعلا ، فهو الأول بصفاته الفاعلة ، ومنها وصف الخلق ، وهو الغني عن الأسباب ، بل جميع الأسباب تفتقر إليه فهو الذي خلقها بالقدرة ، وهو الذي دبرها بالحكمة ، فله الجلال في مشيئة التكوين ، وله الجمال في علم التقدير الأول ، فهو الكامل بذاته ووصفه ، فأنى يضاهيه المخلوق ليصح في المنقول أو المعقول أن يندرجا جميعا في قَاعِدَةٍ كلية واحدة ، فإن صح أن تجمع فهي تجمع أجناس المخلوقات جميعا ، فخرج الرب الخالق ، جل وعلا ، بذاته ووصفه ، فهو في حد ، والمخلوقات في حد فَأَنَّى يجتمعان في قاعدة كلية في الخارج ، فإن جاز ذلك في المعاني المجردة في الذهن فلا يصح بداهة في الحقائق في الخارج .
وذلك أمر وقع فيه أقوام ضلوا في باب التحسين والتقبيح ، فقاسوا الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق في هذا الشأن ، إِنْ في الصفات وَإِنْ في الأحكام ، فصار البشر هم المعيار ، فما حسن وصفهم به حسن وصف الخالق ، جل وعلا ، به ، وذلك أمر ينتقض بأوصاف هي كمال في حق المخلوق نقص في حق الخالق ، جل وعلا ، كالنكاح والاستيلاد ، وما قبح وصفهم به قبح وصفه ، تبارك وتعالى ، به ، وذلك أمر ينتقض ، أيضا ، بأوصاف هي نقص في حق المخلوق ، كمال في حق الخالق ، جل وعلا ، كالكبرياء والعظمة ، وذلك ، من وجه آخر ، قياس العقل الصريح ، إذ ثم اختلاف أي اختلاف بين المحلين : ذات الخالق ، جل وعلا ، وذات المخلوق ، فذاته الكاملة يليق بها وصف الجلال من الكبرياء ، فالمحل يقبل آثار الوصف على وجه يحصل به مقتضى الحكمة من وضع الشيء في موضعه ، فيوضع وصف الجلال والغنى في محل كامل لا يفتقر إلى سبب ، وأما ذات المخلوق فهي على الضد ، فهي ذات ناقصة يليق بها وصف التواضع ، ولا يحسن في حقها أن توصف بالكبرياء والعظمة فالمحل في المقابل لا يقبل آثار الوصف ، فالحكمة ، من وجه آخر ، تقضي ألا يوضع الشيء في غير موضعه ، وذلك أمر يعم ، أيضا ، الشرائع ، فشبهة أصحاب الشرائع والمناهج المحدثة ، شبهة عقلية محضة فهم يستحسنون أحكاما وشرائع ، فما حسن في قياسهم أو ذوقهم حسن في الشرع فهو مراد الشارع ، جل وعلا ، يقينا ! ، فحصل غلو في اعتبار المصلحة التي تُبْنَى على معيار بشري محض ، حتى صار الشرع لها تابعا فحيث كانت كان الشرع ، فهو يدور معها وجودا وعدما ، وذلك قول فيه إجمال واشتباه عظيم ، فإن عناية الشرع بتحصيل المصالح عناية عظيمة ، ولكن ذلك إنما يقتصر على المصلحة الحقيقية لا المتوهمة ، وهي في باب التشريع لا تكون إلا للرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، فهو يعلم من مآلات الأمور وعواقبها ما لا يعلمه البشر ، فقد يبدو لهم وجه مصلحة ، بادي الرأي ، وهو مفسدة ، إما محضة فلا يشتبه أمرها على أحد إلا من فسدت فطرته وتبدلت ولك أن تتخيل من يجعل الشذوذ الجنسي ، على سبيل المثال ، مصلحة عظيمة ، فهو يندرج في باب الحريات العامة ! ، فيحظى بالاحترام والتقدير ، فمطالب أصحابه في الحقوق العامة على وجه يكافئ الأسوياء : مطالب مشروعة ، بل إن الدساتير التي كفلت الحريات العامة تشهد بها وتنطق فتؤيدها وتعضدها وهو ما يحمل المحاكم الجزئية أن تقضي بها كما وقع أخيرا في الولايات المتحدة الأمريكية ، قطب العالم الأوحد ، وقبلته السياسية والثقافية ولو بالإكراه الملجئ ! ، فيجب على كل العقلاء والأحرار أن يسيروا على منهاجه فهو الذي يبشر بمنظومة قيم جديدة تلائم العولمة التي يروم بِهَا الهيمنة على العالم ، حتى تضجر الموافق والحليف في أوروبا ، فكيف بالشرق المسلم ذي المستمدات الشرعية المحكمة فهو لا يقبل ذلك من باب أولى ، إن كان ثم بقية دين بل ومروءة تأبى الانقياد والتبعية للخارج ، وقد يبدو لهم وجه مصلحة ، بادي الرأي ، ولا يخلو من شبهة وإلا ما اشتبه على أحد ، ولكنه شر غالب ، بالنظر في عواقبه ، فاقتضى الشرع الحاكم أن ينهى عنه من باب سد الذرائع ، فمفسدته ترجح مصلحته ، وقياس العقل الناصح يقضي بذلك ، فلا يصح قياس عقلي في هذا الباب على وجه يضاد الشريعة إن في أصل وإن في فرع ، فليس كل ما استحسنه العقل من عقد أو شرع حسنا ، وإنما وجب الرد إلى الوحي فهو المعيار المحكم ، فحيث كان الشرع كانت المصلحة لأن الشارع ، جل وعلا ، أعلم بمصالح العباد في الحال والمآل جميعا .

وثانيهما : أن هذا الاستقراء لا يصح في جميع المخلوقات ، فثم مخلوقات تعلوا غيرها وهي ، مع ذلك ، لا تَفْتَقِرُ إلى ما دونها ، كالهواء ، كما ضرب به المثل بعض المحققين ، فهو فوق الأرض ، ولا يلزم من ذلك أنه يفتقر إليها ، بل هو عال عليها دون أن تقله ، فإذا صح هذا في مخلوق فهو يصح في حق الخالق ، جل وعلا ، من باب أولى ، فلئن استغنى مخلوق عن غيره ، فكيف بالخالق ، جل وعلا ، الذي ثبت له الغنى المطلق عن جميع الأسباب والمخلوقات فهذا ، من وجه آخر ، اعتبار صحيح ، إذ هو من قياس الأولى ، فكل كمال مطلق ثبت في حق المخلوق فالخالق ، جل وعلا ، أحق به ، فضلا عن اخْتِلَافِهِمَا فِي القدر والوصف ، فالرب جل وعلا ليس كمثله شيء مطلقا ، فعلة الخلق منه تامة ، فـ : (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فمن ذا الذي ينهض أن يعارض مشيئته الكونية النافذة ، وعلة الخلق من غيره ناقصة فهي تفتقر إلى أسباب تعضدها ، فتفتقر إلى مادة منها يكون الخلق ، خلافا لخلق الرب ، جل وعلا ، فهو البديع الذي خلق من عدم ، وخلق لا على مثال سابق ، خلافا للمخلوق ، فلا يخلق من العدم ، ولا يخلق خلق البدع ، فلا بد من أصل يضاهيه ، فهو يَنْسِجُ على مِنْوَالِهِ ، فاكتشافات البشر في وسائل المدنية الحديثة تقوم في أغلبها على مُحَاكَاةِ السَّنَنِ الرَّبَّانِيِّ في الكون ، فإن صح أن يطلق على المخلوق أنه خالق ، فخلقه تقدير للشيء في الذهن ، وهو ، في الخارج ، عند التدبر والنظر ، ليس إلا تحويل الشيء من صورة إلى أخرى .

فهذا الاعتبار الباطل .

والثاني : هو الاعتبار السائغ الذي وقع فيه الخلاف ، فهو ما تقدم من مسألة جواز الاشتقاق من الوصف ، فثم من جوز الاشتقاق إذا كان المعنى معنى كمال مطلق ، وثم من منع فاكتفى بالوارد فذلك باب غَيْبٍ الأصل فيه التوقيف فلا يُزَاد فيه باشتقاق ، ولا ينقص منه بتعطيل أو تأويل .

والثالث هو : الاعتبار الصحيح في هذا الباب وهو قياس الأولى وهو أمر يستدل به على جملة من المسائل إن في الإلهيات وإن في السمعيات .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
23-08-2015, 06:20 AM
ومما يحصل فيه الاعتبار : ما حصل من الخلاف في باب الأسباب ، فنسبة الفعل إلى السبب على جهة الاستقلال مما ينكره أهل الملل ، فكل من انتسب إلى دين ، فإنه يرد الأمر إلى سبب أول ، لا سبب وراءه ، وهو ، عند أهل الإسلام ، كلمة التكوين الخالقة ، فهي تأويل المشيئة والإرادة النافذة ، فـ : (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فَلَا يقول مؤمن أن السبب يستقل بالتأثير فذلك شرك في الربوبية ، إذ أَثْبَتَ فاعلا يستقل بالفعل فلا يخضع لرب خالق ، بل الفلاسفة على ما هم فيه من تعطيل وتشريك ، قد أثبتوا علة أولى فاعلة وإن جردوها من الوصف الفاعل فهي بسيطة لا إرادة لها ولا اختيار ، فالخلق يصدر عنها على جهة الاضطرار ! ، وذلك ما يخالف كلام الرسل عليهم السلام فالفاعل الأول عندهم فاعل بعلم ومشيئة ، فخلق الخلق بعلمه : خلقَ التقدير الأول ، ثم كَتَبَهُ ، فَشَاءَ أن يوجده ، فكان الخلق الثاني ، خلق الإيجاد ، فلا يرد الأمر إلى سبب فاعل بنفسه فذلك ما لا يكون لمخلوق ، بل كل سبب مخلوق هو علة ناقصة ، فليس ثم علة تامة بنفسها إلا كلمة التكوين النافذة ، أثر الوصف الفاعل اختيارا ، فربنا ، جل وعلا ، فاعل باختيار ومشيئة ، بكلمات تكوين ، كما تقدم ، وذلك مئنة من الغنى التام فلا يفتقر إلى غيره في خلق إو إيجاد ، في تكوين أو تدبير ، وأما ما سواه فَلَا يَنْفَكُّ يفتقر إلى سَبَبٍ ، فهو ناقص في نفسه وإن أظهر الغنى عن غيره ، فلا يكون ذلك إلا طغيانا ، والطغيان في الفعل مئنة من الفساد في العقل ، ففساد الحكم طغيانا من فساد التصور استغناء ، فـ : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) ، وتلك حال يكذبها الشاهد ، ولو في أصل الوجود ، فليس ثَمَّ عاقل ، ولو كافرا جاحدا ، أو مستبدا ظالما ، غره سلطان الشوكة والحلقة ، ليس ثم أحد يعقل يجحد أنه كان عدما ، ثم خُلِقَ لا يعلم شيئا ، ثم نَمَا شيئا فشيئا ، فرباه الخالق جل وعلا بنعمه ، عقلا وحسا ، فزاد في عقله أن علمه النطق والخط ، فثم تصور يعجز في مبادئ أمره أن يبين عنه ، فتراه يبكي إذا جاع فلا يحسن أن يفصح عن ألم الجوع ، فإذا زاد عقله وفصح لسانه نطق بما تعلم ، فمادة : "جوع" ، مئنة من ألم باطن يجده من منع الطعام فاحتاج إليه ، وذلك جار على ما تقدم من افتقار المخلوق إلى الأسباب ، فإن الجائع يفتقر إلى الطعام فهو سبب في حدوث الشبع ، ولا يكون ذلك إلا بانتفاء المانع من مرض أو شَرَهٍ ، وقوة الإشباع في الطعام مما ركزه الخالق ، جل وعلا ، في المخلوق المأكول ، وهو ، مع ذلك ، يفتقر إلى جملة أسباب تعضده فليس علة تامة في نفسه ، بل لا بد من قبول المحل لآثاره النافعة ، وصحة الآلة الهاضمة ، وانتفاء المانع ، كما تقدم ، فتلك علة مركبة ، فلا يقع المسبب الناتج إلا بالصورة المجموعة من أجزاء العلة ، السبب ، وهو المطعوم ، والمحل وهو المعي الهاضم ، والقوة الهاضمة بما يفرز المعي من عصارة هاضمة ، والناقل الساري في البدن وهو الدم الحار الذي ينقل الغذاء البسيط بعد عملية الهدم والتحليل إلى الأنسجة والخلايا ليعاد تركيبه في وحدات معقدة فذلك بناء بعد هدم في متوالية لا تبطل إلا بمفارقة الروح الجسد ، وفساد الآلة ثم فنائها ، فهي جارية على سنن محكم فيه من الآيات النفسانية ما يدعو إلى التدبر والنظر ، فالخلق يفتقرون إلى الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، في كل أحوالهم ، إيجادا للمحل ، وإعدادا له أن يقبل آثار الأسباب النافعة ، سواء أكانت معقولة كالأخبار والأحكام ، ففي العقل قوة التصديق والامتثال لما صح ، والنفي والامتناع عما فسد ، وهو ، مع ذلك ، لا يستقل بدرك وجوه النفع في العاجل والآجل ، وإن كان فيه قوة صحيحة بها يدرك الحقائق ، فهي مناط التكليف ، ولكنه لا يصلح أن يكون المركز ، فلا صلاح له إلا أن يخضع ويقر للوحي ، فكل صلاح له أن يتبعه ، فلا تستقيم حاله إلا إذا أشرقت عليه شمس الوحي ، فهو ، أبدا ، دائر في فلكها ، في كل حاله ، في تصديقه ونفيه ، في فعله وتركه ، فأعد المحل المعقول ، وأعد ، جل وعلا ، المحل المحسوس من البدن الذي يقبل آثار الغذاء النافع ، ولكل ما يلائم جوهره ، فجوهر الروح اللطيف يلائمه غذاء السماء العلوي ، وجوهر البدن الكثيف يلائمه غذاء الأرض السفلي ، وذلك مئنة من حكمة الرب الخالق المدبر ، تبارك وتعالى ، فقد خلق المحل وأبدعه ، ثم أعده ، ثم أمده بالأسباب النافعة ، شرعا وكونا ، فكيف يفتري الجاحد فيزعم أنه يستقل بعقله أن يدرك الحقائق ، ولو كانت مما يخرج عن سلطان العقل من أخبار الغيب التي لا تعلم إلا من خبر الوحي الصادق ، فـ : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، فحال الإنسان الجاهل المغتر بسلطان القوة والاستبداد ، فهو مغتر بعقله في تحصيل المعارف ، فيزعم استغناءه عن الوحي ، وإن أقر له بفضل فتابع به يستشهد ! ، فلا يعتد به إلا بعد أن يعرض على العقل ، وإن كان ذلك مما لا يدخل تحت سلطانه ! ، وهو مغتر بقوته في تحصيل اللذات ، فيظلم ويفتك ، ويقتل ويسفك ، وذلك جوهر الحرية في دورها الحديث بعد أن أطلقت بلا قيد ، وجردت من سلطان الوحي ، فغايتها اللذة ، ووسيلتها القوة ! ، فلما آنس من نفسه قوة جحد فضل المنعم وكفر بالرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، فَلَهُ المُلك المطلق ، فـ : (نَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) ، وله المِلك المطلق ، فـ : (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ) ، فجحد النعمة ، فأغرق الأول وخسف بالثاني وتلك سنة جارية وليس ثم من يعتبر ! .

فالسبب يؤثر ، والمسبب عنه يصدر ، فذلك قياس العقل ووجدان الحس ، فضلا أنه حكم الشرع الذي أمر بمباشرة الأسباب ، فإثبات المجاز في الإسناد إن أريد به رد الأمر إلى الرب ، جل وعلا ، على جهة الخلق ، مع إثبات قوة الفعل في الفاعل ، وقوة الأثر في السبب ، وإن لم يستقل بالتأثير فهو ، كما تقدم ، علة ناقصة ، تفتقر إلى مجموع مركب لا يُنْتِجُ أثره إلا بِرَدِّه إلى علة تسبقه حتى ينتهي التسلسل في التأثير بكلمة التكوين التي بها يخلق الرب الحكيم العليم ، تبارك وتعالى ، فهي من علمه ، وهي تأويل إحكامه الخلق وقدرته على الفعل ، فهو على كل مُمْكِنٍ قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، فإن أريد بالمجاز أن الأمر خلقا لله ، جل وعلا ، وحده ، فذلك حق ، وإن أريد به ما أراده المتكلمون الذين قالوا بالكسب فردوا الأمر إلى إرادة اقتران غير مؤثرة ، فصار المسبب يحدث عند السبب دون أن يكون له تأثير في إيجاده ! ، فالحرق يحدث عند النار لا بها ، فتكون نسبة الإحراق إليها مجاز إسناد ، فذلك قول يجافي الشرع والعقل والحس جميعا ، ومنتهى أمره إنكار الأسباب ، فهي محض أمارات على حصول المسببات دون أن يكون لها أثر في حصولها ، فذلك يفضي إلى الجبر ، وهو أمر يجافي النقل والعقل جميعا ، وإبطال الأسباب قدح فيهما كما أن الاعتماد عليها دون التفات إلى خالقها ومجريها ، جل وعلا ، قدح في التوحيد ، وهو ، ما وقع فيه أضدادهم من أهل الاعتزال ، فقوم أبطلوا الأسباب أن تؤثر ، فمآل قولهم الجبر وإن لم ينطقوا به صراحة ، وآخرون ردوا الأمر إلى قوة السبب دون نظر في المسبِّب ! ، جل وعلا ، ولا شك أن مقال المتكلمين في هذا الشأن قد أعطى الذريعة لخصوم الديانة أن ينبزوها بالجمود ومجافاة العقل والتخلف عن مواكبة الحياة فهي تزدري الأسباب في أعصار ازدهرت فيها العلوم التجريبية التي أفادت البشر في أمور المعاش ، ولكنها مع ضعف الديانة في الأعصار المتأخرة أصابت أصحابها بالغرور ، بل وأصابت الأديان في مقاتل ، فانصرفت الهمم إلى موارد الحس ، وأهملت موارد الغيب ، بل وربما أنكرتها فصارت حديث خرافة ، كما قرر أمثال كونت ، فالإنسان قد بلغ الرشد فتجاوز طفولة السحر والكهانة ، ومراهقة الديانة ! ، فبلغ الرشد الذي صار به ملحدا جاحدا ! ، فهو يحيى في عصر العلم الذي يجافي الدين ، وذلك أحد ملامح التشويه الذي يزعم أصحابه التحديث والتجديد ، فلا يجدون مثالا يحتذى إلا ثورة التجديد العلماني على الاستبداد الدين والسياسي في أمم لم تعرف من الدين إلا ما حُرِّفَ ، فكيف بأمة قد حفظت أصولها وإن ضل أبناؤها ، فما جَرَى عليها من ضعف وانهيار إلا بما فارقت من الشريعة الغراء ، في شعائر العبادة وشرائع الحكم وسياسة الملك والنفس ، وذلك ما أنكره الأوائل ، فالداء واحد ، وإن بلغ في هذه الأعصار ما بلغ فعطل الإسلام صراحة بل وجهر خصومه بعداوته ، ومن تلطف في القول فهو ينزله منزلة دين الكاثوليك بعد ثورة الشعوب على العرش والكنيسة ، ولا بأس أن يزخرف ذلك بزخرف الدين ، فهو اللاهوت الجديد الذي يقتفي آثار اللاهوت البروتستانتي الإصلاحي ، ولاهوت التحرير الكاثوليكي في أمريكا اللاتينية ، فالدين حاضر ولكنه ليس القائد ، فالوطن أولا وهو المحل الثاني ، فليس مناطَ الولاء الرئيس ، وإن كان محل التعظيم والتقديس ، ولكن رسوما زائفة لا حقائق فاعلة في حركة الحياة ، فذلك ما يأباه الخصوم فهم أعلم بأمر دنياهم ، فصار الدين نافلة من القول ! ، وكل أولئك تجد آثاره في مقالات التجديد الزائف التي يعيد أصحابها تعريف الثوابت والقطعيات ، وإن شئت الدقة فقل تعطيل الألفاظ وتحريف الدلالات ، وَسَتْرَ ذلك بستار التأويل الخداع ! ، سواء أكان في الأخبار أم الأحكام ، فذلك من التعقل والتدبر الذي حمده الوحي ولو أفضى إلى إبطال حجيته ! ، فالأصل يزكي الفرع ، وذلك حق ، ولكن الشرع زكى العقل الصريح الذي يهتدي بصريح النظر إلى صحيح الوحي فيقتفي آثاره بلا طغيان يزعم صاحبه الاستغناء عن الوحي إذ قد بلغ الرشد فلم يعد بحاجة إلى أسباب الشرع فهي تلائم البوادي النائية والحواضر الماضية فلا تصلح أن تقتفى آثارها في عصور الحداثة التي صار لها أبعاد في المعرفة فليست حداثة الآلة وإنما هي القطيعة مع الماضي بجحده أو تأويله فلا مناص من ذلك حتى نقتفي آثار الأمم التي سبقت في علوم الحس والتجريب ، وكأن النص الصحيح قيد على العلم التجريبي ! ، فإن كان ذلك سنن الأمم النصرانية التي ثارت على الديانة الفاسدة والسياسة الجائرة فكيف يصح في الشرق ذي الرسالة المحفوظة وإنما أغرى بها خصومَها التقليدُ بلا فقه ، كما ذاع في المتأخرين فَمَلَكَةُ الفهم والاستنباط قد ضعفت وإن كان ثم حوافظ تمسك العلم أن يَتَفَلَّت ، وهو خير عظيم ، فـ : "كَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا" ، ولكنه لا يفي بالمقاصد حتى يقترن بفهم سديد يستند إلى أصول محكمة لثقافة راسخة الجذور ، يروم أرباب الحداثة اجتثاثها باسم التجديد ، ومسماه الحق : التحريف للأخبار بِتَأْوِيلٍ باطل أو مهجور يُبْطِلُ دلالة السياق ، والتعطيل للأحكام بِالتماس الرخص وَتَتَبُّع الشواذ في كلام أهل الفتيا والقضاء ، سعيا في إلباس الدين ثياب العصر الزائف ، ولو أحسن القوم لزينوا العصر بلباس التقوى ، فـ : (لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) .
وما كان ذلك إلا بأباطيل كالكسب عند أهل الكلام ، ومآله ، كما تقدم ، إبطال الأسباب ، وذلك ما يمجه العقل الصريح والحس الصحيح فلا مناص من رد هذا الباطل ، فكان الرد بالإسراف في الضد حتى أفضى بمن أفضى إلى الخروج من الشرع تصريحا أو تلميحا ، جملة أو تفصيلا في مواضع ، عمدا أو غفلة وقلة علم ، فكان التوسع في باب المصالح المرسلة ، وذلك باب تأويل آخر يسرف أصحابه في رد القواطع الجزئية المحكمة بِكُلِّيَّات مجملة ، يتوهم أصحابها أنها تعارض الأحكام المفصلة ، فالدين ليس إلا كليات باهتة دون خوض في جزئيات الحكم والسياسة ! ، فضلا عن التوسع في أمور صحيحة على وجه أفضى بأصحابها إلى تأويل الأخبار وتعطيل الأحكام ، وسيق ذلك مساق التجديد لا سيما في أمور يحصل بها التمايز بين أهل الحق وأهل الباطل ، كمسائل الولاء والبراء في العقد ، ومسائل الجهاد والدفع في الشرع ، فظهر من يتأول ذلك بالتي هي أحسن ! ، مع الوحي قد استثنى ، فـ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، وزل من زل من أصحاب النوايا الحسنة فظنوا ذلك يرضي الخصم ويتألف قلبه ولو بزخرف من القول باطل وطريق في التأويل فاسد ، فكان التأويل لأخبار الغيب ، وتتبع الرخص في أقوال الأئمة والمفتين ، مع أن التجديد العصري جار على المنهاج الحداثي الذي يزدري الماضي كله ! ، فيزهد في التراث ، ويروم قطع الصلة به نظرا واستدلالا ، فهو يروم نظرية معرفية جديدة تحاكي نظرية كانط الذي كَبَّرَ على تراث الكنيسة أربعا ، فانتقل العقل الأوروبي من جور التصور الكنسي النظري إلى فضاء العلم التجريبي ، وذلك إنما يصح في تصور محرف يجافي العقل والحس ، بل ويجافي قبل ذلك ما جاء من الوحي الناصح الذي حض على إعمال العقل في مواضعه الصريحة فلا يكون ذلك ذريعة إلى إبطال الشريعة الصحيحة .

فإن قال لك قائل : إن الليل يقبل لأن الله ، جل وعلا ، شاء ذلك ، ولا أثر لدروان الأرض حول نفسها ، وذلك أمر قد أَثْبَتَهُ الحس والتجريب ، فهو ينكر أمرا قد صار في حكم الضرورة ، فآحاد الناس فضلا عن علماء الفلك يدركه ، وهو ، مع ذلك يجحده ، لا لشيء إلا لظن فاسد أن ذلك شرك في الفعل ، وذلك ، مقصد حميد ، ولكنه مسلك غير سديد ، يُنْكِرُ ما ركزه الرب ، جل وعلا ، في الأسباب من قوى التأثير .


فَهُوَ يجحد ضرورة علمية على وجه يقدح في قوى العقل والحس ! ، فلا يَلْزَمُ لإثبات القدرة الربانية نَفْيُ القوة السَّبَبِيَّةِ التي ركزها الرب ، جل وعلا ، في الأسباب ، فذلك ، من وجه آخر ، قدح في العقل والحس ، يعطي خصوم الشريعة ذريعة صحيحة أن يعطلوا الشرع فهو يَنْقُضُ قياس الحس الصحيح الذي يستند إلى أدلة صريحة ، فهذه شريعة تضاهي شريعة الكنيسة في العصور الوسيطة ، فلا بد من ثورة دينية ! ، وإن شئت الدقة فقل ثورة لادينية ، تفتح آفاق البحث والنظر ، بعد أن أنكر الدين السبب ! ، فمناهج البحث الحديث تُتَلَقَّى إما من النظر المجرد ، فالعقل وحده هو الذي يمدنا بالمعرفة ! ، وأنى له أن يمد بها في موارد الغيب ، ولذلك أنكر القوم الغيوب ، بل وعدوها من جملة الوساوس والظنون فهي خرافة الميتافيزيقا ، كما يسميها بعض النظار المعاصرين ! ، فصار العلم هو ما يدركه الحس فقط ، في ردة دينية بل وآدمية تنحط بالإنسان إلى دركة الحيوان ! ، فما كرم الإنسان إلا بالإيمان ، والإيمان لا يكون إلا بغيب ، فهو يصدق الوحي الصحيح فلا يجد فيه ما يَنْقُضُ العقل الصريح ، فصار العقل وحده مصدر المعرفة ، ولو عقلا نظريا مجردا يركن إلى جملة من الشكوك التي شهرها ديكارت حتى صار الشك في القطعيات أول درجة من درجات اليقين ، كما يزعم القوم ، وحقيقة الأمر أنه أول دركة من دركات السفسطة ! ، فيجحد العقل العلوم القطعية ، ويجهد أن يثبت ما أثبته أصحاب الفطرة السوية من العلوم الضرورية ، وذلك من إرث الاعتزال في دين الإسلام ، إذ صار الشك أول واجب على المكلف ، والصحيح أن النطق بشهادة الحق ، هو أول واجب ، فهي التي تواطئ فطرة التوحيد الصحيح التي جبل عليها البشر ، إلا من طرأ الفساد على قلبه ، فـ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" .

وفي المقابل صار التجريب عند آخرين هو مستند المعرفة القطعية ، فكلاهما رفض الوحي مصدرا للتلقي ، فالعلوم إنما تتلقى بالعقل الديكارتي ، أو الحس التجريبي ، فهذا في مقابل قول الأولين الذين جحدوا الحس فأنكروا السبب ، فقابلهم هؤلاء بالضد إذ أنكروا الشرع ، فجحدوا المسبِّب ، جل وعلا ، فَأَنْكَرَ أولئك قوة التأثير في السبب ، وأنكر أولئك القدر ، الذي إليه ترجع الأسباب جميعا ، فإما أن تكون على منهاج التصوف المنحرف فيكون الأمر كله جبرا ، وإما أن تكون على منهاج الإلحاد فتنكر صراحة أو كناية ربوبية القدير الحكيم الذي خلق الأسباب بقدرته وأجراها بحكمته ، تبارك وتعالى ، فصار الأمر بين طرفين ، جاف في الأسباب ينقض قياس العقل والحس جميعا على وجه يخل بالشريعة المحكمة التي أقيم بنيانها على الأخذ بالأسباب وإن رَامَ إثبات القدر فانتهى به الأمر أن قال بالجبر ، وأنكر مشيئة الفاعل المخلوق ، وآخر غال في اعتبار الأسباب على وجه يخل بالتوحيد ، فانتهى به الأمر أن أنكر القدر ، وأنكر مشيئة الفاعل الخالق ، تبارك وتعالى ، بل وأنكر الدين كله ، فهو ، كما تقدم ، جملة من الْخُرَافَات التي أكل الزمان عليها وشرب ، فلا يمكن أن تحكم الأمم في أعصار الحضارة والتمدن بشرائع البداوة والتخلف ، فتلك ردة حضارية في مقابل التقدمية الفكرية التي لا تصح في الأذهان إلا بازدراء الأديان والاستهزاء بشرائع الديان ، جل وعلا ، والانسلاخ من التوحيد فهو رسم قديم متهافت لا يوافق العلم المحدث ، فهذا هو الغرور والطغيان الذي أصاب الإنسان إذ عَدَلَ عَنِ الوحي إلى الهوى ، الذي يحقق المآرب وإن أهدر الشَّرَائِعِ وَقَدَحَ فِي التوحيد ، فالإنسان إذا أصابه الاختيال والعجب ، فرحا بعقله أو قوته ، فَقَدْ استوجب الهلاك ، وإن ظنه اليائس بعيدا ، فـ : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا) ، وإن طلبه القوم حثيثا ، فـ : (أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ، والسنة الكونية جارية ، ولا يبرأ ذمة الناظر إلا بإيمان بالقدر وبذل للسبب ، جميعا ، فيسلم عقله من إنكار الأسباب ، ويسلم عقده من جحد القدر .

ولما فَشَا مقال المتكلمين في الأعصار المتأخرة ، صار ذلك ذريعة إلى خصوم الوحي أن يقدحوا فيه ، فهو ينقض العقل والحس وَيَبْلُغ بصاحبه حد السفه فالنار يحدث عندها الحريق فليست سببا يؤثر في حدوثه وإنما صادف الإحراق الإشعال ! ، فأي عاقل يرضى بذلك ؟! ، فلا مندوحة من ذلك إلا بإنكار الدين والشرع ، والرضا بالأقوال والشرائع المحدثة التي غر أصحابها ما حصل بأيديهم من أسباب الدنيا ، فـ : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فالتصور فاسد ، والغاية خسيسة ، فليس إلا لذة الحس طعاما وشرابا ونكاحا ، ولذة الحكم أمرا ونهيا ، فالوسيلة ، قوة يقهر بها الظالم خصمه إذ لا وازع من قرآن أو سلطان لا سيما إن كان الظالم هو صاحب السلطان ! ، والغاية لذة عاجلة يَرُوم بها دفع الهم والحزن فلا تزيده إلا خسارا ، فهو ، أبدا ، مدحور مذموم ، قد أُلْقِيَ بُغْضُهُ في القلوب ، وآذن سلطانه بالزوال ، وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الطغيان ، فحشر فَنَادى سفهاءَ قومه ، فَاتَّبَعُوا رأيه أو ذوقه فهو الشارع الحكيم ! ، والرب العليم ، فـ : (حَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، فلا رب غَيْرِي يأمر وينهى ، يعطي ويمنع ، يحيي ويميت ! ، واستخف قومه فأطاعوه وإن أوردهم المَهَالِكَ فلا رأي لهم ولا عزم ، وحشر جنده ، فـ : (أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) ، وضاقت الأرض على أهل الحق وساء بهم الظن ، فـ : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ، ثم كان الْفَرَجُ بعد الكرب ، والسنة تَتْرَى ، وإن طال الأمد فلا يعجل الرب ، جل وعلا ، لعجلة أحد ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ، وإذا كان غلب الخبث أو كثر ، فالكير لا يطهره إلا بعد آماد من الفتنة ، حتى يخلص الجوهر منه ، ولا يعتبر إلا من رزق بصيرة فاجتهد في طلب الحق ، فإن أصاب فله الأجران ، وإن أخطأ فله الأجر ، ولا يكون ذلك إلا لمن استفرغ وسعه في طلب الحق بدليله الصحيح الصريح ، وقدم بين ذلك إخلاصا وتجردا أن يهديه الرب ، جل وعلا ، لما اختلف فيه من الحق .
وبين هذين : منهاج النبوة ، فإن السبب يؤثر بما ركز فيه من قوة التأثير ، ولكن ذلك لا يكون إلا بإذن الرب العلي الكبير تبارك وتعالى ، فجمع جلال القدرة في خلق السبب وإجرائه ، وجمال الحكمة في سنن التأثير وحصول الأثر .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
31-08-2015, 06:42 AM
ومما يحصل فيه الاعتبار أيضا : مسألة التحسين والتقبيح ، فإن الحق في كل باب من أبواب التصور والإرادة وسط بين طرفين ، فثم من غلا في العقل فهو مصدر المعرفة الرئيس ، بل وربما الوحيد فلا يُنَال يقين إلا بقواطعه ، وثم من قدح في دلالته فالكشف أو الذوق قد يأتي بما يخالف المعقول بل والمشروع ، فساغ لصاحب الكشف أو الإلهام أن يأتي بما يخالف الوحي ، بل ويخالف العقل ، بل وطبائع الحس السليم ! .
والحداثة كطرح فكري يروج له اليوم يروم عزل الوحي عن ولاية الاستمداد ، فهو تارة ينهج نهج الفلسفة أو الاعتزال فيحتفي بهما إذ هما معيار العقل المحكم الذي يقضي بقواطعه على ظنون الوحي ، وهو في سبيل ذلك لا يرعوي أن يطعن في الوحي ، في ثبوت ألفاظه أو في دلالاتها ، ويطعن في نقلته ، وذلك أمر تشترك فيه جميع المقالات الوضعية ، فإنها تصرح بالطعن أو تلمح بالغمز ، وسلفهم في ذلك أهل البدع ممن طعن في عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فاحتال بذلك أن يرد أخبارهم فألجأه ذلك طوعا أو كرها أن يحدث من المصادر ما يخالف مصدرهم وأن يترخص في معارضة أخبارهم التي نقلوها عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أن يترخص في معارضتها بهوى أو ذوق وتلك خاصة من أحدث في هذا الدين فمن مقل ومن مكثر ، وكلما زاد الطعن في الصدر الأول زاد الانحراف بالاعتماد على مصادر أخرى وتساهل من تساهل في مخالفة الوحي ، فلا عجب أن ترى التواطؤ العجيب بين منهاج الحداثة العقلي ، الذي يطلق العنان لِلْعَقْلِ أَنْ يَخُوضَ في الوحي بسيف التأويل الباطل فلا قرائن صحيحة ، ومنهاج الخرافة غُلُوًّا في الأئمة والشيوخ وهو ما يعطل العقول ويحجب البصائر السوية أن تَتَدَبَّرَ في آلاء الكون والشرع جميعا ، ومنهاج الذوق والإرادة فهو أيضا يغلو في مواجيد النفوس ويلتزم لأجل ذلك ما يَلْتَزِمُ من تعطيل أدلة القياس الصريح ، فكلاهما ، الغلو في الأئمة والشيوخ والاستناد إلى مواجيد النفوس ، كلاهما يَزْدَرِي عقول أتباعه في تقليد أعمى ، ومستمد أدنى ، فلا يقيم للنقل أو العقل وزنا ، فغلو في العقل حتى تسلط على النص تعطيلا باسم التأويل ! ، وغلو في الضد خرج به صاحبه عن دائرة الاتباع المحمود إلى دائرة التقليد المذموم ، ولو تأمل الناظر أي منهاج خرج عن الوحي فإنه لا بد أن يَتَنَاقَضَ فيخالف كل دلائل الاستدلال الصحيحة .

فإذا عظمت دلالة العقل حتى صار هو المحسن المقبح على جهة يلزم قائلها أنه يستقل بالتشريع ، فذلك مما علم باللازم في الحجاج فلم يكن نصا صريحا في مقال الاعتزال ، فهو الذي يوجب ويمنع حتى بلغ الأمر حد الإيجاب على الله ، جل وعلا ، فتلك مقالة الصلاح والأصلح ، ولذلك أوجبوا على الله ، جل وعلا ، أمورا وحظروا عليه أمورا في قياس شمول لا يخفى جعلوا الله ، جل وعلا ، فيه واحدا من أفراد عِدَّة تَنْدَرِجُ في عموم قاعدة كلية ، فأوجبوا عليه النبوة ، ومنعوا أن يظهر معجزة أو خارقة على يد متنبئ كذاب ، وذلك خلاف النقل والعقل والحس ، فقد تظهر الخارقة على يد المتنبئ الكذاب ، فتنة له ولأتباعه ، ولكن أمره ينتهي إلى زوال فتلك رحمة الرب ، جل وعلا ، التي وافقت الحكمة ألا ينصر ظالما ولا يؤيد كاذبا وإن حصل له نوع تمكين ابتداء فلا يلبث أن يفتضح أمره ، فيكون من الحكمة أن تمحص النفوس ويستخرج مكنونها بظلم أو كذب يعرض يسارع فيه أهل الباطل ، ولا يكون إظهاره إلا لمحوه ولو ظهر ، بادي الرأي ، أنه ثابت لا يَتَضَعْضَعُ ، فأركانه توشك أن تنقض وبنيانه يكاد ينهار فهو على جرف هار ، فكل مقال لا يوافق الحق الأول ، فإنه قد يُمَكَّنُ ابتداء بجملة من السنن : استدراجا وإملاء ، وكشفا وفضحا ، فَتَمْتَازُ صفوف العالمين ، محسنين ومجرمين .

والشاهد أن أهل الاعتزال قد عظموا العقل ، فقالوا بالتحسين والتقبيح العقلي وصيروه مناطا للوعد والوعيد الشرعي ، فإدراكه للحسن قبل بلوغ الشرع يوجب عليه الفعل ، وإدراكه للقبيح قبل بلوغ الشرع يوجب عليه الترك ، فصح تكليفه فعلا وتركا ، وذلك خلاف ما ورد في الوحي ، فإنه لا تكليف إلا بشرع مُنَزَّلٍ ، ولا ثواب ولا عقاب إلا بعد بلوغ الحجة ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فذلك نفي بمقتضى الحكمة والرحمة ، فهو جامع لوصف الجلال والجمال معا ، فلا أحد يوجب عليه ذلك ، وإنما أوجبه على نفسه ، وذلك موضع قدرة ورأفة فحسن إسناد النفي إلى ضمير الجماعة ، فدل اللفظ على جماعة الصفات المعنوية جلالا وجمالا ، وإن كان الموصوف واحدا لا شريك له في اسمه ووصفه وفعله ، فاستجمع ، تبارك وتعالى ، موارد الكمال المطلق كله ، وثم تخصيص بالغاية ، فَبَعْثُ الرسل ، عليهم السلام ، حجة الله ، جل وعلا ، على أهل الأرض ، ومناط الأمر : بلوغ الحجة الرسالية ألفاظا ومعان على وجه يحصل به الْبَيَانُ وتزول به الشبهة ، فقد استحسن قَوْمٌ طرائق من التأله أو التعقل ، فَعَبَدُوا الله ، جل وعلا ، على غَيْرِ ما أراد ، وأحدثوا من صور العبادة ما خرج بها عن مفهوم الاتباع ، فالعبادة ليست تسليما وانقيادا وكفى ، فيعبد كلٌّ ربه ، جل وعلا ، بما شاء ! ، وقد يكون مخلصا في دعواه ، ولكنها لا تتم حتى تشفع بكمال الاتباع لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالعبادة هي : كمال التسليم والانقياد بتوحيد المرسِلِ ، جل وعلا ، وكمال الاتباع لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك توحيد المرسَل ، فلا يتم الدين إلا بِرُكْنَيِ الشهادة ، شهادة التوحيد في الانقياد أن لا إله إلا الله ، جل وعلا ، فهو وحده المألوه المعبود بحق، فلا تَتَوَجَّهُ القلوب إلى غيره رَغَبًا وَرَهَبًا ، فيعبد بالحب والخشية ، ويعبد في السراء شكرا ، والضراء صبرا ، فهما مطيتان لا يُبَالِي المؤمن أيهما ركب ، كما أثر عن الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، وشهادة التوحيد في الاتباع فلا مصدر يتلقى منه التصور والحكم إلا الوحي ، فهو الهادي إلى كمال الطريقة المستقيمة في كافة وجوه النظر والاستدلال ، وكافة وجوه القول والعمل ، فلا يحتاج النظار في العقائد أن يخوضوا في طرائق الجدل والفلسفة ليكون آخر أمرهم أن يثبتوا وجود الله ، جل وعلا ، وليتهم أثبتوا وجودا صحيحا يواطئ فطرة التوحيد ، بل ليتهم بَلَغُوا ما بلغ أهل التشريك في الألوهية إذ أقروا بِالرُّبُوبِيَّةِ لرب البرية ، جل وعلا ، وكان لهم من التصور لمفهوم العبادة ما فَاقَ أولئك الفلاسفة الذين نَكَصُوا على أعقاب الفطرة الأولى ، فرجعوا إلى مصادر فلسفية أرضية هي نتاج حضارة وثنية قدست اللذة والقوة ، فغلبت عليها المادية ، ولم يكن لها حظ من الروحانية فهي عن النبوة بمعزل ، والنبوة ، هي معدن الصدق في التصور ، والعدل في الحكم ، وهي التي يغتذي بها القلب ، وتصلح بها الجوارح ، فخيرها قد عم الباطن والظاهر ، وأما الفلسفة فغايتها أن تكون جهدا عقليا شاقا حصيلته ما يدركه الطفل بفطرته دون حاجة أن يكابد مشاق النظر في المنطق ليركب مقدمات في العقل تبلغ بهم نتائج نظرية في أمور ضرورية ! ، فأتباع النبوات في غنى أن ينظروا في هذه الطرائق فقد جاء الوحي بخير منها بلفظ أيسر وأثر أعظم في صلاح القلب إذ يتصور معاني التوحيد ويحقق مفهوم العبادة التي لا صلاح للإنسان إلا أن ينهج سبيلها ، فقد فطر على الفقر ، فهو وصف في ذاته لا يعلل ، فإن وصف المخلوق في نفسه الافتقار إلى الأسباب ، المادية والمعنوية ، فهو يفتقر إلى أسباب الوحي ليحصل له تصور صحيح ، ويفتقر إليها ليحصل له حكم العدل ، فذلك حكم الشرع ، وهو ، قبل ذلك ، مطلوب كل عاقل ، فلا قيام لدين أو دنيا إلا بالعدل ، فهو الأساس المتين الذي عليه يقام بنيان الملك ، فلا قيام لهذه الدنيا إلا بحكم العدل ، وأشرف أجناسه عدل الوحي ، وهو العدل التام الذي تصلح به الحال معاشا ، والمآل معادا ، ففيه خاصة لا يدركها العقل فهي طور يرجحه فلا يمكن أن يستقل العقل بدرك كل الحقائق تصورا أو حكما ، فمادة الحق فيه مجملة وهي فطرة مركوزة تفتقر إلى البيان الذي يتلقاه النظار من مصادر شتى ، فمن طالب له من قياس العقل ومن آخر يطلبه من الوجدان ، وهي مصادر لا تخلو من حق ، ولكنها لا تعصم أصحابها إن اعتزلوا النبوة ، فمفاهيم الحقائق لا تَسْتَبِينُ البيان الكامل إلا إذا استمدت من مصدر موثوق ، ولا مصدر أوثق من الوحي ، فهو المصدر المعصوم ، فلا بد من عرض كل قياس أو ذوق على الوحي قبل الحكم عليه بقبول أو رد فلا يصلح في نفسه معيارا إذ لا ينضبط ، وهو لا يفي بحاجة الإنسان سواء أكان ذلك في باب التصور في الإلهيات وأحكام الرُّبُوبِيَّةِ ، أم في باب الحكم في أمور العبادة فغاية ما بلغ الفلاسفة أن جعلوا العبادة هي التشبه بالإله قدر الاستطاعة ! ، فإله الفيلسوف اليوناني ، كما يقول بعض الباحثين ، مكتف بذاته منصرف عما سواه ولا تأثير له على الكائنات الأخرى إلا بوصفه موضوعا للحب والشوق أو غاية تنزع نحوها وتتشبه بها ، فالحب ركن رئيس في العبادة ولكنه لا يجزئ حتى يشفع بالخوف ، والحب لا يكون بالهوى والذوق ، وإلا أوقع صاحبه في سوء أدب ، إذ يصف الإله بما لا يليق من معان مجملة كالعشق ونحوه فلا يخلو من دلالة شهوة ، ولا يخلو من دلالة اتحاد بين العاشق ومعشوقه ، وتلك معان سرت إلى مقال المتأخرين من أهل الاتحاد الذين مَزَجُوا التصوف بالفلسفة ، فإن العشق كمعنى قد انقلب في مقالهم إلى حقيقة ، فاتحد الخالق ، تبارك وتعالى ، بالمخلوق ! ، فهو عين الحوادث جميعا ، سواء أكانت من الأعيان الأرضية أم السماوية ، فقد اتحد بالكون كله ، وذلك عين التعطيل الذي يسلب فيه ، تبارك وتعالى ، وصف الكمال ، إذ لازم اتحاده بالأعيان المحدثة أن يطرأ على ذاته الكاملة من وجوه النقص ما يَتَنَزَّهُ عنه ، فضلا أن ذلك مما يسوغ القول إن العالم قديم بمادته قدم الخالق ، جل وعلا ، وذلك جار على منهاج الفلسفة في تعليل خلق العالم ، فهو يصدر من الذات الأولى على حد التلازم ، فعين الأشياء واحدة ، وهي عين قديمة ، وتلك ذريعة إلى إباحية الأفعال ، فلا عين تحرم ولا تنجس ! ، وعين الأديان واحدة ، فلا دين يبطل ولا ينقض ، بل كلها حق وإن كان أحدها توحيدا وغيره عين الشرك ، وصار التوحيد في اصطلاحهم : الوحدة بين الإله والمألوه ، وصار ، أيضا ، عين التعطيل ، بتجريد إله في الذهن لا اسم له ولا وصف ، فليس إلا وجودا مطلقا ، وإن زعموا أنه يثبت في الخارج ، فذلك ما لا يكون ، وصارت الصور الأرضية تجليات للحقيقة الإلهية ! ، وذلك قول يَسُوغُ مع ما تقدم من إثبات الوجود المطلق فلا بد أن تكون له حقيقة في الخارج ، فأحلوه في ذوات مشهودة في الخارج ، لا تخلو من نقص في الذات والوصف ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فصار الناسوت تجليا من تجلياته ، فهو الصورة الأرضية المكافئة للاهوت ، فذلك الاتحاد الخاص أو الحلول الخاص الذي يلزم منه امتزاج الحقيقة الإلهية بالحقيقة الأرضية على وجه تضمحل فيه خصائص كل حقيقة ، فالحقيقة الإلهية تنحط إلى دركة الحدوث ، والحقيقة الأرضية من وجه آخر ترتفع إلى درجة القدم والأولية ! ، التي لا تثبت إلا لرب البرية ، جل وعلا ، فهو الأول بالذات والوصف جميعا فلا يشركه أحد في الأولية المطلقة ، فلا يخلو مقال الاتحاد الخاص من غلو وجفاء ، فغلو في الناسوت الأرضي بوصفه بالقدم ، فهو أقنوم قديم يضاهي الخالق ، جل وعلا ، في بعض أوصافه ، كالقدم ، وذلك عين الشرك إذ يلزم منه تعدد القدماء ، وإن كان الأب أو الأقنوم الأول فوقه في الوصف ، فلم يعدل عاقل ذاتا بذات الله ، جل وعلا ، من كل وجه ، وإن وقع في صور من الغلو بلغت به حد الشرك ، ويقابل هذا الغلو : غلو آخر في التعطيل إذ اتحاد الذات الإلهية بذات مخلوقة يَلْزَمُ منه سلب صفات الكمال من رب الأرض والسماء ، تبارك وتعالى ، فكيف إذا التزم القوم التعطيل ابتداء يذريعة تنزيهه ، جل وعلا ، أن يشبه المحدثات ، فشبهوه آخر أمرهم بالمعدومات ، وزاد من زاد فنفى عنه النقيضين فشبهه بالممتنعات المحالات التي لا وجود لها في الخارج ولا تصور لها في الذهن فغاية أمرها أن يفرضها العقل فَرْضًا مَحْضًا ! ، وهذا الغلو يقترن بالجفاء ، إذ سلب الكمال عن الأول ، جل وعلا ، واجب الوجود بذاته ، الذي لا يفتقر إلى علة أو سبب من خارج ، بل هو الموجب لغيره بمشيئة نافذة تصدر عنها الكلمات الكونية التامة ، التي شرعت الاستعاذة بها فهي من وصف الرب الجليل القدير ، تبارك وتعالى ، فـ : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ" .
فالعدل في القياس والاعتبار أن يفرق بَيْنَ المتماثلين ، فلا يسوى بَيْنَ الله ، جل وعلا ، الإله المعبود بحق ، والآلهة الباطلة ، وما استحسن من استحسن الشركَ إلا لفساد في تَصَوُّرِهِ ، فالغلو يفسد التصور ، وفيه مادة حق ، إذ تعظيم المسيح ، عليه السلام ، أو غيره من الفضلاء حق ، بل ذلك واجب فذلك تأويل الأمر في حديث عائشة رضي الله عنها : "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، فذلك خطاب العموم الذي يَسْتَغْرِقُ جميع أفراده فهو من التكليف العام ، والآمر هو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك أمر الوحي فهو الذي بَلَّغَ الشريعة وَبَيَّنَ ، ودلالة : "أل" في "الناس" : دلالة عموم ، فَيُنَزَّلُ الشريف منزله ، وَيُنَزَّلُ الوضيع منزله ، فذلك ، أيضا ، من الاعتبار الصحيح ، إذ الحكمة ، كما تقدم ، تقضي أن يوضع الشيء في موضعه ، فإن وُضِعَ دونه فهو الجفاء ، وإن وضع فوقه فهو الغلو ، وبينهما العدل ، فلا زيادة ولا نقص ، فإن حصل الشرك بشبهة فاسدة تَنْشَأُ من الغلو ، فذلك القياس الفاسد إذ شَبَّهَ المشركُ المخلوقَ الناقص بالخالق الكامل ، تَبَارَكَ وَتَعَالى ، فذلك ، أيضا ، من التحسين والتقبيح الْعَقْلِيِّ ، إذ حسن بهواه أو ذوقه ما استقبحه الشرع ، وأحدث في الدين ما لم يأذن به الله ، جل وعلا ، وذلك من جنس الشرك في الطاعة : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فذلك استفهام إنكار وَتَوْبِيخٍ ، وقيد الشرك بالطاعة في التشريع ، فَشَرَعُوا لهم بالهوى أو الذوق ، في أمور الشعائر أو الشرائع ، في السياسات أو الرياضات ...... إلخ ، شَرَعُوا لهم من أجناس الطاعة والانقياد ، فذلك معنى : "الدين" ، فهو مئنة من الخضوع ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بشرع معظم ، يَتَأَوَّلُهُ أتباعه أن يَمْتَثِلُوا أحكامه ، في الفعل والكف ، وهو مئنة من الخلق ، فالأخلاق تجري مجرى الأديان إذ هي طبائع في النفس يَعْتَقِدُ صَاحِبُهَا حسنها ، وإن كانت فاسدة ، فقد يطرأ على الأعراف والعوائد ما يصير الحسن قبيحا ، وتلك من أعظم ضروب المحنة ، فـ :
يُقْضَى عَلَى المَرْءِ فِي أَيَّامِ مِحْنَتِهِ **** حَتَّى يَرَى حَسَناً مَا لَيْسَ بِالحَسَنِ .
ولا يكون ذلك إلا بالتصور الفاسد الذي يستحسن القبيح ، فَقَدْ أعرض عن معيار التشريع المحكم فَرَامَ معيارا آخر متشابها ، فَالْعَوَائِدُ الفاسدة لم تُسْتَحْسَن إلا لوجهِ لَذَّةٍ أو مصلحة عاجلة ، وإن عظمت مفسدتها في المآل ، فالعقل آلة صحيحة في الفهم والنظر ، وله حظ في باب التحسين والتقبيح ، فإن الفطرة قد جبلت على استحسان الحق ، واستقباح الباطل ، ففطرت على التوحيد ، ولكنه لا ينفك يفتقر إلى بيان الوحي ، وهو ما قصر فيه الفلاسفة ، على تفاوت ، فلا شك أن الفلاسفة الإسلاميين قد هذبوا الفلسفة الإغريقية ، وخلصوا مادتها من كثير من الشوائب الشركية ، ولكنهم لم يخرجوا عن جوهر الانحراف إذ عظموا الدلالة العقلية ، فالعقل هو مصدر التصور والحكم ، فلا حاجة إلى مرجع من خارج ! ، فحي بن يقظان وإن نشأ في أرض نائية إلا أنه بما أوتي من عقل الفطرة قد نظر في الكون فحصل له من العلم ما حصل لأتباع الرسالة دون أن يحتاج إلى نظر في أَدِلَّتِهَا ، وذلك جفاء ، أَيُّ جفاء ! ، إذ زعم صاحبه بلسان الحال استغناءه عن النبوة ، فهو بما أوتي من فطرة النظر يدرك ما نَزَلَ به الوحي تفصيلا ، وإذا قامت الحجة بالعقل المحض ، صار إرسال الرسل عليهم السلام عَبَثًا ، والعقل إذا تدبرته ، مناط التكليف لا مصدر التشريع ، فلا بد من مادة ينظر فيها ، فهو يَشْتَغِلُ بَتَدَبُّرِهَا لا معارضتها بقياسه أو هواه ، فلا بد من تكليف من خارج ، وتلك فطرة النفس ، فهي قد جبلت أن تَتَأَلَّهَ ، والتأله ، مئنة من الحب والشوق ، وذلك أحد ركني العبادة ، فيخضع القلب وتخشع الجوارح ومئنة ذلك الانقياد للشرع ، والتأله ، من وجه آخر ، مئنة من التَّعَبُّدِ ، وهو لَازِمُ الحب والخوف ، فمن أحب وخاف ، خضع وانقاد ، ولا يكون ذلك إلا بشرع يأمر وينهى ، فذلك معنى الدين ، فهو ، كما تقدم ، مئنة من الخضوع والطاعة ، وهو خلائق امتزجت بالفؤاد وخالطته ، فصارت كالجبلة فَلَا تَكَلُّفَ وَلَا تَصَنُّعَ ، فوقع الفلاسفة في شرك التَّلَقِّي إذ جعلوا العقل مصدرا يضاهي الوحي ، بل لأجله يتأول الوحي على وجه لا حظ له من نظر ، ولو بَعِيدًا ، فأبطلوا دلالة التشريع التكليفية ، وجعلوه من قَبِيلِ السياسات الوضعية ، فهو ، وإن كان الأحسن ، إلا أنه يكافئ بقية الشرائع ، وذلك ، أيضا ، من القياس الفاسد ، إذ سوى بين الشرع المنزل والشرع المحدث ، ولذلك كان من نواقض الإيمان في هذا الباب ، باب الحكم ، أن يجوز الناظر التحاكم إلى غير الوحي ، وإن اعتقد أنه الأفضل ، فهو يجوز العدول عنه إلى غيره ! ، فذلك نقض صريح لدلالة الوحي الذي أوجب التحاكم إليه ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، وجعل العدول عنه مناط الإنكار والتوبيخ : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، وما كان ذلك إلا لنقص عظيم في توحيد الخبر ، فصاحبه قد قصر في باب الاسم والوصف ، فلم يثبت العلم ، إلا علما كليا مجملا ، فلا يعلم الخالق الجزئيات ! ، فلا وجه أن يقال إن الدين قد أحاط بكل دقيق وجليل ، إن بالنص وإن بالقياس ، فإن من أَنْزَلَهُ لا يعلم ! ، فَكَيْفَ يكون شرعه الشرع المحكم ؟! ، فلا يكون نقص في الحكم ، كما تقدم مرارا ، إلا فرعا عن نقص في التصور ، فإن القوم لما فسد قياسهم في الإلهيات ، فسد حكمهم في الشرعيات ، فَلَوْ اعتقدوا الحق في باب الغيب لَامْتَثَلُوا الحكم في عالم الشهادة ، فمن لا يعلم كيف يحكم ؟! ، وتلك حجة صحيحة لأتباع الوحي ، فإنهم أبطلوا الشرع المحدث إذ نظاره لا يعلمون الغيب ، فإن علموا من وجوه المصلحة شيئا ، فوجه في الحال ، وأما المآل فلا يدركونه إلا خرصا وظنا ، فكيف يسوى حكمهم بمن يعلم السر وأخفى ، فهو يعلم وجه المصلحة حالا ومآلا ، وهو يشرع ما قد يكون فيه كره ، فـ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، ولكنه في مآله خير يرجح ، فـ : (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ، فتلك دلالة تفاضل ، فقد تكره النفوس أمرا تكون فيه نجاتها إن احتلمت مبادئ آلامه ، فمآل لذاته ينسيها ما قد كان ، فقياس العقل الصريح ، وذلك ، أيضا ، من وجوه التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ الصحيح الذي أيده الوحي بالنص واللازم ، قياسه أن تحتمل المفسدة الصغرى طلبا لمصلحة أعظم ، فيحتمل الألم العاجل إذ ثم لذة أعظم تَلِيهِ ، فكتب القتال وهو كره ، وكتب الإنفاق ، وهو ما يخالف فطرة النفس التي جبلت على الشح والإمساك ، وحذف الفاعل إذ الكتابة في مقام التكوين أو التشريع لَا تَكُونُ إلا لِلرَّبِّ الخالق بِكَلِمَاتِ التكوين ، الحاكم بكلمات التشريع ، فـ : "كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ" ، فتلك كتابة الكون ، و : "اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" ، فَتِلْكَ كتابة الشرع ، فَأُتْبِعَ الأمر : "اسعوا" ، بالعلة على جهة العطف بالفاء فهي مئنة من السببية وإن لم تكن نصا فيها في هذا السياق فهي مئنة من الفور ، وقد يقال بأن دلالة التصدير بالمؤكد الناسخ : "إن" تشهد لمعنى التعليل بمسلك التنبيه والإيماء فَيَقْوَى معنى السببية في الفاء ، فَتِلْكَ قرينة من السياق ترجح الكتابة التشريعية ، فتأويلها الأمر ، إذ الكتابة في مقام البيان لأحكام الشريعة : مئنة من الإيجاب ، كما قرر أهل الأصول ، وقد عطفت الكتابة بالفاء على الأمر ، وهي ، كما تقدم ، مئنة من الفور ، فذلك الأصل في الأمر ، ولا تخلو من معنى السَّبَبِيَّةِ ، فسبب الأمر أن كَتَبَهُ الرب ، جل وعلا ، ودلالة العموم فيه ظاهرة ، فذلك مما يستوي فيه جميع المكلفين وإن ورد الجمع على حد التذكير ، فيعم الإناث بدلالة التغليب ، ودلالة : "أل" في : "السعي" مئنة من العهد فهو السعي المخصوص بين الجبلين في منسك الحج ، فقد كتب السعي في الأرض طلبا للرزق ، فذلك سعي عام ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَذَلِكَ أمر دِلَالَتُهُ الإباحة في الأصل وإن بلغ حد الإيجاب في أحوال ، فلا يجوز له أن يسأل وهو قادر على الكسب أو عنده ما يكفيه ، فكل أولئك من الكلمات التي كتبها الرب ، جل وعلا ، فهو الذي يكتب ما شاء من الكلمات الكونية ، فكتب المقادير وأجرى الأسباب أن تحصل في الخارج بسنن محكم ، وهو الذي يكتب ما شاء من الكلمات الشرعية ، وأرسل الرسل ، عليهم السلام ، بها ، فأرسلهم بأخبار صادقة وأحكام عادلة ، فلا يعدل عنها في التصور إلا من ضل في باب العلم باتباع الهوى أو الذوق في باب الخبر ، فغلا بالتمثيل أو جفا بالتعطيل ، واستعمل التأويل في غير موضعه ، إذ لا يجري في أخبار الغيب فمستندها السمع ، فالعقل وإن أثبت جملا منها بمقتضى الفطرة الأولى ، فهو يدرك في باب الخبر إيجاب أول متصف بالكمال إجمالا فهو قوة تعلو المخلوق الذي يتوجه إليها بما جبل عليه من الفقر الذاتي فلا ينفك يلجأ إليها في الشدة ، فيرفع بصره إلى السماء فذلك أمر يحصل من الحيوان البهيم فكيف بالإنسان الفصيح ، ولكنه ، بداهة ، لا يستقل بإدراك التفصيل لهذا العقد المجمل فهو عقد توحيد أول لا ينفك يفتقر إلى بيان الوحي الثاني الذي جاء بجملة عظيمة من الأخبار فيها من الأسماء والصفات والأفعال ما حصلت به الكفاية في هذا الباب فلا حاجة معها إلى شرع آخر يخبر ، فذلك باب مستنده الوحي وحده ، فلا يعارضه العقل بالتأويل الذي لا يستند إلى قرينة من السياق أو الخبر ، فذلك باب لا يعمل العقل فيه إلا أن يَقْتَفِي أَثَرَ الرسالة فلا يستحسن تأويلا لا يدل عليه لفظ الوحي ، ولا يستقبح ظاهرا أثبته الوحي ، وإن امتعض منه ، فهو يتهم عقله فما امْتَعَضَ إلا أنه قاس القياس الفاسد فعارض النص الذي نفى ما احترز منه من إثبات المثل أو الشبيه ، فلا يلزم ذلك من إثبات ظواهر الأخبار ، فإنها لا تدل على ما ذهب إليه بقياسه ، فذلك اتهام للوحي أَنَّهُ يُوهِمُ التشبيه أو التمثيل ، فكيف تحصل هداية بألفاظ ظَاهِرُهَا المتبادر سبب في حصول الضلال في باب من أعظم الأبواب ؟! ، فمن عدل عنه فهو وقع في شرع لم يأذن به الرب ، جل وعلا ، في باب الأخبار ، والعقل ، من وجه آخر ، يُثْبِتُ وجود دار أخرى غير هذه الدار فيها تُسْتَوْفَى الحقوق ، فعند الله ، جل وعلا ، تجتمع الخصوم ، ولكنه ، مع ذلك ، لا يدرك تفاصيل ذلك ، فلا يدرك دقائق ما يكون في دار البرزخ ودار الجزاء ، فذلك من الغيب الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، فالعقل يدل عليه ضرورة ، ولكنها ضرورة مجملة لا تنفك تفتقر إلى بيان الوحي ، فما أنكر من أنكر من أمور السمع ، من الصراط والحوض .... إلخ ، إلا أنهم قصروا في استقراء النصوص ، فلو آمنوا بالنبوة حق الإيمان ما ردوا خبرها في نفي أو إثبات ، فالنبوة مناط العصمة ، وقياس العقل الصريح ، كما تقدم مرارا ، أن يُقَلَّدَ المعصوم في التصور والحكم فذلك مناط سلم من الخطأ ، فكلما عظم حظك من الوحي ، عظم صوابك وَقَلَّ خطؤك ، فلم تجد غضاضة أن تصدق ما لا يحيله العقل وإن حار في حقيقته وكنهه ، فحصل الفضل أن امْتَنَّ الرَّبُّ ، جل وعلا ، عليك بمدد من الأخبار الصادقة بها يصح تصورك ويغتذي قلبك الذي لا تحصل له سكينة أو طمأنينة إلا أن يذكر ربه ، جل وعلا ، وكيف يكون ذكر صحيح إلا إذا صح تصور المذكور ، فعلم الناظر من وصفه ما يصح به العقد الباطن ، فالنبوة هي مصدر التلقي في الأخبار إن في الإلهيات وإن في السمعيات ، فكل غيب لا يحصل دركه يقينا إلا أن يتلقى خبره من مشكاة الوحي الصادق ، وما سوى ذلك فإجمال يفتقر إلى بيان ، أو خرص وظن ، فَالْيَقين في هذا الباب من الوحي وحده ، وما أنكر العقل منه ما أنكر إلا لعدوله عن محكم الوحي إلى متشابه القياس إذ قاس الغائب على الشاهد ، فاستحسن وقبح في الأخبار بمعزل عن النبوة ، فأنى يسلم له قياس وقد عارض الوحي ، فالقياس لا يصح إلا أن يُعرض على الوحي ، فما وافق فهو الحسن ، وما خالف فهو القبيح ، فذلك معيار التحسين والتقبيح الصحيح في باب الأخبار ، فإن أدرك العقل منه جملا صحيحة فهو ، كما تقدم ، معيار صحيح في الفهم والنظر ، وله حظ لا ينكر من إدراك الحسن والقبح لا سيما في الجمل الضرورية التي أجمعت عليها الرسالات السماوية والأخلاق الجبلية ، فأجمعت على حسن التوحيد إذ ذلك يجمع شتات القلب ، وَيَرُدُّ أمره إلى واحد قادر حكيم ، يُعِينُهُ ويسدده في جميع شأنه ، فلا ينفك يفتقر إليه في أمر الشرع الذي يصلح به الدين الباطن غذاء القلب وحاجة الإنسان إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنكاح وسائر أسباب البدن ، وأمر الكون الذي يصلح به بدنه ، فهو يفتقر إليه في جميع شأنه ، ولا غَنِيَّ يَمْتَنُّ عليه بالأسباب دون غرض أو حاجة إلا الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فَكُلُّ من يحسن إليك من البشر فَلَهُ غَرَضٌ ، إن دينا وإن دنيا ، وأما الرب ، جل وعلا ، فلا غرض له إذ هو الغني ، فإحسانه بلا مقابل ، بل قد امتن بالخلق والإيجاد ، وإعداد المحال أن تقبل آثار الأسباب فذلك مقتضى الحكمة ، والإمداد بالأسباب فذلك محض الفضل .
فالنفوس قد أجمعت على حسن التوحيد وأجمعت على حسن الصدق وقبح الكفر والكذب .... إلخ ، فكل أولئك وجوه صحيحة من الحسن والقبح يدركها النظر ، ولكنه ، كما تقدم ، لا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانِهَا الذي لا يُتَلَقَّى إلا من الوحي ، فلا يصلح العقل مناطا للتشريع لما جبل عليه من الجهل والنقص ، فلا يعلم إلا أن يعلمه الله ، جل وعلا ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، وما أدركه من أمور الحس والتجريب فلا يصلح بداهة في أمور الحكم والتشريع وإنما غايته أن يكون من أمور التنظيم والإدارة التي تستصلح بها الدنيا فذلك مما أرسله الشارع ، جل وعلا ، رحمة بالعباد غير نسيان ، وإنما يقع الانحراف في هذا الباب من جهة : التوسع في فقه الواقع ومقاصد الشريعة ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، ذريعة لكل من رام تعطيل الشريعة باسم المصلحة ! ، كما نرى اليوم من حال المستبد الظالم الذي اتصف بالجهل الفاضح فهو يَرُومُ تعطيل الشريعة وَيَتَوَسَّلُ إلى ذلك بتجديد الخطاب ! ، بل وَيَزْعُمُ أنه المعلم الجديد للدين الصحيح الناصح ، وما أراد بذلك إلا تطويع الدين ترسيخا لأركان ملكه الجائر فضلا عن إرضاء الآخر ! ، فما سكت عن ظلمه واستبداده إلا لجملة من المصالح النفعية لا نسبة بينها وبين الطريقة الشرعية الأخص التي أجمع عليها الفضلاء من أهل الديانة ، بل والطريقة الآدمية الأعم التي أجمع عليها العقلاء من أهل الكياسة ، فلا نقل ولا عقل يشهد لذلك وإنما حب العاجلة وإيثار الفانية ، فلا اعتبار لشريعة إلا إن وافقت الأهواء وحققت الأغراض وإلا فهي في مرمى سهام التجديد ! ، وإن شئت الدقة فَقُلْ التحريف والتعطيل ! الذي يستند إلى تحسين وتقبيح مستمده هوى الناظر أو ذوقه أو مصالحه العاجلة التي يروم استبقاءها ، فلو أحسن القياس ما قدم العاجل على الباقي وما خاض في الحرمات حتى يأس من رحمة رب البريات ، جل وعلا ، فهو ماض في غَيِّه لا يردعه وازع من نقل فلا يعظم الشرع .
ولا عقل فقد فسد قياسه بما زخرف له من عاجل المصلحة الخاصة وَلَيْتَهَا كانت مصلحة في حقه فهي مفسدة في خاصة الفرد وعامة الجماعة .
ولا سلطان فقد ابتلي وابتلي الناس معه ! أن صار الأمر إليه .

ومنه ، أيضا ، ما يكون في أمور التوقيف في الأخبار ، كالشفاعة ، على سبيل المثال ، فليس أمرها مما يرد إلى تحسين العقل وتقبيحه ، فإن الإنسان قد يستحسن شفاعة الآلهة الباطلة بشبهة تحصل له من جهة القياس الفاسد ، فشبهة الجاه العظيم مما قيس فيه الرب ، جل وعلا ، على ملوك الدنيا ، فإن الملك من ملوك الدنيا قد يكون لأحد من رعيته عنده جاه سواء أكان مستنده الحب فلا يرد له طلبا أم الخوف والحذر فهو يتألف قلبه لئلا يخرج عليه فيقبل من الشفاعة في الحالين اضطرارا : إما حياء من المحبوب أو اصطناعا ليد عند غيره ، وذلك ، بداهة ، أمر لا يليق بالله ، جل وعلا ، فهو الغني عن خلقه فلا يفتقر إلى أحد ولا يخشى عاقبة أمر .
فذلك كسائر أجناس التحسين والتقبيح لا بد أن يرد إلى معيار الوحي المحكم ليحسم النزاع بين العقول إذ تتفاوت دلالاتها في هذا الباب أيما تفاوت فما استحسنه عقل استقبحه آخر فمن يحسم النزاع إلا الكتاب المنزل ، وإذا تدبرت هذه الكلية وجدتها تصدق على جميع مسائلها فتحمل على جميع أفرادها حمل المواطئة ففي كل أمر ديني في العقد أو الشرع قد يستحسن العقل أمرا أو يستقبحه ، فلا بد أن يعرض قياسه على النقل فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، فلم يأمر برد الأمر إلى العقل إذ تَتَفَاوَتُ دلالاته على وجه يحصل به الاضطراب في الحكم إذ لم يُرَدَّ إلى معيار محكم ، ومن أحكم من الله قولا ، ومن أصدق منه قيلا ، ومن أحسن منه حكما ؟! .

ومنه ما يكون في الأحكام ، وَذَلِكَ في أمور التوقيف في العبادة ، كما يقع من المحدث في الدين في كل باب ، سواء أكان في العقد أم في الشرع ، مما لا يجري فيه القياس ، فالعقل عن دركه معزول ، فالصلاة على سبيل المثال منها المشروع ، ومنها ما كان مشروعا قَدْ زِيدَ فيه على جهة الابتداع والإحداث في أمور التوقيف التي لا تدرك إلا من جهة النص الصحيح فلا عمل للعقل فيها إلا أن يتدبر وجوه الحكمة الأعم فيها دون نظر في معنى العلة الأخص فهو مما لا يدرك فلا يقاس ولا يستحسن في هذا الباب إذ مناطه الوحي الذي يوقف العقل على ما صح من أمور الغيب التي لا يدرك حقائقها ، وما صح من أمور الشرع التي لا يدرك عللها ، وإن حصل له انتفاع بها إذا نظر وتدبر ، فالنظر في أخبار الغيب مما تحصل به العبرة ، وذلك مما تَوَاتَرَ في نصوص الوحي ، وبه يَسْتَفِيدُ الناظر علما نَافِعًا ، وذلك ، من أدلة الحس في باب الربوبية ، فإن الحس الذي يدرك آثار من تقدم من الأمم ، وعاقبة الرسل ، عليهم السلام ، مع أقوامهم ، فيحصل له الاعتبار طردا وعكسا ، فمن وافقهم في الفعل نَالَهُ مَا نَالَهُم من الجزاء ، إن في العاجلة وإن في الآخرة ، ومن خالفهم ناله ضد ما نالهم ، فحصلت له السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة .

والشاهد أن الأمر يعم الأخبار والأحكام جميعا ، فالعقل يدرك في كلٍّ جملة صحيحة من العلوم ، ولكنها لا تنفك تفتقر إلى بيان الوحي ، فقد جاء بالأخبار المفصلة والشرائع المحكمة ، فَتَوَجَّهَ الإنكار إلى مَنْ شَرَعَ دينا لم يأذن به الرب ، جل وعلا ، إن في الأخبار وإن في الأحكام ، فمن غلا في التحسين والتقبيح العقلي ، فذلك اعتبار فاسد ، يوقع صاحبه في نوع من الشرك ، إذ جعل عقله ندا للوحي أن أذن بما لم يأذن به الله ، جل وعلا ، وذلك محل الإنكار في قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) ، فشرع له من تأويلات الخبر ، وأحكام الوضع ما لم يأذن به الرب ، جل وعلا ، فدلالة : "الدين" : تعم الأخبار والأحكام جميعا ، فهو يعم الانقياد الباطن تصديقا بالأخبار ، والانقياد الظاهر امتثالا للأحكام ، وذلك لازم انقياد الباطن لمن تدبر ونظر ، ودلالة : "من" : دلالة البيان للجنس ، وقد سماه شركا وإن أقر صاحبه بأن الخالق واحد ، فلم يقع في شرك التكوين ، وإنما وقع في شرك التشريع ، إذ اتحذ ندا يضاهي الرب ، جل وعلا ، في التحليل والتحريم ، فلا اعتبار لقياس عقل في تحسين أو تقبيح إلا أن يواطئ الإذن الشرعي من الرب العلي تبارك وتعالى .

وإذا أهدرت دلالة العقل في المقابل صار ذلك إزراء بالإنسان ! ، فأجاز من المحالات ما يخالف النص والعقل والفطرة ، فجوز أن يأمر الله ، جل وعلا ، بالشرك والظلم ، وإن ركز في العقل الصريح قبحه فلم يعلم قبحه إلا من جهة الشرع ، وإلا لو جاء الأمر بالشرك لانقلب فصار حسنا ! ، وذلك فرض محال إذ يقضي بنسبة الظلم إلى الله ، جل وعلا ، فإن الشرك ، كما تقدم ، ظلم عظيم يناقض معنى العدل والحكمة ، إذ فيه تسوية بين أعظم متباينين ، الخالق الكامل ، تبارك وتعالى ، والمخلوق الناقص ، وذلك من الممتنع الذاتي في حقه ، تبارك وتعالى ، فالأقيسة العقلية التي تخالف الوحي فاسدة ، والأحوال النفسانية التي تخالفه ناقصة .

فهذا طرف غلا في اعتبار دلالة العقل في هذا الباب حتى صار عنده مصدر تَلَقٍّ بنفسه ، مع أنه الآلة التي يتلقى بها الإنسان نصوص الوحي فيكلف بمقتضاها في النفي والإثبات ، والأمر والنهي ، فكيف تنقلب الآلة فتصير هي المصدر الذي يرجع إليه في كل خلاف ؟! ، وذاك طرف جفا حتى أهمل دلالة العقل فلا يستقل بإدراك حسن أو قبح ، وليس في الأشياء ما يستوجب الحسن والقبح الذاتي ، بل مرد ذلك جميعا إلى الوحي ، وذلك غلو تعدى صاحبه حتى أهمل دلالة الأسباب فَرَدَّ الأمر كله إلى القدرة والمشيئة في التكوين ، ورد الأمر كله إلى الشرع في باب التحسين والتقبيح .


وأما أهل الحق فقد توسطوا في الاعتبار في هذا الباب ، فالعقل يدرك خصائص الأشياء حسنا أو قبحا على سبيل الإجمال ، ولكنه لا يستقل بتكليف ولا يكون ثم وعد أو وعيد إلا بعد حصول الحجة الرسالية بنصوص الشريعة السماوية في الأخبار والأحكام جميعا .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
03-09-2015, 06:46 AM
وقد سرى الإعجاب بحضارة الغرب وَتَسَلَّلَ إلى قلوب كثير من أبناء المسلمين ، فظهرت المدرسة العقلية الحديثة التي اتخذت هذا الإعجاب منطلقا للدفاع عن الإسلام ، فهو أبدا في قفص الاتهام ، فكان تقريب الإسلام إلى الحضارة الغربية ! ، والتماس وجوه من التأويل المتكلف ، والتفسير الصحيح لهذا الوحي يكون ، بداهة ، وفق الأصول الشرعية واللسانية التي نَزَلَ بها ، لا بتأويلها على وجوه توافق هوى المنتصر في الغرب كما ظهر من المدرسة التفسيرية العقلية التي راحت تترجم القرآن على نحو يلائم هوى الغرب ، ومجرد التسليم بهذه الفكرة ، فكرة تقريب الإسلام إلى ذهن المخالف بتأويل ما خالف قياسه ! ، مجرد التسليم بهذه الفكرة هو في حد ذاته طعن في دين الإسلام .
وكان الإفراط في تفسير الآيات الشرعية اعتمادا على الدراسات الحديثة ، سواء أكانت نظريات أم فروضا ، والعلم ، كما يذكر بعض المحققين ، علم نظر في الكون ، وآخر يشاطره في الشرع ، وذلك تقسيم صحيح ، ولكن الأول ليس إلا وسيلة إلى الثاني ، فالنظر في الكون إنما يكون لأجل الاعتبار الذي يحصل به الإيمان ، والإيمان ، كسائر الحقائق الشرعية ، مما لا يتلقى حده إلا من الوحي ، فلا بد من النظر في علوم الشريعة ، حفظا وفهما ، استدلالا واستنباطا ، ولا يؤتي هذا العلم أكله إلا أن يكون هو الآخر وسيلة إلى مطلوب أعظم وهو العمل بما ورد من الأحكام ، والقضاء بما نَزَلَ من الشرائع المحكمة فلا يكون صلاح عاجل ولا آجل إلا بامتثال أحكامها ، فعلا للمأمور وتركا للمحظور ، فليس غَرَضُ الوحي الرَّئِيسِ أن تقاس أخباره بمعيار العلوم التجريبية ، فإنها علوم في الجملة ظَنِّيَةٌ ، والوحي قطعي ، وقياس العقل أن يكون هو الحكم فالقطعي يقضي على الظني فلا يمكن أن ترد محكمات العلم الشرعي إلى ظنيات العلم التجريبي ، وذلك ، كما تقدم ، مما وقع لمدارس في تفسير الكتاب العزيز اتخذت منجزات الغرب المادية منطلقا لتفسير النصوص الشرعية وفي ذلك من التجاوز ما لا يخفى فضلا أنه يخالف دلالة العقل الصريح فإن النص الشرعي لا يفسر إلا وفق معايير شرعية ، كما أن النص التجريبي لا يفسر إلا وفق معايير تجريبية فإن حصل وفاق بَيْنَهُمَا في خبر أيده البحث الصحيح فذلك مما يستأنس به في باب من الإعجاز عظيم ، ولكنه ، كما تقدم ، ليس الوحيد ، وليس الغرض الرئيس من نزول الوحي .
وبلغ ذلك حد الغلو في علوم الكون فصارت هي العاصم من الفرقة ! ، فإن النظر في النصوص الدينية يوجب الفرقة لاختلاف التأويلات كما يظهر في كلام أصحاب المقالات المحدثة ، فكلام الشرع دواء لا يحتاج إليه في كل وقت بل لا يحتاج إليه إلا عند انحراف الصحة ! ، وأما العلوم التجريبية فهي الغذاء الذي لا يستغنى عنه ! ، فصارت الغاية التي لا غنى عنها ، وهي الوحي ، صار وسيلة يستشفى بها من داء عارض ، وأما الغذاء الذي لا يستغني عنه العقل فهو علم الكون ، والصحيح أن هذا الوحي مما لا يستغني عنه المؤمن طرفة عين فهو يحتاجه في كل شأنه ، في سلمه وحربه ، في غناه وفقره .... إلخ من الأحوال المتعارضة ، فحاجة البدن إلى الطعام مرة أو مرتين ، وحاجة الجنان إلى الوحي لا تنقطع إلا بقبض الروح وانقطاع التكليف كما أثر عن أحمد رحمه الله ، مع أن العلم التجريبي ، من وجه آخر ، هو من البحث الذي يتساوى فيه النظار فليس مناط تمايز به يحصل الفرقان بين الحق والباطل ، وإذا كان ثَمَّ خلاف بَيْنَ أصحاب المقالات فليس ذلك لأن الدين مورد اختلاف وفرقة بل به وحده ، عند التدبر والنظر ، تحصل العصمة في التصور والحكم ، وإنما كان هذا الخلاف أن خرج من خرج عن الأصل الأول ، في موارد لا يسوغ فيها الخلاف ، فكانت المخالفة في أصل رئيس من أصول الدين ، ولم يزل بأقوام حتى أخرجهم من الدين جملة ! ، فهل كان ذلك أن الشريعة المحكمة مظنة خلاف وفرقة ؟! ، أو هي التي تعصم وإنما فارق القوم حبلها العاصم سواء أكانت مفارقة كلية تقدح في أصل الدين أم جزئية تقدح في كماله الواجب ، وسواء أكانت علمية في العقد أم عملية في الشرع ، وموارد الخلاف في العلوم التجريبية ، عند التدبر والنظر ، أكثر وأعظم ، فهي في الجملة أمور تستند إلى الحس ، وهو ظني يقوم على إجراء التجارب واستقراء النتائج وذلك مما يحصل فيه التفاوت الظاهر فهو أمر لا ينكر ، فلا يعدو أن يكون اجتهاد عقول في اكتشاف سنن من الكون مخبوء فكيف يصير هذا الاجتهاد الظني مناط اتفاق وإجماع ، ويكون الوحي المعصوم مناط اختلاف وفرقة ؟! .
وفي مقابل هذه المدرسة كانت مدرسة الشيخ مصطفى صبري ، رحمه الله ، وقد اتخذ المنطق وسيلة إلى الدفاع عن شرائع الإسلام فهو ينطلق من قاعدة شرقية إذ لا تخفى عناية المسلمين بعلم المنطق لا سيما في الأعصار المتأخرة التي راج فيها التأويل وازدهرت فيها سوق الفلسفة ، وذلك في مقابل المدرسة العلمية التي اعتمدت نتائج البحث التجريبي الحديث ، فهي مدرسة تخاطب الغرب أكثر من الشرق وتسعى جاهدة أن تقرب الإسلام بِمَعَانِيهِ الرُّوحَانِيَّةِ إلى حضارة مادية بحتة ، ففي مقابل هذه المدرسة كانت مدرسة شرقية إسلامية ، وإن كانت مستمداتها كلامية منطقية لا سيما والمذهب الماتريدي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية في أصول الدين ، وهو مذهب اشتهر بنزعته العقلية لا سيما في الأعصار المتأخرة ، ولكن يبقى أنه مذهب نشأ في بلاد الإسلام على أيدي علماء مسلمين أفاضل ، لا يشكك أحد في ديانتهم وإن خالفهم في كثير من مقالتهم ، من أمثال أبي منصور الماتريدي الذي ينسب إليه المذهب ، المتوفى سنة 333 هـ ، وهو من معاصري أبي الحسن الأشعري رحمه الله المتوفى 324 هـ والذي تنسب إليه مدرسة أخرى في الكلام أشهر وأكثر اقتصادا في التأويل ، ومن بعد أبي منصور الماتريدي أمثال النسفي والكمال بن الهمام ، رحم الله الجميع ، فشتان هذا المستمد في الاستدلال ، والمستمد العلمي التجريبي ، فَهَذَا مستمد عَقْلِيٌّ وهو أليق بعلوم الشريعة ، فهي علوم نظرية لا تخضع للبحث والتجريب إذ هي معان يدركها العقل إذ يوقفه الوحي عليها فهو يجتهد في إثبات الصحة ، سواء أكان ذلك بالنظر في المصدر وهو الوحي فيجتهد في حد الوحي وتجويزه في العقل ثم إثباته في الخارج بما تواتر من أنباء الرسل عليهم السلام فهي مسطورة مبثوثة في الكتب ، ما بدل منها وما حفظ ، فضلا أن الله ، جل وعلا ، قد أرى الناس منها أنموذجا ، وهو الإلهام والتحديث ، وإن كان غير معصوم كالوحي ، فهو مصدر علم أو ظن يغاير مصدر الحس في تلقي المعلومات من الخارج بما يجد من آثار التجارب ، فالحدس والإلهام والمنام كل أولئك من أنموذج الوحي ، مع القدر الفارق بداهة ، فلا يحكم بعصمتها إلا إن كانت من نبي ، وأما غَيْرُهُ فلا بد أن يعرض ما يجد من الإلهام أو الذوق على محكم الشرع ، وتلك حال خير المحدَّثِينَ عمر ، رضي الله عنه ، فلم يكن حديث نفسه يوم الحديبية صوابا بل اشتبه عنده الأمر فسعى يعرضه على الوحي المحكم ، حتى رضي بما جاء به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو فتح وإن كان ظاهره الضد ، فاتهام العقل حتم لازم إذا عارض الوحي النازل ، كما أثر عن سهل بن حنيف ، رضي الله عنه ، فجاء الوحي : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ، واشتبه الأمر على العقول حتى كادت النفوس أن تهلك بِرَدِّ أمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتباطئوا ولم يبادروا وذلك خلاف الأصل في الأمر ، فهو يقتضي المسارعة والمبادرة ، فَيَقْتَضِي الامتثال من وجه ، فـ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقد ذم المخالف ، فـ : (لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، ويقتضي المسارعة ، من وجه آخر ، فـ : (اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) ، وذم المخالف ، أيضا ، فـ : "لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ" ، فلما رجعوا إلى أنفسهم واتهموا عقولهم أن لم تدرك الحكمة في الأمر ، فنظروا في الحال دون المآل ، فلما رجعوا إلى أنفسهم سلموا وإن لم يعلموا وجه الحكمة ، وبادروا بالامتثال ، إذ الوحي المعصوم يقضي على كل معقول بالقياس أو موجود بالذوق ، فأولى ما يجتهد فيه العقل في هذا الباب أن يجتهد ما استطاع أن يثبت جواز الوحي ، ثم يثبت صحته في حق الرسل عليهم السلام دون غيرهم وإن شاركوهم في معناه الأعم في اللغة ، فهو يطلق على كل خبر يحصل في خفاء وسرعة وذلك ما يكون في الحدس والإلهام ، وأما الوحي بمعناه الشرعي الأخص ، ففيه قدر زائد إذ الحقيقة الشرعية ، كما تقدم مرارا ، حقيقة لسانية مقيدة ، فهي تَزِيدُ عليها في الوصف وإن قلت آحادها في الخارج عن آحاد الحقيقة اللغوية المطلقة ، فالحقيقة الشرعية أعم من جهة المعنى ، والحقيقة اللغوية أعم من جهة الأفراد ، وذلك أصل في جميع الْمُعَرَّفَاتِ الشرعية التي حدت بألفاظ وردت في اللسان مطلقة فقيدها الشرع فَزَادَ في معناها ، وإن نقصت آحادها في الخارج ، ثم يجتهد العقل بعد ذلك أن يُثْبِتَ صحة الرسالة الخاتمة ، فهي التي جمعت زبدة ما تقدمها سواء أكان ذلك في التصورات العلمية أم في الأحكام العملية ، ثم يجتهد في إثبات تواتر الكتاب أصلا وفرعا ، وتواتر السنة بالنظر في أصلها ، وإن كان معظمها آحادا ، ويجتهد في بيان حجيتها المطلقة التي تعدل القرآن في التشريع وإن كانت دونه في المنزلة فما استمدت حجيتها المطلقة إلا منه فهو أصل الأصول ، ويجتهد في تصحيح وتضعيف ما ورد من آحادها وفق معيار محكم لا بالهوى والذوق الذي يستحسن ويستقبح تبعا لما يقيس أو يجد ! ، ويجتهد في تدبر معاني الأخبار واستنباط علل الأحكام إن كانت معقولة المعنى لِيَقِيسَ عليها غيرها ، فكل أولئك من عمل العقل في البحث والنظر ، فيباين ، بداهة ، عمل الحس في إدراك الظواهر الكونية واستقراء التجارب المعملية ، فتلك ، كما تقدم ، مدرسة جهدت أن تقرب الدين إلى خصومه ، وهذه مدرسة نهجت نهجا عقليا ، وذلك الأصل في العلوم الدينية ، فهي علوم تلقينية من وجه ، عقلية من وجه آخر في باب الاستدلال الذي لا يصح إلا إذا وافق الوحي ، فهو الحكم بين العقول والنفوس فيما ترى وتجد ، فصرف الشيخ جهده أن يؤيد شرائع الإسلام بالأدلة المنطقية فعنايته مصروفة إلى الشريعة نفسها ، أدلة ووجوه استدلال ، لا إلى العلوم الكونية التي وردت فيها عرضا ، فهو يضع يده على حقيقة الوحي ، الأخبار والأحكام ، فما نزل إلا لِتُصَدَّقَ الأولى وتمتثل الثانية ، فيضع يده على حقيقة الوحي لا على أمور هي من جملة الخبر الصحيح ولها من النظر حظ عظيم لا سيما في الاستدلال لإعجاز الرسالة بما أخبرت به من الغيوب الكونية التي تظهر تباعا بتدبر الآيات النفسانية والآفاقية ، وَعِيبَ على الشيخ ، رحمه الله ، الثقة المطلقة بالمنطق كآلة نظر واستدلال ، فإن أريد به المنطق بمفهومه الأعم وهو ما ركز في العقل من قوة نظر واستدلال بترتيب المقدمات واستنباط النتائج فذلك مما يحسن في الاستدلال والكتاب العزيز قد جاء بوجوه من الاعتبار في هذا الباب حصلت بها الكفاية وزيادة ، فما جاء في منطق البشر مع ما في طرائقه من الدقة التي تخفى على كثير من الناس ، والعسر الذي تنفر منه عامة النفوس ، ومن قرأ في كتب المنطق وجد من ذلك شيئا عظيما وإن كان مصنفها فاضلا صحيح الاعتقاد ، فصيحا قد أوتي البلاغة والبيان فاجتهد أن يُيَسِّرَ الأمر فلا يَزَالُ العسر فيه ظاهرا ، وإن أريد بالمنطق : المنطق الاصطلاحي الأخص ففيه من الصعوبة شيء عظيم ، وإن كان له من الصحة حظ ، فلا يعدل مشقة النظر في طرائقه فضلا أن الوحي قد أغنى عنها كل ناظر بما جاء به من طرائق القياس الصريح في ميزان قرآني بديع ، جمع بلاغة اللفظ ويسر الأخذ وسلامة النظر وغذاء الفؤاد ، فشفى وكفى في حاجة العقول أن تَنْظُرَ وَتَتَدَبَّرَ ، وحاجة النفوس أن تَتَعَبَّدَ وَتَتَأَلَّهَ ، ففي الوحي غنية في هذا الباب وفي جميع أبواب التَّدَيُّنِ الذي يصرف الجهد أن يصحح الاعتقاد والسلوك فجاء بأخبار تفيد اليقين في التصور ، ويحصل بها العدل في الحكم فهي تهذب الطبائع وتسوس الأمم وتصلح حال الدول التي لا قيام لها ولا بقاء إلا أن تنهج منهاج العدل في الأقوال والأفعال ، فكيف إن اجتمع لها صدق الوحي وعدل الحكم ، فهي شرائع بشهادة الخصوم أكمل وأفضل في جميع أمور الحياة ، ما خص منها وما عم ، فهي الأكمل في العقائد والتصورات الفردية الخاصة ، والأحكام العملية : الفعلية والتركية ، والسياسات المنزلية والأسرية ، والعلاقات الأممية والدولية ، فخص كمالها وعم ، وعظم نفعها في الحال والمآل فلم يكن منتهى أمرها أن تصلح أمور المعاش فقط فليست تراتيب وتنظيمات باردة لا تجد فيها أنس التأله الذي يذهب وحشة القلب ورقة التزهد التي تذهب جفوة الطبع .
فهاتان مدرستان في التفسير ، مدرسة تجريبية انصرفت إلى النظر في الأدلة الكونية وموارد الظن فيها أكثر من موارد اليقين إذ مستندها الحس ، والحس آلة إدراك صحيحة ولكنها ليست معصومة فضلا أن البحث في أصله : بحثٌ في الأديان وهي علوم نظرية لا بحث في الأبدان والآفاق ، وأخرى نظرية استعملت الطرائق المنطقية وهي ، أيضا ، لا تخلو من ظن إذ لم تنهج ما تواتر في الشريعة من طرائق الاستدلال الصريحة ، وغايتهما ، كما يقول بعض المحققين ، واحدة ، فهما يسعيان في نصرة الشريعة ، ولكن الخطأ فيها قد وقع لا سيما مع الإسراف في تعاطي العلوم الكونية في بحث شرعي نظري ، والإسراف في تعاطي العلوم المنطقية العقلية في بحث نقلي ، والوحي ، لمن تدبر ، قد جمع خير ما فيهما ، فجمع من أدلة الاعتبار في آلاء النفس والكون ، وجمع من أدلة الاعتبار في المعاني النظرية التي تحصل بمقدمات عقلية ضرورية ، ففيه ، كما تقدم مرارا ، غنية عما سواه ، فغاية ما دونه أن يستجمع بعض الحق وهو ما وافق فيه الوحي ، وأما الوحي فهو الحق المحض الذي يصلح الحال والمآل جميعا فتحصل به بغية كل عاقل من سعادة في الأولى تذهب الهم والحزن ، ونجاة في الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فلا يمكن للحس أو العقل أن يستقل بدرك هذه المعاني الشريفة دون أن يُوقِفَهُ الوحي عَلَيْهَا فَغَايَةُ أمرهما ، إن استقلا فلم يردا أمرهما إلى الوحي ، أن يحصل بهما نوع صلاح في أمور الفكر والمعاش إذ لا يدركان ما وراء هذه الدار على وجه يحصل به البيان الكامل وإن ركز في النفس إيجاب الدار الآخرة فهي من جملة العلوم الضرورية التي جاء الوحي لها مُبَيِّنًا ، فلا يمكن لأي مدرسة فكرية عقلية ، أو طريقة رياضية روحية أن تحقق الكمال إن هي أعرضت عن وحي الرحمن ، جل وعلا ، وبقدر ما يكون حظها منه تكون إصابتها في التصور والنظر ، والحكم والعمل ، وبقدر ما تخالف عن أمره إما جهلا وإما غرورا بما علمت من طرائق النظر وما ركز فيها من قوى المنطق والعقل ، وإما اجتهادا في إرضاء الخصوم بإعطاء الدنية في الدين بما يكون من تأويل هو أقرب إلى التعطيل سَوَاءً فِي الأخبار بِصَرْفِ ظواهرها الصريحة إلى وجوه من المعنى بعيدة بل وربما باطلة لا أصل لها في وحي أو لسان ، أو في الأحكام بالتماس وجوه من الترخص ، فيها من التكلف والتشدق ما لا يخفى ، فهي تفضي إلى تعطيل الشريعة وحصرها في باب دون آخر ، أو تهوين أمرها في النفوس بذريعة التيسير ، أو إبطال حجيتها في الجملة بقصرها على جملة من المبادئ والكليات العامة التي أجمع عليها عقلاء الأمم جميعا فبم امتاز الوحي الخاتم إِذًا إن كان هو والعقل الحادث على حد سواء ؟! ، وهل ذلك إلا جفاء في الوحي وَغُلُوٌّ يضاهيه في العقل ، وإذا أعطي كل قدره بلا زيادة أو نقص حصلت السلامة في العقد والشرع .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
07-09-2015, 11:33 PM
ومن موارد الاعتبار التي وقع فيها الخلاف ولا زال ، الاعتبار في تأويل الرؤى المنامية ومنزلتها في الشرع ، فهل يحتج بها أو يستأنس ، ومن مواردها في التنزيل قول الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، في خبر يوسف الصديق ، عليه السلام ، فـ : (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) ، فتلك رؤية الحلم وهي مما يَتَعَدَّى إلى المفعولين ، فالأول ياء المتكلم ، وتلك من المواضع التي يجوز فيها أن يكون الفاعل هو عين المفعول ، فمن رأى هو الذي رُؤِيَ ، خلافا للرؤية في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين" ، فتاء الفاعل قد حلت محل الفاعل ونابت عنه فكانت مفعولا منصوبا فانقلبت مرفوعا ، و : "دار هجرتكم" ، المفعول الثاني ، وذات نخل : المفعول الثالث ، و : "بين لابتين" : حال تُبَيِّنُ هيئة المفعول الثاني ، وهي دار الهجرة فجاء الإطناب في بَيَانِ وصفها فذلك مِمَّا يُزِيلُ إبهامها إذ الحال وصف في المعنى وإن أبان عن هيئة مخصوصة ، وقد يقال إنها وصف لـ : "ذات نخل" ، فهي نكرة وإن أضيفت فقد أضيفت إلى نكرة مثلها فاستفادت نوع تخصيص لم يرفع عنها صفة التنكير ، والظرف بعدها كالجملة يُعْرَبُ صفة ، وذلك ، من وجه آخر ، أليق في الوصف إذ يحسن وصف الشيء بصفة تلازمه لا حال تعرض له ، فوصفها الثابت أنها بَيْنَ لَابَتَيْنِ فليس ذلك وصفا طارئا ، وليس ذلك مما يحصل تارة ولا يحصل أخرى ، وَقَدْ حذف الفاعل للعلم به بداهة ، فالذي يُرِي العبادَ الرُّؤَى هو الله ، جل وعلا ، والذي يُرِي الأنبياء ، عليهم السلام ، الرؤى ، هو الله ، جل وعلا ، فَفِيهَا قدر زائد وهو أنها حق قاطع ، فَرُؤَى الأنبياء حق ، ودلالة الإضافة مما حصل به التعريف في اللفظ ، والتوضيح في المعنى ، والعموم في الدلالة ، فهي رؤى الأنبياء عليهم السلام جميعا ، فلا يختص أحدها بوصف الحق دون البقية ، وإنما كلها حق محض لا شك فيه ولا ريب ، فتنكير حق ، جار على الجائز في لسان العرب من تنكير الخبر ، بل ذلك الأصل فيه إذ لو عُرِّفَ بالإضافة أو التحلية بـ : "أل" ، لأفاد معنى القصر وهو معنى يَزِيدُ على الإسناد المحض ، ففي الإسناد المحض يثبت مطلق الحكم أو الحمل على الموضوع دون أن يُخَصَّ المبتدأ به حقيقة أو دعوى في سياق المبالغة فهي ضرب من ضروب المجاز ، كدلالة : "أل" في : "الرجل" في نحو قولك : زيد الرجل ، فثم قصر بِتَعْرِيفِ الجزأين ، وثم استغراق معنوي لصفات الرجل ، وثم تأويل للجامد بالمشتق ، فهو على تقدير زيد الشجاع الهمام الكريم ..... إلخ من صفات الكمال التي يمدح بها الرجال فضمن اسم الرجل في هذا السياق معان اشتقت من مصادر ، مع أنه في الأصل جامد فهو اسم مفرد يدل على حقيقة الذكر المطلقة ، فانضاف إليها في هذا السياق حقائق صفات يمدح بها الرجال ، كالكرم والشجاعة .... إلخ ، والكرم والشجاعة ، على جهة الاختصاص ، من آكد ما يوصف به الرجال ، ومن آكد ما تقوم عليه الأديان فلا قيام لدين بلا شجاعة تبذل فيها النفوس وبلا كرم تبذل فيه النقود ، فهما أعز ما يملك الإنسان ، فَبَذْلُهُ لهما شهادة صدق أَنَّهُ ينصر دين الرب ، جل وعلا ، فالأصل أن يكون الخبر منكرا إذ غاية الانْتِفَاعِ به أن تحصل به صورة الحكم المطلقة على المبتدأ المسند إليه ، فدلالة : "حق" تفيد دلالة الإخبار بلا زيادة في المعنى ، وقد يقال بأن التنكير لا يخلو من دلالة النوعية ، فضلا عن دلالة التعظيم ، فهي حق عظيم إذ هي وحي ، والوحي مصدر علم قَطْعِيٌّ لا ظن فيه ولا خرص ، ودلالة : "أل" في الأنبياء : دلالة عموم آخر ، وهو يستغرق الرسل ، عليهم السلام ، إما بدلالة العموم والخصوص المطلق فكل رسول نبي ولا عكس ، فدائرة النبوة أخص من جهة المعنى فهي دون معنى الرسالة الأعم الذي يستغرق النبوة ويزيد عليها ، والنبوة ، من وجه آخر ، أعم من جهة الأفراد في الخارج ، فكل رسول قد حصل له معنى النبوة وزاد عليها ، وأما النبي فلا يحصل له معنى الرسالة الأخص فهو قدر يزيد ، فتكون دلالة الرسالة : دلالة مطابقة على النبوة وعلى القدر الزائد وهو التبليغ ، على القول المعروف المتداول ، فالرسول قد أمر بالتبليغ والنبي لم يؤمر فَاشْتَرَكَا فِي معنى الوحي واختلفا في معنى التبليغ فحصل لأحدهما دون الآخر ، وأما على القول الثاني ، فكلاهما قد أمر بالتبليغ ، فاشتركا في حدين وهما : الوحي والتبليغ ، وافترقا في الحد الثالث وهو التشريع فالرسول جاء بشرع جديد ، والنبي جاء يجدد شرع من تقدم من الرسل ، عليهم السلام ، فجاء مجددا لا ناسخا ، فأحيى ما اندثر من آثار الرسالة السابقة فلم يأت ليبدلها أو يحرفها بهوى أو ذوق ، بحجة المعاصرة أو نحوه ، كما يروم أصحاب هذا المذهب في هذا العصر ! ، فتجديدهم تحريف بل وتعطيل بل وإحلال وتبديل ! ، مع أن أحدهم لم يعط وصف الرسالة لِيَسُوغَ لَهُ أن ينسخ النبوة الخاتمة فقد انقطع الوحي بقبض صاحبها عليه الصلاة والسلام ، وقد يقال من وجه آخر إن دلالة الافتراق والاقتران هي الأقرب في هذا السياق ، فإذا افترق الرسول والنبي دل كل واحد منهما على نفسه أصالة وعلى الآخر نِيَابَةً ، وَإِذَا اقْتَرَنَا استقل كُلٌّ بمعنى ، أو يقال بأن ذلك من قبيل المثال فلا يخصص عموم المعنى ، فإن ذكر النبي على سبيل المثال لا يعني اختصاصه بهذا الوصف دون الرسول بل الرسول يدخل معه في هذا العموم ، إذ تحقق فيه حد النبوة وزيادة فيحصل له هذا المعنى من باب أولى ، فثم دلالات عدة تَرَاكَبَت فِي هَذَا السياق ، دلالة العموم ، ودلالة الافتراق والاقتران ، ودلالة العموم والخصوص المطلق إذ دائرة النبوة أوسع ، كما تقدم ، ودلالة التمثيل لمعنى عام فلا يخصصه ، ودلالة قياس الأولى فإن ثبت هذا الوصف الشريف للنبي وهو دون الرسول فثبوته للرسول يحصل من باب أولى ، وذلك مما اختصا به فلا يشترك فيه مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ، فالولي ، وإن صالحا ، إن رأى رؤية ، فلا تَعْدُو أن تكون مَحْضَ بُشْرَى عاجلة ، فـ : "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ" ، والتبشير مئنة من التفعيل وهو يحمل معنى التعدي على جهة التسبب فهو سبب في حصول البشرى ، فَيُبَشِّرُ صاحبها إن رآها أو رؤيت له ، فثم استيفاء لوجهي القسمة ، فلا تحتمل ثالثا ، فإن الرؤيا إما أن يَرَاها النائم لنفسه ، وإما أن يَرَاها لغيره ، وثم توكيد بالناسخ فضلا عن دلالة الشأن في الهاء في : "إنه"، فهو شأن عظيم ، وثم قصر بأقوى أساليب القصر ، النفي والاستثناء ، وأسندت المبشرات إلى اسم النبوة ، فذلك آكد في التعظيم ، إذ شرف المضاف من شرف المضاف إليه ، فهو يأخذ حكمه في النحو وفي المعنى ، فيحل محله في اللفظ رفعا أو نصبا أو جرا ، ويحل محله في المعنى مدحا أو ذما ، وقيدت الرؤيا بوصف الصالحة ، فذلك يخرج ما سواها ، فهي ، إما رؤيا وإما حلم وإما حديث نفس ، والثاني من الشيطان : معدن الخبث ، والثالث من النفس التي خلطت عملا صالحا وآخر سيئا فالرؤيا في حقها بقدر حالها ووصفها ، فإن طابت طابت رؤياها وإن خبثت خبثت رؤياها ، فالقياس يطرد وينعكس ، وإن امتزج فيها الطيب والخبيث فهي لأيهما غلب وذلك أصل في الحكم على الأعيان والأحوال ، فقد يمدح الإنسان من وجه ويذم من آخر ، وقد يجتمع فيه ما يوجب الحب والموالاة الإيمانية الأشرف ، وما يوجب البغض والمعاداة الإيمانية وهي ، أيضا ، الأشرف في هذا الباب ، فهما الحب والبغض في الله : أوثق عرى الإيمان ، وذلك قياس العقل الصريح أن الحكم إنما يتبع الوصف كمالا أو نقصا ، فمن غلبت على نفسه طبائع الروحانية الخفيفة كانت رُؤْيَاهُ إلى الصلاح أقرب ، وإن لم يعصم من الوسواس العارض فلا يسلم منه بشر إلا من عصم من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، ومن سواهم فكل ما يخطر لهم من الخواطر وَيَجِدُّ لهم من الهواجس فلا يحكم له بعصمة بل لا بد أن يعرض على النبوة فهي الحكم الفصل الذي يحكم بالقبول أو الرد وإن بلغ صاحبه من التقوى والإلهام ما بلغ ، فإنه بالإجماع غير معصوم فلا يحتج برؤياه أو ذوقه ، أو حدسه أو ظنه فهو من اسمه حدس وظن ، فلا يبلغ درجة اليقين الذي لا يزول بالشك ، بل هو شك وإن رجح طرفه فهو ظن باصطلاح المتأخرين ، فالظن عندهم ما رجح طرف الإثبات فيه وإن لم يبلغ حد اليقين الجازم فذلك أبدا لا ينال إلا من جهة الوحي ، فوجب إليه الرد وحده ، كما تقدم ، فحكمه لمن أنزله سواء أبان عنه بلفظ معجز أم بسنة نبي مرسل فيحصل كمال التوحيد والانقياد ، فتوحيد المرسِل ، جل وعلا ، وتوحيد المرسَل عليه الصلاة والسلام ، فلا عصمة لأحد بعده ، وكل نبوة بعد نبوته فَغِيٌّ وضلال ، وكل عصمة بعد عصمته فدعوى تفتح الباب لكل متنبئ كذاب أو غال في متبوع ، فذلك جنس الطاغوت وإن لم يكن راضيا بذلك فخرج من دائرة الذم ، فليس طاغوتا وإن طَغَا أتباعه وَزَادُوا في تعظيمه ما لم يعظمه الشارع ، جل وعلا ، فرؤياه غَايَتُهَا أن تكون ظنا راجحا إن كان وليا صالحا فهي مما يستأنس به ولا يحتج به ابتداء حتى يعرض على معيار الوحي فهو الحجة من الكتاب والسنة ، فإن وافق الحدس أو المنام ناموس الشريعة وقانونها المحكم حصلت به الكفاية ، وكان ، كما تقدم ، نافلة بعد الفريضة ، ولا يعني أنه صالح أن كل ما يرى أو يسمع أو يلقى في روعه حق فليس ذلك ، كما تقدم ، إلا للنبي ، فالولي قد يدخل عليه الوسواس وقد يخطئ في النظر والقياس وإن كان غالب حاله الصلاح فلا يشترط للولاية عصمة ، وإنما الأمر بالغلبة فمن غلب خيره شره فهو ولي لله ، جل وعلا ، وكلما ارتقى في معارج الخير ازداد من الله ، جل وعلا ، قربا ، فازداد ولاية ، ومن كان فيه خير وشر فهو ولي بقدر الخير ، مُبْغَضٌ مُبْعَدٌ بقدر الشر فيجتمع فيه ، كما تقدم ، الموجبان للحب والبغض جميعا ، فذلك الاعتبار الصحيح في هذا الباب وإلا انقلب الأمر فصار فوضى فكل يخبط عشواء في رؤياه أو هواه أو ذوقه ثم يُصَيِّرُ ما انتهى إليه دِينًا يُلْزِمُ به أتباعه ، ورؤيا المنام ، أيضا ، من قبيل المثال المضروب فيدل على معنى وإن كان ثم تورية فذلك ما يعلمه من يعبر الرؤى ، وتعبير الرؤى باب واسع فيه ، أيضا ، يحصل التباين بين النبي والولي ، فرؤية النبي حق لا خطأ فيه فكلها صواب سواء أفتقرت إلى تأويل ، كما في رؤيا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يكون يوم أحد أن بقرا تذبح بين يديه ..... إلخ ، فتأولها بقتل أصحابه ومصابه في واحد من آل بيته ، عليه الصلاة والسلام ، أم كانت واضحة كذبح إسماعيل ، عليه السلام ، وَسَوَاءً أكانت خبرا ، كما أخبر عليه الصلاة والسلام في تأويل رؤياه قبل أحد ما يكون لأصحابه من مقتلة ، فذلك من الغيب الذي ينال يقينا من خبر الرسالة ويستأنس به من غيرها إن كان صاحبها صالحا فهو أهل أن يعبر الرؤى ، أم إنشاء ، كذبح إسماعيل عليه السلام فهي إنشاء صريح بالأمر أن اذبح إسماعيل فلما امتثل الخليل عليه السلام التكليفَ وتله للجبين ، فصدق الرؤيا بالعمل ، وذلك موضع اعتبار صحيح في تأويل التصديق يشهد لمن أدخل العمل فِي معناه ، فصدق الخليل عليه السلام الرؤيا بالعمل دون تكلف تفسير أو تأويل ، وذلك ، أيضا ، مما يستأنس به من يقول إن العبرة في النصوص إجراؤها على ظاهرها المتبادر وعدم التعرض لها بتأويل حتى ترد قرينة صارفة معتبرة وذلك أمر يعم الأخبار والإنشاءات جميعا ، فرؤياه حق ، وهي رؤيا منام تدخل في التشريع لقرينة العصمة ، فهي وحي ، وإن لم ينزل به كتاب ، فهي وحي في التكليف بالتصديق والامتثال ، فلم ينزل وحي معجز متعبد بلفظه في المنام لئلا يجد أصحاب الشبهات في ذلك حجة أن يطعنوا في الوحي فليس إلا أضغاث أحلام ، بل هو الحق الذي نزل على قلب النبي الأمين عليه الصلاة والسلام حال اليقظة فارتقت روحه وبدنه حاضر معراجا وجد فيه من المشقة شيئا عظيما ، فـ : "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ .......... قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا" ، فلم ينخلع من الحال البشرية ، ولم يدخل في الحال الملكية بل ثم اتصال لا يعلم كنهه وإن وجدت آثاره على جسد النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو حقيقة لا تنكر وإن لم يعلم الكيف ، فالمعنى قد علم ، وذلك أمر يعم كل الغيوب فهو أصل صحيح في اعتبار ما لم نجد آثاره فليس ذلك مئنة من عدم الوجود ، فعدم الوجدان ليس مئنة من عدم الوجود ، كما يقول المحققون ، بل قد يوجد الشيء ولا يجد الإنسان آثاره لقصر مداركه الحسية أن تحيط بحقيقته الخارجية وإن أدركت معناه في الذهن إما إيجابا وإما جوازا على وجه يفتقر إلى مرجح من خارج ، وهو الخبر الصحيح إذ العقل لا يَسْتَقِلُّ بإثبات ذلك أو نَفْيِهِ ، والحس لا يدرك آثاره ، فالوحي منه : وحي الرؤيا ، وهو محل الشاهد ، ووحي اليقظة وصوره بالاستقراء تَتَعَدَّدُ فمنه وحي الإلهام والحدس ، ومنه وحي الكتاب ، ومنه وحي السنة ، كما في حديث يعلى بن أمية ، فـ : "أَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنِّي أُحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، خَمَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالثَّوْبِ، فَجِئْتُهُ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا عَنِ الْعُمْرَةِ؟» فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ : انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّكَ" ، وحديث صاحب الدَّيْنِ ، فـ : "القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ خَطِيئَةٍ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِلَّا الدَّيْنَ"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الدَّيْنَ»" ، وهذا موضع آخر به يستبين القدر الفارق بين الاعتبار بالنبوة والاعتبار بما دونها ، فرأى صاحبا السجن : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، و : (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ خمرا) ، فالفاعل في كلا السياقين هو عين المفعول فهو الرائي والمرئي معا ، وقد صدر السياق بالمؤكد الناسخ وجاء المفعول الثاني على حد المضارعة : "أَعْصِرُ خَمْرًا" ، و : "أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ" ، استحضارا لصورة انقضت ، فحكيا الرؤيا ثم طلبا التعبير والتأويل على جهة الإنباء فلا يخلو من دلالة طرافة وغرابة فالإنباء ليس كالإخبار فَفِيهِ مَعْنًى يَزِيدُ وهو غَرَابَةُ المخبر به أو هَوْلُهُ ، فهو خارج عن المألوف في كيفه أو كمه ، فاشتركا في الدلالة الرئيسة وهي الإخبار بأمر ما ، واختص الإنباء بقدر زائد وهو الغرابة واللطافة ، فثم في الاعتبار أيضا : عموم وخصوص مطلق ، فكل إنباء إخبار ويزيد ولا عكس ، واصطلاح الكتاب العزيز يباين ما حدث من اصطلاح في فن الرواية بين الإخبار والإنباء ، فأخبرنا من لفظ الراوي والشيخ يسمع ويقابل على حفظه أو على أصل مكتوب يمسكه في يده ، فيمسك الراوي بكتاب منه يقرأ ، ثم يقابله إما على حفظ الشيخ أو كتابه أو كتاب محقق مقابل على لفظ الشيخ أو كتابه ، والإنباء من لفظ الشيخ فيكافئ التحديث من هذا الوجه ، فذلك اصطلاح أخص ، فهو حقيقة عُرْفِيَّةٌ اصطلاحية خاصة ، لا تَتَعَدَّى دائرة هذا الفن إلى بقية الفنون ، فليست كاصطلاح اللسان الأعم فهو الذي يحكم به في تأويل نصوص الشريعة على وجه يحصل به البيان للأخبار والأحكام .
فحد الفعل : "نَبِّئْنَا" على حد الأمر ، وهو مئنة من الإيجاب ولكنه انصرف إلى الالتماس لقرينة صدوره من الند إلى نده ، وقد يقال إن رتبة يوسف عليه السلام أعلى ، فمعنى الندية والمساواة لا يحسن بين نبي وآحاد من البشر فضلا أنهم ليسوا بمؤمنين ، فليس ثَمَّ قدر مشترك بَيْنَهُمَا ، يوجب التسوية ، ولو من وجه ، فيكون في الأمر دلالة رجاء لا تصل بداهة إلى حد الدعاء فإنه لا يكون إلا من العابد الأدنى إلى المعبود الأعلى ، سواء أكان معبودا بحق أم غيره ، فالنظر هنا في اعتقاد العابد وإن فاسدا فهو يدعو ، فإما أن يدعو الإله المعبود بحق ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وإما أن يدعو غيره ، فـ : (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) ، وقد يقال من وجه آخر إن التسوية حاصلة من جهة أنهم جميعا في السجن ، فوصفهم عند من سجنهم واحد فهم تحت سلطانه سواء أسجنوا بحق أم بِبَاطِلٍ ، وسواء أكانوا صالحين أم طالحين فذلك موضع يستجار منه بالله ، جل وعلا ، أن يقي العباد شره وفتنته ، إذ يسوى فيه بين المذنب والبريء ، والظالم والمظلوم فكلهم في قيد الأسر حتي يأذن الرب ، جل وعلا ، بكسره ، وتعدى الفعل إلى المفعول الثاني : "بِتَأْوِيلِهِ" بواسطة ، فهو مما يتعدى بنفسه تارة ، إما إلى مفعول واحد تارة ، كما في قوله تعالى : (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) ، وقد يقال بأن المفعول الثاني قد حذف لدلالة السياق عليه ، فذكر سابقا باسم الإشارة في الاستفهام : (مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) ؟ ، فهو يشير إلى الفعل وهو إنباء الحديث الذي كان سرا ، فتقدير الكلام : نبأني العليم الخبير بما كان من أمرك إذ أخبرت بالسر ، وإما إلى مفعولين ، كما في قوله تعالى : (مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) ، وإما إلى ثلاثة ، كما في قول القائل : نبأت محمدا الله كبيرا ، وقد تحل الجملة محل المفعولين ، كما في قول زهير :
نبئت أن رسول الله أوعدني ******* والعفو عند رسول الله مأمول .

وتلك حال الكريم فإنه إذا أوعد لم ييأس المتوعد من عفوه فإذا ثبت هذا للبشر المخلوق فكيف بالرب المعبود ، تبارك وتعالى ، فيثبت له من باب أولى ، وجاء التأويل هنا على حد التفسير ، وقد يقال بأن العصمة قد رفعته إلى حد الإعلام بأمر مغيب في المستقبل فذلك مما يُعْلِمُهُ الله ، جل وعلا ، من شاء من رسله ، عليهم السلام ، وهي عصمة مخصوصة في تأويل الرؤيا بما يقع حتما في الزمن المستقبل ، سواء أكان خيرا بنجاة الأول الذي يعصر أم شرا بهلاك الثاني الذي يحمل فوق رأسه خبزا ، وهو يشبه من وجه ما تقدم من تأويل صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤياه قبل أحد ، والإخبار بالغيب المستقبل أمر جائز ، وقد ثَبَتَ بِنَصِّ الخبر الصادق ، وغايته الرئيسة تأييد النبي بالبراهين الأكيدة على صدق دعواه ، وذلك أمر يحصل سواء أخبر بغيب مستقبل في حياته أم بعد وفاته ، فذلك ، أيضا ، من مواضع الاعتبار الصريح في أخبار الغيب ، فهي مما أوحاه الرب ، جل وعلا ، لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، خاصة ، ولأنبيائه عامة ، فأوحى إليهم جميعا ما يكون من خبر الرسالة الخاتمة ، فأخذ عليهم فيها الميثاق ، فـ : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، وقد يقال بالعموم فهو يستغرق كل رسول تال فيجب عليه الإيمان بمن سبقه وإن خالفهم في الشريعة ، إما كلا وإما جزءا ، فضلا أن يكون نبيا يجدد ، كما تقدم ، ما اندثر من شريعة الرسول المتقدم ، وأما في النبوءة الخاصة بالرسالة الخاتمة فذلك نص فيها لا يحتمل ، فـ : "دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبُشْرَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ" ، وكانت رؤيا أمه عليه الصلاة والسلام حق ، وإن كانت كافرة إذ كانت من الإرهاصات بالبعثة الخاتمة ، فكل أولئك من موارد الاعتبار في مادة الرؤيا والتي يحصل بها من العلم ما هو يقين في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبشرى في حق المؤمن ، وقد تكون حديث نفس أو وسواس شيطان ، فهي في جميع أحوالها ، في حق عامة البشر ، لا تفيد يقينا بل غايتها أن تفيد ظنا راجحا ، وأما في حق الأنبياء عليهم السلام فهي حق يقين لا يحتمل فلا شك فيه ولا ريب لمكان العصمة في التبليغ والتبيين ، وفي هذا المورد من الاعتبار فارقت الرسالات الأهواء والأذواق التي استندت في مواضع كثيرة إلى رؤى ومواجيد ، في التصحيح والتضعيف وفي التشريع بالتحليل والتحريم وذلك من الاضطراب بمكان لتعدد النفوس التي ترى ، وتعدد العقول التي تتأول الرؤى ! ، فلأيها يرجع ؟! ، وكلها متشابه ظني فقياس العقل السوي أن ترد جميعا إلى الوحي المحكم القطعي على ما اطرد مرارا من قضاء القطعي على الظني ، إذ دلالة الأول نص لا يحتمل ، ودلالة الثاني ظاهر يحتمل ، وما لا يحتمل يقدم على ما يحتمل ، إذ الحق في الأول قد تعين جزما وفي الثاني غايته أن يثبت ظنا راجحا فلا ينفك يحتمل الخطأ ولو مرجوحا ، فكيف يسوى بما كان الخطأ فيه ممنوعا ، بل كيف يقدم عليه عند التعارض ، فذلك أفسد في قياس العقل السوي ، الذي قضي أن يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير فيؤخر العقل ويقدم الوحي فهو أول والاجتهاد محل ثان لا يتقدم بين يدي الشريعة وإلا فسد الاعتبار كما ترى في حال كل من حاد عن الجادة في عقد أو شرع فلا ينفك عن خطأ في النظر والفهم سواء أكان جهلا أم سوء نية أم مركبا منهما جميعا ! .

والرؤى الْمَنَامِيَّةُ عادة ما تكون فيها أمثال مضروبة ، فَفِيهَا من الغرائب شيء ظاهر ، وإلا ما احتاجت إلى التَّعْبِيرِ ، والتَّعْبِيرُ اجتهاد فهو يحتمل الصواب والخطأ في حق غير النبي المعصوم ، فَجِنْسُ التعبير الأخص من جنس الاعتبار الأعم ، إذ الاعتبار يَسْتَغْرِقُ جميع صور الاجتهاد ، في الفقه أو في أصوله ، فإن هذا العلم علم عقلي نظري تجد فيه من صنوف الاعتبار الصحيح ما يغتذي به الفؤاد الناصح الذي يروم الاستنباط لا لأجل الترف العقلي كما تجد في الدرس الفلسفي الذي يجعل العلم في حد ذاته غاية ، وإن لم يُشْفَعْ بالعمل فَهُوَ ثَمَرَتُهُ ، فالعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، فالاعتبار النافع هو الاعتبار الذي يولد في القلب تصورا صحيحا تَعْقُبُه إرادة جازمة فَأَثَرٌ في الخارج في القول والعمل ، فلا ينفع اعتبار إلا بعمل يصدق ما يستنبطه النظر ، فإن أخذ الْعِبْرَةِ من حال من تقدم تفضي أن يخالف العاقل عن طريقتهم الدنيا إن كانوا أهل كفر وعصيان ، وأن ينهج طريقتهم المثلى إن كانوا أهل إيمان وطاعة ، فذلك قياس الطرد والعكس ، فإن من وافق حصل له ما حصل لهم إن خيرا وإن شرا ، ومن خالف حصل له ضده إن خيرا وإن شرا ، أيضا ، فلا اعتبار ينفع ما لم تظهر آثاره في الخارج في القول والعمل ، فَيُؤَيِّدُ العمل العلمَ ، فعلم الاستنباط أو الأصول علم عقلي صريح وإن كان استمداده الاستمداد الشرعي الصحيح ، فأصول الشريعة الصحيحة جارية على وِزَانِ الطرائق العقلية الصريحة .

فإذا عبر معبر رؤيا فقد اجتهد في الاستنباط بِدَرَكِ وجه المثل وإن لطف ، وذلك أمر يَحْتَاجُ فطرة صريحة ، وهو مع ذلك يحتاج نظر مدقق ، يدرك من خفايا المعاني ووجوه الألفاظ ما به يسقط الرؤيا على الواقع ، ولا يَخْلُو ذلك من قَرَائِنَ فِي الخارج فَلَيْسَ تَأْوِيلُ الرؤيا في حق الصالح كتأويلها في حق الطالح ، وإن كان المثل المضروب واحدا ، كما في تأويل ابن سيرين ، رحمه الله ، الأذان في حق الصالح بالحج ، فـ : (أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) ، وفي حق الطالح بالسرقة ، فـ : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) ، فذلك كسائر وجوه التأويل لا يسلم له إلا بقرينة صحيحة صريحة إذ يصرف اللفظ أو الحدث عن معناه الراجح المتبادر إلى معنى آخر مرجوح وإن كان له حظ من النظر ، فلا يسلم له إلا أن يَتَأَيَّدَ بِقَرِينَةٍ أو جملة من القرائن يجهد الذهن أن يجمعها ويؤلف بَيْنَهَا ليخرج بصورة صحيحة أركانها تامة يحصل بها معنى صحيح يُنْبِئُ عَمَّا في غد لا على جهة الجزم فذلك فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ادعاء لعلم الغيب ، بل النبي نفسه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله ، جل وعلا ، فالأصل في هذا الباب المنع ، فـ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) إلا أن يرد دليل يرفع الحظر ، وتلك دلالة الاستثناء : (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) ، فمن ارْتَضَى من الرسل ، عليهم السلام ، دُونَ غيرهم ، فذلك مما لا يقاس عليه ، إذ ثم فارق أي فارق ! وهو العصمة ، فوجودها في الأصل ثابت ، وَوُجُودُهَا في الفرع مُنْتَفٍ ، وإن حصل فيهما وصف الصلاح والتقوى ، فهو وصف أعم ، يجعل كلاهما أهلا أن يعبر الرؤى ، ولكن تعبير الأول يقين جازم ، وتأويل الثاني ظن راجح يجتهد صاحبه فلا يبلغ درجة اليقين إذ دلالة القياس في اعتبار الأخبار والأحكام : دلالة ظن راجح فلا يجزم المجتهد بدلالة القياس في خبر أو حكم ، إلا أن يقع عليه إجماع ، فالإجماع يرفع ظني الدلالة إلى رتبة قطعي الدلالة ، على خلاف هل يصح القياس مستندا للإجماع ، فمن جَوَّزَ ذلك فالقياس عنده يَبْلُغُ درجة اليقين لا لذاته وإنما لغيره فَقَرِينَةُ الإجماع قد رَفَعَتْهُ من رتبة ظني الدلالة إلى رتبة قطعي الدلالة ، والاعتبار بالإجماع هو ، أيضا ، من آكد صور الاعتبار في هذه الشريعة ، فَهُوَ مورد يقين إذ دل الدليل على ذلك ، وإلا فالذهن يجوز أن يخطئ الإجماع ، بل قد وقع ذلك فِيمَنْ سبق فأجمعوا على الباطل في العقد والشرع ، في الخبر والإنشاء ، بل قد ضلوا في أصل الدين فَنَقَضُوا عقد التوحيد ، وذلك خلافا للأمة الخاتمة إذ تشهد على بَقِيَّةِ الأمم ، فكيف تقبل شهادتها مع جواز إجماعها على الخطأ ؟! .

فلا يعدو اعتبار آحاد المجتهدين في حكم أو رؤيا أن يكون ظنا يصيب ويخطئ أو قد يصيب بعضا ويخطئ بعضا كما وقع لأبي بكر ، رضي الله عنه ، في حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأصاب في تأويل بعض رؤيا وأخطأ في بعضها ، وَإِذْ كَانَتِ الرؤيا مَئِنَّةً من الخفاء والدقة ولا تخلو من غَرَابَةٍ تُثِيرُ الدهشة جاز في اللسان أن تطلق على كل غريب لم تَعْتَدْهُ العين كما في رؤية المعراج فليست رؤيا منام على الراجح من أقوال أهل العلم ، وإنما هي رؤية عين على جهة الحقيقة ، وإن كان ضرب الأمثال فيها حاصلا ، لا على وجه يسوغ تَأَوُّلَ ما رأى من صور العذاب للعصاة فيكون ذلك من خطاب الجمهور فليس إلا رموزا لا حقائق لها كما يزعم الدرس الفلسفي الذي يتأول هذه الأخبار على وجه يأتي على أصولها بالإبطال فضلا أن ينقلب العذاب في حقهم نعيما يلتذون به كما زعم من زعم من الاتحادية فهم من غلاة التأويل الباطن الذي ينقض الأخبار والأحكام جميعا ويفضي إلى إباحية مطلقة بإسقاط الشرائع ! ، وإنما حصل الاعتبار الدقيق في أجناس العقوبات التي تلائم المعاصي ، فَلِكُلِّ عقوبة وجه لطيف يلائم الذنب الذي اقترفه صاحبه ، فذلك من العدل والحكمة أن يقدر كل شيء بقدره ، فَلُكِلِّ شيء ما يلائمه ، إذ الحكم يُنَاطُ بالوصف وليست الأوصاف سواء ، فإذا اختلفت وهي علل الأحكام : اختلفت الأحكام تبعا لها ، فهي تدور معها وجودا وعدما وهي تكافئها في القدر وإن اشتركت في الأصل فجنس المدح والثواب جنس أعم تتفاوت أنواعه وآحاده في القدر فلكل نوع من الجزاء بقدره ، بل الآحاد وإن اتحدت في الصورة فهذه صلاة وهذه صلاة ، إلا أن بَيْنَهُمَا من الاختلاف ما بَيْنَ السماء والأرض ، فقلب حاضر وآخر غافل كيف يستويان في القدر وإن استويا في الصورة الظاهرة ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فذلك استفهام أشرب معنى الإنكار والإبطال ، فلا يستويان مثلا ، وذلك العدل أن يسوى بين المتماثلين ويفرق بين المتباينين ، فَرَأَى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمورا غريبة ليست بمعهودة في دار الدنيا ، فهي وإن كانت رؤية عين إلا أن ضرب الأمثال فيها ثابت كثبوته في رؤيا المنام ، فهي توافقها من وجهين : أنها غريبة لم تألفها العين ، وأنها أمثال فيها معان لطيفة ، وإن كان ضرب المثال في رؤيا المنام أظهر فرؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤية عين لأمور تقع في الحقيقة في دار البرزخ فليس أمثلة تضرب وإنما هي حقائق لا تخلو من ضرب مثال لطيف إذ تحصل بها العبرة في ملاءمة العقوبة للذنب ، فَإِذْ كَانَ الأمر كذلك استبان للناظر كيف حُدَّت رؤية المعراج حَدَّ رؤيا المنام في قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ، مع أنها رؤية عين لا رؤيا منام ، وإنما حدت هذا الحد مئنة من غَرَابَتِهَا فليست مِمَّا تألفه العين في العادة الجارية ، فلا يشترك في دركها عموم الناس ، وإنما خص بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمكان الرسالة ، فإن حصل الاشتراك في أصول ، كالحدس والظن والإلهام والوجدان والمنام ، فالمنام صورة علمية فيها شيء من الوحي ، فـ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" ، ولكنها بداهة ليست مناط عصمة إلا أن يكون الرَّائِي هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهي أنموذج للوحي به يُقَرَّبُ معناه إلى الذهن حال الْبَيَانِ لحقيقته ، فإن ضرب المثال يُقَرِّبُ المعنى إلى الذهن ولذلك كان التعريف بالمثال في أحوال كثيرة أَوْضَحَ من التعريف بالحد الجامع المانع ، فبالمثال يتضح المقال ، وضرب الأمثال أمر عُهِدَ في التَّنْزِيلِ فهو متواتر قد اشتهر ، فـ : (لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ، وذلك من بيان التنزيل للمعاني فهو يسلك المشهور المتداول ولا يستعمل الغوامض والنوادر التي لم تجر على الألسنة فهي بين مجهول لا يعلم أصله أو مغمور لم يشتهر فليس لغة القبيل الرئيس : قبيل قريش ، بل هو من لغة الأطراف والحواشي ، أو مهجور غَيْرِ مستعمل ، وما بذلك يحصل بيان ، ولذلك كان من شرائطه الرئيسة أن يحصل بلفظ صحيح النقل صريح الدلالة ، سواء أكان نصا أم ظاهرا ، وسواء أكان الظاهر بسيطا هو ما يتبادر إلى الذهن ، أو ظاهرا مركبا تشهد له قرينة صحيحة من السياق أو الحال أو العقل إن كان مما يدرك بالحس والعقل فتصح فيه قرائن البشر مما تدركه حواسهم وعقولهم خلافا لأخبار الغيب فلا عمل للعقل فيها إلا التسليم والتدبر في المعاني المطلقة في الذهن دون خوض في الحقائق المقيدة في الخارج ، إذ لا يدرك العقل حقائقها في الخارج ليقيسها على ما يجده الحس ، وإن أدرك معانيها المطلقة في الذهن .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
07-09-2015, 11:33 PM
ومن موارد الاعتبار التي وقع فيها الخلاف ولا زال ، الاعتبار في تأويل الرؤى المنامية ومنزلتها في الشرع ، فهل يحتج بها أو يستأنس ، ومن مواردها في التنزيل قول الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، في خبر يوسف الصديق ، عليه السلام ، فـ : (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) ، فتلك رؤية الحلم وهي مما يَتَعَدَّى إلى المفعولين ، فالأول ياء المتكلم ، وتلك من المواضع التي يجوز فيها أن يكون الفاعل هو عين المفعول ، فمن رأى هو الذي رُؤِيَ ، خلافا للرؤية في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين" ، فتاء الفاعل قد حلت محل الفاعل ونابت عنه فكانت مفعولا منصوبا فانقلبت مرفوعا ، و : "دار هجرتكم" ، المفعول الثاني ، وذات نخل : المفعول الثالث ، و : "بين لابتين" : حال تُبَيِّنُ هيئة المفعول الثاني ، وهي دار الهجرة فجاء الإطناب في بَيَانِ وصفها فذلك مِمَّا يُزِيلُ إبهامها إذ الحال وصف في المعنى وإن أبان عن هيئة مخصوصة ، وقد يقال إنها وصف لـ : "ذات نخل" ، فهي نكرة وإن أضيفت فقد أضيفت إلى نكرة مثلها فاستفادت نوع تخصيص لم يرفع عنها صفة التنكير ، والظرف بعدها كالجملة يُعْرَبُ صفة ، وذلك ، من وجه آخر ، أليق في الوصف إذ يحسن وصف الشيء بصفة تلازمه لا حال تعرض له ، فوصفها الثابت أنها بَيْنَ لَابَتَيْنِ فليس ذلك وصفا طارئا ، وليس ذلك مما يحصل تارة ولا يحصل أخرى ، وَقَدْ حذف الفاعل للعلم به بداهة ، فالذي يُرِي العبادَ الرُّؤَى هو الله ، جل وعلا ، والذي يُرِي الأنبياء ، عليهم السلام ، الرؤى ، هو الله ، جل وعلا ، فَفِيهَا قدر زائد وهو أنها حق قاطع ، فَرُؤَى الأنبياء حق ، ودلالة الإضافة مما حصل به التعريف في اللفظ ، والتوضيح في المعنى ، والعموم في الدلالة ، فهي رؤى الأنبياء عليهم السلام جميعا ، فلا يختص أحدها بوصف الحق دون البقية ، وإنما كلها حق محض لا شك فيه ولا ريب ، فتنكير حق ، جار على الجائز في لسان العرب من تنكير الخبر ، بل ذلك الأصل فيه إذ لو عُرِّفَ بالإضافة أو التحلية بـ : "أل" ، لأفاد معنى القصر وهو معنى يَزِيدُ على الإسناد المحض ، ففي الإسناد المحض يثبت مطلق الحكم أو الحمل على الموضوع دون أن يُخَصَّ المبتدأ به حقيقة أو دعوى في سياق المبالغة فهي ضرب من ضروب المجاز ، كدلالة : "أل" في : "الرجل" في نحو قولك : زيد الرجل ، فثم قصر بِتَعْرِيفِ الجزأين ، وثم استغراق معنوي لصفات الرجل ، وثم تأويل للجامد بالمشتق ، فهو على تقدير زيد الشجاع الهمام الكريم ..... إلخ من صفات الكمال التي يمدح بها الرجال فضمن اسم الرجل في هذا السياق معان اشتقت من مصادر ، مع أنه في الأصل جامد فهو اسم مفرد يدل على حقيقة الذكر المطلقة ، فانضاف إليها في هذا السياق حقائق صفات يمدح بها الرجال ، كالكرم والشجاعة .... إلخ ، والكرم والشجاعة ، على جهة الاختصاص ، من آكد ما يوصف به الرجال ، ومن آكد ما تقوم عليه الأديان فلا قيام لدين بلا شجاعة تبذل فيها النفوس وبلا كرم تبذل فيه النقود ، فهما أعز ما يملك الإنسان ، فَبَذْلُهُ لهما شهادة صدق أَنَّهُ ينصر دين الرب ، جل وعلا ، فالأصل أن يكون الخبر منكرا إذ غاية الانْتِفَاعِ به أن تحصل به صورة الحكم المطلقة على المبتدأ المسند إليه ، فدلالة : "حق" تفيد دلالة الإخبار بلا زيادة في المعنى ، وقد يقال بأن التنكير لا يخلو من دلالة النوعية ، فضلا عن دلالة التعظيم ، فهي حق عظيم إذ هي وحي ، والوحي مصدر علم قَطْعِيٌّ لا ظن فيه ولا خرص ، ودلالة : "أل" في الأنبياء : دلالة عموم آخر ، وهو يستغرق الرسل ، عليهم السلام ، إما بدلالة العموم والخصوص المطلق فكل رسول نبي ولا عكس ، فدائرة النبوة أخص من جهة المعنى فهي دون معنى الرسالة الأعم الذي يستغرق النبوة ويزيد عليها ، والنبوة ، من وجه آخر ، أعم من جهة الأفراد في الخارج ، فكل رسول قد حصل له معنى النبوة وزاد عليها ، وأما النبي فلا يحصل له معنى الرسالة الأخص فهو قدر يزيد ، فتكون دلالة الرسالة : دلالة مطابقة على النبوة وعلى القدر الزائد وهو التبليغ ، على القول المعروف المتداول ، فالرسول قد أمر بالتبليغ والنبي لم يؤمر فَاشْتَرَكَا فِي معنى الوحي واختلفا في معنى التبليغ فحصل لأحدهما دون الآخر ، وأما على القول الثاني ، فكلاهما قد أمر بالتبليغ ، فاشتركا في حدين وهما : الوحي والتبليغ ، وافترقا في الحد الثالث وهو التشريع فالرسول جاء بشرع جديد ، والنبي جاء يجدد شرع من تقدم من الرسل ، عليهم السلام ، فجاء مجددا لا ناسخا ، فأحيى ما اندثر من آثار الرسالة السابقة فلم يأت ليبدلها أو يحرفها بهوى أو ذوق ، بحجة المعاصرة أو نحوه ، كما يروم أصحاب هذا المذهب في هذا العصر ! ، فتجديدهم تحريف بل وتعطيل بل وإحلال وتبديل ! ، مع أن أحدهم لم يعط وصف الرسالة لِيَسُوغَ لَهُ أن ينسخ النبوة الخاتمة فقد انقطع الوحي بقبض صاحبها عليه الصلاة والسلام ، وقد يقال من وجه آخر إن دلالة الافتراق والاقتران هي الأقرب في هذا السياق ، فإذا افترق الرسول والنبي دل كل واحد منهما على نفسه أصالة وعلى الآخر نِيَابَةً ، وَإِذَا اقْتَرَنَا استقل كُلٌّ بمعنى ، أو يقال بأن ذلك من قبيل المثال فلا يخصص عموم المعنى ، فإن ذكر النبي على سبيل المثال لا يعني اختصاصه بهذا الوصف دون الرسول بل الرسول يدخل معه في هذا العموم ، إذ تحقق فيه حد النبوة وزيادة فيحصل له هذا المعنى من باب أولى ، فثم دلالات عدة تَرَاكَبَت فِي هَذَا السياق ، دلالة العموم ، ودلالة الافتراق والاقتران ، ودلالة العموم والخصوص المطلق إذ دائرة النبوة أوسع ، كما تقدم ، ودلالة التمثيل لمعنى عام فلا يخصصه ، ودلالة قياس الأولى فإن ثبت هذا الوصف الشريف للنبي وهو دون الرسول فثبوته للرسول يحصل من باب أولى ، وذلك مما اختصا به فلا يشترك فيه مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ، فالولي ، وإن صالحا ، إن رأى رؤية ، فلا تَعْدُو أن تكون مَحْضَ بُشْرَى عاجلة ، فـ : "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ" ، والتبشير مئنة من التفعيل وهو يحمل معنى التعدي على جهة التسبب فهو سبب في حصول البشرى ، فَيُبَشِّرُ صاحبها إن رآها أو رؤيت له ، فثم استيفاء لوجهي القسمة ، فلا تحتمل ثالثا ، فإن الرؤيا إما أن يَرَاها النائم لنفسه ، وإما أن يَرَاها لغيره ، وثم توكيد بالناسخ فضلا عن دلالة الشأن في الهاء في : "إنه"، فهو شأن عظيم ، وثم قصر بأقوى أساليب القصر ، النفي والاستثناء ، وأسندت المبشرات إلى اسم النبوة ، فذلك آكد في التعظيم ، إذ شرف المضاف من شرف المضاف إليه ، فهو يأخذ حكمه في النحو وفي المعنى ، فيحل محله في اللفظ رفعا أو نصبا أو جرا ، ويحل محله في المعنى مدحا أو ذما ، وقيدت الرؤيا بوصف الصالحة ، فذلك يخرج ما سواها ، فهي ، إما رؤيا وإما حلم وإما حديث نفس ، والثاني من الشيطان : معدن الخبث ، والثالث من النفس التي خلطت عملا صالحا وآخر سيئا فالرؤيا في حقها بقدر حالها ووصفها ، فإن طابت طابت رؤياها وإن خبثت خبثت رؤياها ، فالقياس يطرد وينعكس ، وإن امتزج فيها الطيب والخبيث فهي لأيهما غلب وذلك أصل في الحكم على الأعيان والأحوال ، فقد يمدح الإنسان من وجه ويذم من آخر ، وقد يجتمع فيه ما يوجب الحب والموالاة الإيمانية الأشرف ، وما يوجب البغض والمعاداة الإيمانية وهي ، أيضا ، الأشرف في هذا الباب ، فهما الحب والبغض في الله : أوثق عرى الإيمان ، وذلك قياس العقل الصريح أن الحكم إنما يتبع الوصف كمالا أو نقصا ، فمن غلبت على نفسه طبائع الروحانية الخفيفة كانت رُؤْيَاهُ إلى الصلاح أقرب ، وإن لم يعصم من الوسواس العارض فلا يسلم منه بشر إلا من عصم من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، ومن سواهم فكل ما يخطر لهم من الخواطر وَيَجِدُّ لهم من الهواجس فلا يحكم له بعصمة بل لا بد أن يعرض على النبوة فهي الحكم الفصل الذي يحكم بالقبول أو الرد وإن بلغ صاحبه من التقوى والإلهام ما بلغ ، فإنه بالإجماع غير معصوم فلا يحتج برؤياه أو ذوقه ، أو حدسه أو ظنه فهو من اسمه حدس وظن ، فلا يبلغ درجة اليقين الذي لا يزول بالشك ، بل هو شك وإن رجح طرفه فهو ظن باصطلاح المتأخرين ، فالظن عندهم ما رجح طرف الإثبات فيه وإن لم يبلغ حد اليقين الجازم فذلك أبدا لا ينال إلا من جهة الوحي ، فوجب إليه الرد وحده ، كما تقدم ، فحكمه لمن أنزله سواء أبان عنه بلفظ معجز أم بسنة نبي مرسل فيحصل كمال التوحيد والانقياد ، فتوحيد المرسِل ، جل وعلا ، وتوحيد المرسَل عليه الصلاة والسلام ، فلا عصمة لأحد بعده ، وكل نبوة بعد نبوته فَغِيٌّ وضلال ، وكل عصمة بعد عصمته فدعوى تفتح الباب لكل متنبئ كذاب أو غال في متبوع ، فذلك جنس الطاغوت وإن لم يكن راضيا بذلك فخرج من دائرة الذم ، فليس طاغوتا وإن طَغَا أتباعه وَزَادُوا في تعظيمه ما لم يعظمه الشارع ، جل وعلا ، فرؤياه غَايَتُهَا أن تكون ظنا راجحا إن كان وليا صالحا فهي مما يستأنس به ولا يحتج به ابتداء حتى يعرض على معيار الوحي فهو الحجة من الكتاب والسنة ، فإن وافق الحدس أو المنام ناموس الشريعة وقانونها المحكم حصلت به الكفاية ، وكان ، كما تقدم ، نافلة بعد الفريضة ، ولا يعني أنه صالح أن كل ما يرى أو يسمع أو يلقى في روعه حق فليس ذلك ، كما تقدم ، إلا للنبي ، فالولي قد يدخل عليه الوسواس وقد يخطئ في النظر والقياس وإن كان غالب حاله الصلاح فلا يشترط للولاية عصمة ، وإنما الأمر بالغلبة فمن غلب خيره شره فهو ولي لله ، جل وعلا ، وكلما ارتقى في معارج الخير ازداد من الله ، جل وعلا ، قربا ، فازداد ولاية ، ومن كان فيه خير وشر فهو ولي بقدر الخير ، مُبْغَضٌ مُبْعَدٌ بقدر الشر فيجتمع فيه ، كما تقدم ، الموجبان للحب والبغض جميعا ، فذلك الاعتبار الصحيح في هذا الباب وإلا انقلب الأمر فصار فوضى فكل يخبط عشواء في رؤياه أو هواه أو ذوقه ثم يُصَيِّرُ ما انتهى إليه دِينًا يُلْزِمُ به أتباعه ، ورؤيا المنام ، أيضا ، من قبيل المثال المضروب فيدل على معنى وإن كان ثم تورية فذلك ما يعلمه من يعبر الرؤى ، وتعبير الرؤى باب واسع فيه ، أيضا ، يحصل التباين بين النبي والولي ، فرؤية النبي حق لا خطأ فيه فكلها صواب سواء أفتقرت إلى تأويل ، كما في رؤيا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يكون يوم أحد أن بقرا تذبح بين يديه ..... إلخ ، فتأولها بقتل أصحابه ومصابه في واحد من آل بيته ، عليه الصلاة والسلام ، أم كانت واضحة كذبح إسماعيل ، عليه السلام ، وَسَوَاءً أكانت خبرا ، كما أخبر عليه الصلاة والسلام في تأويل رؤياه قبل أحد ما يكون لأصحابه من مقتلة ، فذلك من الغيب الذي ينال يقينا من خبر الرسالة ويستأنس به من غيرها إن كان صاحبها صالحا فهو أهل أن يعبر الرؤى ، أم إنشاء ، كذبح إسماعيل عليه السلام فهي إنشاء صريح بالأمر أن اذبح إسماعيل فلما امتثل الخليل عليه السلام التكليفَ وتله للجبين ، فصدق الرؤيا بالعمل ، وذلك موضع اعتبار صحيح في تأويل التصديق يشهد لمن أدخل العمل فِي معناه ، فصدق الخليل عليه السلام الرؤيا بالعمل دون تكلف تفسير أو تأويل ، وذلك ، أيضا ، مما يستأنس به من يقول إن العبرة في النصوص إجراؤها على ظاهرها المتبادر وعدم التعرض لها بتأويل حتى ترد قرينة صارفة معتبرة وذلك أمر يعم الأخبار والإنشاءات جميعا ، فرؤياه حق ، وهي رؤيا منام تدخل في التشريع لقرينة العصمة ، فهي وحي ، وإن لم ينزل به كتاب ، فهي وحي في التكليف بالتصديق والامتثال ، فلم ينزل وحي معجز متعبد بلفظه في المنام لئلا يجد أصحاب الشبهات في ذلك حجة أن يطعنوا في الوحي فليس إلا أضغاث أحلام ، بل هو الحق الذي نزل على قلب النبي الأمين عليه الصلاة والسلام حال اليقظة فارتقت روحه وبدنه حاضر معراجا وجد فيه من المشقة شيئا عظيما ، فـ : "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ .......... قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا" ، فلم ينخلع من الحال البشرية ، ولم يدخل في الحال الملكية بل ثم اتصال لا يعلم كنهه وإن وجدت آثاره على جسد النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو حقيقة لا تنكر وإن لم يعلم الكيف ، فالمعنى قد علم ، وذلك أمر يعم كل الغيوب فهو أصل صحيح في اعتبار ما لم نجد آثاره فليس ذلك مئنة من عدم الوجود ، فعدم الوجدان ليس مئنة من عدم الوجود ، كما يقول المحققون ، بل قد يوجد الشيء ولا يجد الإنسان آثاره لقصر مداركه الحسية أن تحيط بحقيقته الخارجية وإن أدركت معناه في الذهن إما إيجابا وإما جوازا على وجه يفتقر إلى مرجح من خارج ، وهو الخبر الصحيح إذ العقل لا يَسْتَقِلُّ بإثبات ذلك أو نَفْيِهِ ، والحس لا يدرك آثاره ، فالوحي منه : وحي الرؤيا ، وهو محل الشاهد ، ووحي اليقظة وصوره بالاستقراء تَتَعَدَّدُ فمنه وحي الإلهام والحدس ، ومنه وحي الكتاب ، ومنه وحي السنة ، كما في حديث يعلى بن أمية ، فـ : "أَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنِّي أُحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، خَمَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالثَّوْبِ، فَجِئْتُهُ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا عَنِ الْعُمْرَةِ؟» فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ : انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّكَ" ، وحديث صاحب الدَّيْنِ ، فـ : "القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ خَطِيئَةٍ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِلَّا الدَّيْنَ"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الدَّيْنَ»" ، وهذا موضع آخر به يستبين القدر الفارق بين الاعتبار بالنبوة والاعتبار بما دونها ، فرأى صاحبا السجن : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، و : (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ خمرا) ، فالفاعل في كلا السياقين هو عين المفعول فهو الرائي والمرئي معا ، وقد صدر السياق بالمؤكد الناسخ وجاء المفعول الثاني على حد المضارعة : "أَعْصِرُ خَمْرًا" ، و : "أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ" ، استحضارا لصورة انقضت ، فحكيا الرؤيا ثم طلبا التعبير والتأويل على جهة الإنباء فلا يخلو من دلالة طرافة وغرابة فالإنباء ليس كالإخبار فَفِيهِ مَعْنًى يَزِيدُ وهو غَرَابَةُ المخبر به أو هَوْلُهُ ، فهو خارج عن المألوف في كيفه أو كمه ، فاشتركا في الدلالة الرئيسة وهي الإخبار بأمر ما ، واختص الإنباء بقدر زائد وهو الغرابة واللطافة ، فثم في الاعتبار أيضا : عموم وخصوص مطلق ، فكل إنباء إخبار ويزيد ولا عكس ، واصطلاح الكتاب العزيز يباين ما حدث من اصطلاح في فن الرواية بين الإخبار والإنباء ، فأخبرنا من لفظ الراوي والشيخ يسمع ويقابل على حفظه أو على أصل مكتوب يمسكه في يده ، فيمسك الراوي بكتاب منه يقرأ ، ثم يقابله إما على حفظ الشيخ أو كتابه أو كتاب محقق مقابل على لفظ الشيخ أو كتابه ، والإنباء من لفظ الشيخ فيكافئ التحديث من هذا الوجه ، فذلك اصطلاح أخص ، فهو حقيقة عُرْفِيَّةٌ اصطلاحية خاصة ، لا تَتَعَدَّى دائرة هذا الفن إلى بقية الفنون ، فليست كاصطلاح اللسان الأعم فهو الذي يحكم به في تأويل نصوص الشريعة على وجه يحصل به البيان للأخبار والأحكام .
فحد الفعل : "نَبِّئْنَا" على حد الأمر ، وهو مئنة من الإيجاب ولكنه انصرف إلى الالتماس لقرينة صدوره من الند إلى نده ، وقد يقال إن رتبة يوسف عليه السلام أعلى ، فمعنى الندية والمساواة لا يحسن بين نبي وآحاد من البشر فضلا أنهم ليسوا بمؤمنين ، فليس ثَمَّ قدر مشترك بَيْنَهُمَا ، يوجب التسوية ، ولو من وجه ، فيكون في الأمر دلالة رجاء لا تصل بداهة إلى حد الدعاء فإنه لا يكون إلا من العابد الأدنى إلى المعبود الأعلى ، سواء أكان معبودا بحق أم غيره ، فالنظر هنا في اعتقاد العابد وإن فاسدا فهو يدعو ، فإما أن يدعو الإله المعبود بحق ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وإما أن يدعو غيره ، فـ : (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) ، وقد يقال من وجه آخر إن التسوية حاصلة من جهة أنهم جميعا في السجن ، فوصفهم عند من سجنهم واحد فهم تحت سلطانه سواء أسجنوا بحق أم بِبَاطِلٍ ، وسواء أكانوا صالحين أم طالحين فذلك موضع يستجار منه بالله ، جل وعلا ، أن يقي العباد شره وفتنته ، إذ يسوى فيه بين المذنب والبريء ، والظالم والمظلوم فكلهم في قيد الأسر حتي يأذن الرب ، جل وعلا ، بكسره ، وتعدى الفعل إلى المفعول الثاني : "بِتَأْوِيلِهِ" بواسطة ، فهو مما يتعدى بنفسه تارة ، إما إلى مفعول واحد تارة ، كما في قوله تعالى : (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) ، وقد يقال بأن المفعول الثاني قد حذف لدلالة السياق عليه ، فذكر سابقا باسم الإشارة في الاستفهام : (مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) ؟ ، فهو يشير إلى الفعل وهو إنباء الحديث الذي كان سرا ، فتقدير الكلام : نبأني العليم الخبير بما كان من أمرك إذ أخبرت بالسر ، وإما إلى مفعولين ، كما في قوله تعالى : (مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) ، وإما إلى ثلاثة ، كما في قول القائل : نبأت محمدا الله كبيرا ، وقد تحل الجملة محل المفعولين ، كما في قول زهير :
نبئت أن رسول الله أوعدني ******* والعفو عند رسول الله مأمول .

وتلك حال الكريم فإنه إذا أوعد لم ييأس المتوعد من عفوه فإذا ثبت هذا للبشر المخلوق فكيف بالرب المعبود ، تبارك وتعالى ، فيثبت له من باب أولى ، وجاء التأويل هنا على حد التفسير ، وقد يقال بأن العصمة قد رفعته إلى حد الإعلام بأمر مغيب في المستقبل فذلك مما يُعْلِمُهُ الله ، جل وعلا ، من شاء من رسله ، عليهم السلام ، وهي عصمة مخصوصة في تأويل الرؤيا بما يقع حتما في الزمن المستقبل ، سواء أكان خيرا بنجاة الأول الذي يعصر أم شرا بهلاك الثاني الذي يحمل فوق رأسه خبزا ، وهو يشبه من وجه ما تقدم من تأويل صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤياه قبل أحد ، والإخبار بالغيب المستقبل أمر جائز ، وقد ثَبَتَ بِنَصِّ الخبر الصادق ، وغايته الرئيسة تأييد النبي بالبراهين الأكيدة على صدق دعواه ، وذلك أمر يحصل سواء أخبر بغيب مستقبل في حياته أم بعد وفاته ، فذلك ، أيضا ، من مواضع الاعتبار الصريح في أخبار الغيب ، فهي مما أوحاه الرب ، جل وعلا ، لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، خاصة ، ولأنبيائه عامة ، فأوحى إليهم جميعا ما يكون من خبر الرسالة الخاتمة ، فأخذ عليهم فيها الميثاق ، فـ : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، وقد يقال بالعموم فهو يستغرق كل رسول تال فيجب عليه الإيمان بمن سبقه وإن خالفهم في الشريعة ، إما كلا وإما جزءا ، فضلا أن يكون نبيا يجدد ، كما تقدم ، ما اندثر من شريعة الرسول المتقدم ، وأما في النبوءة الخاصة بالرسالة الخاتمة فذلك نص فيها لا يحتمل ، فـ : "دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبُشْرَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ" ، وكانت رؤيا أمه عليه الصلاة والسلام حق ، وإن كانت كافرة إذ كانت من الإرهاصات بالبعثة الخاتمة ، فكل أولئك من موارد الاعتبار في مادة الرؤيا والتي يحصل بها من العلم ما هو يقين في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبشرى في حق المؤمن ، وقد تكون حديث نفس أو وسواس شيطان ، فهي في جميع أحوالها ، في حق عامة البشر ، لا تفيد يقينا بل غايتها أن تفيد ظنا راجحا ، وأما في حق الأنبياء عليهم السلام فهي حق يقين لا يحتمل فلا شك فيه ولا ريب لمكان العصمة في التبليغ والتبيين ، وفي هذا المورد من الاعتبار فارقت الرسالات الأهواء والأذواق التي استندت في مواضع كثيرة إلى رؤى ومواجيد ، في التصحيح والتضعيف وفي التشريع بالتحليل والتحريم وذلك من الاضطراب بمكان لتعدد النفوس التي ترى ، وتعدد العقول التي تتأول الرؤى ! ، فلأيها يرجع ؟! ، وكلها متشابه ظني فقياس العقل السوي أن ترد جميعا إلى الوحي المحكم القطعي على ما اطرد مرارا من قضاء القطعي على الظني ، إذ دلالة الأول نص لا يحتمل ، ودلالة الثاني ظاهر يحتمل ، وما لا يحتمل يقدم على ما يحتمل ، إذ الحق في الأول قد تعين جزما وفي الثاني غايته أن يثبت ظنا راجحا فلا ينفك يحتمل الخطأ ولو مرجوحا ، فكيف يسوى بما كان الخطأ فيه ممنوعا ، بل كيف يقدم عليه عند التعارض ، فذلك أفسد في قياس العقل السوي ، الذي قضي أن يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير فيؤخر العقل ويقدم الوحي فهو أول والاجتهاد محل ثان لا يتقدم بين يدي الشريعة وإلا فسد الاعتبار كما ترى في حال كل من حاد عن الجادة في عقد أو شرع فلا ينفك عن خطأ في النظر والفهم سواء أكان جهلا أم سوء نية أم مركبا منهما جميعا ! .

والرؤى الْمَنَامِيَّةُ عادة ما تكون فيها أمثال مضروبة ، فَفِيهَا من الغرائب شيء ظاهر ، وإلا ما احتاجت إلى التَّعْبِيرِ ، والتَّعْبِيرُ اجتهاد فهو يحتمل الصواب والخطأ في حق غير النبي المعصوم ، فَجِنْسُ التعبير الأخص من جنس الاعتبار الأعم ، إذ الاعتبار يَسْتَغْرِقُ جميع صور الاجتهاد ، في الفقه أو في أصوله ، فإن هذا العلم علم عقلي نظري تجد فيه من صنوف الاعتبار الصحيح ما يغتذي به الفؤاد الناصح الذي يروم الاستنباط لا لأجل الترف العقلي كما تجد في الدرس الفلسفي الذي يجعل العلم في حد ذاته غاية ، وإن لم يُشْفَعْ بالعمل فَهُوَ ثَمَرَتُهُ ، فالعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، فالاعتبار النافع هو الاعتبار الذي يولد في القلب تصورا صحيحا تَعْقُبُه إرادة جازمة فَأَثَرٌ في الخارج في القول والعمل ، فلا ينفع اعتبار إلا بعمل يصدق ما يستنبطه النظر ، فإن أخذ الْعِبْرَةِ من حال من تقدم تفضي أن يخالف العاقل عن طريقتهم الدنيا إن كانوا أهل كفر وعصيان ، وأن ينهج طريقتهم المثلى إن كانوا أهل إيمان وطاعة ، فذلك قياس الطرد والعكس ، فإن من وافق حصل له ما حصل لهم إن خيرا وإن شرا ، ومن خالف حصل له ضده إن خيرا وإن شرا ، أيضا ، فلا اعتبار ينفع ما لم تظهر آثاره في الخارج في القول والعمل ، فَيُؤَيِّدُ العمل العلمَ ، فعلم الاستنباط أو الأصول علم عقلي صريح وإن كان استمداده الاستمداد الشرعي الصحيح ، فأصول الشريعة الصحيحة جارية على وِزَانِ الطرائق العقلية الصريحة .

فإذا عبر معبر رؤيا فقد اجتهد في الاستنباط بِدَرَكِ وجه المثل وإن لطف ، وذلك أمر يَحْتَاجُ فطرة صريحة ، وهو مع ذلك يحتاج نظر مدقق ، يدرك من خفايا المعاني ووجوه الألفاظ ما به يسقط الرؤيا على الواقع ، ولا يَخْلُو ذلك من قَرَائِنَ فِي الخارج فَلَيْسَ تَأْوِيلُ الرؤيا في حق الصالح كتأويلها في حق الطالح ، وإن كان المثل المضروب واحدا ، كما في تأويل ابن سيرين ، رحمه الله ، الأذان في حق الصالح بالحج ، فـ : (أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) ، وفي حق الطالح بالسرقة ، فـ : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) ، فذلك كسائر وجوه التأويل لا يسلم له إلا بقرينة صحيحة صريحة إذ يصرف اللفظ أو الحدث عن معناه الراجح المتبادر إلى معنى آخر مرجوح وإن كان له حظ من النظر ، فلا يسلم له إلا أن يَتَأَيَّدَ بِقَرِينَةٍ أو جملة من القرائن يجهد الذهن أن يجمعها ويؤلف بَيْنَهَا ليخرج بصورة صحيحة أركانها تامة يحصل بها معنى صحيح يُنْبِئُ عَمَّا في غد لا على جهة الجزم فذلك فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ادعاء لعلم الغيب ، بل النبي نفسه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله ، جل وعلا ، فالأصل في هذا الباب المنع ، فـ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) إلا أن يرد دليل يرفع الحظر ، وتلك دلالة الاستثناء : (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) ، فمن ارْتَضَى من الرسل ، عليهم السلام ، دُونَ غيرهم ، فذلك مما لا يقاس عليه ، إذ ثم فارق أي فارق ! وهو العصمة ، فوجودها في الأصل ثابت ، وَوُجُودُهَا في الفرع مُنْتَفٍ ، وإن حصل فيهما وصف الصلاح والتقوى ، فهو وصف أعم ، يجعل كلاهما أهلا أن يعبر الرؤى ، ولكن تعبير الأول يقين جازم ، وتأويل الثاني ظن راجح يجتهد صاحبه فلا يبلغ درجة اليقين إذ دلالة القياس في اعتبار الأخبار والأحكام : دلالة ظن راجح فلا يجزم المجتهد بدلالة القياس في خبر أو حكم ، إلا أن يقع عليه إجماع ، فالإجماع يرفع ظني الدلالة إلى رتبة قطعي الدلالة ، على خلاف هل يصح القياس مستندا للإجماع ، فمن جَوَّزَ ذلك فالقياس عنده يَبْلُغُ درجة اليقين لا لذاته وإنما لغيره فَقَرِينَةُ الإجماع قد رَفَعَتْهُ من رتبة ظني الدلالة إلى رتبة قطعي الدلالة ، والاعتبار بالإجماع هو ، أيضا ، من آكد صور الاعتبار في هذه الشريعة ، فَهُوَ مورد يقين إذ دل الدليل على ذلك ، وإلا فالذهن يجوز أن يخطئ الإجماع ، بل قد وقع ذلك فِيمَنْ سبق فأجمعوا على الباطل في العقد والشرع ، في الخبر والإنشاء ، بل قد ضلوا في أصل الدين فَنَقَضُوا عقد التوحيد ، وذلك خلافا للأمة الخاتمة إذ تشهد على بَقِيَّةِ الأمم ، فكيف تقبل شهادتها مع جواز إجماعها على الخطأ ؟! .

فلا يعدو اعتبار آحاد المجتهدين في حكم أو رؤيا أن يكون ظنا يصيب ويخطئ أو قد يصيب بعضا ويخطئ بعضا كما وقع لأبي بكر ، رضي الله عنه ، في حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأصاب في تأويل بعض رؤيا وأخطأ في بعضها ، وَإِذْ كَانَتِ الرؤيا مَئِنَّةً من الخفاء والدقة ولا تخلو من غَرَابَةٍ تُثِيرُ الدهشة جاز في اللسان أن تطلق على كل غريب لم تَعْتَدْهُ العين كما في رؤية المعراج فليست رؤيا منام على الراجح من أقوال أهل العلم ، وإنما هي رؤية عين على جهة الحقيقة ، وإن كان ضرب الأمثال فيها حاصلا ، لا على وجه يسوغ تَأَوُّلَ ما رأى من صور العذاب للعصاة فيكون ذلك من خطاب الجمهور فليس إلا رموزا لا حقائق لها كما يزعم الدرس الفلسفي الذي يتأول هذه الأخبار على وجه يأتي على أصولها بالإبطال فضلا أن ينقلب العذاب في حقهم نعيما يلتذون به كما زعم من زعم من الاتحادية فهم من غلاة التأويل الباطن الذي ينقض الأخبار والأحكام جميعا ويفضي إلى إباحية مطلقة بإسقاط الشرائع ! ، وإنما حصل الاعتبار الدقيق في أجناس العقوبات التي تلائم المعاصي ، فَلِكُلِّ عقوبة وجه لطيف يلائم الذنب الذي اقترفه صاحبه ، فذلك من العدل والحكمة أن يقدر كل شيء بقدره ، فَلُكِلِّ شيء ما يلائمه ، إذ الحكم يُنَاطُ بالوصف وليست الأوصاف سواء ، فإذا اختلفت وهي علل الأحكام : اختلفت الأحكام تبعا لها ، فهي تدور معها وجودا وعدما وهي تكافئها في القدر وإن اشتركت في الأصل فجنس المدح والثواب جنس أعم تتفاوت أنواعه وآحاده في القدر فلكل نوع من الجزاء بقدره ، بل الآحاد وإن اتحدت في الصورة فهذه صلاة وهذه صلاة ، إلا أن بَيْنَهُمَا من الاختلاف ما بَيْنَ السماء والأرض ، فقلب حاضر وآخر غافل كيف يستويان في القدر وإن استويا في الصورة الظاهرة ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ، فذلك استفهام أشرب معنى الإنكار والإبطال ، فلا يستويان مثلا ، وذلك العدل أن يسوى بين المتماثلين ويفرق بين المتباينين ، فَرَأَى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمورا غريبة ليست بمعهودة في دار الدنيا ، فهي وإن كانت رؤية عين إلا أن ضرب الأمثال فيها ثابت كثبوته في رؤيا المنام ، فهي توافقها من وجهين : أنها غريبة لم تألفها العين ، وأنها أمثال فيها معان لطيفة ، وإن كان ضرب المثال في رؤيا المنام أظهر فرؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رؤية عين لأمور تقع في الحقيقة في دار البرزخ فليس أمثلة تضرب وإنما هي حقائق لا تخلو من ضرب مثال لطيف إذ تحصل بها العبرة في ملاءمة العقوبة للذنب ، فَإِذْ كَانَ الأمر كذلك استبان للناظر كيف حُدَّت رؤية المعراج حَدَّ رؤيا المنام في قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ، مع أنها رؤية عين لا رؤيا منام ، وإنما حدت هذا الحد مئنة من غَرَابَتِهَا فليست مِمَّا تألفه العين في العادة الجارية ، فلا يشترك في دركها عموم الناس ، وإنما خص بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمكان الرسالة ، فإن حصل الاشتراك في أصول ، كالحدس والظن والإلهام والوجدان والمنام ، فالمنام صورة علمية فيها شيء من الوحي ، فـ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" ، ولكنها بداهة ليست مناط عصمة إلا أن يكون الرَّائِي هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهي أنموذج للوحي به يُقَرَّبُ معناه إلى الذهن حال الْبَيَانِ لحقيقته ، فإن ضرب المثال يُقَرِّبُ المعنى إلى الذهن ولذلك كان التعريف بالمثال في أحوال كثيرة أَوْضَحَ من التعريف بالحد الجامع المانع ، فبالمثال يتضح المقال ، وضرب الأمثال أمر عُهِدَ في التَّنْزِيلِ فهو متواتر قد اشتهر ، فـ : (لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ، وذلك من بيان التنزيل للمعاني فهو يسلك المشهور المتداول ولا يستعمل الغوامض والنوادر التي لم تجر على الألسنة فهي بين مجهول لا يعلم أصله أو مغمور لم يشتهر فليس لغة القبيل الرئيس : قبيل قريش ، بل هو من لغة الأطراف والحواشي ، أو مهجور غَيْرِ مستعمل ، وما بذلك يحصل بيان ، ولذلك كان من شرائطه الرئيسة أن يحصل بلفظ صحيح النقل صريح الدلالة ، سواء أكان نصا أم ظاهرا ، وسواء أكان الظاهر بسيطا هو ما يتبادر إلى الذهن ، أو ظاهرا مركبا تشهد له قرينة صحيحة من السياق أو الحال أو العقل إن كان مما يدرك بالحس والعقل فتصح فيه قرائن البشر مما تدركه حواسهم وعقولهم خلافا لأخبار الغيب فلا عمل للعقل فيها إلا التسليم والتدبر في المعاني المطلقة في الذهن دون خوض في الحقائق المقيدة في الخارج ، إذ لا يدرك العقل حقائقها في الخارج ليقيسها على ما يجده الحس ، وإن أدرك معانيها المطلقة في الذهن .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
11-09-2015, 06:39 AM
ومن موارد الاعتبار في باب النبوات وهي أصل جليل من أصول الدين ، فهي المستمد الوحيد في الأخبار والأحكام بما يوحى إلى صاحبها ، عليه الصلاة والسلام ، من موارد الاعتبار في هذا الباب : ما بحثه أهل الشأن مِمَّا يعرض لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو المعصوم في رسالته ، بلاغا وبيانا ، ومع ذلك فَقَدْ أصاب قلبه الغين فهو يدافعه بالذكر ، فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فأكد بالناسخ فضلا عن دلالة الشأن في الضمير ، فهو شأن عظيم أن يعرض ذلك للمعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والغين والغيم ، كما يقول أهل اللغة ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَهُمَا مَئِنَّةٌ مِمَّا يَتَغَشَّى القلب ، من الفترات والغفلات ، كما يقول القاضي عياض رحمه الله ، وزيد في التأكيد باللام في : "ليغان" التي تأخرت عن صدر الكلام فَهِيَ لَامُ الابتداء كراهة أن يجتمع مؤكدان في موضع واحد فذلك مما يثقل اللفظ ، فيغان على قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم لا يلبث أن يستغفر فَيُصْقَلَ قَلْبُهُ وَيَصْفُو فإذا كانت تلك حاله ، فعصمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم : عصمة البلاغ والبيان ، وما يؤيدهما من العصمة من الشرك وَكُلِّ ما يقدح في المروءة من كبائر أو صغائر الخسة ، فكيف بحال من دونه فيلزمهم الاستغفار من باب أولى ، وذلك ، أيضا ، من موارد الاعتبار الصحيح في الاقتداء بصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما ليس من خصائصه ، والوسواس لا يسلم منه بشر ، فقد عبس عليه الصلاة والسلام في وجه ابن أم مكتوم ، رضي الله عنه ، وإن رام الخير فاجتهد أن المصلحة في دعوة سادة قريش ترجح المصلحة في الإقبال على ابن أم مكتوم إذ جاء يَتَزَكَّى فجاء الوحي يصوب اجتهاده ، فالوحي لا يُقِرُّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَلَى خِلَافِ الأولى فضلا أن يُقِرَّهُ عَلَى بَاطِلٍ فَتِلْكَ عصمة التشريع ، والتشريع ، كما تقدم ، تَبْلِيغٌ لِلَّفْظِ وتبيين للمعنى الذي يناط به الحكم ، فالوحي يعصم النبي ما لا يعصم غيره ، إذ هو خاصة النبوة الرَّئِيسَةِ ، والغين يكون على الفؤاد فهو آلة النظر والمنطق ، التي بها تحصل الصورة العلمية وبها يكون الفعل الإرادي في القلب هَمًّا جَازِمًا ثم يظهر في الخارج في القول والعمل ، في الفعل والتَّرْكِ ، فإذا أصاب القلب عطب فسد التصور وفسد الحكم الباطن إرادة ، والحكم الظاهر قولا وعملا ، وإن لم يأثم الفاعل في أحوال ، كما في حال المجتهد الذي يَغْلُبُ عَلَى ظنه أمر يَرَى فيه وجه مصلحة تَرْجُحُ ، فاجتهاده مرجوح ، وقد يأثم وإن مجتهدا إن قصر في الاجتهاد مع تمام الآلة ، فلا يُقَلِّدُ المجتهد مجتهدا غَيْرَه مع قدرته على الاجتهاد واتساع الوقت ، فلا يجوز له أن يقلد وعنده ملكة الاجتهاد جبلة بما رُكِزَ فيه من قوى النظر والفكر ، مع قدر زائد امتاز به المجتهد ممن دونه سواء أكان متبعا يرجح أم مقلدا يقلد أمره من اتبع إذ يعجز عن الاجتهاد ، ولا تجزئ بداهة ملكة العقل الناصح حتى يشفع بالعلم النافع ، فلا بد أن يحصل الذكي ما يزكي فؤاده من أجناس العلم النافع والعمل الصالح ، فالذكاء الفطري بلا زكاء شرعي لا يغني عن صاحبه شيئا ، بل قد يوقعه في الإثم إذا اغتر وفرح بما عنده من العلم العقلي الجبلي ، فيظن فيه غنى عن الوحي ، فذلك من الطغيان الذي يفسد التصور ، فهو يطفئ نور العقل ويذهب بركة القول والعمل وَيُصِيبُ صاحبه بالعجب فِي نَفْسِهِ والكبر عَلَى غَيْرِهِ ، وما فسد عمله فَتَكَبَّرَ إلا بَعْدَ أن فَسَدَ تَصَوُّرُه فَظَنَّ أن في عقله غنى عن الوحي فَأَطْلَقَ لَهُ العنان أن ينظر بلا فقه ، ويحكم بلا علم ، فالعقل لا يبلغ رشده إلا أن يَتَّبِعَ الوحي ، وإذا كانت الرسالات السابقة ، كما يقول محمد إقبال رحمه الله ، قد نزلت في أطوار لم ينضج فيها العقل البشري ، فاحتاج إلى الوحي أن يُسَدِّدَهُ إذا أخطأ ويقومه إذا اعْوَجَّ ، فَالرِّسَالَةُ نور يُضِيئُ فِي سماء العقلِ بِأَصَحِّ المعارف وَأَصْرَحِ الأقيسة ، فهذا حق ، فإن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء عليهم السلام فكان الوحي يقومهم إذا اعوجوا ، فَمَا أَسْرَعَ مَا يَحِيدُونَ عَنِ الجادة ، فينزل الوحي لهم مسددا ، وأما الأمة الخاتمة فقد اكتمل نضجها ، وبلغ العقل طورا من الكمال يؤهله أن يستقبل آخر إرسال السماء ، وهو ، مع ذلك ، لا يستغني عن الوحي في دقيق أو جليل مما يعرض له من النَّوَازِلِ العلمية والعملية ، فإن بلوغ العقل طورا من الكمال حق ، ولكنه لا يوجب ما قد يتذرع به أرباب التجديد بمفهومه الحداثي المنحرف ، أن يستقل العقل بالإدراك فلا حاجة له في الوحي ، فهو يلائم زمانه الغابر ومكانه القاحل في الصحراء ! ، وأما الآن فقد بلغ العقل نضجه فآن له أن يجتهد الاجتهاد المطلق ! ، وإن خرج عن منهاج الوحي بل وَعَارَضَهُ ، فَيُقَدَّمُ قِيَاسُهُ عَلَى الوحي ! ، فقد بلغ العقل دورا من النضج ، كما قال إقبال رحمه الله ، ولكن ذلك الكمال قد أهله أن يستقبل آخر رسالة فهي الناسخة الجامعة فلا حاجة للناظر فيها بآلة عقل صريح ومادة علم صحيح ، لا حاجة له فيما سواها من الأقوال والأعمال المحدثة ، فهو مجتهد بالقوة إذ عقل ، مجتهد بالفعل إذ درس وجمع ، فأهله أن يصنع ذلك ولم يؤهله بداهة أن يستغني عن الوحي فيطلق لاجتهاده العنان بلا قيد ، فتلك ثغرة في مقال إقبال رحمه الله ، قد يتسلل منها أرباب الحداثة ، فيكون الاجتهاد هو ما يهوى الناظر أو يجد ، وإن عارض الوحي ، فغاية الوحي أن يضع كليات مجملة لا يحصل بِهَا تَمَايُزٌ في إيمان أو كفر ، في انقياد أو إِبَاءٍ وَاسْتِكْبَارٍ أن يَخْضَعَ العقلُ لِلْوَحْيِ ! ، أو هو مما صلح في زمانه ولا يصلح في هذا الزمان الذي بلغ فيه العقل رشده فآن له أن ينخلع من ربقة الوحي ! ، أو الوحي صحيح ولكنه يفتقر إلى التأويل ولو بلا دليل فلا دليل له إلا ما يهوى العقل وتجد النفس ، أو ما يعتبره من مصالح أَهْمَلَهَا الشَّارِعُ ، جل وعلا ، وذلك من جنس ما قال أوجستين كونت في نظرية التطور من الخرافة إلى الدين إلى العقل ! ، فما الوحي إلا دور وسيط مؤقت في حال لم يبلغ فيها العقل رشده أن يعتبر وينظر ! ، فإذ بلغ رشده فقد استغنى عن كل مرجع متجاوز من خارج وآن لَهُ أن يحلق في فضاء الاجتهاد ، ولو خالف الوحي بل والقياس والفطرة ، والأعراف والعوائد فهو باسم الثورة على الماضي والدعوة إلى التجديد ! ، يَرُومُ الاستقلال بالنظر والحكم ، وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ وقد نقص في خلقه ، وقصر في علمه ، فلا يدرك من الماضي إلا ما به قد أُخْبِرَ ، ولا يدرك من المستقبل إلا الخبر الصادق من الوحي ، أو الحدس والظن فلا يحصل له يقين جازم إلا من جهة الوحي الخاتم ، ففيه غنية عما سواه إما بنصه وإما بقياسه ، فالرسالة الخاتمة تُبَايِنُ بَقِيَّةَ الرِّسَالَاتِ إذ جمعت ما فِيهَا من الصدق والعدل وفصلت ما أجمل فِيهَا من العلم والعمل ، فإذا لَزِمَ العقل جادتها حصل له من الصواب ما به يسعد في الأولى وَيَنْجُو في الآخرة ، فاكتملت الرسالة التي جاءت بأصح طرائق النظر التي يَزْكُو بها العقل ويهتدي فذلك كماله الذي لا يحصل إلا من خارج ، فليس كماله ذاتيا في نفسه ، فالنقص والفساد يعرض له فَأَنَّى لَهُ أن يَسْتَقِلَّ بالحكم ، فكمال العقل من كمال اتباعه للرسالة الكاملة التي نسخت ما تقدم وهيمنت بحكمها على حكمه ، فاتباع المعصوم من الوحي الصحيح هو قياس العقل الصريح إذ لا تحصل الخيرية في النظر والاستدلال إلا بسلوك جادتها لا الخروج عن مِنْهَاجِهَا ومعارضة محكمها في الخبر والحكم بما يَعْرِضُ للعقل من متشابه الهوى ، أو تجد النفس من متشابه الذوق والوجد فتلك مصادر في التَّلَقِّي تضطرب وتختلف فلا يحسم النزاع بينها إلا كتاب من السماء قد نُزِّلَ فصار الوحي هو المرجع المتجاوز من خارج الذي يقضي على المراجع العقلية والنفسية الذاتية وذلك بداهة ما تأباه الحداثة فهي باسم التجديد وحرية البحث وموضوعيته والتجرد من الأحكام المسبقة تجوز الخروج عن الوحي سواء أكان ذلك في أخبار الغيب أم في أحكام الشرع ، وإن تلطفت في القول ! ، فإنها تَزْعُمُ أَنَّ ذلك تأويل سائغ ! ، وإن نَقَضَ نَصَّ الوحي النازل ! ، فَتَلْتَمِسُ لَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ ما بَعُدَ بل وَرُبَّمَا بطل فلا أصل له فلا يعدو تأويلها أن يكون لعبا بالألفاظ يفضي إلى إبطال ما استقر وتواتر من دلالتها على وجه يدخل صاحبه في دائرة السفسطة بإنكار بدائه الوحي والعقل واللسان والفطرة وما شئت من وجوه الاستدلال ! .

فالنبي في أصل الخلقة الجبلية وأصل الفطرة النفسية والعقلية بشر كسائر البشر ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، فَالْمِثْلِيَّةُ هنا تَنْصَرِفُ إلى مثلية الخلق ، وهي معنى مطلق ، فالمثل مظنة الشيوع في النوع ، فهو واحد من آحاد النوع ، بالنظر في مطلق الجبلة البشرية ، فالمثلية ، كما تقدم ، مظنة الشيوع ، وهو ما يجعلها موغلة في الإبهام إذ تنصرف إلى حقيقة مطلقة تحصل في آحاد كثيرة في الخارج ، فمعنى البشرية يحصل في النبي وفي غيره ، من آحاد لا تحصى من البشر لا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إلا الذي خلقها ، جل وعلا ، فساغ وصف النكرة بها بعد إضافتها إلى الضمير ، فالقياس أنها تصير معرفة بالإضافة إلى الضمير ، فهو أعرف المعارف بعد اسم الله ، جل وعلا ، والإضافة إلى المعرفة تكسب الاسم التعريف ، والقياس ألا توصف النكرة بمعرفة إذ الصفة لا تكون أبدا أعرف من الموصوف فاغتفر الوصف في هذا الموضع إذ لم تكتسب : "مثل" التعريف في المعنى وإن اكتسبته في اللفظ فهي ، كما تقدم ، مظنة شيوع يضاهي شيوع النكرة ، فجاز وصف النكرة بها ، فهذه بشرية تنزل منزلة النوع يندرج تحتها آحاد البشر جميعا من عصم ومن لم يعصم ، فيجمع الرسل عليهم السلام وسائر البشر ، يجمعهم وصف البشرية المطلقة وإن اختص الأنبياء ، عليهم السلام ، بقدر زائد ، يوجب اتباعهم مطلقا ، والانتصار لقولهم مطلقا ، ولا يكون ذلك لغيرهم ، فكل ينتصر لقوله بقيد الموافقة للوحي الذي جاء به النبي ، وأما النبي فقوله وحي ، واجتهاده في موارد التشريع وحي ، إذ لا يسكت الوحي إن اجتهد فاختار خلاف الأولى ، فالوحي يسدده ولا يقره على خلاف الحق ، بل ولا يُقِرُّهُ عَلَى خِلَافِ الأولى إن تَرَدَّدَ النظر بَيْنَ موردي حق أحدهما راجح والثَّانِي دونه ، إذ لا يجوز في الشرع تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والحاجة قد حصلت أن يستبين حكم الشرع في نازلة اجتهد فيها النبي ، فإن اجتهد وسكت الوحي ، فهو مادة العصمة ، فسكوته في موضع البيان : بيان ، فما كان ليقر هذه الأمة على باطل ، فتلك خاصة الأمة الخاتمة ، فإجماعها معصوم يضاهي عصمة الكتاب وهو الأصل الذي دل على عصمة السنة إذ أوجب اتباعها مطلقا في جميع مواردها خبرا وحكما ، وذلك ، أيضا ، من الاعتبار الصحيح ، بالنظر في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فَثَمَّ شَرْطٌ هو مئنة من العموم ، وثم إطلاق في فعل الشرط وجوابه ، فهو يستغرق جميع موارد الإيتاء ، وذلك مما خص بالعقل ، أو هو من العام الذي أريد به الخصوص ، وهو موارد التشريع ، بلاغا وبيانا ، سواء أكان ذلك في علم أم عمل ، كما تقدم ، وأما أمور الدنيا من المصالح المرسلة فالاعتبار فِيهَا أن تجتهد العقول في تقديرها فليست مورد تشريع إلا من جهة دخولها في عمومات الشريعة وكلياتها الرئيسة التي جاءت لتحصيل أكبر قدر من المصالح المعتبرة ، سواء أكانت دينية أم دنيوية ، ودفع أَكْبَرِ قَدْرٍ من أضدادها من المفاسد ، سواء أكانت دينية أم دنيوية ، فلا اعتبار لأية مصلحة ما لم تدخل في كليات الشريعة الجامعة ، ولم تخالف مع ذلك شيئا منها كُلِّيًّا كان أو جُزْئِيًّا ، فلا تُتَصَوَّرُ مصلحة ، مهما عظمت بادي الرأي في قياس العقل ، لا تُتَصَوَّرُ أن تخالف الوحي ، في كل أو جزء ، فالوحي قد جاء باعتبار المصالح الحقيقية لا المتوهمة التي تظهر بادي الرأي بالاعتبار الفاسد الذي يعارض به صاحبه الكتاب أو السنة أو الإجماع ، فهي موارد العصمة لهذه الأمة فلا تعارض بمتشابه العقول ، فغايتها أن تكون اجتهادات خالفت النص أو الإجماع فهي فاسدة الاعتبار من هذا الوجه ، كما تقدم مرارا من قوادح القياس التي قررها أهل الأصول والنظر ، فهذه الاجتهادات لا تعتبر إلا إذا وافقت الوحي ، فلا تعارض أصوله ولا تعارض جزئياته ، فلا تخالفه في دقيق أو جليل وإلا أهملت وألغيت فالاعتبار الصحيح أن تَعْتَبِرَ ما اعتبره الوحي وأن تُلْغِيَ ما ألغاه ، وأن تجتهد فِيمَا أرسله دون خروج عن كلياته أو مخالفة لجزئياته ، فهو محكم كله ، في دقيقه وجليله ، في خبره وحكمه ، في إثباته ونفيه ، في أمره ونهيه ، فجاء بالصدق والعدل جميعا وهو عماد أي بنيان صحيح ، إن في الشرع وإن في السياسة ، فلا بقاء للدول إلا أن تَنْهَجَ نَهْجَ الشرع وهي مع ذلك تَتَحَرَّى العدل فلا تظلم ، فإن ظلمت فلا كرامة لها إذ لا أنساب بين الله ، جل وعلا ، وعباده إلا التقوى ، فإن كان ثم شرع ولا عدل ، فلا بقاء للملك ، وإن كان ثم عدل ولا شرع ، فبقاء بقدر ما يحصل من العدل تظهر آثاره في الدنيا فقط إذ قصر بأصحابه النظر فلم يَعْتَبِرُوا ما بعد هذه الدار ، من دار الجزاء الأوفى فما كان ظلم في هذه الدار إلا لفساد التصور والاعتبار ، فاقتصر النظر على هذه الدار ، وصارت هي مناط الولاء والبراء الأول بل والأوحد ، وصار الاعتبار في المصلحة : مطلق اللذة ، واسْتُبِيحَ لأجل ذلك من الوسائل ما اسْتُبيِحَ ، فقوة الغصب والقهر ، الَّتِي تستلب بها اللذات فقد صارت منتهى الغايات ، وذلك قصور في النظر عظيم ، اشتغل صاحبه بالأدنى عن الأعلى ، وذلك خلاف القياس الصريح الذي يوجب تقديم ما حقه التقديم من الدار الباقية ، وتأخير ما حقه التأخير من الدار الفانية ، وذلك ، أيضا ، من أصول الحداثة التي عُنِيَتْ بالجانب المادي من الحياة ، فهي تقصر النظر على موارد الاستدلال العقلي والحسي وتجحد أو تَزْدَرِي الوحي إذ تحض أتباعها أن يَقْطَعُوا الصلة به فهو الذي يحول بينهم وبين مدنية الحياة ومباهجها التي لم تزل آحادها كل يوم تترى ! .
فأطلق الأمر في الأخذ والانتهاء ، فعم جميع الموارد ، وذلك التسليم المطلق لا يكون بداهة إلا لمصدر معصوم ، فالسنة هي الوحي الثاني ، فَلَهَا مِنَ العصمة ما يُضَاهِي عصمة الكتاب ، وإن كانت دونه في الرتبة فهي الأصل الثاني ، وهما ، أيضا ، قد دلا على عصمة الإجماع فذلك ما يكافئ سكوت الوحي في عصر الرسالة فإن سكوت الوحي لا يكون على باطل أو خلاف الأولى ، كما تقدم ، وكذلك الإجماع فهو مناط العصمة إن ضبط فحصرت أعيان المجتهدين وعلمت أقوالهم سواء أكانوا مجتهدين مطلقا في جميع أبواب الدين ، أم كانوا مجتهدين في باب من أبواب العلم ، فلا اعتبار لقول فيه إلا إذا كان القائل من أهل الشأن ، فهو يعلم من موارد الأدلة ووجوه الاستدلال فيه ما يجعله أهلا أن يفتي فيه وإن لم يكن أهلا أن يفتي في غيره ، فَالْعِبْرَةُ أن يبلغ من الاجتهاد رتبة تؤهله أن يفتي في هذا الباب وإن لم يكن أهلا أن يفتي في غيره ، بل قد تضيق دائرة الاجتهاد ، فهو أهل أن يفتي في هذه النازلة بعينها إذ حصل من أدلتها وَنَظَرَ في وجوه الاستدلال على وجه حصل به الاستقراء التام ، فأولئك من يعتبر قولهم في الإجماع ، فالعبرة أن ينضبط بحصر أعيان من هم أهل أن يُفْتُوا في هذه النَّازِلَةِ ، واسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِهِم ، فهذا الإجماع لا يكون على باطل فهو بمنزلة أصل كالكتاب والسنة ، فَاسْتَمَدَّ حجيته منهما فَلَا يُقِرُّ المجتهدين بعد قبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على باطل ، فإذا أجمعوا فهو الحق قطعا ، بشرائط الإجماع المنضبط ، كما تقدم ، وإذا سكتوا عن فتوى اشتهرت مع سعة في الوقت أن ينظروا ، وانتفاء شبهة الإكراه فذلك إجماع سكوتي يشابه ، وَلَوْ من وجه ، سكوت الوحي زمن الرسالة ، فلا يقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خلاف الأولى ، كما تقدم ، فكذلك الإجماع ، نطقا أو سكوتا ، فهو أصل لا يقر أصحابه على باطل ، لقرينة العصمة العامة ، وهي عصمة المجموع لا الجميع ، فأعيان المجتهدين غير معصومة فما من أحد منهم إلا وله أقوال خالف فيها الحق ، فلا ينتصر لمقالهم الانتصار المطلق كما ينتصر لمقال صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإن إقرار الوحي له بالنطق أو السكوت أَرْفَعُ بداهة من إقرار الإجماع لأهله لا سيما إن كان إجماعا سكوتيا ، فقد اختلف في حجيته ، وذلك أمر قد بسط في كتب الأصول ، مع أن هذا السكوت العام مع سعة الوقت وعدم الإكراه ، هو في حد ذاته ، قَرِينَةٌ ترجح صحة الفتوى في نفس الأمر ، وإن كان سكوت المجتهدين بداهة دون سكوت الوحي ، فسكوت الوحي يقين قاطع ، فـ : "«كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» ، زَادَ إِسْحَاقُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ" ، فَيُنَزَّلُ ذلك منزلة المرفوع حكما إذ لم ينسب صراحة إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وسكوت المجتهدين قَرِينَةٌ معتبرة ترجح صحة الفتوى في نفس الأمر ، بل تقطع بصحتها ، على قول ، فَلَا تجمع هذه الأمة على ضلالة ، إن في النطق وإن في السكوت ، فهذه أصول في الاعتبار الصريح ، الكتاب والسنة والإجماع ، والقياس لها تبع ، فهو اجتهاد معتبر إن صدر من أهله واستوفى شرائطه المبسوطة في كتب الأصول ، وهو ، مع ذلك ، ظن راجح يجزئ في باب العمل من وجه ، ويسوغ الخلاف فيه ، من وجه آخر ، فلا يقطع فيه بصحة إن تعارضت الأقيسة حتى تُوزَنَ بِمِيزَانِ النص والإجماع ، فكل ما خالفهما من الاجتهاد فهو فاسد الاعتبار ، كما تقدم ، فهي أصول قطعية تقضي على الأقيسة الظنية ، من وجه ، وتحسم النزاع بين الأقيسة والاجتهادات ، فلا عصمة لأحدها وإنما يعتبر منها ما وافق النص أو الإجماع أو كان إليهما أقرب ، ولذلك كان من اعتبار أحمد ، رحمه الله ، أنه يختار من أقوال الصحابة ، رضي الله عنهم ، ما هو أقرب إلى الكتاب والسنة ، فهي تُنَزَّلُ منزلة الفتاوى ، فإن أجمعوا فهو الحق ، وإن اشْتُهِرَ قول أحدهم ولم يخالف نصا ولم يعلم له مخالف وكان من أهل الاجتهاد والفتيا ، فتلك جملة من القرائن تقطع بحجيته على قول بعض أهل العلم ، وفيه ، أيضا ، قرينة الإجماع السكوتي إذ اشتهر القول واتسع الوقت وانتفت شبهة الإكراه في حقهم بداهة ، فالإجماع لا يكون إلا بعد قبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد صار للإسلام دولة وشوكة ، فلا يخشى أحدهم شيئا ، ولا يكره أحدهم على قول ، فهم أجهر الناس بحق وأشدهم إنكارا إن رأوا باطلا ، أو ظنوا نقصا في الحكم ، فكانوا يُنَازِعُونَ الأمراء في الأحكام إن رأوا ما يخالف الحق ، ولو في مورد ظن يحتمل الاختلاف ، فكانوا يجهرون بما يعتقدون أنه الصواب وإن لم يكن صوابا في نفس الأمر ، وإن رجح قول المخالف فلا تمنعهم هيبة حاكم أو سلطان أن ينطقوا بما رجح في اجتهادهم ، كما خالف جمع من الصحابة عمر ، رضي الله عنه ، في وقف الأرض المفتوحة أو قسمتها على الفاتحين فلم تمنع هيبة عمر بلالا والزبير وقبيلهم ، رضي الله عنهم جميعا ، أن يخالفوه في الاجتهاد ، فذلك من موارد المصلحة المرسلة الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الاعتبار ، فَثَمَّ مَنْ نَظَرَ فَرَجَّحَ أن توقف على أبناء المسلمين ، وذلك قول عمر وعثمان وعلي وجماعة ، ونظر القوم فرأوا أن تقسم ، فالتجئوا إلى أهل الشورى من المهاجرين والأنصار ، فاختاروا خمسة من كل قبيل ، خمسة من الأنصار ، وخمسة من المهاجرين ، فحكموا بقول عمر فكان إجماع أهل الحل والعقد وذيوع هذه الفتوى وعدم المخالف بعدها مع سعة في الوقت أن ينظر ، وانتفاء شبهة الإكراه ، كما تقدم ، كان كل أولئك مئنة من صحتها في نفس الأمر إذ الإجماع بعد الخلاف يرفعه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فالإجماع السكوتي في اعتباره يُقَارِبُ سكوت الوحي في حق صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اجتهد ، وإن كان سكوت الوحي معدن عصمة بالإجماع ، وأما الإجماع السكوتي فقد وقع فيه الخلاف كما تقدم .

فبشرية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الجبلة أمر قد شارك فيه غيره وإن كان له من خصائص البدن ما يَزُيدُ ، فكان يواصل في الصيام ، وَأُوتِيَ قُوَّةَ أربعين رَجُلًا فِي الجماع ، وأما الوحي فهو القدر الفارق ، فـ : (أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، فذلك خبر أول ، يحكم به على صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، و : (يُوحَى إِلَيَّ) : فذلك خبر ثان به يحصل الفصل فيخرج من سواه إذ لا يوحي إلا إليه ، وحي الشريعة الْمُلْزِم ، فما سواه قد يحصل له نوع حدس أو إلهام ، فهو يسمى وحيا ولو في اللسان فليس بداهة وحيا بالاصطلاح الشرعي المعهود ، فلا ينفك يفتقر أن يعرض على الوحي ، فهو المعيار الحاكم ، فما وافقه قبل ، وما خالفه رد ، فالوحي هو الذي يحسم النزاع بين العقول والأذواق إذا اختلفت ، فذلك تأويل الأمر في قوله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وقد ورد التوحيد في سياق قصر بـ : "أنما" ، فيوحى إليه : (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، وذلك يَجْرِي مَجْرَى القصر الإضافي عِنَايَةً بِأَمْرِ التوحيد فهو أول واجب على العبيد ، وقد يُقَالُ بأنه من قَبِيلِ قصر القلب لاعتقاد المخاطب فلا يوحى إلي إلا ضد ما أَنْتُمْ عليه من الشرك ، ثم جاء بيان هذا التوحيد : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فهو توحيد في النية إخلاصا ، وتوحيد في المتابعة ، فالعمل الصالح ، كما أثر عن الفضيل بن عياض رحمه الله ، هو أخلصه توحيدا في العبادة وأصوبه توحيدا في المتابعة ، وأطنب بالمصدر المنكر : (عَمَلًا) تَوْطِئَةً لِلْوَصْفِ : (صَالِحًا) ، فذلك من أَغْرَاضِ الإطنابِ فهو مناط الفائدة ، وجاءت النكرة : "أَحَدًا" في سياق النفي : (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، فهي تفيد العموم فلا يشرك بعبادته ، جل وعلا ، أحدا ، أي أحد ، ودلالة النكرة هنا تعم الآحاد المحسوسة من الآلهة في الخارج ، والآحاد المعقولة منها في الذهن ، ولا يكون ذلك إلا بِالْغُلُوِّ فِي مَعْبُودٍ أو مَتْبُوعٍ أو مُطَاعٍ سوى الله ، جل وعلا ، فالغلو في المعبود الأرضي ، رضي فهو طاغوت ، أو لم يرضَ فهو من الذين سبقت لهم من الله ، جل وعلا ، الحسنى ، فـ : (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ، والغلو في المذهب الفكري أو القانون الأرضي الذي يخالف الوحي الإلهي بل وينقض حكمه وينزع منه سيادة التشريع ليردها إلى عقول متشابهة في أحكامها إذ تختلف في مشاربها وأذواقها ، فالاعتبار الصحيح ، كما تقدم مرارا ، يقضي أن تُرَدَّ هذه الظنون المتشابهة إلى حاكم قطعي محكم فهو الذي يحسم ما يكون بينها من النزاع .

فيغان على قلب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك مقتضى الجبلة البشرية التي يستعين عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالشرعة الإلهية استغفارا ، فـ : "إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فجاء الشطر الثاني على جهة المقابلة في المعنى فحسن أن يؤكد أيضا ، بالمؤكد الناسخ واسمية الجملة قبل دخول الناسخ فضلا عن دلالة المضارع فهو ، أيضا ، مئنة من الديمومة في الحال والاستقبال فهو ديدنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يومه الحاضر وأيامه المستقبلة ، وذلك قياس العقل الناصح أن يستعان بالوحي المحكم خبرا وحكما لرد ما تشابه في الجنان تصورا وإرادة ، وفي الجوارح أحكاما ، فمنها القول ومنها العمل ، ومنها النطق ومنها السكوت ، ومنها الْفِعْلُ ومنها التَّرْكُ فَاسْتَغْرَق الوحي جميع موارد الاختيار الباطن والظاهر ، فهي موارد التكليف ، وذكر الاستغفار هنا قد ينزل منزلة المثال لِعَام ، فإن عموم المعنى يستوجب الالتزام بالشريعة كلها ، أصلا وفرعا ، والاستغفار من جملة أحكام الشريعة سواء أوجب من معصية أم استحب من عارض فتور أو غفلة لا يسلم منه بشر وإن عصم كصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون ذلك من ضرب المثال لعام فلا يخصصه كما قرر أهل الأصول والنظر ، فذلك ، أيضا ، من موارد الاعتبار الصحيح .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
17-09-2015, 06:54 AM
ومن مواضع الاعتبار في باب الرواية : ما قرره أهل الشان من زيادة الثقات ، كما في حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أن : "«رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»" ، فذلك من زيادات الثقات التي لا تخالف الأصل المزيد عليه فلم تعرض له بنسخ أو تخصيص أو تقييد .... إلخ من صور الزيادة التي تعارض الأصل ، ولو لم تَرْفَعْهُ ، فهذه الزيادة تُنَزَّلُ منزلة الحديث المستقل ، فالنهي عن جملة أشياء يمكن تقسيمه حال الاستدلال فيكون ذلك من تقطيع الحديث والاجتزاء على محل الشاهد دون تكرار للمتن كله ، وذلك ما اطرد في صنيع البخاري ، رحمه الله ، إذ قطع المتون في مواضع واجتزأ على محل الشاهد الذي يندرج في تَرْجَمَةِ الباب ، فهو يورد المتن كاملا في موضع ويختصره في آخر فلا يكرره كله ، وإنما يذكر محل الشاهد فقط ، كما تقدم ، فلا يكرر البخاري ، رحمه الله ، الحديث بنفس الإسناد والمتن دون فائدة جديدة في كل موضع ، سواء أكانت في الإسناد ، كطريق ثانية غير الطريق الأولى أو تصريح بالتحديث ..... إلخ ، أم في المتن كزيادة لفظ أو نحوه ، كما في هذا الحديث إذ زاد أبو هريرة ، رضي الله عنه ، كلب الزراعة ، فَأَقَرَّهُ ابن عمر ، رضي الله عنهما ، إذ صاحب الشأن أولى بالحفظ ، وذلك أصل من أصول الترجيح ، فصاحب الشأن يقدم قوله ، ومثله صاحب القصة كما في حديث ميمونة ، رضي الله عنها ، إذ تزوجها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو حلال خلافا لما ذهب إليه ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه تزوجها وهو محرم فهي أولى بالحفظ إذ هي صاحبة القصة ، ولذلك يقدم خبر المرأة في أمور النساء ، إذ هي أعلم بها من الرجال ، وقد رواه ابن عمر بعد ذلك من طريق أبي هريرة ، رضي الله عنه ، بَلْ وَرَوَاهُ هُوَ نَفْسُهُ دون أن يسنده إلى أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فذلك يحمل على وجوه ، فَالْقِسْمَةُ العقلية في هذا الباب تحتمل :
أن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قد سمع ونسي ، وذلك أمر لا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ إلا الأنبياء عليهم السلام لما تقدم مرارا من مكان العصمة في التبليغ والتبيين ، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن معه زيادة علم فقوله يقبل ، فإن النهي عام فذلك الأصل في اتخاذ الكلاب لنجاسة أعيانها ، فَتُسُومِحَ في هذه الأنواع للحاجة ، إذ قد نهي عن اتخاذ الكلاب سدا لذريعة الملابسة للنجاسة ، فاغتفر في ذلك للحاجة في الحراسة والحرث ، وذلك جار على قواعد الشريعة المحكمة إذ ما نهي عنه سدا للذريعة أبيح للحاجة أو المصلحة الراجحة ، وذلك أصل يطرد في جميع أبواب الفقه ، وله أمثلة يطول ذكرها ، فالنهي في شأن الكلب يناط بأمور ، فيناط بأكله ، إذ هو من ذوات الأنياب ، وقد نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، فذلك مما زادته السنة على الكتاب ، فالنهي في التنزيل قد جاء عما أكل السبع إلا ما ذكي وفيه حياة مستقرة ، فجاءت السنة تحرم كل جارح من السبع أو الطير ، ويناط ، أيضا ، بسؤره ، لخبر : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ" ، فذلك حكم تعبدي لا يقاس عليه ، ولذلك جَازَ سؤر غيره ولو كان من الجوارح ذوات الأنياب ، كسؤر الهرة ، كما في حديث كبشة بنت كعب ، رضي الله عنها ، وفيه رواية زوجها أبي قتادة ، رضي الله عنه ، إذ استنكرت أن أصغى الإناء إلى الهرة لتشرب : "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" ، فاستنكارها يحسن معه التوكيد دفعا لما وقع في نفسها فالخبر ليس ابتداء لخالي الذهن ، وليس طلبا لمتشكك ، وإنما ينزل منزلة خبر الإنكار ، فالمخاطَب ينكر ، فَحَسُنَ في حقه المبالغة في التوكيد قلبا لاعتقاده ، فصدر السياق بالمؤكد الناسخ فضلا عن توكيد النفي بدخول الباء على خبر : "ليس" ، وثم عموم اسْتُفِيدَ من دلالة : "أل" في : "الطوافين" ، فَهِيَ تُفِيدُ الاستغراق لجنس ما دخلت عليه ، فضلا عن رفع الاحتمال بذكر الجمع المذكر والجمع المؤنث بعده ، مع أن الأول يعم الثاني بدلالة التغليب فأطنب في البيان وذلك ، أيضا ، مما يحسن في مواضع الاستنكار أن يكون ثم إطناب في البيان يزيل ما استقر في نفس المخاطب من الإنكار ، وثم إيجاز من وجه آخر بحذف متعلق "الطوافات" لدلالة متعلق "الطوافين" عليه ، فتقدير الكلام : إنها من الطوافين عليكم والطوافات عليكم ، فحذف المتأخر لدلالة المتقدم المذكور عليه وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، الأصل في الحذف في لسان العرب ، أن يتقدم ذكر المحذوف أو ما يدل عليه فلا يشتبه أمره وإنما يسهل تقديره فقد حصلت صورته في اللفظ وفي الذهن فلا يجد السامع أو الناظر حرجا في تقديره ، فيشبه ، من وجه ، مرجع الضمير فالأصل أن يتقدم في الذكر فلا يقع الاشتباه في تعيين مدلوله فقد تقدمه ، ولذلك كان الأصل في مرجع الضمير أيضا : أن يعود إلى أقرب مذكور إلا إذا كان ثم قرينة توجب إرجاعه إلى مذكور أبعد ، ولفظ "الطوافين" : مئنة من المبالغة فتطوافها يَتَكَرَّرُ وذلك أمر يشق الاحتراز منه وهو مما يزيد في معنى التعليل للرخصة في سؤرها فثم مشقة في الاحتراز منها ، والمشقة تجلب التيسير ، فمادة التطواف التي اشتق منها وصف المبالغة : "الطوافين" معنى يصح تعليل الحكم به ، لا سيما وقد حد على جهة التعليل ، وإن لم يكن نصا فيه ، فصدر بالمؤكد الناسخ على حد الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين الحكم وعلته ، فقيس على الهرة الداجن من الشياه والدجاج ... إلخ ، فذلك ، من وجه آخر ، عموم ، وقد خص بمواضع منها :
ما يطوف من الكلاب إذ ثم ناقل عن الأصل في حقه ، كما تقدم ، فـ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ" ، فَحُدَّ على جهة الشرط مئنة من العموم ، من وجه ، إما بالنظر في الفعل : "ولغ" ، فإن تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل يفيد العموم ، فيستغرق كل صور الولوغ ، وفيه قدر زائد على مجرد مباشرة الماء باللسان ، فَيَزِيدُ عليه التحريك ، فهذا التحريك يخلط اللعاب بالماء ، فتمازجه النجاسة على وجه يتعذر فيه الفصل ، وزد عليه عموم : "أل" في : "الكلب" ، فَهِيَ مَئِنَّةٌ من البيان للماهية ، فَمَاهِيَّةُ هذا الحيوان هي مناط التحريم فلا يعم غيره من الحيوانات سواء أكانت من ذوات الأنياب التي تجرح أم كانت من ذوات الأنياب التي لا تجرح كالفيل أم لم يكن لها ناب ، فالحكم ، كما تقدم ، تعبدي لا يعلل فهو يختص بالكلب ولا يَتَعَدَّى إلى غيره ، إذ ثم فارق يمنع القياس ، فنجاسة لعاب الكلب هي علة الحكم ، وذلك لا يعم بقية الحيوانات ، إلا ما كان من لعاب الخنزير فهو نجس إذ تولد من نجس ، وأما بقية أجناس الحيوان ، فهي على البراءة الأصلية ، من وجه ، فاستصحب الأصل وهو الطهارة والإباحة ، لما تقدم مرارا ، من عموم المنة في قول رب العزة جل وعلا : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فضلا عن ورود نصوص في أنواع بعينها ، كما تقدم في سؤر الهرة ، ومثلة سؤر الحمر ، كما في حديث : "أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا»" ، وهو مما تكلم في إسناده ففيه داود بن الحصين ، وهو ضعيف ، وله شَاهِدٌ مُرْسَلٌ موقوف على عمر ، رضي الله عنه ، فقد ينضم هذا إلى هذا لا سيما مع اختلاف المخرج ووجود شواهد أخرى تقوي هذا المرسل ، فَيَرْتَقِي إلى رُتْبَةِ الاحتجاج ، فحد الحكم على جهة الشرط مئنة من التلازم فذلك آكد في تقرير الحكم ، فضلا عن دلالة الفاء فهي رابطة بين الشطرين على وجه يزيد معنى التلازم تقريرا ، وجاء الجواب على حد الأمر ، وهو مئنة من الإيجاب ولا صارف هنا ، والنص يعم جميع الآنية ، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ، فالحكم يعم الماء القليل والكثير فينجس في هذه الحال مطلقا ، ولو على قول من يضيق دائرة النجاسة فمناط الحكم عنده : تغير أوصاف الماء أو أحدها بالنجاسة الطارئة ، قَلَّ الماء أو كَثُرَ ، إذ ثم نص فيه زيادة علم فهو ناقل عن الأصل ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في الاستدلال يطرد في كافة أبواب الفقه ، فاستصحاب الأصل حجة إلى أن يرد الدليل الناقل ، فيقدم قول صاحبه إذ معه زيادة علم توجب قبول قوله والانتقال عن الأصل إليه ، فلا فَرْقَ أن يلغ الكلب فِي ماء قليل أو كثير ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الماء الكثير لا يحمل الخبث ، فلا يتنجس ماء كثير ، رَكَدَ أو جَرَى ، بمجرد ولوغ كلب فيه بلسانه ، فَذَلِكَ يُفْضِي إلى حرج شديد ، ومشقة يعسر التحرز منها ، لا سيما في مواضع تكثر فيها الكلاب ، فتلك مشقة توقع صاحبها في الحرج ، فهي تجلب التيسير والحرج فيها مرفوع شرعا فلا يؤثر ولوغ الكلب على هذا القول في نجاسة الماء الكثير ، لا سيما إن كان جاريا كمياه الأنهار ، فالقول بذلك فيه من التشدد والتكلف ما لا يخفى إذ يفضي إلى تعطيل انتفاع الناس بمياه الأنهار والبحيرات .... إلخ ، فخرج من عموم الطوافين : الكلب والخنزير ، فَثَمَّ ناقل عن الأصل في حقهما ، وهو ما تقدم من خَبَرَ الولوغ ، وما كان من النص على نجاسة الخنزير ، في قوله تعالى : (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) .

ومثله ما لو كان غيرها قد ولغ في نجاسة ثم ولغ في الإناء مباشرة على وحجه غير أحد أوصاف الماء فذلك جار على الأصل أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ، فثم قرينة زائدة من الحس إذ حصل يقين جازم أن هذا الطائف قد باشر نجاسة قبل أن يلغ في الماء على وجه أثر فيه بالتغير كما تقدم .

والشاهد أن الْقِسْمَةَ العقلية في زيادة ابن عمر ، رضي الله عنهما ، تحتمل :
أنه قد سمع ونسي فمن حفظ ، كما تقدم ، حجة على من لم يحفظ ، أو لم يسمع ابتداء ، فَزِيَادَةُ أبي هريرة ، رضي الله عنه ، زيادة ثقة تقبل مطلقا في هذا الموضع ، فثم حال خاصة في زيادة الصحابة إذ كلهم قد سمعوا من صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَعَدَالَتُهُم تقضي بعدم الكذب ، وإن لم تُحِلِ الخطأ فهو جائز في حق كل بشر إلا من عصم من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، وقد يُقَالُ إن ذلك مما يقع فيه الترجيح في وجوه كسائر الزيادات ، فلو كانت الزيادة لا تعارض الأصل ، كما في هذا الموضع إذ زاد أبو هريرة ، رضي الله عنه ، نوعا من أنواع الكلاب ، فَنَقَلَهُ عن أصل التحريم في الاتخاذ ، فَلَا يَتَعَارَضُ ذلك مع الأنواع المذكورة ، فهو غيرها ، وإنما يكون التعارض إذا أَثْبَتَ رَاوٍ شيئا ونفاه الآخر ، من نفس الجهة ، فلا انفكاك فيها ، فلو نَفَى أبو هريرة ، رضي الله عنه ، نوعا أَثْبَتَهُ ابن عمر لكان ثم وجه للتعارض ولكنه زاد شيئا لا علاقة له بالمزيد عليه ، فَانْتَفَى التعارض وَنُزِّلَتِ الزيادة مَنْزِلَةَ الخبر المستقل الذي استأنفه الرَّاوِي ، ابتداء ، فلا يعارض الأصل من أي وجه ، وذلك أمر يعم جميع زيادات الثقات سواء أكان ذلك في طبقة الصحابة ، رضي الله عنهم ، أم في طبقات من بعدهم ، فكل زيادة لا علاقة لها بالمزيد عليه بنفي أو تخصيص أو تقييد .... إلخ من صور البيان الزائد الذي يقضي بمخالفة الأصل الوارد ، كل زيادة هذا وصفها فهي بمنزلة الحديث المستأنف ، وقد يكون ثم تعارض ، على وجه يتعذر فيه الجمع ، كما لو أثبت صحابي أمرا ونفاه الآخر مما لا يدخله الرأي فليس ذلك من قبيل التعارض بَيْنَ أقوال الصحابة على وجه يستوجب الترجيح ، كما تقرر في الأصول ، إذ يقدم قول من وافق النص أو الإجماع ، فلا عبرة باجتهاد خالف النص أو الإجماع فهو فاسد الاعتبار ، كما قرر أهل الشأن ، أو يقدم قول الأفقه ما لم يورد المخالف دليلا يوجب الانتقال عن فتوى الأول ، وإن كان الأفقه الفاضل الراجح إذ قد يَرِدُ في حق الفاضل الراجح ما يجعله مفضولا مرجوحا ، وذلك ، أيضا ، أصل يطرد في أحكام الشريعة ، فالصلاة أفضل من الطواف ، ولكن الطواف في حق غَيْرِ المكي أفضل من الصلاة إذ لا يَتَيَسَّرُ له في كل وقت ، وذلك ، بداهة ، قد خص بالفرائض ، فالفريضة لا يعدلها شيء ، وإنما محل التفاضل : طواف النفل في مقابل صلاة النفل .

ويقدم ، أيضا ، قول من معه زيادة علم ، كما في نفي عائشة ، رضي الله عنها ، أن يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بال قائما ، وإثبات حذيفة ، رضي الله عنه ، فمعه زيادة علم ، فيقدم قوله ، كما تقدم .

ويقدم قول من له اختصاص بالأمر فقد باشر منه ما لم يباشر المخالف كما تقدم في أخبار النساء فيقدم قول المرأة على قول الرجل ، في أمور الرضاع والحيض والنفاس والولادة ..... إلخ ، ومثله ما يكون بين الرجل وأهله ، فقدم من هذا الوجه حديث عائشة وأم سلمة ، رضي الله عنهما ، إذ قالتا بصحة صيام الجنب إذا دخل عليه الفجر ولم يكن قد اغتسل بعد ، فذلك ما كان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أمر لا يطلع عليه أحد سوى أهل الرجل ، فَقُدِّمَ خَبَرُهُمَا في هذا الأمر على قول أبي هريرة ، رضي الله عنه ، إذ أفتى بِبُطْلَانِ صيامه واستند إلى خبر : "من أصبح جنبا فلا صوم له" ، وهو ، من وجه آخر ، مما أرسله عن الفضل بن العباس ، رضي الله عنهما ، ومرسل الصحابي وإن كان حجة مطلقا إذ لا يرسل إلا عن صحابي مثله وإذا روى عن غيره فإنه يبرز الواسطة ، إذ ليس لغيرهم ما ثبت لهم من العدالة التي دلت عليها أخبار بلغت بمجموعها حد التواتر المعنوي فهي من الأصول القطعية التي لا يُنْقَلُ عنها إلا بدليل ، فمن طعن في أحدهم وجب عليه أن يقيم الدليل ، فلا يجزئ بداهة التجويز العقلي فيكفي في إبطاله دعوى أخرى تعارضه ، فدعوى في مقابل دعوى ، فلا يكفي في رد خبرهم أو أي خبر : احتمال الكذب أو الخطأ المجرد من الدليل فذلك يفضي إلى إبطال أي خبر بالتجويز العقلي المحض وذلك يفتح باب الشك على وجه يفضي إلى السفسطة وإنكار البدهيات ، فما أدرانا أن 1+1 = 2 ، فَرُبَّمَا كان المجموع ثلاثة ! ، فصاحب الدعوى لا بد له من بينة ، إذ الناقل عن الأصل لا يقبل قوله إلا بدليل ناقل ، فإذا أقام الدليل فدليله يختص بمحل النزاع فقط فلا يجوز تعديته إلى غيره بالظن أو الاحتمال ، فالصحابة ، رضي الله عنهم ، كلهم عدول ، فإذا احتج محتج فقال : ولكن عبيد الله بن جحش وهو صحابي قد مات متنصرا مرتدا في أرض الحبشة فانتفت في حقه الديانة فضلا عن العدالة ! ، فالجواب : أن ثم دليلا ناقلا عن الأصل في هذا الموضع بِعَيْنِهِ فَيَقْتَصِرُ الحكم عليه ولا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ ، فضلا أن حكم الصحبة الاصطلاحي قد انتفى عنه ، إذ يشترط لتحققه أن يَلْقَى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُؤْمِنًا به ويموت على ذلك ، فَلَمْ يمت عبيد الله على ذلك فَخَرَجَ من حد الصحبة الاصطلاحية الأخص وإن لم يخرج من حد الصحبة اللغوية الأعم ، فهي تعم كل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيدخل فيها المنافقون فهم في الظاهر من أصحابه ، ويدخل فيها أمثال أبي طالب ومن صحب من رجالات قريش ممن ماتوا كفارا أصليين ، ويدخل فيها المرتدون الذين ارتدوا إما في حياته وإمنا بعد وفاته وماتوا وهم كفار ، فذلك جار على ما تقدم مرارا من تقديم الحقيقة الاصطلاحية الأخص على الحقيقة اللغوية الأعم ، فليس محل البحث مسائل اللسان لتكون حقائق اللغة هي المقدمة إلا أن يَرِدَ دليل يوجب الرجوع إلى الحقيقة اللغوية ، فذلك ، أيضا ، خروج عن الأصل ، وهو تقديم الحقيقة الاصطلاحية على الحقيقة اللغوية ، عند التعارض ، فذلك أصل لا يصح الانْتِقَالُ عنه إلا بِقَرِينَةٍ صحيحة ، كما تقدم في مواضع سابقة من تقديم حقيقة الصلاة في اللغة وهي مطلق الدعاء على حقيقتها في الشرع وهي الدعاء المخصوص المفتتح بالتكبير والمختتم بالتسليم ، في نحو قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ، أي : يُثْنُونَ وَيَمْدَحُونَ ، وذلك نوع من أنواع الدعاء .
ومثله الأصل أن كل الصحابة ، رضي الله عنهم ، في الجنة ، فذلك أصل لا يعدل عنه إلا بدليل ناقل ، كما في حديث : "قاتل عمار وسالبُه في النار" ، وقد قتله أبو الغادية الجهني ، وهو من صغار الصحابة ، فإما أن يقال إن ذلك كعامة نصوص الوعيد فلا يَنْفُذُ إلا بعد انْتِفَاء موانع نفاذه ، والموانع في حق آحاد العصاة كثيرا ما تمنع نفاذ الوعيد فيكون ذلك في حق الصحابة ، رضي الله عنهم ، أولى وأوجب ، لا سيما مع ما لهم من عظيم الشرف ، وَوَافِرِ البذل ، ففضيلة الصحبة مما لا يدرك فهي محض اصطفاء واختيار وإن كان دون اصطفاء النبوة واختيارها ، بداهة ، فـ : "إنَّ اللهَ اختارَني واختارَ لي أَصحابي، فجعَلَهم أَنصاري وجعَلَهم أَصهاري، وإنَّه سيجيءُ في آخِرِ الزمانِ قومٌ يَنتقصُوهم، ألا فلا تُواكِلوهم، أَلا فلا تُشارِبوهم، أَلا فلا تُناكِحوهم، أَلا ولا تَنكِحوا إِليهم، ولا تُصلُّوا مَعهم، ألا ولا تُصلُّوا عَليهم، عَليهم حلَّت لعنةُ اللهِ" ، وذلك مما يستأنس به من يعتبر بقول الصحابي مطلقا ، وإما أن يقال إنه وعيد خاص فليس وَعِيدًا كَسَائِرِ الوعيد العام في الكبائر ، فَيَجِبُ نَفَاذُ الوعيد الخاص ، من هذا الوجه ، فيكون ذلك دليلا ناقلا عن الأصل في حق هذا الصحابي بِعَيْنِهِ فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره بالتجويز العقلي المحض ، فيقال أيضا : كل الصحابة في الجنة ، فتلك كلية عامة خصت بالاستثناء : إلا من ورد دليل بعينه أنه في النار ، كما في خبر قاتل عمار ، ودخوله النار ، مع ذلك ، دخول مؤقت إذ قتل عمار ، رضي الله عنه ، كبيرة عظيمة ولكنه لا يوجب الحكم بالكفر إذ لم يكن القتال على قاعدة دينية يقتل فيها القاتلُ المقتولَ لأجل دينه على وجه لا شبهة فيه كقتال الخوارج ، فقد قاتلوا المسلمين بغضا لدينهم ، ولكنهم لشبهة وإن ضعفت فلا ترفع في حقهم الإثم وإن رفعت في حقهم الحكم بالكفر على القول الراجح ، لتلك الشبهة قاتلوا المسلمين بغضا لدينهم بعد أن حكموا عليهم بالكفر فهم يبغضون ما اعتقدوا أنه كفر لا ما يعتقدون أنه الدين الحق وهم مع ذلك يبغضونه فذلك هو الذي يوجب الحكم بالكفر الذي يخلد صاحبه في النار فما قتلوا المسلمين إلا بعد أن أنزلوهم منزلة الكفار بل والمرتدين فاستحلوا منهم الدم والمال بذلك التأويل البعيد وتلك الشبهة الساذجة فهي مئنة مما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من سفاهة أحلامهم ، فعظم جرمهم إذ استحلوا الدم والمال ولكنهم لم يكفروا إذ ثم شبهة رفعت الحكم بالكفر ، وذلك من رحمة هذه الشريعة وسماحتها أن عذرت بالجهل ، على تفصيل في ذلك ، ولم ترفع الإثم ، مع ذلك ، فذلك من جلالها إذ لا تَتَسَاهَلُ في حرمات الدين والنفس والمال .... إلخ من مقاصد الشريعة العظمى ، فضلا أنهم حكموا بكفر عامة المؤمنين ، وحكموا بانقلاب دارهم إلى دار ردة تجب منها الهجرة فليس ذلك كالخلاف في تكفير معين ارتكب ناقضا من نواقض الإيمان كتعطيل الشريعة أو نحوه ، فإن من اجتهد وهو لذلك أهل فغلب على ظنه أنه قد أقيمت على المعين الحجة الرسالية على وجه حصل به القطع وزال به الاشتباه ، فحقق مناط الحكم العام في موضع بعينه وحكم بكفر فلان ، من فعل ذلك فليس من الخوارج إلا إن تعصب لقوله فألزم به المخالف الذي لم يوافقه في اجتهاده وإن وافقه في أصل المناط ولكنه اجتهد فخالفه في تحقيقه في المعين فتوقف في الحكم ما لم يتوقف الأول إذ لم يثبت عنده من الدليل ما ثبت للأول ، أو لم يغلب على ظنه كما غلب على ظن الأول أن الحجة قد أقيمت والشبهة قد انتفت فتورع أن يحكم بكفر الفاعل وإن حكم بكفر الفعل نفسه ، فآل الأمر أن يكون من مواضع الخلاف التي يسوغ فيها الاجتهاد ، فهو اجتهاد في تحقيق مناط ، فلا يحكم على من حققه أنه من الخوارج ، ولا يحكم على من لم يحققه أنه من المرجئة ، إذ لم يخالف أن الفعل كفر ، والمرجئة لا يجعلون الأقوال والأفعال من النواقض بنفسها ، بل يجعلونها مئنة من الناقض الباطن فلا كفر عندهم إلا بالناقض القلبي ! ، وذلك أمر غيبي ، فمن ذا يدركه ؟! فلا تجري الأحكام في هذه الدنيا إلا على الظاهر ، فضلا أنهم التزموا لأجل ذلك من اللوازم ما يخالف البدائه النقلية والعقلية فلا يكون كفر في الظاهر بقول أو عمل إلا إذا انتفى التصديق الباطن ! ، وواقع كثير من الكفار يشهد بخلاف ذلك ، فكثير منهم صدق في الباطن ولكنه أبى الانقياد والإقرار في الظاهر بل وناصب الدين وأهله العداء مع علمه يقينا أنه الحق وإنما أبغضه لأجل أنه حق يسلبه ما قد حصله من الجاه والرياسة والثروة بالباطل ، فأبغض الحق وهو يعلم أنه الحق فليس ثم شبهة كما هي حال الخوارج ، كما تقدم ، فلا يحكم له بالإيمان بداهة أن صدق بباطنه وإن نقض ذلك بظاهره إلا على قول الغلاة من المرجئة الذين قصروا الإيمان على تصديق ساذج في القلب لا يشفع بقدر زائد من الإقرار والانقياد الذي يوجب بداهة في النقل والعقل والحس أن ينقاد الظاهر فيشهد اللسان بالقول وتشهد الجوارح بالفعل والكف ، فذلك جار على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، وهو من آكد مواضع الاعتبار في باب الأسماء والأحكام ، فالخلاف ، كما تقدم ، خلاف في تحقيق المناط ، فلا يحكم على من حقق المناط في معين أنه خارجي إلا إذا عم بالحكم من خالفه ، فمن لم يوافقه في الحكم بكفر فلان ألحقه به ! ، فيفضي به ذلك أن يكفر جمهرة عظيمة من المسلمين المخالفين إما أنهم قد اجتهدوا مثله فخالفوه الاجتهاد وإما أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد فَتَوَقَّفُوا إذ لا علم لهم ليفتوا في خطب جلل كهذا فضلا أن الأمر مما دق فيه النظر فليس من المعلوم الضروري من الدين ليكون التوقف في الحكم بكفر من خالفه أمرا مستنكرا .
فيكون ما تقدم من خبر قاتل عمار ناقلا عن الأصل فلا يتعدى هذا الموضع بعينه ، إذ لا يصح الحكم في هذه الحال بالتجويز العقلي المحض ، وإلا فهي دعوى مجردة يجزئ في ردها دعوى مثلها إذ لم يقم صاحبها دليلا بعينه في محل النزاع ، فضلا أن دخول أبي الغادية النار لا يستوجب الخلود ، فقد اقترف كبيرة لا ناقضا من نواقض الإيمان ، فعلى القول إن النص الخاص قد أوجب في حقه الوعيد ، وذلك ، أيضا ، استثناء لا يقاس عليه في حق غيره من أهل الكبائر ، فهم على الأصل : أنهم تحت المشيئة فلا يجب الوعيد في حق آحادهم وإن وجب في حقهم جميعا بالنظر في الجنس الأعم ، فجنس من اقترف الكبيرة من أهل الوعيد أو مجموعهم من أهل الوعيد ولا يلزم من ذلك أن جميع آحادهم سيعذبون بل الدليل قاض بضد ذلك من نجاة كثير من أهل الوعيد ابتداء إذا قامت في حقهم موانع تمنع نفاذه من حسنات ماحيات ومصائب مكفرات وشفاعات في الدار الآخرة ..... إلخ ، فعلى القول إن النص قد أوجب في حق أبي الغادية الوعيد ، فذلك لا يوجب التعميم بالتجويز العقلي المجرد من وجه ، ولا يوجب أنه مخلد في النار ، فتكون الكلية الأولى مستقيمة ، فكل الصحابة في الجنة انتهاء وإن عذب منهم آحاد ورد في حقهم نص بعينه كأبي الغادية .

والشاهد أن مرسل الصحابي ، وإن كان حجة ، إذ لا يسقط إلا صَحَابِيًّا مثله وَعَدَالَتُهُم جَمِيعًا مما اشتهر فَبَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ ، إلا أن ما رواه الصحابي مباشرة بلا واسطة أرجح عند التعارض وتعذر الجمع إذ كلاهما حجة ، ولكن ثم حجة أرجح من أخرى .

والعدالة لا تعني السلامة من الخطأ والسهو ، فذلك مَا لَا يَسْلَمُ منه بشر إلا من عصم ، كما تقدم ، فلا يقدح الخطأ في العدالة ولا يقدح في الضبط إلا إن كَثُرَ ، فصاحبه ممن ساء حفظه ، وإن كان عدلا في دِيَانَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ ، وقرينة العصمة العامة لهذه الأمة ، من وجه آخر ، تقضي ألا يُقَرَّ الخطأ فَيَصِيرَ محل الإجماع والفتيا ، فقد عصم الله ، جل وعلا ، هذه الأمة أن تجمع على خلاف الحق إن في أصل أو في فرع ، فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في جميع أصول الدين وفروعه .

وأما الزيادات في حق من تلاهم من طبقات الإسناد ، فينظر فيها من جهة التفرد أو المخالفة ، فإن تفرد بها من يحتمل تفرده فهو عدل تام الضبط ، فذلك صحيح وإن شذ ، فشذوذه بقيد التفرد ، وهو ممن يحتمل تفرده ، كالزهري ، رحمه الله ، فهو حافظ واسع الحفظ كثير الرحلة فتجد عنده من حروف الرواية ما تفرد به فلا يروى إلا من طريقه ولا يرد لأجل هذا التفرد فالزهري هو من هو في العدالة والحفظ والضبط فيقبل تفرده من هذا الوجه ، وأما تفرد الصحابة ، رضي الله عنهم ، فيقبل مطلقا إذ هم أولى طبقات الإسناد فلا يجري عليهم ما يجري على من بعدهم إذ تعددت المخارج وتشعبت طرق الرواية .

وإن تفرد بها من لم يبلغ درجة السابق في الضبط وإن كافأه في العدالة ، فذلك حسن ، وإن شذ أيضا ، فيحتج به وإن كان في الاحتجاج دون الصحيح لا سيما في مواضع الترجيح ، فذلك ، أيضا ، من موارد الاعتبار الصحيح في الترجيح ، فيرجح الصحيحُ الحسنَ إذا تعارضا وتعذر الجمع .

وإن تفرد به من ليس أهلا للتفرد لقدح في عدالته أو ضبطه على وجه يجعله ناقص الديانة أو مخروم المروءة أو سَيِّئَ الحفظ فحديثه مردود فهو منكر لا يحتمل تفرد راويه ، وقد اصطلح على أنه منكر بقيد التفرد ، فيرد وإن عدم المخالف إذ ليس الراوي ابتداء أهلا أن يتفرد بالرواية وذلك ما لا يكون بداهة في حق الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإن جاز في حق آحاد من الرواة بعدهم ، فذلك ، أيضا ، مما فارق فيه الصحابة غيرهم في هذا الموضع من مواضع الاعتبار في باب الرواية .

وأما الثقة إذا خالف جمعا من الثقات ، أو من هو أرجح في الحفظ أو أسبق في الفقه ، فحديثه شاذ بقيد المخالفة ، فيرد وإن لم يلزم من ذلك الطعن في عدالته أو ضبطه ، فلا يسلم ثقة من خطأ وإن بلغ من الحفظ ما بلغ ، وذلك أمر يعتبر فيه بالقرائن التي تحتف بالخبر ، فقد يكون ثم ثقة خالف من أوثق ويكون خبره هو المقدم لقرينة احتفت به ، بل قد يكون ممن تكلم في حفظه وإن لم يبلغ درجة الضعف الشديد الذي ترد رواية صاحبه ، فيخالفُ من تلك حاله ثقةً ، وتقدم روايته مع ذلك لقرينة احتفت بها فأوجبت تقديمها على رواية الثقة ، كما في المثال الشهير الذي يضربه أهل الشأن بقبول زيادة الاتصال في إسناد : "لا نكاح إلا بولي" ، فقد وصله إسرائيل عن جده أبي إسحاق السبيعي ، وأرسله من هو أحفظ منه كشعبة وسفيان ، وهما من جبال الحفظ ، ومع ذلك قدمت زيادته والأصل أنه قد خالف من هو أوثق منه فترد لأجل ذلك ولكن قد احتف بها جملة من القرائن الصحيحة التي توجب تقديمها فإسرائيل حفيد أبي إسحاق فهو من أحفظ الناس لحديثه ، وقد أثر عنه أنه يحفظ أحاديث جده كما يحفظ سورة الحمد لطول الملازمة وكثرة المراجعة ، فيقدم من هذا الوجه ، وذلك ، أبضا ، من أصول الاعتبار في باب الرواية إذ أهل بيت الراوي أولى الناس بحفظ حديثه فضلا أنه سمعه متصلا مسندا في مجلس تحديث وأما شعبة وسفيان فقد سمعاه في مجلس مذاكرة ومعلوم ما يكون في مجالس المذاكرة من تساهل وتخفف في الراوية فقد يسقط الشيخ الإسناد كله أو بعضه اختصارا .

فذلك أمر يعظم فيه الاعتبار بالقرائن فلا يحكم فيه بادي الرأي قبل جمع الطرق ومعارضتها ليستبين صحيحها من ضعيفها .

وكذلك إن كان ضعيفا خالف جمعا من الثقات فَتُرَدُّ روايته من باب أولى فهي منكرة بقيد المخالفة ، فراويها إن لم يخالف لم تقبل روايته فهي منكرة بقيد التفرد ، فكيف وقد خالفه الثقات فَتُرَدُّ روايته من باب أولى .

فهذه كلها من وجوه الاعتبار في باب الرواية ، وهي غيض من فيض ، وذلك مما يدل الناظر حق الدلالة على إتقان هذه الشريعة وإحكامها إن في نقلها ألفاظا ، فذلك الركن الأول من أركان البحث الصحيح وهو : صحة الدليل ، وإن في عقلها وفهمها معان فذلك الركن الثاني وهو : صحة الاستدلال بالمشهور المتواتر من لسان العرب .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
17-09-2015, 06:55 AM
ومن مواضع الاعتبار في باب الرواية : ما قرره أهل الشان من زيادة الثقات ، كما في حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أن : "«رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»" ، فذلك من زيادات الثقات التي لا تخالف الأصل المزيد عليه فلم تعرض له بنسخ أو تخصيص أو تقييد .... إلخ من صور الزيادة التي تعارض الأصل ، ولو لم تَرْفَعْهُ ، فهذه الزيادة تُنَزَّلُ منزلة الحديث المستقل ، فالنهي عن جملة أشياء يمكن تقسيمه حال الاستدلال فيكون ذلك من تقطيع الحديث والاجتزاء على محل الشاهد دون تكرار للمتن كله ، وذلك ما اطرد في صنيع البخاري ، رحمه الله ، إذ قطع المتون في مواضع واجتزأ على محل الشاهد الذي يندرج في تَرْجَمَةِ الباب ، فهو يورد المتن كاملا في موضع ويختصره في آخر فلا يكرره كله ، وإنما يذكر محل الشاهد فقط ، كما تقدم ، فلا يكرر البخاري ، رحمه الله ، الحديث بنفس الإسناد والمتن دون فائدة جديدة في كل موضع ، سواء أكانت في الإسناد ، كطريق ثانية غير الطريق الأولى أو تصريح بالتحديث ..... إلخ ، أم في المتن كزيادة لفظ أو نحوه ، كما في هذا الحديث إذ زاد أبو هريرة ، رضي الله عنه ، كلب الزراعة ، فَأَقَرَّهُ ابن عمر ، رضي الله عنهما ، إذ صاحب الشأن أولى بالحفظ ، وذلك أصل من أصول الترجيح ، فصاحب الشأن يقدم قوله ، ومثله صاحب القصة كما في حديث ميمونة ، رضي الله عنها ، إذ تزوجها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو حلال خلافا لما ذهب إليه ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه تزوجها وهو محرم فهي أولى بالحفظ إذ هي صاحبة القصة ، ولذلك يقدم خبر المرأة في أمور النساء ، إذ هي أعلم بها من الرجال ، وقد رواه ابن عمر بعد ذلك من طريق أبي هريرة ، رضي الله عنه ، بَلْ وَرَوَاهُ هُوَ نَفْسُهُ دون أن يسنده إلى أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فذلك يحمل على وجوه ، فَالْقِسْمَةُ العقلية في هذا الباب تحتمل :
أن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قد سمع ونسي ، وذلك أمر لا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ إلا الأنبياء عليهم السلام لما تقدم مرارا من مكان العصمة في التبليغ والتبيين ، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن معه زيادة علم فقوله يقبل ، فإن النهي عام فذلك الأصل في اتخاذ الكلاب لنجاسة أعيانها ، فَتُسُومِحَ في هذه الأنواع للحاجة ، إذ قد نهي عن اتخاذ الكلاب سدا لذريعة الملابسة للنجاسة ، فاغتفر في ذلك للحاجة في الحراسة والحرث ، وذلك جار على قواعد الشريعة المحكمة إذ ما نهي عنه سدا للذريعة أبيح للحاجة أو المصلحة الراجحة ، وذلك أصل يطرد في جميع أبواب الفقه ، وله أمثلة يطول ذكرها ، فالنهي في شأن الكلب يناط بأمور ، فيناط بأكله ، إذ هو من ذوات الأنياب ، وقد نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، فذلك مما زادته السنة على الكتاب ، فالنهي في التنزيل قد جاء عما أكل السبع إلا ما ذكي وفيه حياة مستقرة ، فجاءت السنة تحرم كل جارح من السبع أو الطير ، ويناط ، أيضا ، بسؤره ، لخبر : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ" ، فذلك حكم تعبدي لا يقاس عليه ، ولذلك جَازَ سؤر غيره ولو كان من الجوارح ذوات الأنياب ، كسؤر الهرة ، كما في حديث كبشة بنت كعب ، رضي الله عنها ، وفيه رواية زوجها أبي قتادة ، رضي الله عنه ، إذ استنكرت أن أصغى الإناء إلى الهرة لتشرب : "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" ، فاستنكارها يحسن معه التوكيد دفعا لما وقع في نفسها فالخبر ليس ابتداء لخالي الذهن ، وليس طلبا لمتشكك ، وإنما ينزل منزلة خبر الإنكار ، فالمخاطَب ينكر ، فَحَسُنَ في حقه المبالغة في التوكيد قلبا لاعتقاده ، فصدر السياق بالمؤكد الناسخ فضلا عن توكيد النفي بدخول الباء على خبر : "ليس" ، وثم عموم اسْتُفِيدَ من دلالة : "أل" في : "الطوافين" ، فَهِيَ تُفِيدُ الاستغراق لجنس ما دخلت عليه ، فضلا عن رفع الاحتمال بذكر الجمع المذكر والجمع المؤنث بعده ، مع أن الأول يعم الثاني بدلالة التغليب فأطنب في البيان وذلك ، أيضا ، مما يحسن في مواضع الاستنكار أن يكون ثم إطناب في البيان يزيل ما استقر في نفس المخاطب من الإنكار ، وثم إيجاز من وجه آخر بحذف متعلق "الطوافات" لدلالة متعلق "الطوافين" عليه ، فتقدير الكلام : إنها من الطوافين عليكم والطوافات عليكم ، فحذف المتأخر لدلالة المتقدم المذكور عليه وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، الأصل في الحذف في لسان العرب ، أن يتقدم ذكر المحذوف أو ما يدل عليه فلا يشتبه أمره وإنما يسهل تقديره فقد حصلت صورته في اللفظ وفي الذهن فلا يجد السامع أو الناظر حرجا في تقديره ، فيشبه ، من وجه ، مرجع الضمير فالأصل أن يتقدم في الذكر فلا يقع الاشتباه في تعيين مدلوله فقد تقدمه ، ولذلك كان الأصل في مرجع الضمير أيضا : أن يعود إلى أقرب مذكور إلا إذا كان ثم قرينة توجب إرجاعه إلى مذكور أبعد ، ولفظ "الطوافين" : مئنة من المبالغة فتطوافها يَتَكَرَّرُ وذلك أمر يشق الاحتراز منه وهو مما يزيد في معنى التعليل للرخصة في سؤرها فثم مشقة في الاحتراز منها ، والمشقة تجلب التيسير ، فمادة التطواف التي اشتق منها وصف المبالغة : "الطوافين" معنى يصح تعليل الحكم به ، لا سيما وقد حد على جهة التعليل ، وإن لم يكن نصا فيه ، فصدر بالمؤكد الناسخ على حد الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين الحكم وعلته ، فقيس على الهرة الداجن من الشياه والدجاج ... إلخ ، فذلك ، من وجه آخر ، عموم ، وقد خص بمواضع منها :
ما يطوف من الكلاب إذ ثم ناقل عن الأصل في حقه ، كما تقدم ، فـ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ" ، فَحُدَّ على جهة الشرط مئنة من العموم ، من وجه ، إما بالنظر في الفعل : "ولغ" ، فإن تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل يفيد العموم ، فيستغرق كل صور الولوغ ، وفيه قدر زائد على مجرد مباشرة الماء باللسان ، فَيَزِيدُ عليه التحريك ، فهذا التحريك يخلط اللعاب بالماء ، فتمازجه النجاسة على وجه يتعذر فيه الفصل ، وزد عليه عموم : "أل" في : "الكلب" ، فَهِيَ مَئِنَّةٌ من البيان للماهية ، فَمَاهِيَّةُ هذا الحيوان هي مناط التحريم فلا يعم غيره من الحيوانات سواء أكانت من ذوات الأنياب التي تجرح أم كانت من ذوات الأنياب التي لا تجرح كالفيل أم لم يكن لها ناب ، فالحكم ، كما تقدم ، تعبدي لا يعلل فهو يختص بالكلب ولا يَتَعَدَّى إلى غيره ، إذ ثم فارق يمنع القياس ، فنجاسة لعاب الكلب هي علة الحكم ، وذلك لا يعم بقية الحيوانات ، إلا ما كان من لعاب الخنزير فهو نجس إذ تولد من نجس ، وأما بقية أجناس الحيوان ، فهي على البراءة الأصلية ، من وجه ، فاستصحب الأصل وهو الطهارة والإباحة ، لما تقدم مرارا ، من عموم المنة في قول رب العزة جل وعلا : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فضلا عن ورود نصوص في أنواع بعينها ، كما تقدم في سؤر الهرة ، ومثلة سؤر الحمر ، كما في حديث : "أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا»" ، وهو مما تكلم في إسناده ففيه داود بن الحصين ، وهو ضعيف ، وله شَاهِدٌ مُرْسَلٌ موقوف على عمر ، رضي الله عنه ، فقد ينضم هذا إلى هذا لا سيما مع اختلاف المخرج ووجود شواهد أخرى تقوي هذا المرسل ، فَيَرْتَقِي إلى رُتْبَةِ الاحتجاج ، فحد الحكم على جهة الشرط مئنة من التلازم فذلك آكد في تقرير الحكم ، فضلا عن دلالة الفاء فهي رابطة بين الشطرين على وجه يزيد معنى التلازم تقريرا ، وجاء الجواب على حد الأمر ، وهو مئنة من الإيجاب ولا صارف هنا ، والنص يعم جميع الآنية ، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ، فالحكم يعم الماء القليل والكثير فينجس في هذه الحال مطلقا ، ولو على قول من يضيق دائرة النجاسة فمناط الحكم عنده : تغير أوصاف الماء أو أحدها بالنجاسة الطارئة ، قَلَّ الماء أو كَثُرَ ، إذ ثم نص فيه زيادة علم فهو ناقل عن الأصل ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في الاستدلال يطرد في كافة أبواب الفقه ، فاستصحاب الأصل حجة إلى أن يرد الدليل الناقل ، فيقدم قول صاحبه إذ معه زيادة علم توجب قبول قوله والانتقال عن الأصل إليه ، فلا فَرْقَ أن يلغ الكلب فِي ماء قليل أو كثير ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الماء الكثير لا يحمل الخبث ، فلا يتنجس ماء كثير ، رَكَدَ أو جَرَى ، بمجرد ولوغ كلب فيه بلسانه ، فَذَلِكَ يُفْضِي إلى حرج شديد ، ومشقة يعسر التحرز منها ، لا سيما في مواضع تكثر فيها الكلاب ، فتلك مشقة توقع صاحبها في الحرج ، فهي تجلب التيسير والحرج فيها مرفوع شرعا فلا يؤثر ولوغ الكلب على هذا القول في نجاسة الماء الكثير ، لا سيما إن كان جاريا كمياه الأنهار ، فالقول بذلك فيه من التشدد والتكلف ما لا يخفى إذ يفضي إلى تعطيل انتفاع الناس بمياه الأنهار والبحيرات .... إلخ ، فخرج من عموم الطوافين : الكلب والخنزير ، فَثَمَّ ناقل عن الأصل في حقهما ، وهو ما تقدم من خَبَرَ الولوغ ، وما كان من النص على نجاسة الخنزير ، في قوله تعالى : (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) .

ومثله ما لو كان غيرها قد ولغ في نجاسة ثم ولغ في الإناء مباشرة على وحجه غير أحد أوصاف الماء فذلك جار على الأصل أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ، فثم قرينة زائدة من الحس إذ حصل يقين جازم أن هذا الطائف قد باشر نجاسة قبل أن يلغ في الماء على وجه أثر فيه بالتغير كما تقدم .

والشاهد أن الْقِسْمَةَ العقلية في زيادة ابن عمر ، رضي الله عنهما ، تحتمل :
أنه قد سمع ونسي فمن حفظ ، كما تقدم ، حجة على من لم يحفظ ، أو لم يسمع ابتداء ، فَزِيَادَةُ أبي هريرة ، رضي الله عنه ، زيادة ثقة تقبل مطلقا في هذا الموضع ، فثم حال خاصة في زيادة الصحابة إذ كلهم قد سمعوا من صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَعَدَالَتُهُم تقضي بعدم الكذب ، وإن لم تُحِلِ الخطأ فهو جائز في حق كل بشر إلا من عصم من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، وقد يُقَالُ إن ذلك مما يقع فيه الترجيح في وجوه كسائر الزيادات ، فلو كانت الزيادة لا تعارض الأصل ، كما في هذا الموضع إذ زاد أبو هريرة ، رضي الله عنه ، نوعا من أنواع الكلاب ، فَنَقَلَهُ عن أصل التحريم في الاتخاذ ، فَلَا يَتَعَارَضُ ذلك مع الأنواع المذكورة ، فهو غيرها ، وإنما يكون التعارض إذا أَثْبَتَ رَاوٍ شيئا ونفاه الآخر ، من نفس الجهة ، فلا انفكاك فيها ، فلو نَفَى أبو هريرة ، رضي الله عنه ، نوعا أَثْبَتَهُ ابن عمر لكان ثم وجه للتعارض ولكنه زاد شيئا لا علاقة له بالمزيد عليه ، فَانْتَفَى التعارض وَنُزِّلَتِ الزيادة مَنْزِلَةَ الخبر المستقل الذي استأنفه الرَّاوِي ، ابتداء ، فلا يعارض الأصل من أي وجه ، وذلك أمر يعم جميع زيادات الثقات سواء أكان ذلك في طبقة الصحابة ، رضي الله عنهم ، أم في طبقات من بعدهم ، فكل زيادة لا علاقة لها بالمزيد عليه بنفي أو تخصيص أو تقييد .... إلخ من صور البيان الزائد الذي يقضي بمخالفة الأصل الوارد ، كل زيادة هذا وصفها فهي بمنزلة الحديث المستأنف ، وقد يكون ثم تعارض ، على وجه يتعذر فيه الجمع ، كما لو أثبت صحابي أمرا ونفاه الآخر مما لا يدخله الرأي فليس ذلك من قبيل التعارض بَيْنَ أقوال الصحابة على وجه يستوجب الترجيح ، كما تقرر في الأصول ، إذ يقدم قول من وافق النص أو الإجماع ، فلا عبرة باجتهاد خالف النص أو الإجماع فهو فاسد الاعتبار ، كما قرر أهل الشأن ، أو يقدم قول الأفقه ما لم يورد المخالف دليلا يوجب الانتقال عن فتوى الأول ، وإن كان الأفقه الفاضل الراجح إذ قد يَرِدُ في حق الفاضل الراجح ما يجعله مفضولا مرجوحا ، وذلك ، أيضا ، أصل يطرد في أحكام الشريعة ، فالصلاة أفضل من الطواف ، ولكن الطواف في حق غَيْرِ المكي أفضل من الصلاة إذ لا يَتَيَسَّرُ له في كل وقت ، وذلك ، بداهة ، قد خص بالفرائض ، فالفريضة لا يعدلها شيء ، وإنما محل التفاضل : طواف النفل في مقابل صلاة النفل .

ويقدم ، أيضا ، قول من معه زيادة علم ، كما في نفي عائشة ، رضي الله عنها ، أن يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بال قائما ، وإثبات حذيفة ، رضي الله عنه ، فمعه زيادة علم ، فيقدم قوله ، كما تقدم .

ويقدم قول من له اختصاص بالأمر فقد باشر منه ما لم يباشر المخالف كما تقدم في أخبار النساء فيقدم قول المرأة على قول الرجل ، في أمور الرضاع والحيض والنفاس والولادة ..... إلخ ، ومثله ما يكون بين الرجل وأهله ، فقدم من هذا الوجه حديث عائشة وأم سلمة ، رضي الله عنهما ، إذ قالتا بصحة صيام الجنب إذا دخل عليه الفجر ولم يكن قد اغتسل بعد ، فذلك ما كان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أمر لا يطلع عليه أحد سوى أهل الرجل ، فَقُدِّمَ خَبَرُهُمَا في هذا الأمر على قول أبي هريرة ، رضي الله عنه ، إذ أفتى بِبُطْلَانِ صيامه واستند إلى خبر : "من أصبح جنبا فلا صوم له" ، وهو ، من وجه آخر ، مما أرسله عن الفضل بن العباس ، رضي الله عنهما ، ومرسل الصحابي وإن كان حجة مطلقا إذ لا يرسل إلا عن صحابي مثله وإذا روى عن غيره فإنه يبرز الواسطة ، إذ ليس لغيرهم ما ثبت لهم من العدالة التي دلت عليها أخبار بلغت بمجموعها حد التواتر المعنوي فهي من الأصول القطعية التي لا يُنْقَلُ عنها إلا بدليل ، فمن طعن في أحدهم وجب عليه أن يقيم الدليل ، فلا يجزئ بداهة التجويز العقلي فيكفي في إبطاله دعوى أخرى تعارضه ، فدعوى في مقابل دعوى ، فلا يكفي في رد خبرهم أو أي خبر : احتمال الكذب أو الخطأ المجرد من الدليل فذلك يفضي إلى إبطال أي خبر بالتجويز العقلي المحض وذلك يفتح باب الشك على وجه يفضي إلى السفسطة وإنكار البدهيات ، فما أدرانا أن 1+1 = 2 ، فَرُبَّمَا كان المجموع ثلاثة ! ، فصاحب الدعوى لا بد له من بينة ، إذ الناقل عن الأصل لا يقبل قوله إلا بدليل ناقل ، فإذا أقام الدليل فدليله يختص بمحل النزاع فقط فلا يجوز تعديته إلى غيره بالظن أو الاحتمال ، فالصحابة ، رضي الله عنهم ، كلهم عدول ، فإذا احتج محتج فقال : ولكن عبيد الله بن جحش وهو صحابي قد مات متنصرا مرتدا في أرض الحبشة فانتفت في حقه الديانة فضلا عن العدالة ! ، فالجواب : أن ثم دليلا ناقلا عن الأصل في هذا الموضع بِعَيْنِهِ فَيَقْتَصِرُ الحكم عليه ولا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ ، فضلا أن حكم الصحبة الاصطلاحي قد انتفى عنه ، إذ يشترط لتحققه أن يَلْقَى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُؤْمِنًا به ويموت على ذلك ، فَلَمْ يمت عبيد الله على ذلك فَخَرَجَ من حد الصحبة الاصطلاحية الأخص وإن لم يخرج من حد الصحبة اللغوية الأعم ، فهي تعم كل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيدخل فيها المنافقون فهم في الظاهر من أصحابه ، ويدخل فيها أمثال أبي طالب ومن صحب من رجالات قريش ممن ماتوا كفارا أصليين ، ويدخل فيها المرتدون الذين ارتدوا إما في حياته وإمنا بعد وفاته وماتوا وهم كفار ، فذلك جار على ما تقدم مرارا من تقديم الحقيقة الاصطلاحية الأخص على الحقيقة اللغوية الأعم ، فليس محل البحث مسائل اللسان لتكون حقائق اللغة هي المقدمة إلا أن يَرِدَ دليل يوجب الرجوع إلى الحقيقة اللغوية ، فذلك ، أيضا ، خروج عن الأصل ، وهو تقديم الحقيقة الاصطلاحية على الحقيقة اللغوية ، عند التعارض ، فذلك أصل لا يصح الانْتِقَالُ عنه إلا بِقَرِينَةٍ صحيحة ، كما تقدم في مواضع سابقة من تقديم حقيقة الصلاة في اللغة وهي مطلق الدعاء على حقيقتها في الشرع وهي الدعاء المخصوص المفتتح بالتكبير والمختتم بالتسليم ، في نحو قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ، أي : يُثْنُونَ وَيَمْدَحُونَ ، وذلك نوع من أنواع الدعاء .
ومثله الأصل أن كل الصحابة ، رضي الله عنهم ، في الجنة ، فذلك أصل لا يعدل عنه إلا بدليل ناقل ، كما في حديث : "قاتل عمار وسالبُه في النار" ، وقد قتله أبو الغادية الجهني ، وهو من صغار الصحابة ، فإما أن يقال إن ذلك كعامة نصوص الوعيد فلا يَنْفُذُ إلا بعد انْتِفَاء موانع نفاذه ، والموانع في حق آحاد العصاة كثيرا ما تمنع نفاذ الوعيد فيكون ذلك في حق الصحابة ، رضي الله عنهم ، أولى وأوجب ، لا سيما مع ما لهم من عظيم الشرف ، وَوَافِرِ البذل ، ففضيلة الصحبة مما لا يدرك فهي محض اصطفاء واختيار وإن كان دون اصطفاء النبوة واختيارها ، بداهة ، فـ : "إنَّ اللهَ اختارَني واختارَ لي أَصحابي، فجعَلَهم أَنصاري وجعَلَهم أَصهاري، وإنَّه سيجيءُ في آخِرِ الزمانِ قومٌ يَنتقصُوهم، ألا فلا تُواكِلوهم، أَلا فلا تُشارِبوهم، أَلا فلا تُناكِحوهم، أَلا ولا تَنكِحوا إِليهم، ولا تُصلُّوا مَعهم، ألا ولا تُصلُّوا عَليهم، عَليهم حلَّت لعنةُ اللهِ" ، وذلك مما يستأنس به من يعتبر بقول الصحابي مطلقا ، وإما أن يقال إنه وعيد خاص فليس وَعِيدًا كَسَائِرِ الوعيد العام في الكبائر ، فَيَجِبُ نَفَاذُ الوعيد الخاص ، من هذا الوجه ، فيكون ذلك دليلا ناقلا عن الأصل في حق هذا الصحابي بِعَيْنِهِ فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره بالتجويز العقلي المحض ، فيقال أيضا : كل الصحابة في الجنة ، فتلك كلية عامة خصت بالاستثناء : إلا من ورد دليل بعينه أنه في النار ، كما في خبر قاتل عمار ، ودخوله النار ، مع ذلك ، دخول مؤقت إذ قتل عمار ، رضي الله عنه ، كبيرة عظيمة ولكنه لا يوجب الحكم بالكفر إذ لم يكن القتال على قاعدة دينية يقتل فيها القاتلُ المقتولَ لأجل دينه على وجه لا شبهة فيه كقتال الخوارج ، فقد قاتلوا المسلمين بغضا لدينهم ، ولكنهم لشبهة وإن ضعفت فلا ترفع في حقهم الإثم وإن رفعت في حقهم الحكم بالكفر على القول الراجح ، لتلك الشبهة قاتلوا المسلمين بغضا لدينهم بعد أن حكموا عليهم بالكفر فهم يبغضون ما اعتقدوا أنه كفر لا ما يعتقدون أنه الدين الحق وهم مع ذلك يبغضونه فذلك هو الذي يوجب الحكم بالكفر الذي يخلد صاحبه في النار فما قتلوا المسلمين إلا بعد أن أنزلوهم منزلة الكفار بل والمرتدين فاستحلوا منهم الدم والمال بذلك التأويل البعيد وتلك الشبهة الساذجة فهي مئنة مما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من سفاهة أحلامهم ، فعظم جرمهم إذ استحلوا الدم والمال ولكنهم لم يكفروا إذ ثم شبهة رفعت الحكم بالكفر ، وذلك من رحمة هذه الشريعة وسماحتها أن عذرت بالجهل ، على تفصيل في ذلك ، ولم ترفع الإثم ، مع ذلك ، فذلك من جلالها إذ لا تَتَسَاهَلُ في حرمات الدين والنفس والمال .... إلخ من مقاصد الشريعة العظمى ، فضلا أنهم حكموا بكفر عامة المؤمنين ، وحكموا بانقلاب دارهم إلى دار ردة تجب منها الهجرة فليس ذلك كالخلاف في تكفير معين ارتكب ناقضا من نواقض الإيمان كتعطيل الشريعة أو نحوه ، فإن من اجتهد وهو لذلك أهل فغلب على ظنه أنه قد أقيمت على المعين الحجة الرسالية على وجه حصل به القطع وزال به الاشتباه ، فحقق مناط الحكم العام في موضع بعينه وحكم بكفر فلان ، من فعل ذلك فليس من الخوارج إلا إن تعصب لقوله فألزم به المخالف الذي لم يوافقه في اجتهاده وإن وافقه في أصل المناط ولكنه اجتهد فخالفه في تحقيقه في المعين فتوقف في الحكم ما لم يتوقف الأول إذ لم يثبت عنده من الدليل ما ثبت للأول ، أو لم يغلب على ظنه كما غلب على ظن الأول أن الحجة قد أقيمت والشبهة قد انتفت فتورع أن يحكم بكفر الفاعل وإن حكم بكفر الفعل نفسه ، فآل الأمر أن يكون من مواضع الخلاف التي يسوغ فيها الاجتهاد ، فهو اجتهاد في تحقيق مناط ، فلا يحكم على من حققه أنه من الخوارج ، ولا يحكم على من لم يحققه أنه من المرجئة ، إذ لم يخالف أن الفعل كفر ، والمرجئة لا يجعلون الأقوال والأفعال من النواقض بنفسها ، بل يجعلونها مئنة من الناقض الباطن فلا كفر عندهم إلا بالناقض القلبي ! ، وذلك أمر غيبي ، فمن ذا يدركه ؟! فلا تجري الأحكام في هذه الدنيا إلا على الظاهر ، فضلا أنهم التزموا لأجل ذلك من اللوازم ما يخالف البدائه النقلية والعقلية فلا يكون كفر في الظاهر بقول أو عمل إلا إذا انتفى التصديق الباطن ! ، وواقع كثير من الكفار يشهد بخلاف ذلك ، فكثير منهم صدق في الباطن ولكنه أبى الانقياد والإقرار في الظاهر بل وناصب الدين وأهله العداء مع علمه يقينا أنه الحق وإنما أبغضه لأجل أنه حق يسلبه ما قد حصله من الجاه والرياسة والثروة بالباطل ، فأبغض الحق وهو يعلم أنه الحق فليس ثم شبهة كما هي حال الخوارج ، كما تقدم ، فلا يحكم له بالإيمان بداهة أن صدق بباطنه وإن نقض ذلك بظاهره إلا على قول الغلاة من المرجئة الذين قصروا الإيمان على تصديق ساذج في القلب لا يشفع بقدر زائد من الإقرار والانقياد الذي يوجب بداهة في النقل والعقل والحس أن ينقاد الظاهر فيشهد اللسان بالقول وتشهد الجوارح بالفعل والكف ، فذلك جار على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، وهو من آكد مواضع الاعتبار في باب الأسماء والأحكام ، فالخلاف ، كما تقدم ، خلاف في تحقيق المناط ، فلا يحكم على من حقق المناط في معين أنه خارجي إلا إذا عم بالحكم من خالفه ، فمن لم يوافقه في الحكم بكفر فلان ألحقه به ! ، فيفضي به ذلك أن يكفر جمهرة عظيمة من المسلمين المخالفين إما أنهم قد اجتهدوا مثله فخالفوه الاجتهاد وإما أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد فَتَوَقَّفُوا إذ لا علم لهم ليفتوا في خطب جلل كهذا فضلا أن الأمر مما دق فيه النظر فليس من المعلوم الضروري من الدين ليكون التوقف في الحكم بكفر من خالفه أمرا مستنكرا .
فيكون ما تقدم من خبر قاتل عمار ناقلا عن الأصل فلا يتعدى هذا الموضع بعينه ، إذ لا يصح الحكم في هذه الحال بالتجويز العقلي المحض ، وإلا فهي دعوى مجردة يجزئ في ردها دعوى مثلها إذ لم يقم صاحبها دليلا بعينه في محل النزاع ، فضلا أن دخول أبي الغادية النار لا يستوجب الخلود ، فقد اقترف كبيرة لا ناقضا من نواقض الإيمان ، فعلى القول إن النص الخاص قد أوجب في حقه الوعيد ، وذلك ، أيضا ، استثناء لا يقاس عليه في حق غيره من أهل الكبائر ، فهم على الأصل : أنهم تحت المشيئة فلا يجب الوعيد في حق آحادهم وإن وجب في حقهم جميعا بالنظر في الجنس الأعم ، فجنس من اقترف الكبيرة من أهل الوعيد أو مجموعهم من أهل الوعيد ولا يلزم من ذلك أن جميع آحادهم سيعذبون بل الدليل قاض بضد ذلك من نجاة كثير من أهل الوعيد ابتداء إذا قامت في حقهم موانع تمنع نفاذه من حسنات ماحيات ومصائب مكفرات وشفاعات في الدار الآخرة ..... إلخ ، فعلى القول إن النص قد أوجب في حق أبي الغادية الوعيد ، فذلك لا يوجب التعميم بالتجويز العقلي المجرد من وجه ، ولا يوجب أنه مخلد في النار ، فتكون الكلية الأولى مستقيمة ، فكل الصحابة في الجنة انتهاء وإن عذب منهم آحاد ورد في حقهم نص بعينه كأبي الغادية .

والشاهد أن مرسل الصحابي ، وإن كان حجة ، إذ لا يسقط إلا صَحَابِيًّا مثله وَعَدَالَتُهُم جَمِيعًا مما اشتهر فَبَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ ، إلا أن ما رواه الصحابي مباشرة بلا واسطة أرجح عند التعارض وتعذر الجمع إذ كلاهما حجة ، ولكن ثم حجة أرجح من أخرى .

والعدالة لا تعني السلامة من الخطأ والسهو ، فذلك مَا لَا يَسْلَمُ منه بشر إلا من عصم ، كما تقدم ، فلا يقدح الخطأ في العدالة ولا يقدح في الضبط إلا إن كَثُرَ ، فصاحبه ممن ساء حفظه ، وإن كان عدلا في دِيَانَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ ، وقرينة العصمة العامة لهذه الأمة ، من وجه آخر ، تقضي ألا يُقَرَّ الخطأ فَيَصِيرَ محل الإجماع والفتيا ، فقد عصم الله ، جل وعلا ، هذه الأمة أن تجمع على خلاف الحق إن في أصل أو في فرع ، فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في جميع أصول الدين وفروعه .

وأما الزيادات في حق من تلاهم من طبقات الإسناد ، فينظر فيها من جهة التفرد أو المخالفة ، فإن تفرد بها من يحتمل تفرده فهو عدل تام الضبط ، فذلك صحيح وإن شذ ، فشذوذه بقيد التفرد ، وهو ممن يحتمل تفرده ، كالزهري ، رحمه الله ، فهو حافظ واسع الحفظ كثير الرحلة فتجد عنده من حروف الرواية ما تفرد به فلا يروى إلا من طريقه ولا يرد لأجل هذا التفرد فالزهري هو من هو في العدالة والحفظ والضبط فيقبل تفرده من هذا الوجه ، وأما تفرد الصحابة ، رضي الله عنهم ، فيقبل مطلقا إذ هم أولى طبقات الإسناد فلا يجري عليهم ما يجري على من بعدهم إذ تعددت المخارج وتشعبت طرق الرواية .

وإن تفرد بها من لم يبلغ درجة السابق في الضبط وإن كافأه في العدالة ، فذلك حسن ، وإن شذ أيضا ، فيحتج به وإن كان في الاحتجاج دون الصحيح لا سيما في مواضع الترجيح ، فذلك ، أيضا ، من موارد الاعتبار الصحيح في الترجيح ، فيرجح الصحيحُ الحسنَ إذا تعارضا وتعذر الجمع .

وإن تفرد به من ليس أهلا للتفرد لقدح في عدالته أو ضبطه على وجه يجعله ناقص الديانة أو مخروم المروءة أو سَيِّئَ الحفظ فحديثه مردود فهو منكر لا يحتمل تفرد راويه ، وقد اصطلح على أنه منكر بقيد التفرد ، فيرد وإن عدم المخالف إذ ليس الراوي ابتداء أهلا أن يتفرد بالرواية وذلك ما لا يكون بداهة في حق الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإن جاز في حق آحاد من الرواة بعدهم ، فذلك ، أيضا ، مما فارق فيه الصحابة غيرهم في هذا الموضع من مواضع الاعتبار في باب الرواية .

وأما الثقة إذا خالف جمعا من الثقات ، أو من هو أرجح في الحفظ أو أسبق في الفقه ، فحديثه شاذ بقيد المخالفة ، فيرد وإن لم يلزم من ذلك الطعن في عدالته أو ضبطه ، فلا يسلم ثقة من خطأ وإن بلغ من الحفظ ما بلغ ، وذلك أمر يعتبر فيه بالقرائن التي تحتف بالخبر ، فقد يكون ثم ثقة خالف من أوثق ويكون خبره هو المقدم لقرينة احتفت به ، بل قد يكون ممن تكلم في حفظه وإن لم يبلغ درجة الضعف الشديد الذي ترد رواية صاحبه ، فيخالفُ من تلك حاله ثقةً ، وتقدم روايته مع ذلك لقرينة احتفت بها فأوجبت تقديمها على رواية الثقة ، كما في المثال الشهير الذي يضربه أهل الشأن بقبول زيادة الاتصال في إسناد : "لا نكاح إلا بولي" ، فقد وصله إسرائيل عن جده أبي إسحاق السبيعي ، وأرسله من هو أحفظ منه كشعبة وسفيان ، وهما من جبال الحفظ ، ومع ذلك قدمت زيادته والأصل أنه قد خالف من هو أوثق منه فترد لأجل ذلك ولكن قد احتف بها جملة من القرائن الصحيحة التي توجب تقديمها فإسرائيل حفيد أبي إسحاق فهو من أحفظ الناس لحديثه ، وقد أثر عنه أنه يحفظ أحاديث جده كما يحفظ سورة الحمد لطول الملازمة وكثرة المراجعة ، فيقدم من هذا الوجه ، وذلك ، أبضا ، من أصول الاعتبار في باب الرواية إذ أهل بيت الراوي أولى الناس بحفظ حديثه فضلا أنه سمعه متصلا مسندا في مجلس تحديث وأما شعبة وسفيان فقد سمعاه في مجلس مذاكرة ومعلوم ما يكون في مجالس المذاكرة من تساهل وتخفف في الراوية فقد يسقط الشيخ الإسناد كله أو بعضه اختصارا .

فذلك أمر يعظم فيه الاعتبار بالقرائن فلا يحكم فيه بادي الرأي قبل جمع الطرق ومعارضتها ليستبين صحيحها من ضعيفها .

وكذلك إن كان ضعيفا خالف جمعا من الثقات فَتُرَدُّ روايته من باب أولى فهي منكرة بقيد المخالفة ، فراويها إن لم يخالف لم تقبل روايته فهي منكرة بقيد التفرد ، فكيف وقد خالفه الثقات فَتُرَدُّ روايته من باب أولى .

فهذه كلها من وجوه الاعتبار في باب الرواية ، وهي غيض من فيض ، وذلك مما يدل الناظر حق الدلالة على إتقان هذه الشريعة وإحكامها إن في نقلها ألفاظا ، فذلك الركن الأول من أركان البحث الصحيح وهو : صحة الدليل ، وإن في عقلها وفهمها معان فذلك الركن الثاني وهو : صحة الاستدلال بالمشهور المتواتر من لسان العرب .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
20-09-2015, 06:31 AM
ومن موارد الاعتبار والنظر في كليات الشريعة المحكمة ، الاعتبار في قاعدة كلية من قواعد الفقه وهي قاعدة : "الضرر يزال" ، كما حدها أهل القواعد ، فتلك من كليات الشريعة فلا يجوز للإنسان أن يدخل الأذى على نفسه على وجه غير مشروع فلا مصلحة أرجح تحصل يقينا أو ظنا راجحا ، يغتفر لأجلها ما يجد الإنسان من المشقة والضرر الزائد ، فيكون الأذى هو الراجح فلا يحمد من أدخل الأذى على نفسه في تلك الحال ، وإنما يحمد إذا أدخل على نفسه مشقة تحتمل لا توقع صاحبها في الحرج رجاء طاعة تمتثل كما في الصيام فإذا زادت المشقة عن حد العادة حصل الحرج الذي رفعه الشارع ، جل وعلا ، وصار تَقَصُّدُ المشقة بلا مصلحة راجحة تنطعا يجلب لصاحبه الذم ويوقعه في الإثم ، وأما من أدخل الأذى على نفسه لمصلحة راجحة كأن يتلف نفسه أو بعضها في موضع يمدح فيه الإتلاف كالجهاد أو دفع الصائل على النفس أو المال أو العرض .... إلخ ، أو يصبر على تلفها نكاية في أعداء الديانة كما صنع ابن حذافة ، رضي الله عنه ، وقد حل له المحرم من الخمر والخنزير ولكنه صبر ألا يشمت العدو ويفرح ، ومثله من يصبر على الأذى فلا ينطق بكلمة الكفر ، ولو أكره ، وهو في سعة من الرخصة ولكنه آثر العزيمة فَتَجَلَّدَ للشامتين ، فيمدح ولا يذم في المقابل من أخذ بالرخصة ، إلا إن كان من رءوس الناس فهو متبوع قد يفتن به العموم ، فيجب في حقه من العزيمة ما لا يجب في حق آحاد الناس .
فلا يَتَقَصَّدُ الشارع ، جل وعلا ، إدخال الأذى على المكلف ، إذ المشقة تجلب التيسير ، فإذا ضاق الأمر اتسع ، ولذلك كانت الاستطاعة المعتبرة في الشريعة هي الاستطاعة التي يطيقها الإنسان بلا كلفة أو حرج زائد فليست الاستطاعة مطلقا فإن الإنسان قد يطيق الفعل وهو يجد فيه الحرج الزائد ، فيفضي به إلى ضرر آجل ، كتأخر برء ، فلا يظهر أَثَرُهُ في الحال وإنما يظهر في المآل فضلا أن يجد من الألم والمشقة ابتداء ما يذهل به العقل ، وإن استطاع الفعل ، فثم استطاعة في اللسان أعم ، وهي القدرة على أداء الفعل سواء أوجد مشقة أم لم يجد ، وسواء أكانت المشقة معتادة أم زائدة على حد العادة ، وثم استطاعة شرعية أخص ، وهي أداء الفعل على وجه لا مشقة زائدة فيه ، فالعجز ضد الاستطاعة ، إن في اللسان وإن في الشرع ، وأداء الفعل بمشقة زائدة تخرج عن حد العادة ضد الاستطاعة الشرعية وإن استطاع الفعل في الحس ، فيشبه ذلك ، من وجه ، الوجود الشرعي الأخص ، والوجود الحسي الأعم ، فقد يوجد الفعل حسا ولا يعتبر شرعا لتخلف شرط ، وقد توجد الاستطاعة الحسية في الخارج ومع ذلك تشرع الرخصة بل وقد تجب ، إذ لم تحصل الاستطاعة الشرعية المعتبرة فحدها أن تَنْتَفِيَ المشقة الزائدة ، فالمشقة المعتادة مما اغتفر في هذا الشأن إذ لا يخلو عمل من مشقة ، ولو كان شهوة خالصة ، فتشرع الرخصة إذا لم يطق الفعل ، وإن أفضى به ذلك أن يذهل العقل إن أخذ بالعزيمة في موضع تشرع فيه الرخصة فأصابه من الضرر ما أوقعه في الحرج فهو متنطع يأثم ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ بِالرُّخْصَةِ فهي في حقه آنذاك : رخصة إسقاط ، إذ سقط حكم الأصل وصار واجبا أن يأخذ بالرخصة ففيها تخفيف يَرْفَعُ الحرج وذلك مقصود الشارع ، جل وعلا ، فلا حاجة له أن يشق الناس على أنفسهم فيلتزموا من الأعمال ما لا يطيقون ، بل جاء الأمر أن : "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" ، فذلك أمر يفيد الإيجاب إذ جنس العمل واجب ، وإن انقسمت آحاده في الخارج ، فمنه آحاد واجبة كالصلوات المفروضة ، ومنه آحاد مندوبة ، والندب في نفسه ينقسم ، فهو جنس بالنظر فِيمَا دونه ، نوع بالنظر فِيمَا علاه ، فمن المندوب : مندوب راتب يشرع في أوقات بِعَيْنِهَا ، ومنه مندوب مطلق يشرع في كل وقت إلا إذا كان ثم نهي كالنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة حدها الشارع ، جل وعلا ، فذلك من الاستثناء فلا يثبت إلا بدليل ، فجاء الدليل الناقل وفيه علم زائد فهو خلاف الأصل ، وما خالف الأصل فإنه يُبْطِلُ استصحابه فالدليل ينقل عن الأصل إلى حكم مستأنف يخالف الأصل ، فذلك مورد توقيف لا يثبت فيه حكم إلا بدليل سواء أكان عزيمة أم رخصة ، وسواء أكان أصلا أم ناقلا عنه ... إلخ ، فذلك الأصل في موارد التَّعَبُّدِ ، فالأصل في الأخبار والأحكام التعبدية : توقيف الشارع ، جل وعلا ، فما أثبته الشرع في الخبر فهو المثبت ، وما نفاه فهو المنفي ، وما أوجبه في الحكم فهو الواجب أو المندوب ، وما نهى عنه فهو المحرم أو المكروه ، وما بينهما المباح المأذون فهو من العفو الذي سكت عنه الرب ، جل وعلا ، رحمة غير نسيان ، وفيه يَنْدَرِجُ ما أرسل من المصالح فالأصل فيه أن يعتبره العقل ما لم يخالف في اعتباره أصلا من أصول الشريعة أو حكما من أحكامها ، ولو جزئيا في واقعة بِعَيْنِهَا .

فجاء الأمر في الحديث مئنة من الإيجاب فجنس العمل ، كما تقدم ، واجب ، بل هو شرط صحة في العمل ، وإن تَخَلَّفَتْ بعض آحاده ما لم يكن تَرْكُهَا في نفسه ناقضا من نواقض الأصل ، إذا وَرَدَ بِذَلِكَ نَصٌّ ، كما في تَرْكِ جنس الصلاة ، فهي ، أيضا ، نوع من جنس العمل ، وهي ، من وجه آخر ، جنس تندرج تحته أنواع فمنها المفروض ومنها المندوب ومنها المحظور كالصلاة في أوقات النهي وما أحدث من الصلوات ..... إلخ ، وإنما يتوجه الحكم أن يكفر التارك إلى : الفرض الواجب بالنظر في الترك المطلق لا مطلق الترك ، كمن يُصَلِّي تَارَةً وَيَتْرُكُ أخرى ، فهو من أهل الوعيد وإن لم يكفر على قول بعض المحققين ، على تفصيل في ذلك ، ولا يخلو الأمر في الخبر أن : "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" من دلالة إرشاد ، فلا يحمل المكلف نفسه ما لا تطيق ، ولو بالنظر في المآل ، فَقَدْ يطيق حالا فلا يجد مشقة أو ضَرَرًا ثم يكون ذلك ذريعة إلى وقوع الضرر الآجل فَتَظْهَرُ آثار المشقة مجموعة في المآل ما لا تظهر مفردة في الأحوال ، فمشقة إلى مشقة لا يظهر أَثَرُهَا إلا في آخر أمرها ، فَتَرَاكَم الأمر كما تَتَرَاكَمُ المادة الفاسدة في الجسد فلا يظهر أثرها حالا ، وإنما يظهر مآلا باجتماع المادة حتى تبلغ أن تصيب البدن بالضرر ، فقد لا يطيق من به جرح أن يصلي قائما ابتداء ، فذلك بالإجماع مورد ترخص أن يَنْتَقِلَ إلى القعود ، فإن لم يستطع فإنه يَنْتَقِلُ إلى الرُّقُودِ على جنب ، فإن لم يستطع اسْتَلْقَى وَصَلَّى على أية حال ولو إيماء بالرأس أو إشارة بالعين فمناط الأمر أن يثبت العقل على وجه يصح به التكليف وإن تعطلت الجوارح فَيَأْتِي من الفعل ما استطاع ، فذلك ، أيضا ، يدخل في عموم الأمر أن : "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" ، فلا تكليف إلا بمقدور ، كما قرر أهل الأصول ، فإن لم يقدر أن يأتي بالعمل على وجهه انتقل إلى حال دونها فما لا يدرك كله لا يترك كله ، فذلك تأويل الأمر أن : "اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ، فذلك تأويل حق التقوى في قول ربنا الأعلى تبارك وتعالى : (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ، فاتقوا الله ، جل وعلا ، ما استطعتم ، فذلك مورد عموم ، فدلالة : "ما" الظرفية الزمانية تستغرق جميع الأزمان والأحوال ، وثم مورد خصوص يجري مجرى التمثيل في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، فذلك إيجاب بقيد الاستطاعة في مورد بعينه وهو الجهاد بالسيف ، فالتقوى قدر المستطاع ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلى الحال الدنيا إلا حال العجز أن يَأْتِيَ بالحال العليا ، فالضرورة تقدر بقدرها ، ولذلك جاء الأمر في حديث عمران أن : "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" ، فذلك ، أيضا ، من الأمر الذي يفيد الإيجاب ولا يخلو من دلالة إرشاد زائد كما دل السياق الوارد ، فكان سؤال عمران ، رضي الله عنه ، عن حال مشقة زائدة عن العادة ، فمن به بواسير فإنه يجد مشقة في القيام ، وإن أطاقه ، فلا يكون ذلك إلا بحرج يجده ، فَلَا يُشْتَرَطُ في الأمر ، كما تقدم ، العجز التام ، وإنما يجزئ في جواز الرخصة أن يجد حَرَجًا زائدا ، فالحرج مرفوع شرعا ، فضلا أن صَلَاتَهُ قَائِمًا وبه بواسير قد تَحْصُلُ في الخارج دون حرج زائد ، فيجب عليه آنذاك أن يأخذ بالعزيمة إذ سبب الرخصة منتف ، وقد يطيق القيام ابتداء بلا مشقة ثم تطرأ عليه المشقة بطول الوقوف فيجب عليه أن يقف ما لم يجد مشقة توقعه في الحرج فيذهل بها الفؤاد أن يعقل ويتدبر ما يقول فقد غشيه ما غشيه من الألم الذي يفسد عليه صلاته ، فمثله في ذلك ، ولو من وجه ، من به حاجة إلى طعام أو شراب أو شبق ، فصلاته على تلك الحال مظنة الذهول والاشتغال بحاجة البدن ، ولو كان صحيح الجوارح ، فهو يطيق أن يقوم ويركع ويسجد ويجلس ...... إلخ من هيئات الصلاة في النطق والفعل ، ولكنه ، مع ذلك ، ذاهل عما يقول قد غطى عقله عارض طارئ ، فلا يجوز له أن يُصَلِّي حتى يَفْرُغَ من حاجته فَيَرْتَفِعَ سبب الذهول فَيَعِي ما يقول ، ما لم يَتَضَايَقْ وقت العبادة فلا يشتغل عنها بغيرها فهي آنذاك واجب الوقت ، فالخشوع ، وإن كان مستحبا بالنظر في أحكام الفقه المجرد ، إلا أنه واجب بالنظر في حقيقة العمل ، فـ : "إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" ، فضلا أن يجب في أحكام الفقه على وجه يحصل به القدر المجزئ من حضور العقل وإلا بطلت الصلاة في أحكام الدنيا إذ ذهل فلم يعد يدري ما يقول ويفعل ، كما ذهب إلى ذلك القاضي عياض رحمه الله ، فالخشوع روح الصلاة ومناط الانتفاع في أحكام الآخرة ، وحضور العقل وإن لم يحصل الخشوع التام هو مناط الإجزاء في أحكام الدنيا ، فإن عجز عجزا تاما فلا يقدر أن يقوم فذلك ، بداهة ، محل إجماع ، أن تسقط العزيمة فينتقل إلى الرخصة التي تقدر بقدرها ، كما تقدم ، فلا ينتقل إلى حال دنيا إلا أن يعجز عن العليا أو يجد فيها مشقة تَزِيدُ عن حد العادة ، فهو مستطيع في الحس بمشقة زائدة ، فالاستطاعة الحسية حاصلة من هذا الوجه ، فتلك استطاعة لا يناط بها التكليف بالعزيمة ، وإنما يناط بها التكليف بالرخصة التي يَنْتَقِلُ إليها المكلف إذ عجز عن العزيمة ، فذلك محل الإجماع ، أو وجد مشقة شديدة على قول الجمهور خلافا للشافعية ، رحمهم الله ، إذ أناطوا الرخصة بالعجز التام ، فانتفاء الاستطاعة الشرعية عندهم يكافئ العجز التام فقط ، فمتى قدر المكلف ولو وجد مشقة فهو مستطيع في الشرع فلا يجوز له أن يصلي قاعدا وهو يقدر على القيام ولو وجد مشقة زائدة فيغتفر الحرج في هذا الموضع تعظيما لحكم الشرع إذ أوجب العزيمة ، وَسَدًّا لذريعة التَّفَلُّتِ من أحكام الشريعة ، فهو يحتج بالمشقة مطلقا أن يترخص ولو في موضع لا حرج فيه وإن وجدت المشقة لا سيما وذلك أمر لا ينضبط ، فالحكمة فيه تَنْتَشِرُ فلا يمكن حصرها في حد بعينه ، وعادة الشرع ألا يُنِيطَ الأحكام بالحكمة وإن أدركها العقل وَوَجَدَ الحس آثارها ، إذ لا تنضبط في الخارج فهي تَتَفَاوَتُ من حال لأخرى ، ومن مكلف لآخر ، خلافا للعلة التي تنضبط ، فكأنهم ردوا الأمر إذ فيه خلاف إلى صورة لا خلاف فيها وهي العجز التام أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ من الحرج الشديد لا مطلق الحرج ، وأما انْتِفَاءُ الاستطاعة الشرعية عِنْدَ غَيْرِهِم فهو يُكَافِئُ العجز التام أو المشقة الشديدة وإن استطاع الفعل ، فتلك استطاعة في الحس لا يناط بها التكليف إذ اقترنت بالمشقة الزائدة التي توقع صاحبها في الحرج ، والاستطاعة الشرعية الْمُعْتَبَرَةُ هي صحة الآلة وانتفاء المانع من زوال عقل أو إكراه .... إلخ من عوارض الأهلية المعتبرة ، فلا تكليف ، كما تقدم ، إلا بمقدور القدرة الشرعية ، معلوم ، فلا تكليف بمجهول لا يعلم أو لا يدرك العقل كنهه ولذلك لم يكلف العقل أن يحيط علما بالغيب أو يستنبط علل الأحكام التوقيفية التي لا يعقل عِلَلَهَا وإن أدرك حِكَمَهَا الْعَامَّةَ ، فلا تكليف إلا بمقدور ، معلوم ، معدوم ، فلا يكلف العبد أن يأتي بما قد أتى فلا يصلي الصلاة مرتين ، فذلك من تحصيل الحاصل فضلا أنه يفتح الباب لِلزِّيَادَةِ فِي العبادة والإحداث في الديانة فَنُهِيَ عَنْهُ سدا لذريعة ذلك ، فنهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تصلى الصلاة الواحدة مَرَّتَيْنِ إلا إن كان ثم فضل زائد كأن يصليها مُنْفَرِدًا ثم يصليها مع الجماعة فتكون الأولى هي الفريضة ، وتقع الثانية موقع النافلة فلا يصليها بنفس النية ، وإنما رام الزيادة في الصورة الفاضلة إذ فَاتَتْهُ في الصورة المفضولة .

فتحصل أن الاستطاعة على أنحاء :
فثم استطاعة حسية قد تجتمع مع الاستطاعة الشرعية ، فيكون سليم الآلة يقدر على الفعل حسا وشرعا فلا يجوز له الترخص إذ لا موجب له ولا مسوغ ، فيجب عليه الحكم عزيمة فذلك الأصل في التكليف وإنما يكون الترخص استثناء لِعَارِضٍ يطرأ فليست حَالُهُ الْحَالَ الْمُطَّرِدَةَ ، وقد تفارقها ، فالاستطاعة الحسية أعم ، فقد يقدر الإنسان على الفعل حسا ولا يقدر عليه شرعا إذ يطيقه بِمَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عن حد العادة فلا يكلف بها ، إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ووسعها هو أن تستطيع الفعل بلا حرج وإلا جاز لها أن تنتقل إلى الرخصة بل ووجب في أحوال كما في رخصة الإسقاط ، إذ يسقط حكم الأصل بل ويتبدل فيصير المحظور مشروعا بل وواجبا كأكل الميتة حال الاضطرار ، فتلك ضرورة لا تبيح من المحظور إلا بقدرها ، فالضرورات ، كما تقدم مرارا ، تقدر بقدرها ، فَبَيْنَ الاستطاعة الحسية والاستطاعة الشرعية عموم وخصوص مطلق ، فكل مستطيع شرعا فهو مستطيع حسا ، ولا عكس ، فقد يطيق الإنسان الفعل حسا ولكنه يجد مشقة أو ألما ، ولو بالنظر في المآل ، كما تقدم ، كتأخر البرء من الجرح لو أخذ بالعزيمة فتشرع له الرخصة وإن لم يجد الحرج حالا فهو حرج بما تراكم في المآل لا بما يحدث في الحال ، فلا يكون مستطيعا شرعا وإن كان مستطيعا حسا .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
23-09-2015, 06:37 AM
وَثَمَّ تَفْرِيقٌ بَيْنَ استطاعتين :

الاستطاعة قبل الفعل فهي التي يُنَاطُ بها التكليف ، وهي تكافئ سلامة الجوارح وانتفاء الموانع ، ولا يلزم من ثُبُوتِهَا حصول الفعل في الخارج بل قد توجد ويتخلف الفعل عصيانا ، فقد يجحده الفاعل ابتداء وقد يقر به ولكنه يَتْرُكُه كسلا وتهاونا ، فهي استطاعة تقبل الضدين : الفعل أو الترك ، فكانت من هذا الوجه مناط الابتلاء ، فالابتلاء يكون بتكليف مقدور معلوم معدوم ، كما تقدم ، قد يمتثله المكلف فيمدح ويثاب ، وقد يخالفه فيذم ويعاقب ، فالحكم ، يطرد مدحا وثوابا حال الفعل ، وينعكس ذما وعقابا حال الترك ، فهذه استطاعة التكليف .

والاستطاعة مع الفعل فَهَذِه الَّتِي يَلْزَمُ منها حدوث الفعل في الخارج وهي التي لا تقبل الضدين ، إذ اشْتَغَلَ المحل بأحدهما فإن اشتغل بالإيمان انتفى ضده من الكفر ، وإن اشتغل بالفعل انتفى ضده من الترك ، فهذه استطاعة التوفيق التي لا تكون إلا للمؤمن ، وذلك لا يعني بداهة أن يَنْتَفِيَ التكليف في حق الكافر فلا يذم ولا يأثم إذ لم يستطع الفعل من هذا الوجه فيكون التكليف في حقه بما لا يطاق ! ، فلا عليه ألا يؤمن إذ قد سبق في علم الله ، جل وعلا ، أنه يكفر ، فيكون الإيمان في حقه محالا لا يطاق ، ولا تكليف بالمحال الذي لا يطاق ، فذلك من الاحتجاج بالقدر على العصيان ، والتحقيق أنه محال في حقه لا لذاته ، فالمحال لِذَاتِهِ هو الذي انتفى التكليف به ، وإنما هو ، في حقه ، من المحال لِغَيْرِهِ ، لعارض طرأ وهو ما تقدم في علم الله ، جل وعلا ، أنه لا يؤمن ، وذلك بداهة ما لا يعلم ، فلا يجوز له أن يحتج بما لا يعلم فما أدراه أنه يكفر أطلع الغيب ؟! ، فإن احتج بالغيب أنه يكفر جاز للخصم أن يحتج أيضا بدعوى في مقابل دعوى فما أدراك أنك تموت كافرا فقد يكون المكتوب لك أن تموت مؤمنا فآمن وامتثل التكليف الشرعي ولن تخرج في كلتا الحالين عن المقدور الكوني آمنت أو كفرت ! .

فالاستطاعة مع الفعل ليست مناط التكليف وإلا ما ذم التارك بلا عذر فهو من هذا الوجه غير مستطيع إذ لم يوفق أن يمتثل الحكم ، ولو صح ذلك ما وجب حكم شرعي إلا على الفاعل فقط فصار التارك غير مكلف وإن صحت آلته ، فـ : (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ، فلو فسرت الاستطاعة على هذا الوجه ما أثم تارك للحج مع قدرته عليه قدرة الآلات والأسباب فهو يملك الزاد والراحلة والنفقة ولكنه قعد كسلا وتهاونا وهو مع ذلك غير آثم إذ لم يستطع أن يحج بالنظر في هداية التوفيق والإلهام ، فهل يثبت ذلك في عقل ؟! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، محض الجبر ! .

فالاستطاعة المشروعة لا تكون مع مفسدة راجحة بالنظر في الحال أو المآل ، كمن يصلي وهو لا يطيق القيام ، إما ابتداء ، فذلك محل إجماع ، كما تقدم ، وإما أن يطيق ذلك بمشقة زائدة توقعه في الحرج وتلحق به الضرر إما حالا وإما مآلا ، فتعظم المفسدة فهي ترجح في هذه الحال المصلحة ، وقياس الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح لا سيما وأن ثم بَدِيلاً يَنْتَقِلُ إليه المكلف فشرعت الرخصة رفعا للحرج والمشقة إن حصلا حال العزيمة ، فالمشقة تجلب التيسير ، والحرج مرفوع ، والضرر الذي يلحق به في الحال أو المآل يُزَالُ فَتِلْكَ ثلاث قواعد من قواعد الشريعة وَكُلِّيَاتِهَا تجدها حاضرة في كل موضع تثبت فيه الرخصة سواء أكانت رخصة ترفيه فالمشقة فيها حاصلة ولكنها لا تبلغ حد الضرورة كما في رخصة الإسقاط التي يسقط فيها حكم الأصل بل ويثبت الضد من الرخصة فَيَأْثَمُ إن لم يَمْتَثِلْهَا فقد صارت هي الواجب اللازم ما لم يكن ثم معارض راجح من مصلحة أعظم كالنكاية في أعداء الديانة كما تقدم في مواضع من حديث عبد الله بن حذافة السهمي ، رضي الله عنه ، مع ملك الروم إذ أسره وأجاعه حتى بلغت به الحال أن يهلك فأبى أن يَطْعَمَ الْمُحَرَّمَ ، وهو في حقه جائز ، لئلا يشمت به الكافر ، فإذا كان التكليف ، كما يقول بعض المحققين ، يَنْتَفِي مع حصول المفسدة الراجحة ولو قدر على الفعل فكيف إذا كان العجز ، فَتَنْتَفِي الاستطاعة الشرعية من باب أولى ، سواء أكان العجز حسا أم شرعا على التفصيل المتقدم ، فالتكليف بما لا يطاق ينظر فيه من وجهين :

فإما أن يكون تَكْلِيفًا بما لا يطاق للعجز عنه سواء أكان العجز ، كما تقدم ، عجز الحس أم عجز الشرع ، فهذا لا تكليف به ، فهو المحال لذاته ، ولا يرد بذلك تكليف ، إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وعليه تكون الاستطاعة في قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) : استطاعة التكليف ومناطها ، كما تقدم ، صحة الآلات وحصول الأسباب وانتفاء الموانع الشرعية ، لا الموانع الكونية ، فإن الكافر لم يؤمن لا لعجزه فليس ثم مانع مُعْتَبَرٌ في الشرع يَرْفَعُ عنه قلم التكليف من جنون أو إكراه ..... إلخ من عوارض الأهلية المعتبرة ، وإنما لم يؤمن لوجود المانع الكوني أن حرم هداية التوفيق والإلهام ، فهذه لا تكون إلا للرب ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وإن حصلت له أسباب الهداية بَيَانًا وإرشادا وتلك هداية الرسل ، عليهم السلام ، فـ : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

وإما أن يكون تكليفا بما لا يطاق حال الفعل لاشتغال المحل بالضد ، فالضدان لا يجتمعان في محل واحد في آن واحد من وجه واحد ، فهذا يقع التكليف به إذ اشتغال المحل بالكفر أو العصيان لا يرفع عن صاحبه الإثم ولا يرفع عن صاحبه التكليف بضده من الإيمان والطاعة وإلا ما أثم كافر أو عاص فله أن يحتج بعدم الاستطاعة فهي مانع من التكليف إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وذلك ، كما تقدم ، عين الجبر الباطل الذي يخالف الشرع الصحيح والعقل الصريح .

فالأمر الأخص في حديث عمران ، رضي الله عنه ، يندرج في الأمر الأعم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" ، فالطاقة والوسع هنا هي الطاقة الشرعية التي أنيط بها التكليف والتي تكافئ القدرة على الفعل بلا مشقة زائدة وهي التي تثبت قبل الشروع في العمل فتكون محل ابتلاء بالفعل أو الترك .
فجاء الأمر في حديث عمران ، رضي الله عنه ، أن : "صَلِّ قَائِمًا" ، وجاءت الحال مقيدة للإطلاق ، فهي حال مؤسسة لحكم جديد وهو حكم العزيمة فليست مؤكدة لما قبلها إذ الصلاة واجبة حال الصحة وحال المرض فدلالة الإيجاب في الفعل ثابتة في كلتا الحالين ، حال السعة وحال الضرورة ، فاستوفت القسمة في الحديث وجوه الاحتمال ، فجاءت الحال : "قائما" فهي تبين الواجب حال الاختيار فلا ضرورة ، أو حال الاضطرار إن كان يطيق القيام ابتداء بلا مشقة ثم يعرض له منها ما يجوز الترخص فيقعد انتهاء لا ابتداء إذ الضرورة تقدر بقدرها فإن قدر على بعض ولم يقدر على آخر ، لزمته العزيمة فيما يقدر وشرعت له الرخصة فيما لا يقدر ، فالضرورة تقدر بقدرها ، كما تقدم ، وقل مثله في تكبيرة الإحرام فإن ترخص بالقعود في القراءة فلا يجوز له الترخص في تكبيرة الإحرام من قعود وهو يقدر على القيام ولو حال التكبير فقط فإذا قدر على ذلك وجب عليه فمناط الإيجاب : القدرة الشرعية وهي القدرة بلا مشقة زائدة وإن لم تبلغ حد العجز التام على الخلاف المتقدم ، وقل مثله في سائر مواضع الترخص فإن قدر على الركوع دون السجود والجلوس لزمه الركوع عزيمة وخفف عنه في السجود والجلوس رخصة .

ثم جاء الشطر الثاني : فالاستطاعة المنفية في سياق الشرط هي الاستطاعة الشرعية ، وهي الاستطاعة بلا حرج زائد فإن كان ثم حرج ولو قدر على الفعل في الحس جاز له الترخص بل واستحب بل ووجب في أحوال إن ذهل العقل من المشقة أو الألم فلا يحضر إلا بالترخص ، فوجب عليه أن يترخص وإلا كان متنطعا آثما يكلف نفسه من الأعمال ما لا تطيق ، وذلك مخالفة عما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" ، فلا حاجة له ، جل وعلا ، أن يعذب العباد أنفسهم فهو الغني عنهم وعن أعمالهم ، فـ : "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا" .

فـ : "إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا" ، فتلك حال أخرى تقيد العامل الذي حذف إيجازا إذ تقدم ذكره ، فتقدير الكلام : فإن لم تستطع فَصَلِّ قاعدا .

فـ : "إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" ، فحذف العامل ، أيضا ، وانتقل من حال إلى حال على جهة السبر والتقسيم العقلي فذلك من وجوه البحث النظري .

وثم استيفاء للقسمة العقلية ، والقسمة ، من وجه آخر ، تحتمل وجها رابعا ، وهو أن يصلي مستلقيا ، وهو ما ثبت في حديث قد تكلم في إسناده ، وتحتمل وجها خامسا أن يصلي ولو إيماء بالرأس أو إشارة بالعين ، فمناط الأمر أن يثبت له عقل يعي ويدرك ما حوله فتجب عليه الصلاة ولو أجرى اللفظ على قلبه .

فهذا الأصل في باب الاستطاعة ، وهو من أجدر ما يعتبر ، إذ به يظهر القدر الفارق بين هذه الشريعة وبقية الشرائع ، فإن شريعة التوراة شريعة الجلال التي كَلَّفَتْ بني إسرائيل بجملة من الأوامر والنواهي يطيقها الشعب الإسرائيلي ولكنها تجهده وتشق عليه ، فكان ذلك من العقوبة الشرعية المقدرة ، فـ : (بِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) ، وفي مقابلها شريعة الإنجيل ، وهي شريعة التخفيف والتيسير ، وفيها للجمال حظ عظيم في مقابل جلال التوراة ، ولكن أصحابها ما تحملوها على وجه صحيح فكان الانفلات والتوسع في الأحكام على وجه أعطى للبشر سلطان النسخ والإبطال ، فكان التساهل الذي بلغ حد النقض لبنيان الشرع فلا تجد الآن للنصارى شريعة مستقرة ، وفي الأديان الأرضية ترى من أجناس التكلف في الديانات الشرقية كالبوذية وسائر الديانات الهندية التي فشا فيها رسم التصوف فكانت المبالغة في تهذيب النفس بالتعرية والتجويع وإن شئت الدقة فقل بالإذلال والتركيع ! ، وهو ما سرى إلى الأمة الإغريقية إذ ظهرت الرواقية الزهدية في مقابل الأبيقورية الشهوانية ، وانتقل هذا التصوف إلى النصرانية بعد أن أصيب المجتمع بداء الترف الذي دب في المجتمع الإغريقي فكان رد الفعل متماثلا فالسنة الربانية في الأخلاق والعوائد واحدة ، وإن اختلفت المجتمعات والديانات فالنفس البشرية بما جبلت عليه من الأخلاق وركز فيها من الغرائز والشهوات نفس واحدة لا اختلاف في طبائعها الجبلية وإن اكتسبت من الخارج طرائق في النظر والاستدلال ، وفي أمور الحس والمعاش ، فذلك طارئ إن كان صالحا فقد وافق الفطرة الأولى وزكاها ، وإن كان فاسدا فقد خالفها ودساها كما هي الحال في أغلب الأمم فَقَلَّ باستقراء تاريخ الأمم ألا تخرج أمة عن منهاج الوحي ، ولو بتقادم العهد فمنها ما يخرج بالكلية ويقع في الشرك ، كما قد وقع من قوم نوح فشركهم أول شرك في الأرض ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فاختلفوا إذ حدث لهم من عارض الشرك ما بدل فطرة التوحيد الأولى فكان من الرحمة والحكمة أن بعث الله ، جل وعلا ، الرسل مبشرين ومنذرين ، ليردوا الناس إلى منهاج الفطرة الأولى ، فـ : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، وليبينوا للناس ما اختلفوا فيه من العقائد والشرائع ، وليفصلوا ما أجمل من فطرة التوحيد العلمي وفطرة العدل العملي ، ومن الأمم من لم يخرج عن الأصل ، وإن نقض من البنيان ما نقض ، فأتى بمحدثات في العقائد ، أو محدثات في الشرائع ، إن بالزيادة وإن بالنقص ، والسنة ، كما تقدم واحدة ، فقد سرى التصوف إلى الأمة الخاتمة لما أقبل الناس على الدنيا ، ففشا فيهم من الأدواء ما فشا في الأمم السابقة فكان رد الفعل بالغلو في طرائق الزهد فضلا عما داخل هذه الطرق الرياضية من انحرافات في التصور لا سيما بعد أن مازجت الطرائق الباطنية والفلسفية فسلكت سبيل المجرمين ممن غلوا في التأويل حتى أبطلوا دلالة التنزيل ، وأما الديانات الغربية الوضعية ، كالديانات الطبيعية والعلمانية ، فهي دين إذ هي منهج حياة وإن أقام بنيانه على قاعدة اللادين ! ، فأما هذه الديانات الأرضية الوضعية فقد ظهر فيها التفلت فهي على ضد الغلو والتنطع الذي ظهر في طرائق الغلاة من الزهاد ، فجاءت هذه الشريعة بمحكم الأصول في العلوم والإرادات ، والأقوال والأفعال فلم تكلف ما لا يستطاع ، إن في الحال ، فالأمر فيه أظهر ، وإن في المآل بالنظر في المجموع المتراكم فالأمر فيه أخفى إذ لا يظهر أثره حالا ، والمنة بالتخفيف فيه أظهر .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
30-09-2015, 06:59 AM
ومن وجوه الاعتبار في باب الاستطاعة أيضا : طروء العذر فهو مانع كترك الجماعة لمن خاف عدوا أو نحوه ، أو كان بحضرته طعام أو شراب أو كان به شَبَقٌ أن يجامع ، وقس عليه كل شاغل معتبر لا تمكن مدافعته إلا على وجه يحصل به الذهول ، فذلك مما يسوغ ترك الجماعة ، فلا يأثم إن كان ثم مانع ، فالجماعة على القول الصحيح ، واجب على الأعيان فلا يسقط إلا بِعُذْرٍ مُعْتَبَرٍ يصير صاحبه عاجزا أو في حكم العاجز فلا يستطيع إما مطلقا أو بمشقة زائدة أو حرج بالغ وكلاهما قد رفع شرعا ، فـ : "لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ" ، فابن مسعود ، رضي الله عنه ، يحكي أمرا اطرد من حالهم زمن الرسالة ، وقد سكت الوحي فلم ينكر ، وكان ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلو كان تكلفا مذموما ، أو تنطعا في الدين ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسكت فلا يُنْكِرَ ، لا سيما والمانع منتف فقد كان ذلك في المدينة إذ لم تفرض الصلاة إلا آخر البعثة ، وإن فرضت ركعتان صباحا ، وركعتان مساء ، كما روى الحارث بن أبي أسامة ، رحمه الله ، في مسنده ، فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة ذا سلطان فانتفت شبهة السكوت لعارض إكراه ، فسكت عليه الصلاة والسلام ، وسكت الوحي ، فكل أولئك مئنة من الْبَيَانِ وهو ما يشهد لمن قال بالإيجاب ، فالحديث موقوف في لفظه وله حكم الرفع إذ وقع بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد كان إمام الصلاة ، ووقع والوحي ينزل ، فذلك وجه آخر يحكم به أن الخبر مرفوع حكما ، فسكوت صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمر وقع بحضرته ، أو وقع في غَيْبَتِهِ وَبَلَغَهُ ، كما في أكل الحوت فِي سَرِيَّةِ أَبِي عبيدة ، رضي الله عنه ، وسكوت الوحي عن أمر وقع زمنَ الرسالة ولم يبلغ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل أولئك مَئِنَّةٌ مِنَ الرَّفْعِ ، وإن لم يكن صراحة ، فَلَهُ حكم الرفع ، وذلك من وجوه الاعتبار الصحيح في هذا الباب ، فلو كان ثم رخصة لكان الأولى بها ذلك الذي يهادى ، فَقَدْ تكلف من المشقة شيئا عظيما ، وغاية الأمر أن يكون ذلك حرصا زَائِدًا على أداء الفريضة ، فَيَجْرِي مَجْرَى المندوب إذ سقط عنه الواجب لعارض المرض ، وحرصه لا يكون بداهة إلا على واجب فلو كان مندوبا ما سعى فيه هذا السعي ، فـ : "لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ" : فأكد باللام وقد ، فاللام لام داخلة على جواب قسم مقدر فتقدير الكلام : والله لقد رَأَيْتُنَا ، ودخول : "قد" على الماضي مئنة من التحقيق ، والرؤية رؤية بصر ، وضمير الفاعل هو ضمير المفعول ، فالرؤية ، على هذا الوجه ، تحتمل أن تكون رؤية علمية فهي التي يتحد فيها مرجع ضميري الفاعل والمفعول ، كما ذكر بعض المحققين ، والواو : واو الحال ، فالرؤية على هذا الوجه رؤية بصر إذ رؤية القلب تَتَعَدَى إلى مفعولين اثنين خلافا لِرُؤْيَةِ العين فالمنصوب الثاني بَعْدَهَا يَجْرِي مَجْرَى الحال ، وقد حد الفعل : "يَتَخَلَّفُ" على حد المضارعة استحضارا لهذه الصورة ، وثم توكيد بأقوى أساليب القصر وهو ما يؤيد القول بالإيجاب ، وقد زيد في الذم بالوصف ، وساغ أن توصف النكرة : "مُنَافِقٌ" بالمعرف بالإضافة : "مَعْلُومُ النِّفَاقِ" ، إذ الإضافة فيه غير محضة ، فهي من إضافة اللفظ تخفيفا ، فأضيف العامل إلى معموله ، فتقدير الكلام : منافق معلومٌ نِفَاقُه ، فاسم المفعول يعمل عمل عامله ، وهو الفعل الذي لم يسم فاعله ، فتقدير الكلام : منافق يُعْلَمُ نفاقه ، فأضيف العامل إلى النائب عن الفاعل إذ حده على اسم المفعول يكافئ بناء عامله للمجهول ، أو لما لم يسم فاعله ، فذلك الوصف الأدق ، و: "أل" في "النفاق" ، من وجه آخر ، عوض عن الضمير المقدر ، فهي عوض عن الهاء ، فلا يجمع بين العوض والمعوض عنه إذ ذلك تكرار في اللفظ معيب ينزه عنه الكلام البليغ ، فلا يقال : معلوم النفاقه ، فضلا أن ذلك يفضي أن يجتمع في النكرة الواحدة معرِّفان ، ونظيره في التنزيل كما حكى صاحب مغني اللبيب ، رحمه الله ، قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) ، أي : مأواه ، ومثله ما تقدم في نفس السياق من قوله تعالى : (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) ، أي : هواها ، وذلك أصل يطرد في اللسان أنه لا يجتمع في اللفظ الواحد معرفان ، وَيَرِدُ على ذلك أنه قد أَتَتْ في مواضع في الكلام الفصيح : إضافة العلم إلى الضمير ، والعلم معرفة ابتداء فاجتمع في اللفظ الواحد سببان في التعريف ، كما في قول الشاعر :
علا زيدنا يوم النَّقَا رأس زيدكم ****** بأبيض ماضي الشفرتين يمانِ
وأجيب أنه لم تسغ الإضافة إلا بعد نية التنكير ، كما ذكر الزمخشري ، غفر الله له ، فيكون زيد في تأويل جنس المقاتل أو الشجاع ، فعلا مقاتلنا رأس مقاتلكم ، أو شجاعنا رأس شجاعكم .
وحمل عليه صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، الإضافة في قوله تعالى : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا) ، فأضيف السبت إلى ضميرهم مع كونه علما على اليوم المعهود من أيام الأسبوع ، فجعل ذلك من الاختصاص فهم أمر قد اختصوا به ، كما اختص زيد القاتل بالجماعة الأولى وزيد المقتول بالجماعة الثانية ، فيكون ذلك غَرَضًا صحيحا في البلاغة ، كما أن الوجه الأول هو تخريج اللفظ في اللسان على وجه صحيح يسوغ ، فَلَهُ شواهد وأدلة من كلام العرب المنظوم الذي يحتج به ، ولو من لسانٍ غير لسان قريش ، فالبيت السابق كما ذكر بعض شراح الألفية ، مما نسب إلى رجل من طيئ ، كما نقل البدر العيني عن المبرد ، فَخُرِّجَ اللفظ ابتداء من جهة النحو ، ثم بحث النظار له عن وجه ثان في البلاغة ، فلا بد لكل لفظ في العربية من وجه صحيح في النحو ابتداء ، أن يجري على وجه معهود في اللسان ، فإذا صح فالبحث الثاني في الأغراض البلاغية التي تدل على معان ثانوية تَزِيدُ عَلَى المعنى الأول الذي يَلْزَمُ إثباته أولا قبل البحث في دلالته الثانية ، فلا يكون الكلام خَطَأً قد دخله اللحن فلا يصح عربية ابتداء ثُمَّ يَبْحَثُ الناظر في بلاغته ! ، فقد فاته الشرط الأدنى من سلامته من الغلط فكيف يتحقق فيه الشرط الأعلى من بلاغة التركيب في أداء معان إضافية تَزِيدُ على المعنى الأصلي الأول ، فَيُشْبِهُ ذلك ، من وجه ، مَنْزِلَةَ أصول الفقه من أصول الحديث ، فلا بد ، ابتداء ، من إثبات صحة الخبر بما اصطلح عليه أهل الرواية من أصول بها يعتبر الخبر من جهة الصحة أو الضعف ، قبل البحث في دلالات ألفاظه بما استخرج أهل الأصول من دلالات الألفاظ على معانيها ، وإلا أقيم البنيان على غير أساس ، فأضاع الناظر وقته وبدد جهده في نظر لا طائل من ورائه إذ الأصل ابتداء باطل أو ضعيف فَمَا بُنِيَ عليه فهو باطل أو ضعيف مثله .

وثم أصل آخر أنه لا يجمع ، كما تقدم ، بين البدل والمبدل منه ، أو العوض والمعوض عنه ، فمن أنواع التنوين : تنوين العوض ، فهو عوض عن حرف أو كلمة أو جملة على تفصيل في شروح النحو ، فلا يجتمع بداهة وما استعيض به عنه ، فهو دليل مذكور على مقدر محذوف ، دل عليه السباق الذي تقدم ، أو السياق ، أو اللحاق ، وإن كانت دلالة اللاحق على السابق خلاف الأصل إذ لا بد أن يتقدم له مرجع في الذكر ولذلك كان الأصل في مرجع الضمير أن يتقدم فيكون متقدما في اللفظ والرتبة ، أو في الرتبة فقط ، أو في اللفظ فقط ، وقد لا يتقدم له مرجع لنباهة ذكره كما في ضمير الشأن في نحو قوله تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ، أي : الشأن ، وفي قوله تعالى : (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) ، فلم يتقدم له ذكر لنباهة ذكره وعظم شأنه فهو في غنى أن يذكر ، فذلك الكتاب المنزل الذي يجاهد به المناظر المسدد في ميدان الجدال الأحسن ، كما يجاهد المقاتل بالسيف الناصر في ميدان الجلاد الأكبر ، وذلك ، لو تدبرته ، لوجدته داخلا في الاعتبار في باب الاستطاعة إذ لكل حال من القدرة ما يلائمها من التكليف ، فقد تيسر أسباب الجدال ويكون هو واجب الوقت ولو مع وجود القوة فلا يَشْرَعُ في الجهاد إلا بعد الدعوة أو حصول الظن أن الحجة قد بلغت المخالف على وجه صحيح يَزُولُ به كل عذر وتبطل به كل شبهة مانعة من تصور الحق وإن ردته بعض النفوس فلم تقبله فذلك إنما يكون لحظ نفس ، خفي أو ظهر ، فمن استبان له الحق وظهرت له أدلته على وجه صحيح صريح ، لم يسعه إن صحت إرادته وانتفى مانع الهوى أو الذوق ، أو حب الجاه والرياسة ، فهو من أعظم ما حال بين الساسة وقبول الحق إذ به تبطل كثير من رياساتهم وتستلب كثير من امتيازاتهم ، وقد لا يكون ثم إلا جهاد البيان في وقت يعز فيه السنان أو يغلب على الظن أن التعجيل به ذريعة إلى مفسدة أعظم ، لا سيما إن لم تحصل مكنة كاملة ولم تؤمن مفسدة غالبة ولم تحصل نكاية معتبرة يثخن فيها العدو ويؤلم ، فيشرع الانحياز وكف الأيدي فيتأول الناظر قول الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، في محكم التنزيل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فحرم القتال ابتداء لا جبنا ورضا بالدنية ، وإنما تخلف الشرط من حصول مكنة معتبرة وأمن مفسدة غالبة فَقَامَ المانع أن يحصل من الشر ما يزيد على الخير ، فوجب التربص حتى يحصل الإذن فيكون للدين دولة يُعِدُّ فيها أهل الحق ما استطاعوا من قوة وشوكة ، فذلك أول الإذن ، فـ : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فإن زيد في القوة شرع الدفع لا البدء ، فـ : (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فإن بلغ أهل الحق مبلغ الكفاية أن يطلبوا العدو في أرضه إذ حال بينهم وبين أن يبلغوا رسالة ربه ، جل وعلا ، فوجب أن يبدأ بالقتال إذ لم ينتفع بما حصل من بلاغ وبيان ، فإن بلغوا ذلك ، وجب الطلب ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، وقد يكون ثم من الاستثناء ما يجعل المدافعة واجب الوقت كما في دفع الصائل أو دفع العدو إذا دهم محلة المسلمين فيشرع دفعه بلا إذن ولا راية تجمع وإنما كل امرئ حجيج نفسه بما استطاع من قوة أن يدفع من صال على الأديان والأبدان ، فصار من التكليف في كل حال ما يلائم الاستطاعة فيها ، فالحكم يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الأحوال ، وذلك ، بداهة ، أمر يختلف باختلاف الأعصار والأمصار ، ومناطه قد أحكم ، وإنما يقع التشابه والاختلاف في تحقيقه في حال بعينها ، فقد يكون ثم تعجل ، وقد يكون ثم تلكؤ ، وقد يكون ثم سداد وتوفيق أن يصيب المجتهد في حال بعينها ما يواطئ حكم الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فيها بلا تعد ولا تقصير .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
05-10-2015, 06:52 AM
وثم إطناب بتكرار اللام وقد ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى ، فـ : "لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ" ، فإن حملت كان على التمام ، فمعناها مطلق الوجدان ، فقد وجد الرجل أو حصلت حقيقته في الخارج مأتيا به ، فذلك تأويل الجملة بحال مفردة ، فالحال جملة فعلها مضارع ، وذلك ، أيضا ، آكد في استحضار الصورة إذ تصف الهيئة حال وقوع الفعل ، فهي ، كما قرر النحاة ، وصف في المعنى ، أو يقال ، من وجه آخر ، إن الجملة في محل رفع صفة للرجل ، وإن كان القياس أن الجمل بعد المعارف أحوال ، و : "الرجل" : معرفة ، فالحال أقرب في القياس بالنظر في صورة اللفظ المعرفة بـ : "أل" ، فضلا أن تلك حال ، كما تقدم ، تعرض ، فهي صورة يحكيها ابن مسعود ، رضي الله عنه ، في موضع بِعَيْنِهِ فليس ملازما للرجل إذ يهادى بين رجلين ، فذلك إنما يكون حال سعيه إلى الجماعة فقط ، فقد يجوز إعراب الجملة مع ذلك أنها صفة إذ تحلية النكرة بـ : "أل" الجنسية ، لا سيما وهي هنا تفيد مطلق الماهية فلا يريد ابن مسعود ، رضي الله عنه ، رجلا بعينه ، فليست مئنة من العهد ، وليس معنى الاستغراق فيها ظاهرا فلا تعم جميع من تحصل فيهم حقيقة الرجل ، وإنما تعم حقيقة الرجل إذ يؤتى به يهادى بين الرجلين ، فآل اللفظ إلى معنى النكرة إذ لا يخص رجلا بعينه بل هو مئنة من مطلق الماهية التي تصدق في الخارج على أفراد كثيرة ، فهي مظنة الشيوع في الخارج فضاهت معنى النكرة من هذا الوجه فجاز أن تعرب الجملة بعدها صفة ، فالجمل بعد النكرات صفات ، والوصف هنا يلازم الموصوف بالنظر أن تلك الحال مطردة ، فيهادى بين الرجلين في كل صلاة وليس في صلاة بِعَيْنِهَا ، وقد يقال إن ذلك عارض طرأ فيزول بزوال المرض فيكون معنى الحال التي تعرض ثم تزول أقرب ، ولقائل أن يَرُدَّ أن الوصف يلازم الموصوف حال مرضه وهو محل الشاهد في التنويه بذكر الجماعة ، فيشبه الخلاف هنا الخلاف في إعراب الجملة بعد النكرة في قوله تعالى : (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، فـ : "أل" : جنسية تَؤُولُ إلى التنكير في المعنى وإن كانت معرفة في اللفظ فالمراد ماهية الحيوان المعهودة في الخارج ، فتكون الجملة في محل الصفة لا الحال ، ومثله الجملة في قوله تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) ، فدلالة : "أل" في "الليل" مئنة من البيان للماهية ، فذلك معنى مطلق يقارب معنى النكرة فتكون الجملة بعده في محل الصفة لا الحال ، ونظيره المثال المشهور في شروح النحو وهو قول الشاعر :
ولقد أمُرُّ على اللَّئيم يَسُبُّني ******* فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيني .
فدلالة : "أل" في "اللئيم" : دلالة البيان لماهية مطلقة ، فيكون ذلك مسوغا أن تعرب في محل الصفة لا الحال ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، آكد في المدح إذ الصفة تلازم الموصوف فيكون ذلك وصفه الدائم لا وصفا يَعْرِضُ له ثم يَزُولُ لو حملت الجملة على الحالية .
فاحتمل السياق بعد المعرفة : الحالية أو الوصفية ، كما تقدم ، ونظيره ، كما ذكر صاحب "المغني" رحمه الله ، أن يحتمل السياق بعد نكرة ، الحالية أو الوصفية ، أيضا ، ومثل له بنحو :
قوله تعالى : (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) ، فإما أن تحمل الجملة : "أَنْزَلْنَاهُ" على أنها وصف ثان فجاء الوصف مفردا ثم الوصف جملة ، وذلك القياس في لسان العرب إذا اجتمع وصفان أحدهما مفرد والآخر جملة أن يقدم المفرد ثم يتبع بالجملة ، وإن وقع في اللسان الفصيح خلاف ذلك ، كما في قول الأعشى :
وقصيدة تَأتي الْمُلُوك غَرِيبَة ******* قد قلتهَا ليقال من ذَا قَالَهَا .
فقدم الجملة : "تَأتي الْمُلُوك" على المفرد : "غَرِيبَة" في وصف النكرة التي جُرَّت في اللفظ بـ : "رب" مقدرة ، وقد يقال إن وصف النكرة قد خصصها فجاز أن تأتي الحال منها على تقدير : وهذا ذكر مبارك حال نزوله ، والوصف آكد في الثناء إذ يثبت به وصف البركة في كل حال لا في حال الإنزال فقط .
ومثل له أيضا بقول القائل : ما فيها أحد يقرأ ، فالنفي يسوغ أن تجيء الحال من النكرة : "أحد" ، فيحتمل : ما فيها أحد حال كونه يقرأ ، وتحتمل الوصف على القياس إذ جاءت بعد نكرة على تقدير : ما فيها أحد قارئ .
وقد يقال من وجه آخر : إن الجملة في محل نصب خبر كان ، فتفيد اتصاف اسمها بخبرها في الزمن الماضي على جهة الديمومة وَالاسْتِمْرَارِ ، ودلالة : "أل" في : "الرجل" كما تقدم : دلالة شيوع في الجنس فهي تضاهي النكرة معنى إذ لم يُقْصَدْ بها رجل بعينه ، فمعنى العهد فيها منتف ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن عمومها قد خص بالعقل ، فهو الرجل المريض الذي لا يطيق المشي ، ولا يطيق القيام فهو يقام ، وذلك ، أيضا ، محمول على شدة الحرص ، وإلا فإنه لا يصلي قائما إن لم يستطع الاستطاعة الشرعية المعتبرة ، فهي ، من وجه ، الاستطاعة التي تسبق الفعل فيناط بها التكليف أمرا ونهيا ، فعلا وتركا ، فلا يكلف الإنسان أن يفعل ما لا يطيق كأن يكلف أن يطير ، ولا يكلف أن يترك ما لا يطيق تركه كأن يكلف أن يترك الطعام والشراب والنكاح مطلقا ، فقد يكلف بِتَرْكِهَا زمانا ، كما في تَرْكِهَا حَالَ الصيام ، وَتَرْكِ النكاح عَقْدًا وَفِعْلًا حال الإحرام ، وَتَرْكِ مقدماته سدا لذريعة الوقوع في المحرم المؤقت فقد عرض له سبب تحريم شرعي ، فأسباب التحريم تَتَرَاوَحُ فمنها سَبَبٌ كوني ، كمانع الإكراه فهو من القدر الكوني ، ومنها سَبَبٌ شرعي ، وهو في نفسه يَنْقَسِمُ ، فمنه سبب شرعي لا يظهر فيه وجه تكليف كالحيض فهو عارض كوني جعله الله ، جل وعلا ، من المانع الوضعي ، إذ وضع حكم النهي عن الصلاة والصيام والوطأ والطلاق حال حصوله ورفع النهي حال ارتفاعه ، فلا تكلف المرأة بداهة أن تحيض ! ، ولا تكلف أن ترفع حيضتها لتصلي أو تصوم أو تطوف أو تطلق أو توطأ ، فذلك من التكليف غير المقدور ، فلم يأت به شرع ، كما تقدم ، إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ومنه سبب شرعي يظهر فيه وجه تكليف كالصوم فهو مانع من الطعام والشراب والنكاح على جهة التكليف بإرادة اختيار صحيحة على وجه يطيقه عامة من توجه إليه التكليف ، فاشترط فيه العقل والبلوغ فهو مظنة القدرة على الصوم ، وإن صح صوم الصبي الصغير نافلة ، فإطاقة الفعل كالعقل الكامل والرضا في العقود ، فكلها لا حد له ينضبط ، فوضع الشارع ، جل وعلا ، له وصفا ينضبط وهو شرط الإيجاب ، فالبلوغ شرط إيجاب في الصلاة والصيام والحج ، وإن صحت من الصبي الصغير الذي حصل له عقل التمييز وإن لم يحصل له عقل البلوغ بحصول الاحتلام أو الإنبات أو بلوغ خمس عشرة سنة .... إلخ من علامات البلوغ التي استقرأها أهل الشأن ، وذلك ما ثبت بالدليل ، فـ : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" ، فذلك ، أمر ينظر فيه من وجهين :
من وجه الأب والولي ، فهو أمر إيجاب له أن يسعى في استصلاح ابنه ، فـ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" .
ومن وجه الابن فهو في حقه غير واجب ، وإنما يقع الفعل منه ندبا ، فهو في حقه ، كما تقدم ، استصلاح لِيَعْتَادَ التكليف قبل أن يفجأه البلوغ فيصير الفعل في حقه واجبا عَيْنِيًّا ولم يَتَعَوَّدْهُ فيجد من الحرج والمشقة في أدائه ما لا يجده من اعتاده .

وفي أمر الصيام جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ» ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" ، فحكت الربيع ، رضي الله عنها ، الحال ، فله حكم الرفع وإن لم تسنده صراحة إلى زمنَ الرسالة فذلك الأصل في مثل هذا اللفظ ، فضلا أن السياق قد صدر بكلام النبي عليه الصلاة والسلام فإن لم تسند الشطر الثاني لزمن الرسالة فالسياق نفسه منقول عن لسان المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك ما يوجب رفعه صراحة ، فَثَمَّ قَرِينَةٌ من السياق بالنظر في الشطر الثاني مجردا تُؤَيِّدُ ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها : "لَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ" ، فالأصل فيه أنه مرفوع في الحكم ، وإن كان موقوفا في اللفظ ، فالصحابي يحكي الفعل بلفظه لا بلفظ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك ، أيضا ، ما كان يحصل زمن الرسالة ويبلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أمر مُشْتَهِرٌ لا يخفى ، فسكت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في موضع البيان ، والسكوت في موضع البيان بيان بالإقرار والرضا ، ولو كان تصويم الصبيان مع ما يجدون من ألم الجوع حتى البكاء ، لو كان محرما ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسكت ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فسكوته سكوت الإقرار مع ما تقرر مرارا من انتفاء شبهة الإكراه ، فذلك أمر قد وقع في المدينة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب سلطان ورياسة دينية وسياسية تامة ، مع أن هذا الأمر ، عند التدبر والنظر ، ليس مظنة مقاتلة أو مصابرة ، فليست أمور الشعائر في العادة محل نزاع مع خصوم الرسالة ، كما هي الحال في هذه الأعصار فالخصوم قد يمنون على المؤمنين ! أن يتركوهم يصلون ويصومون .... إلخ ! ، وإنما مناط النزاع الرئيس : السيادة في الشرع والسياسة فلمن تكون الكلمة في النهاية إن اختلفت الأهواء والأذواق فلا تستقيم حال إلا أن ترد جميعا إلى محكم الوحي ، على ما تقدم مرارا ، من قاعدة النظر الصحيح في العقل فضلا عن دلالة الشرع : أن المتشابهات ترد إلى محكماتها ، فَيَزُول الاشتباه وَيَرْتَفِعُ الإشكال .

فاغتفر الألم الذي يجده الصبية وهو ألم يزيد عن العادة ، والقياس أنه يجلب التيسير فما زاد عن العادة فهو حرج جاء الوحي برفعه ، فضلا أن الصبية غير مكلفين ، وإن كانوا مميزين ، فثم ، كما تقدم ، عقل تمييز فهو مناط الصحة ، وعقل بلوغ فهو مناط الإيجاب ، فالأول من أحكام الوضع ، والثاني من أحكام التكليف ، فوضع عقل التمييز أمارة أن الفعل صحيح وإن لم يجب فيجري مجرى المندوب ، كما تذكر بعض كتب الشافعية رحمهم الله أن الصبي الصغير يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وإن لم يكن مكلفا فهو يحتسب ندبا ، والثاني من أحكام التكليف ، فمناطه عقل البلوغ فيجب على البالغ التزام أحكام الشريعة إلا لموانع ، منها ، كما تقدم ، الكوني ، ومنها الشرعي ، ومنها الدائم كجنون لا ينقطع ، ومنها العارض كجنون متقطع ، فيكلف حال أفاق ويرتفع عنه التكليف حال جن ، فتلك دلالة الغاية في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ" ، فارتفع قلم الشريعة وقلم الإحصاء فهو مناط العلم الثاني ، علم الإحصاء ، ارتفع في حق المجنون حتى يفيق ، فتلك قسمة الموانع من هذا الوجه ، فالمشقة الشديدة الخارجة عن حد العادة مانع من موانع التكليف إذ لا يطيق المكلف الفعل إما لصغر فارتفع التكليف من هذا الوجه فلا يجب عليه الفعل حتى يقوى وَيَشْتَدَّ بَدَنُهُ ، وذلك ، كما تقدم ، أمر لا ينضبط ، فوضع البلوغ مئنة منه ، فهو مظنة اكتمال العقل أن يعي ويفقه ، واكتمال البدن أن يقوى ويتحمل ، فإن تخلف الحكم في آحاد فذلك لا يقدح في عموم القاعدة إذ لكل قاعدة استثناء يندر فلا اعتبار له في تقرير الحكم إذ لا يحكم للأندر على الأغلب ، وذلك أمر يطرد في جميع موارد التشريع ، في النظر العقلي في مسائل التأويل ، وفي التكليف العيني والكفائي في مسائل التشريع ، ففي النظر العقلي لا يقضى لوجه نادر في اللسان فهو من المهجور غير المشهور فضلا أن يكون لعبا غير معقول ! ، فلا يحكم له على الوجه المشهور المتبادر إلا لقرينة صحيحة معتبرة لا باطلة متوهمة توجب الانصراف عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد ، فيكون ذلك من الظاهر المركب من دلالة اللفظ في اللسان وما يزيد عليه من القرينة الصحيحة التي توجب صرف اللفظ من الراجح إلى المرجوح ، وقل مثله في مواضع التكليف فالنادر استثناء يحكم فيه بما يلائمه ، فإن وجد البلوغ فهو الشرط ، ووجد المرض ، على سبيل المثال ، فهو المانع ، اغْتُفِرَ تخلف الفعل ، سواء أغتفر تخلفه كله ، كإفطار المريض ، أم اغتفر بعضه ، كترك الصلاة من قيام ، كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه : "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
17-10-2015, 06:48 AM
والشاهد أنه قد اغتفر في حديث الربيع ، رضي الله عنها ، ما يجده الصبية من ألم زائد وقياس الشرع أنه ضرر يزال فثم حرج رفعه الشارع ، جل وعلا ، فاغتفر ذلك تحصيلا لمطلوب أرجح ، فثم مصلحة في اعتياد الصبية الصيام وإن وجدوا مشقة ، فهذه مصلحة ترجح مفسدة ما يجدون من الألم الزائد ، فلا يدرك نعيم بنعيم ، ولا يحصل فطام إلا بألم ، ولا يحصل شفاء إلا بمباشرة الدواء الكريه المر ، فقياس الشرع والعقل أن تغتفر المفسدة الجزئية تحصيلا لمصلحة كلية ، فلا مصلحة تخلو من شوب ألم ونقص ، فالمصلحة المحضة ، كما يقول العز بن عبد السلام رحمه الله ، لا تكاد توجد فلا بد من ألم يقارنها واعتبر ذلك بالتكليف فهو خير ، من كل وجه ، إذ به يصلح الباطن تصورا وإرادة ، ويصلح الظاهر قولا وعملا ، نطقا وسكوتا ، فعلا وتركا ، ولا يخلو من ألم تكرهه النفوس ، فـ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ، فلا بد من احتمال المكروه حتى يحصل المحبوب ، وإذا كان ذلك في أمور الدنيا المحضة كائنا على جهة الإيجاب فلا انفكاك ، فانظر كيف يجهد أهل الدنيا في تحصيل أسبابها رجاء شهوة عارضة مآلها الزَّوَال ، فكيف بأمر الآخرة وهو أعظم وأبقى ، فالتكليف على كلا الحدين : إلزام ما فيه كلفة ، أو طلب ما فيه كلفة وهو الأصح إذ الطلب أعم من الإلزام فيدخل فيه المندوب في قسمة الفعل ، والمكروه في قسمة الترك ، التكليف على كلا الحدين لا ينفك يقع فيه من الألم والمشقة ما لا يخفى ، فاغتفر هذا الألم العاجل في مقابل ما يحصل من اللذة الآجلة ، وذلك قياس العقل الناصح ، كما تقدم ، فلا يترك عاقل أمرا إلا رجاء آخر أعظم ، فكذلك الشأن في حديث الربيع ، رضي الله عنها ، ما لم يبلغ الأمر حد الهلكة فإن لم يطق الصبي الصوم وغلب على الظن هلاكه أو تلف عضو من أعضائه .... إلخ من صور الضرر ، فإن حمله على الصيام يحرم فلا يطيق بالفعل ، وإن أطاق بالقوة بالنظر في مطلق الهيئة والجبلة التي فطرها الله ، جل وعلا ، أن تفتقر إلى الأسباب من وجه ، ولكنها لا تفتقر إليها في كل وقت ، فتحتمل الإمساك زمانا ، فجاء الشرع بما يطيق عامة المكلفين ، وهو الإمساك من الفجر إلى المغرب ، بل قد تفضل الله ، جل وعلا، على العباد فقد كلفهم دون ما يطيقون فهم يطيقون أكثر من ذلك ، ولكنه امتن عليهم فوضع عنهم من التكليف قدرا ، فعامة المكلفين يَسْتَطِيعُونَ هَذَا القدر ، وكثير منهم يطيق أكثر من ذلك ، فحصلت المنة حال القدرة فلم يكلف زيادةً ، وقليل منهم لا يطيق ذلك ، فجاء التخفيف إذا حصلت المشقة المعتبرة فهي الخارجة عن حد العادة ، فحصلت المنة ، أيضا ، حال العجز أو المانع فلم يكلف ما لا يطاق ، فهو ، تبارك وتعالى ، لم يكلف ما يزيد عن الطاقة وإن احتملت ، ولم يكلف ما يزيد عن الطاقة حال العجز من باب أولى ، وهذا التخفيف إما أن يكون برفع الفعل كله ، كإفطار المريض والمسافر ، فهما مظنة الحرج ، وإن تخلفت الحكمة أيضا في بعض الآحاد ، وإن نظر في الحكمة في بعض المواضع كما هي حال أصحاب المهن الشاقة فتلك ضرورة تقدر بقدرها فلا يَنْوُونَ الفطر وإنما يَنْوُونَ الإمساك فإن بلغت بهم المشقة مبلغ الضرر أفطروا بما يقيم الأود ونووا القضاء متى تيسر ، فالضرورة تقدر بقدرها ، وقد يكون التخفيف بإسقاط بعض العبادة كالقصر في الصلاة ، وقد يكون بإسقاط بعض الشروط كمن به حدث متصل ، أو إسقاط بعض الأركان كمن لا يطيق الصلاة من قيام .

فالاستطاعة الشرعية هي التي تكون قَبْلَ الفعل ، من وجه ، فشرطها سلامة الآلات ، وشرطها ، من وجه آخر ، انتفاء المانع في الخارج سواء أكان المانع من الذات كالمرض والعجز ، أم من غيرها كإكراه من خارج ، وسواء أكان ، كما تقدم ، دائما أم عارضا .

فَفِي الصلاة تقدم خبر : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" ، وفي الصيام تقدم خبر الربيع ، رضي الله عنها ، وفي الحج ورد خبر : "أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»" ، فزيد في الحج أن يصح نافلة ولو من صبي غير مميز ، فيحرم وليه عنه وينوب عنه في أعمال الحج وتقع منه نافلة إذ البلوغ شرط في حج الفريضة دون حج النافلة ، وذلك من المواضع التي يفترق فيها النفل عن الفرض وإن كان الأصل أن كل ما جاز في النفل يجوز في الفرض لاشتراكهما في جنس الفعل الأعلى ، وذلك ما يظهر أثره ، أيضا ، في الصلاة ، فالأصل التسوية بين الفريضة والنافلة ولكن ثم أمور تجوز في النفل دون الفرض كالصلاة من قعود بلا عذر وإن كانت على النصف من الأجر ، فالتمييز ، كما تقدم ، شرط في صحة الفعل ، فلا يجب على الصغير فعل ، إلا في أحوال تندر كجهاد الدفع إذا دهم العدو محلة المسلمين فيجب على جميع أهلها أن يدافعوه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

فسكت الوحي عن تهادي الرجل بين رجلين رجاء تحصيل فضل الجماعة ، فدل ذلك على إيجابها ، إذ لو رخص لأحد لرخص لمن تلك حاله ، مع أن الرخصة في حقه جائزة ، فالمرض الشديد عذر يبيح ترك الجماعة ، فما دونه من صلاة بحضرة طعام قد أباح ترك الجماعة ما لم يصر عادة ، فهو أمر يطرأ ويمكن ضبطه خلافا للمرض فهو وإن طرأ إلا أنه مما لا يمكن ضبطه فلا يكلف الإنسان أن يبرأ من المرض فذلك من القدر الكوني النافذ الذي لا يطيقه إلا الرب الخالق القادر ، تبارك وتعالى ، وإنما غاية التكليف في هذا الموضع أن يكلف بتعاطي أسباب الشفاء ، على تفصيل في حكم التداوي هل هو مباح أو مندوب أو واجب ، وهل الأفضل تعاطيه أو تحاشيه ؟ .
فكان السكوت ، والله أعلم ، توكيدا على إيجاب الجماعة ، فاغتفرت هذه المشقة تقريرا لهذا المعنى ، ومثله حديث ابن أم مكتوم فلم يرخص له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يترك الجماعة ، ولو رخص لأحد لرخص له فهو لا يبصر الطريق وليس له هاد يهديه ، وقد عورض ذلك ، من وجه ، بحديث عتبان بن مالك ، رضي الله عنه ، إذ رخص له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يترك الجماعة ، وقد يقال إنه رخص له في ترك الجماعة في المسجد الجامع ولم يرخص له في ترك الجماعة مطلقا فقد أراد أن يصلي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيته ليتخذه مسجدا لقومه ، فضلا عن قدر فارق ، كما ذكر بعض المحققين ، فابن أم مكتوم لا يبصر ولكنه قوة الحس فيه عظيمة فقد حمل الراية في القتال فهو يطيق السعي إلى المسجد من باب أولى خلافا لعتبان ، فلكلٍّ حال ، ومناط الفتوى وإن كان واحدا وهو القدرة إلا أن تحقيقها في الخارج يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَفَاوُتِ حَالِ المستفتي ، فليس ذلك من تَعَدُّدِ الشرائع أو تعارضها وإنما هو من باب الخلاف في تحقيق المناط في محال عدة ، فالتعارض يكون بتعدد المناط ، لا أن يكون المناط واحدا وتختلف أنظار المجتهدين في تحقيقه في آحاد في الخارج ، فثم من يجتهد فَيُعْمِلُ ، وثم من يجتهد فيهمل ، وذلك من أسباب الاختلاف في الفتيا إذ تختلف وجوه الاعتبار من مجتهد إلى آخر .

وقد خرج صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهادى أيضا ، كما في حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في مرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرضَ الموت ، وفيه : "فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ سَبَّحُوا بِأَبِي بَكْرٍ فَذَهَبَ لِيَسْتَأْخِرَ" ، فأم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مريض لا يطيق القيام ، وبه استدل من استدل أن إمامة القاعد للقائم تجوز ، وثم من قيد ذلك أن يكون الإمام الراتب كما كانت حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولم يصل من وراءه قاعدين مع أن الأمر قد ثبت أن : "إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ" ، إذ بدءوا الصلاة من قيام ، وعرض القعود سواء أكان للإمام الذي بدأ الصلاة أم لإمام راتب تخلف عن أول الصلاة ودخل في أثنائها ، كما في هذا الحديث ، خلاف ما لو بدأ الإمام الصلاة جالسا فيلزم من خلفه أن يصلي مثله جالسا ، فهذا الجمع أولى من القول بالنسخ كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم كمحمد بن الحسن الشيباني ، رحمه الله ، كما في روايته للموطأ ، فذهب أن الأمر بالصلاة من جلوس إذا صلى الإمام جالسا من المنسوخ لصلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إماما في مرض موته والناس من ورائه قد صلوا قياما فلم يلمهم على ذلك ولو كان مما لا يجوز ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسكت إذ ذلك موضع بيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكان سكوت في موضع البيان بيانا يستفاد منه الإباحة على أقل تقدير ، فالأولى الجمع بين النصوص ما أمكن إذ إعمال النصوص جميعا أولى من إهمال بعض انتصارا لبعض آخر .


وأما تهادي الرجل في حديث أنس رضي الله عنه : أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُ هَذَا؟» فَقِيلَ: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِتَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ شَيْئًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» ، فهو ما لم يسكت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَكَانَ الْبَيَانُ في هذه الحال بَيَانًا بالنطق لا بالسكوت ، إذ لا مصلحة تحصل في هذا الموضع كما هي الحال في تهادي الرجل بين الرجلين ، فالأول يهادى دركا لواجب ، وأما هذا فيهادى نذرا لأمر لا يجب ، فتوجه الإنكار إلى الثاني دون الأول .

والعبرة ، في نصوص تندرج في هذا الباب ، كما في قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فذلك يعم كل مكره فلا يقتصر على صورة السبب وهو عمار ، رضي الله عنه ، وذلك إنما يجري مجرى الترخص العام ، والعزيمة أولى ، وإن جاز في حق من لم يستطع أن يحتمل وطأة العذاب أن يترخص ، إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فذلك ، أيضا ، يدخل في عمومات من قبيل : القدرة مناط التكليف ، ولا تكليف بغير مقدور ، فلا يكلف الإنسان بغير مقدور في العادة فذلك ما لم يرد به الشرع بل قد نفاه في مواضع ، وذم من تَنَطَّعَ فاحتمل ما لم يَرِد به الشرع ، فَفَعَلَ ما يشق مشقة تَزِيدُ على العادة ، فإن احتمل مرة فقد لا يحتمل أخرى وإن لم يحصل له ضرر من مرة أو مرتين فقد يحصل له الضرر بالمداومة فيأثم من هذا الوجه إذ أدخل الضرر على نفسه إما حالا وإما مآلا ، وذلك ما قد نُهِيَ عنه ، فـ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ، فذلك نفي يُنَزَّلُ منزلة النهي ، فيجري مجرى الخبر الذي يُرَادُ به الإنشاء ، فتأويل الخبر أن : لا تدخلوا الضرر على أنفسكم فلا ضرر ، ولا تدخلوا الضرر على غيركم فلا ضرار ، فلا يشرع إدخال المشقة على النفس إذ ليست المشقة في نفسها غاية الشرع ، فليس للشارع ، جل وعلا ، غرض أن يعذب البشر أنفسهم من أجله فهو الغني عنهم وعن أعمالهم ، كما في حديث : "مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" ، فنهاه عن المحدث ففيه الزيادة التي لم تشرع ، فهي مئنة من الغلو والتنطع ، وذلك ما نهي عنه إجمالا ، فـ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون " ، وذلك ، أيضا ، خبر يُرَادُ به الإنشاء من وجهين :
من وجه الدعاء ، فتقدير الكلام : اللهم أهلكهم إذ زادوا في الدين ما ليس فيه .
ومن وجه النهي إذ الهلكة أمر يحمل العاقل أن يكف عن مباشرة أسبابه ، فتأويل الكلام على هذا الوجه : لا تتنطعوا فتهلكوا ، إما في الدنيا بإضعاف الأبدان وإتلافها ، فذلك مما ورد النهي عنه ، فـ : (لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فذلك نهي تسلط على المصدر الكامن في الفعل فضلا عن دلالة المضارعة التي تستحضر بها الصورة ، ودلالة العموم في : "أنفسكم" ، فإنها إما تكون بمعنى غيركم ، كما في قوله تعالى : (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ، أي على غيركم فلا يسلم الإنسان على نفسه بداهة ، فيجري ذلك مجرى الخاص الذي أريد به العام ، وهو غيركم وأنفسكم ، وذلك ، من وجه آخر ، يجري مجرى قياس الأولى ، فإن نهي عن إلحاق الضرر بغير النفس ، فالنهي عن إلحاق الضرر بها يتوجه من باب أولى ، إلا أن تكون ثم مصلحة راجحة في قتل غيرها ، كحد أو قتال بغي مشروع سفك فيه الدم دفعا لصائل على البدن أو المال .... إلخ من صور القتل المشروع ، أو إتلافها في جهاد يذب به عن الدين ، فحرمة الدين أعظم حرمة وهي المقصد الأول من مقاصد التشريع ، أو أخذا بالعزيمة بالامتناع عن الكفر قولا أو فعلا ، بل وعن المحرم كسرا للخصم وإرغاما لأنفه .
فيكون تأويل الكلام : لا تتنطعوا فتهلكوا إما في الأولى ، كما تقدم ، وإما في الآخرة فإن التنطع إذ ذم في الشرع فهو محرم يناط به وصف الذم في الأولى وحكم العقوبة في الآخرة إلا أن يكون ثم مانع من نفاذ الوعيد من تأويل أو نحوه ، فقد يتأول ما صنع أنه دين يحمد فما أراد إلا المبالغة في التَّدَيُّنِ ، ولكنه أخطأ الطريق جهلا أو تأويلا فَزَادَ في الدين ما ليس منه ، فالفعل مذموم مطلقا سواء أذم فاعل بعينه أم لم يذم لحصول المانع في حقه خاصة وإن لم يحصل في حق غيره ، فجنس الوعيد ثابت وإن تخلفت بعض آحاده لحصول المانع ، فقد يذم الفعل ولا يذم الفاعل فهو متأول ، وهذا ، من وجه آخر ، أصل في باب الأسماء والأحكام ، فلا يلزم من ورود الوعيد العام في قول أو عمل بعينه أن ينفذ الوعيد في كل قائل أو فاعل بل قد يتخلف الوعيد في حق آحاد ، وإن نفذ بالنظر في الجنس العام فلا بد أن يحصل في الخارج ولو في حق واحد ! ، ليصدق الخبر ويكون الزجر حقيقة لا خيالا كما زعم الفلاسفة من أهل التخييل ومن لف لفهم من غلاة المرجئة .
فنهي عن التنطع ، فذلك عموم : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" ، وقد ضربت له أمثلة في مواضع أخرى ، كما في حديث من نذر أن يحج ماشيا ، وما تقدم من خبر : "مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" ، فَأَمَرَهُ أن يقطع المحدث ، وأن يصل المشروع ، فذلك قياس الشرع والعقل ، فالعدل يقضي أن ينظر في أجزاء الصورة المركبة فما صح منها شرع ، وما بطل حظر ، فلا ينظر في المركب نظرة واحدة ، فتلك نظرة ساذجة في تحليل أية صورة في الذهن ، فتفسير أية ظاهرة تَبَعًا لدافع واحد يفضي إلى خطأ في الحكم ، إذ تسرع الحاكم فنظر في الأمر ، بادي الرأي ، فسبق الخطأ إذ لم يَتَرَيَّثْ في النظر ليصح حكمه ، ولذلك كان من أعذار المجتهد أن يقلد غيره أن يتضايق الوقت في نازلة فلا يقلب الأمر ويستقرئ أدلته ووجوه الاستدلال فيه ، فإن تعذر ذلك حرم عليه أن يفتي في نازلة تطرأ ، وإن كان مجتهدا الاجتهاد المطلق ، أو المقيد بباب تدخل النازلة فيه ، فلا يفتي بلا علم إذ لم يحصل له التصور الكامل ولم يجد وقتا يستقرئ فيه الأدلة ووجوه الاستدلال ، فلم يحصل له علم كاف إن في الرواية بجمع أدلة الباب أو الدراية بالنظر في وجوه الاعتبار الصريح التي علمت باستقراء اللسان الفصيح الذي جاء به التنزيل ، فإذ لم يحصل له هذا العلم فلا يفتي بلا علم ، فذلك لا يجوز لعالم أو مقلد ، وإنما مناط الأمر أن يكون الإفتاء بعلم يستند إلى أدلة صحيحة ووجوه استدلال صريحة ، وقل مثله في إجماع السكوت إذ يشترط فيه حصول وقت كاف يغلب على الظن أن من سكت من المجتهدين قد تصور الأمر على وجه صحيح وليس ثم مانع يمنعه أن يفتي بخلافه فكان سكوته بعد انقضاء زمن كاف في النظر والاستدلال وانتفاء المانع من إكراه أو نحوه ، كان هذا السكوت في موضع البيان : بَيَانًا .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
21-10-2015, 06:57 AM
والشاهد أن ثم أمثلة لعموم النهي عن التنطع بتكليف الإنسان نفسه ما لا تطيق ، إما بالنظر في الحال فلا يقدر على الفعل ابتداء أو يقدر عليه بمشقة عظيمة توقع المكلف في الحرج وإما بالنظر في المآل كتحريم الطيبات جملة فذلك قد يصبر الإنسان عليه زمانا لا سيما في زمان الشباب والفتوة فهو مظنة الاندفاع والحمية إن في الخير أو في الشر ، فتجد الشاب الفتي يقبل على ما انتحل إما حقا أو باطلا ، فإن هدي وسدد إلى طريق خير رأيت منه ما يعجب منه الكهول والشيوخ إذ يطيق من عظيم المشقة ما لا يطيقون فلكل زمان أهله ، ولكل نازلة أهلها فقد تطيق نفوس من ألم الابتلاء ومؤنته ما لا تطيق أخرى ، سواء أكان ذلك في النفس معنى أم في البدن حسا ، فالناس يتفاوتون في هذا الباب ، أيما تفاوت ، فذلك تبع لتفاوت الهمم التي يعقد جل وعلا منها ما يعقد فضلا فصاحبها لو رام نقل الجبال لنقلها ، ويفسخ ، تبارك وتعالى ، منها ما يفسخ عدلا فصاحبها لا يطيق القيام من مكانه مع صحة البدن ، ولا يطيق أن يتكلم مع صحة اللسان فقد شاء ، جل وعلا ، أن يقعد ويسكت ، فحصلت آية عظيمة في هذا التفاوت بها عرف من عرف من المحققين رب العالمين ، جل وعلا ، فسأل من سأل : بم عرفت ربك ؟! ، فقال : بانفساخ الهمم ، وذلك يعم انعقاد الأديان في القلوب وانحلالها ، فـ : "يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا" ، فهذا طباق إيجاب بين معاني الإيمان والكفر بها يحصل معنى القدرة والحكمة أن يعقد ما يعقد من معان ويحل ما يحل منها ما بين عشية وضحاها ، فشاء ، جل وعلا ، أن ينعقد الإيمان في قلب ، وأن ينحل في آخر ، وما ظلم أحدا ، ففعله في العقد فضل ، وفعله في الحل عدل ، فقد حصلت الحجة الرسالية ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي بكر وأبي جهل ، وآلة التصور واحدة فمناط التكليف في كلا المحلين ثابت ، وهو العقل الذي يدرك معاني التوحيد الذي بعث به خاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والقدرة في كلا المحلين حاصلة بالنظر في الاستطاعة الشرعية التي يناط بها التكليف والتي تسبق الفعل ، كما تقدم ، فاشتغل محل بالإيمان ، فحصلت الاستطاعة الكونية في حقه فهي منة زائدة بالفضل ، ولم تحصل في المحل الآخر بالعدل ، وكلاهما قد حصلت له الاستطاعة الشرعية وحصلت له آلة صحيحة في التصور والفعل ، فلا عذر بجهل أو عجز ، فقبل المحل الأول إذ يوافق الحال ، ولم يقبل المحل الثاني إذ يخالف الوارد عليه فلم يحل فيه كما حل في الأول فرده إذ اشتغل بضده ، وإن شئت الدقة فقل بنقيضه فالمحل لا يحتمل النقيضين من نفس الجهة في نفس الآن ، فصرف عن الحق إذ اشتغل بضده بما جبلت عليه النفس من قوة الحياة الحساسة الفاعلة بإرادة لها تأثير واختيار ، فلا بد أن تشتغل بما ينفع أو يضر فلا تبقى غفلا بلا عمل وحركة وإلا فهي ميتة لا حياة فيها ، وهي ، مع ذلك ، لا تخرج عن إرادة الخالق ، جل وعلا ، فحصل التنوع في الهمم فاختلفت الأقوال والأعمال في الخارج على وجه لا يكاد يحصيه محص في الخارج فالهمم كالأفئدة تتعدد تبعا لتعدد أصحابها في الخارج ، فلكلٍّ تصور ، ولكلٍّ إرادة وهم ، ولكلٍّ قول وفعل في الخارج هو تأويل ما أطاق من التصور والإرادة في الباطن ، فما يعمل مما يطيق في الخارج ، إن فعلا أو تركا ، فيطيق فعل أمر ويطيق ترك آخر ، فالترك ، أيضا ، مناط استطاعة فكم من عادة ألفت لا يقوى صاحبها أن يفارقها إذ انفسخت همته فلم يقو أن يفارق العادة ، وذلك محض التقليد الذي يعم الأصول والفروع جميعا ، فـ : (إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ، فلم يستطيعوا أن يفارقوا عوائدهم مع ثبوت العقل وصحة الآلة إذ لم يسددوا أن يفارقوا الباطل وينتقلوا إلى الحق ، وهذه الاستطاعة الكونية التي يخلقها الرب ، جل وعلا ، في قلوب وأبدان دون أخرى ، خلافا للاستطاعة الشرعية مناط التكليف فهي تحصل في كل محل يصح تكليفه بحصول الاستطاعة تصورا في الذهن ، وقولا وعملا في الخارج ، فما يكون من استطاعة على قول أو عمل يخلقها ، تبارك وتعالى ، في الخارج هي تأويل ما يكون من استطاعة يخلقها ، جل وعلا ، في القلب ، على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن تصورا والظاهر قولا وعملا ، وبذلك عرف ، جل وعلا ، أن نوع في هذا الباب ، فخلق من الهمم والإرادات ما لا يحصى ، وفاوت بينها في القدر والوصف ليذكر فيشكر ، ولتظهر آثار ربوبية القدرة الكاملة والحكمة البالغة في خلق الأضداد فيقع بينها من التدافع ما فيه صلاح هذا العالم ، فيحصل الابتلاء بالخير ، وواجب الوقت في زمانه الشكر ، ويحصل بالشر وواجب الوقت في زمانه الصبر .

وَمِمَّا يَعْرِضُ للاستطاعة الشرعية : مانع الإكراه ، فهو من عوارض الأهلية المعتبرة ، فَيَعْرِضُ لأهلية التكليف ما يقدح فيها ، إذ يفسد الاختيار فيكون صاحبه مستطيعا في الظاهر : استطاعة الكون ، فهو يفعل ما أكره عليه ، ويكون في المقابل ، غير مستطيع بالنظر في حكم الشرع إذ هو كالآلة في يد المكرِه على تفصيل فيما يصح فيه الإكراه وما لا يصح .

بل قد ينقلب حكم الشرع فيباح أن يقترف المحرم إذ لا تندفع الضرورة المعتبرة إلا به ، بل قد يؤمر بالمحرم إذا حصل به دفع محرم أعظم ، فذلك واجب والذريعة إليه واجبة ، مع أنها في نفسها محرمة ، وإنما اضطر إليها الفاعل إذ لا خيار ثالثا ، فليس ثم وجه مباح يدفع به المحرم الأعظم ، فلا يدفع إلا باقتراف محرم دونه ، فحكم الشرع وقياس العقل أن يدفع المحرم الأعظم ولو باقتراف المحرم الأصغر حال تعذر دفعه بمباح خالص ، كمن يدفع حال الضرورة من جوع أو عطش مهلك أن يَتَنَاوَلَ من المحرم بقدر ما تندفع به الضرورة ، فهي تقدر بقدرها ، فتناول المحرم : محرم ، ولكنه لما عورض بمحرم أشد انقلب حكمه فصار مشروعا بل وواجبا يأثم تاركه ، فإن ترك تناول المحرم حتى تلفت نفسه فهو آثم إلا إذا عورض ذلك ، من وجه آخر ، بمصلحة ترجح كالنكاية في أعداء الديانة ومنعهم أن يظهروا الشماتة ، أو يكره إكراها صحيحا ملجئا أن يتلف مال غيره ، فذلك مما يمكن ضمانه ، فإن إكراه الفاعل أن يتلف المال : مفسدة ، ولكن إتلاف نفسه في المقابل أو بعضها إن لم يتلف ذلك المال : مفسدة أعظم ، فحرمة الأبدان أعظم من حرمة الأموال ، فضلا أن المال مما يمكن استدراكه بتضمين الحامل على الفعل وإن كانت القاعدة أن المباشر أولى بالضمان ، ولكن ذلك لا يجري حال الإكراه إذ المكرَه على وجه صحيح ملجئ فيما يصح العذر بالإكراه فيه ، المكرَه في هذه الحال ليس الفاعل المباشر في الحقيقة فهو ينزل منزلة الآلة فالفاعل حقيقة هو الحامل له أن يفعل ، وهو من أكرهه الإكراه الملجئ ، فالضمان يتوجه إلى المكرِه لا المكرَه إذ ليس له من الأمر شيء ، وإن كان له اختيار أن يفعل ، فهو اختيار فاسد فمآل أمره أنه مضطر ، فلم يختر بإرادة صحيحة يناط بها خطاب التكليف ، وإن وجب ضمان المتلف بخطاب الوضع ، فمثله كمثل الطفل الصغير إذا أتلف شيئا ، فلا يأثم إذ هو غير مكلف ، ولكن وليه قد يأثم إن لم يزجره أو يمنعه إن كان سفيها أو مجنونا أو مفسدا قد علم إفساده فوجب منعه أن يتلف مال غيره فقد اطردت عادته أن يتلف ما تقع يده عليه ! ، فإن منعه وزجره ووقع منه الإتلاف مع ذلك ، فلا يأثم الطفل إذ لا عقل له إن كان غير مميز ، أو لا تكليف عليه إن كان غير بالغ ، وإن توجه إليه اللوم إن كان عاقلا فوجب أن يعاقب لا عقاب الشرع وإنما عقاب الأدب استصلاحا لطبعه ألا يعتاد الإفساد فينشأ عليه فتكون تلك حاله التي يعاقب عليها بعد ذلك بِمُقْتَضَى الشرع إذا بَلَغَ وَكُلِّفَ ، فلا يأثم غير البالغ ولا يأثم وليه إن زجره وسعى في تأديبه ألا يتلف مال غيره ، والضمان مع ذلك يثبت ، فذلك حكم الوضع ، فيجب على وليه أن يضمن ما أتلف ، فكذلك الشأن في المكرَه ، فهو ينزل منزلة غير المميز ، إذ لا اختيار له صحيح وإنما أكره على وجه صحيح معتبر ، كما تقدم ، في أمر يمكن ضمانه ، فصار إتلاف المال وهو محرم ، صار مباحا إذا أخذ المكرَه بالرخصة إذ يمكن استدراكه ، وقد يصير واجبا إن كان حفظ النفس في هذا الموضع أولى ، فإن حرمة الأبدان ، كما تقدم ، أعظم من حرمة الأموال ، وقد يكون الامتناع من الإتلاف ، وإن أمكن الضمان ، قد يكون أولى فيستحب عزيمة إن حصل به مقصد معتبر من نكاية في خصم للدين فالعزيمة تكسر قلوب أعداء الدين ، وذلك ، بداهة ، خلاف الإكراه على القتل أو الزنا ، فلا يعتبر وإن كان ملجئا ، إذ ذلك مما لا يمكن ضمانه فهو أمر لا يستدرك ، فضلا أن حرمة الأبدان والأعراض أعظم من حرمة الأموال التي جاز انتهاكها في الصورة الأولى استبقاء لحرمة النفس أن تقتل ، وأما الأمر هنا فهو حرمة نفس في مقابل حرمة نفس فلا يقدم حقه على حق غيره في موضع تتكافأ فيه الحقوق ، فلا يستبقي نفسه بإهلاك غيره ، وإنما ابتلي بذلك فالصبر هو الواجب ، وإن عسر على النفس فهي في حال الشدة قد تضعف وتنفسخ همتها وإن ظنت في نفسها قوة وعزما حال السلامة فجميع الناس فيها يدعي الثبات ولا يصدق حال المحنة إلا من ثبته رب الأرض والسماء ، تبارك وتعالى ، أو حرمة نفس في مقابل حرمة عرض ، والعرض أمره عظيم فلا يمكن استدراكه ، كما تقدم ، فليس له أن يهتك عرضا استبقاء لنفسه ، فضابط الأمر : أن الأعظم حرمة يقدم ، وقد يَرِدُ على ذلك : النطق بكلمة الكفر ، فإن القياس ألا يجوز ذلك ولو أكره القائل إكراها ملجئا ، إذ حرمة الأديان أعظم من حرمة الأبدان ، ولكن ذلك مَرْدُودٌ من وجوه :
أن ثم نصا أجاز ذلك من :
الكتاب وهو قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) .
والسنة وهو سبب نُزُولِ هذه الآية ، كما عند ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، في تفسيره ، وفيه : "كيف تجد قلبك ؟ ، قال : مطمئن بالإيمان ، قال : إن عادوا فعد" ، فأجاز له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يَقُولَ فيه وذلك كفر بالإجماع ، ولكن مانع الإكراه رفع الحكم ، فهو مانع من إجراء حكم الكفر على القائل أو الفاعل وإن كان القول أو العمل في نفسه كفرا ، فقد لا يكفر القائل والفاعل وقوله وعمله كفر ، فالأصل نفاذ الحكم إلا لمانع ، فثم مانع من نفاذ الحكم ، سواء أكان مانعا من شرط ، أم مانعا من انعقاد السبب ..... إلخ ، فالصورة : إجراء حكم الكفر على من سب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو انْتَقَصَ من قدره ، فذلك محل إجماع ، بل إن الشك في كُفْرِ من فعل ذلك كُفْرٌ في حد ذاته ! ، كما حكى الإجماع على ذلك ابن راهويه ، رحمه الله ، والمانع من نفاذ الحكم في حق الساب أو الْمُنْتَقِصِ لجناب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الإكراه ، أو ذهول العقل وإن بسبب محرم فإن السكر في نفسه محرم ، ولكن ذهاب العقل مانع من إنفاذ الحكم ، فالعقل مناط التكليف ، فَقَدْ اقترف فعل السكر المحرم مختارا عالما ذَا إرادة صحيحة مختارة فكان حاضر العقل فأثم لأجل ذلك إذ لا مانع من إنفاذ الحد في الدنيا وحصول الوعيد في الآخرة ، وإن كان ثَمَّ موانع لنفاذ الوعيد كالحسنات الماحيات ونحوه ، وأما حدود الدنيا فإنها تُسْتَوْفَى على ما وقع من ظاهر الفعل ، وإن كان ثم عذر فهو ينفع صاحبه في أحكام الآخرة ، فَقَدْ يَتَأَوَّلُ ما تأول ابن مظعون ، رضي الله عنه ، ورفاقه ، إذ شربوا الخمر بعد تحريمها متأولين ، فوجب الحد صيانة لحدود الشريعة وإن حصل العذر بالتأويل سدا لذريعة التلاعب بالدين ، وقد يشهد الشهود أنه شرب فسكر ، فذلك ما يستوجب العمل بظاهر قولهم وإن احتمل الكذب لا سيما إن كان ثم خصومة فلا يقضي القاضي بما علم وإنما يقضي بما تَحْتَ يده من قَرَائِنَ وأدلة ، فَاسْتَوْفَى العقوبة وهي حد السكر فلا موجب لحد زائد لا سيما وأمر الكفر هو من حقوق الرب ، جل وعلا ، وحقه ، جل وعلا ، فيقوم على المسامحة ، إذ يتقصد الكفر وإنما جرى على لسانه دون اختيار ، وإن أدخل سبب الفساد على نفسه مختارا فأثم من هذا الوجه ، فهو مختار مكلف إذ شرب فسكر ، وهو ، من وجه آخر ، غير مختار فلا إرادة له تعتبر حال سكر فنطق بالكفر أو فعله ، خلافا للمكره فَقَدْ دخل سبب الفساد عليه جَبْرًا ، وإن كان له اختيار فَعَقْلُهُ حاضر ، فَفَارَقَ السكران من هذا الوجه ، ولكنه اختيار فاسد ، وأما السكران فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ من لا اختيار له ، فَمَا يَصْنَعُ حال سكره فهو هدر ، وذلك يتأكد في أحوال ، كأن لا يَتَعَلَّقَ الحق بِبَشَرٍ ، فحقهم قائم على المشاحاة ، كما تقدم ، فالكفر من حق الله ، جل وعلا ، وحقه ، تبارك وتعالى ، قائم على المسامحة ، فَيُعْفَى عنه في هذا الموضع ، والخلاف فِي حق البشر فمنه ما يتوجه العفو فيه ، كالقذف ، على سبيل المثال ، فإنه إذا قذف فلا عقل له يدرك ما قال بل ولا يذكره حال أفاق ، على خلاف في ذلك ، فثم من أجراه مجرى الذريعة أو الوسيلة ، والوسائل لها أحكام المقاصد ، فإذا تَعَاطَى أسباب السكر فقد تعاطى ذريعة القذف ، فَتُنَزَّلُ منزلة المقصد وهو القذف ، فيحد حد القاذف سدا للذريعة ، وقد استدل لذلك بِأَثَرِ علي ، رضي الله عنه ، وفيه : "إن السكران إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فاجعله حد الفرية ، فجعله عمر حد الفرية ثمانين" ، فذلك قِيَاسٌ مركب ، فالمقدمة الأولى : إذا سكر هذي ، والمقدمة الثانية : إذا هذي افترى ، فإذا حذف الأحد الأوسط آلت النتيجة أنه : إذا سكر افترى ، فالسكر يفضي إلى القذف في أحوال كثيرة ، فَيُنَزَّلُ المعدوم مَنْزِلَةَ الموجود ، وَيُنَزَّلُ الاحتمال محل اليقين ، سدا للذريعة ، ويتأكد ذلك في أمور لا يمكن استدراكها كالقتل والزنى ، فيكون الحد الزائد فيها سدا لذريعة التساهل في الدماء والأعراض ، لا سيما إذا اطرد من حال الناس أن يتعاطوا المسكر قبل اقتراف الجناية فقد ظهر من القرائن واشتهر أنهم يستعينون بهذا المسكر على ما يَنْتَوُونَ من إفساد ، ولذلك توجه القول بمذهب أبي حنيفة ، رحمه الله ، في هذا الباب إذ حكم أن يقتل القاتل إذا سكر ثم قتل ، فذلك ، كما تقدم ، يجري مجرى سد الذريعة حفظا للحرمات أن تنتهك .
وخالف ابن حزم ، رحمه الله ، في حد القاذف السكران فضعف الأثر رواية ، وعارضه دراية إذ قدرت له عقوبة في الشرع فلا يتوجه أن توقع عليه عقوبة أخرى فقد نال جزاء فعله فما زاد فهو ظن والأصل براءة الذمة فلا يعدل عنها إلا بدليل قاطع يوجب العمل بالزيادة لا سيما في أمر الأصل فيه العصمة ، فالأصل عصمة الإنسان أن يهان بحد أو تعزير فلا ينقل عن الأصل إلا بقرينة صحيحة ولا يجوز الظن في أمر كهذا إذ يفتح الباب للزيادة في الشريعة ، ومن خالف فقد جعله ، كما تقدم ، من باب سد الذريعة فذلك يجري مجرى التعزير الزاجر وإن قدر له حدا فقاسه على حد القذف باعتبار ما يؤول إليه ، وقد يجاب أنه لا قياس في الحدود والكفارات فهي أمور توقيف لا يقدرها إلا الشارع جل وعلا .

ولذلك اختار المحققون ألا يقع طلاقه ، وهو المحفوظ عن عثمان رضي الله عنه وإن كان الجمهور أن طلاقه يقع ، فلا يقع إذ ضَرَرُه يَتَعَدَّى إلى غَيْرِهِ ، بلا جرم اقْتَرَفَهُ ، فامرأته لا جرم عليها أن سكر ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، فلم تكتسب امرأته من الإثم ما اكتسب ليجب عليها من العقاب ما وجب عليه ، فذلك قياس العدل ألا يسوى بين المختلفين ، فليست حال العاصي كحال الطائع ليستوجب الثاني من العقوبة ما استوجب الأول .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
24-10-2015, 07:10 AM
فَثَمَّ مقابلة بين الشطرين في قوله تعالى : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، على تأويل الكسب بالخير ، فهو يسير مبذول بلا تكلف إذ يُوَافِقُ فطرة الجبلة الأولى ، وتأويل الاكتساب بالشر فهو مئنة من الافتعال ولا يكون إلا بكلفة ، إذ يخالف الفطرة الأولى التي جبلت على بغض الشر وتقبيحه ، فحصل الطباق بين الألفاظ المتقابلة على جهة الإيجاب بين اللام فهي مئنة من الزيادة ، و : "على" فهي مَئِنَّةٌ من النقص ، والكسب والاكتساب ، وثم عموم دل عليه الموصول : "ما" ، وهو مخصوص حال الكسب بما أكره عليه المكلف من أحكام الشَّرْعِ ، فإن أجزأته في أحكام الدنيا فلا تجزئه في أحكام الآخرة ، فالجهة منفكة ، إذ تَبْرَأُ الذمة بما أدى ، وذلك إنما يَثْبُتُ في أحكام الدنيا ، وأما في أحكام الآخرة فهو آثم ، فمن منع الزكاة أخذت منه قهرا ، ومعها نصف ماله على جهة التعزير ، فـ : "مَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ" .
والضمير في : "لها" يرجع إلى النفس التي تقدم ذكرها في صدر الآية ، إذ امتن عليها الرب ، جل وعلا ، أن لم يكلفها ما لا تطيق ، بل وكلفها دون ما تطيق ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فثم عموم في النفي تسلط على المصدر الكامن في الفعل فأفاد عموما أول فضلا عن دلالة النكرة : "نفسا" ، فهي ، أيضا ، تفيد العموم ، فذلك أمر رفع عن جميع النفوس إذ تستوي جميعا في التكليف فحصلت المنة العامة على كل نفس في باب الاستطاعة أن لا تكلف إلا الوسع ، بل ودونه كما تقدم ، وحسن أن يحد اللفظ على جهة القصر بالنفي والاستثناء فهو أقوى أساليب القصر ، وذلك آكد في تقرير المنة ، وهو يحمل على القصر الحقيقي ، إذ لا تكليف بغير مقدور ، سواء أكان ذلك على جهة العموم فيما لا يقدر عليه عامة المكلفين كتكليف الإنسان أن يطير أم كان على جهة الخصوص فيما يعرض لبعض المكلفين من مشقة زائدة معتبرة في الشرع توجب الانتقال من العزيمة إلى الرخصة ، على جهة الإيجاب إسقاطا أو الإباحة ترفيها ، على تفصيل تقدم ، وهو مما ينظر فيه نظر الجزأ ، فلكلٍّ من الحال والقدرة على الاحتمال ما يخصه في هذا الباب ، وإن كان مناط الترخص في الجملة واحدا ، إلا أن تحقيقه في الخارج يتفاوت فقد يكون ثم قوي يطيق من التكليف ما لا يطيقه الضعيف فلا يقع له من المشقة والحرج الموجب للرخصة رفعا له ، لا يقع له من ذلك ما يقع للضعيف ، وقد يكون رأسا في الناس في موضع ابتلاء عظيم أن يبين من أحكام الدين ما لا يسعه أن يكتمه أو يؤخره فقد قامت الحاجة وعدم من يسدها إلا هو ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فهو الحجة على الناس آنذاك فلو سكت بطلت الحجة وانتقضت عدالة هذه الأمة ، ولازمها ألا تجمع على ضلالة فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في جميع مسائل الدين أصلا وفرعا ، فلو سكت لانتقض هذا المعنى وبطل وقامت الحجة للبشر على ربهم ، جل وعلا ، ولانتقضت شهادة هذه الأمة على بقية الأمم إذ لم يعد وصفها بأنها وسط جائزا ، فالعدالة في حقها توجب عصمة المجموع لا الجميع ، فآحادها غير معصومة ، ومجموعها معصوم ، وهو الذي يدل عليه الإجماع باصطلاح أهل الأصول إذ لم يشترط اتفاق كل الأمة : علماءَ وعامةً ، خلافا لمن اشترط ذلك كما قال بعض أهل الأصول فذلك يجعل الإجماع الشرعي محالا إذ النفوس قد جبلت على شهوات تميل بها ، ومعظم الجمهور ليس له من العلم الدقيق ما يحكم به هذه النوازع فضلا عن غلبة الأهواء ، فالإنصاف في هذا الشأن عزيز وقل أن يتجرد الخاصة فضلا عن العامة من أهواء وأذواق وشهوات قد تخفى من حب جاه أو حصول رياسة أو مال .... إلخ ، وخطورة جحد الإجماع وإنكاره أنه يصير بذلك الحد الواسع الذي يتعذر في الغالب إلا في نوادر ، يصير فكرة خيالية لا وجود لها في الخارج فذلك يفتح الباب لنسبية الأمور فلا قطع ولا جزم ولا مطلق في الاستدلال بل كل الأمور نسبية يرجح العقل والذوق منها ما يلائمه ! ، وليس ثم نص يزجر فقد أبطله القوم بالتضعيف لا لشيء إلا أنه خالف ما هووا ، وليس ثم إجماع يردع فقد أنكروا حجيته فصار الوحي كتابا مفتوحا إلى الآن يتأول منه المتأولون ما شاءوا استنادا إلى ذريعة الواقع فهو الذي يقرر الحقائق لا الوحي فليس إلا شرعة كأية شرعة أرضية تقبل التطور بمقتضى ما يجد من العلم الحديث ، وهو ما يفضي آخر الأمر إلى إبطال الوحي وتعظيم العلم التجريبي الحديث وقصر موارد الاستدلال على مدارك الحس الظاهر فانقلب الغيب خرافة ، فهو مما كذب فيه الأنبياء ليستصلحوا الأمم ، وحقيقة الأمر أنه لا شيء منه ، بل إن أصول الدين كالبعث الآخر قد تأولت فذلك ، أيضا ، من جملة التأويلات التي تجدها في المقالات الباطنية في جميع الملل والنحل ، ففي الملة النصرانية تأول من تأول من البروتستانت ، وقل مثله في عقيدة الغيبة ، والرجعة الصغرى ونظيرتها الكبرى وقل مثله في مقال البهائية من قيامة صغرى وأخرى كبرى وحقيقة الأمر أنه لا بعث ولا نشور كما أخبر بذلك الرسول ، وإنما حديث خرافة يا أم عمرو ! فهو من جملة الخرافات الميتافيزيقة التي صادر بها النصُّ العقلَ إذ مارس عليه وصاية فكرية مستبدة لم يطقها العقل فسعى جاهدا أن يبطلها فتلطف بالتأويل ثم جاهر بالعداوة فأقصى الدين وصارت له الزعامة .
وإذا كان خلاف بعض أهل الفضل في بعض المسائل لا يعتبر ، سواء في مسألة بعينها ، كخلاف من خالف من السلف في مسائل من قبيل إباحة متعة النكاح فلا يعتد بخلافه إذ انعقد الإجماع المستند إلى النص ، انعقد على تحريمه فالخلاف ، كما قرر أهل الأصول ، بعد الإجماع لا ينقضه ، خلافا للإجماع بعد الخلاف فهو يرفعه ، على الراجح من أقوال أهل الأصول ، أو في طريق بعينها في الاستدلال فلا يعتد ، على سبيل المثال ، بخلاف الظاهرية ، رحمهم الله ، في مسائل القياس إذ خالفوا الجمهرة العظمى من الفقهاء فأنكروا دلالته على الأحكام ، على تفصيل في ذلك ، فكيف بخلاف أهل الأهواء من أصحاب المقالات فهو لا يعتبر من باب أولى ، بل كيف بخلاف من نقض أصول الدين والعقل وسائر مدارك الاستدلال الصريح كالباطنية ومن لف لفهم فديما وحديثا ؟! ، فلا يعتد بخلافه من باب أولى .

ولذلك لم يكن العلم وحده هو ضابط هذا الأمر ، فلا بد أن يتصف أهل الإجماع بالعدالة الدينية والخُلُقية قبل اتصافهم بالاجتهاد في الشريعة ، فكم من عالم قد بلغ رتبة الاجتهاد وهو صاحب هوى لا يعدل في قول أو حكم ، مداهنة لأهل الباطل أن يهبوا له بعض دنياهم في مقابل ما يبذله من دينه ، أو مباغضة لأهل الحق حسدا أن يتقدموه فكمال حالهم يفضح حاله ، وزد عليه ما يكون من تحاسد وتصارع على مناصب الفتيا والتدريس .... إلخ ، فصار الأمر دنيا وإن كانت مادتها دينا ، وتلك حال اشتكى منها المحققون قديما وحديثا ، وقد كانت سببا في عزوف كثير من عامة المسلمين عن اتباع الحق إذ قلدوا أمرهم الرجال وذلك خطأ لا يعذرون به ، وإنما زادت الفتنة أن لم يَرْعَوِ أولئك الرجال المتبوعون فيعلموا عظم التبعة إذ قلدهم فئام عظيمة من الناس فلما ظهر كذب دعواهم وافتضح سوء حالهم في نوازل تمحص بها النفوس فيميز بها الله ، جل وعلا ، الخبيث من الطيب ، لما كان ذلك زهد الناس فيما عندهم من الحق ، فلو زهدوا في أشخاصهم لكان أهون ، بل هو الأوجب فيمن ضل ولم يرعو ، ولكنهم كانوا فتنة أن زهد الناس في الدين إذ ظنوا أنه هو ما عليه القوم ، فعندهم من مسائله جملة عظيمة قد تبلغ بهم رتبة الاجتهاد ولكنهم لم يشفعوا ذلك بقدر من الورع يضاهيه ، ولذلك اشترط أهل العلم في المجتهد الذي يعتد بقوله في باب الإجماع أن يكون ورعا ، واشترط من أجاز التقليد أن يجتهد المقلد في اختيار مفتيه فيختار الأورع والأعلم ، فَقُدِّمَ الورع على العلم ، إذ ما جدوى العلم في صدر فاسق أو مخروم المروءة غير عدل ، فالإجماع لا بد أن يكون إجماع العدول الضابطين لمسائل الدين على وجه حصلت لهم فيه آلة الاجتهاد المطلق ، أو الاجتهاد المقيد في باب بعينه على القول بتجزؤ الاجتهاد ، فيعتد بخلاف المجتهد المقيد بباب من أبواب العلم ، بعتد بخلافه في بابه الذي يفقه مسائله دون غيره .

ولذلك كان الخطب جلل ، والأمر جد ليس بالهزل أو اللعب ، فلم ير الصالحون أن يتقدموا ، وكرهوا أن يشتهر أمرهم أو يظهر وإنما أظهر الله ، جل وعلا ، الحق بهم رغما عنهم ! ، فيثاب المرء رغم أنفه ، وكان حال الصالحين الأوائل كأحمد ، رحمه الله ، أن ضجوا بالشهرة فلسان مقاله : قد بُلِيتُ بالشهرة ، ولولا أن يستذل أقوام من الصالحين لهجروا ديارهم ، فقال الثوري يصف حاله : أحب أن أكون في مكان لا أعرف فيه ولا أستذل ، ففر الصالحون من ذلك ، وظن المرء ، إذ عوفي من هذا الابتلاء ، ظنه أنه يسير ، فإذا وقع فيه حصل له من الفتنة شيء عظيم ، ولذلك لا يَتَمَنَّيَيْنَ عاقل أن يوضع في هذا الموضع ويتأول لنفسه أنه سينهض بمقال الحق ما لم ينهض به من فتن وسكت أو داهن بالباطل ، فهو يظن الأمر هينا أن يقف لظالم فيجهر بكلمة الحق فذلك مقام سيد الشهداء فليس مبذولا لكل أحد ، وإنما النفس ساعة سلامتها ترى كل شيء هينا ، فإذا جد الجد تبين من بكى ممن تباكى ، فكان فقه الناقص أن يتمنى الابتلاء فيكلف نفسه ما لا تطيق فيوقعها في حرج رفعه الشرع عنها فأبى إلا أن يذلها ويكلفها ما لا تطيق فتمنى الفتنة لينجو منها ! ، وذلك قياس عجيب فالدفع أولى من الرفع ، والوقاية خير من العلاج ، فمثله كمثل سمنون المحب وقصته معروفة وآخرها أن أقر بكذبه إذ ادعى من العزيمة ما لم يطق فطفق يرد مجالس الصبية ليدعوا لعمهم الكذاب ! الذي تكلف من الابتلاء ما لا يطيق ، فذلك مما دعا أصحاب الفقه الكامل أن يُجَنَّبُوهُ ، فـ : (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) ، فإذا وقع وكان ما كان فالصبر ، فسؤال العاقل السلامة ، فالعافية أوسع له فإذا وقع الابتلاء فسؤال الصبر والثبات ، والرب ، جل وعلا ، يرزق الشكر حال النعمة والصبر حال الابتلاء ، وحسن الخاتمة حال الاحتضار .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
01-11-2015, 06:27 AM
فالنفس لها ما كسبت اختيارا ، وَمَرَدُّ الأمر إلى النية ، فالأمور بمقاصدها فَلَهَا من ذلك بقدر ما نَوَتْ ، وذلك أمر يتفاوت فالنية عمل باطن ينظر فيه من وجهين ، من وجه يصحح العمل فلا عمل بلا نية وإلا كان حركات ظاهر لا اعتبار لها في وجدان الشرع وإن حصل لها وجدان في الحس ، وانظر في حال من صام حمية ، ومن صام ديانة ، فالصورة في الظاهر واحدة ، ولكن ثم اعتبار في الباعث والمقصد ، فهذا يصوم بنية الاستشفاء فليس له من عمله إلا ما نوى فذلك يدخل في عموم : "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" ، فَثَمَّ تَقْدِيمٌ لما حقه التأخير وهو يفيد الحصر والتوكيد ، فضلا عن دلالة "إنما" والحصر بها يشبه أن يكون تقريرا لأمر هو من البدائه فهي أضعف أساليب القصر فالأمر يدركه كل فاعل سواء أصحت نيته أم فسدت فهو يدرك وإن اتحدت صورة العمل أن باعثه قد يغاير باعث فاعل آخر بل قد يناقضه فيكون ممدوحا في محل ، مذموما في آخر ، كمالا في حال ، نقصا في آخر ، وثم عموم إذ : "ما" : مئنة من الوصل وهو في العموم نص ، كما قرر أهل الأصل ، واللام فيها من جنس اللام في قوله تعالى : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، فهي مئنة من الكسب ، والكسب مظنة الزيادة ، وقد يقال إن باب النية أعم من باب الكسب فلئن كان الكسب في الخير بقرينة ما انضم إليها من شطر ثان وهو شطر الاكتساب ودلالة على فيه مئنة من الوزر ، فَلَكَ الْغُنْمُ فِيمَا عملت ، وعليك الغرم فيه ، فأفاد الكسب في هذا السياق معنى الخير فقط ، وذلك أخص من عموم الموصول في الحديث ، وأعم من دلالة الكسب في نحو قوله تعالى : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فهو يعم الخير والشر جميعا ، ويعم كل نِيَّةٍ تحصل في القلب ولو كانت غفلا فتلك نية المباح الذي لا يتكلف صاحبه نية زائدة فيجري مجرى العادة في الجبلة ، وإن كان ذَلِكَ ، في أحوال كثيرة ، أمرا لا يخلو من علائق في القلب تصرف الفعل إلى الإيجاب أو الندب من جهة الفعل ، والتحريم أو الكراهة من جهة الترك ، فالمباح ذريعة من ذرائع الجبلة بها يتوسل الإنسان إلى مقصد ، فثم من يتوسل به إلى خير ، فيكون للوسيلة حكم المقصد ، فهي خير ، وليس ذلك مطلقا بل لا بد أن تكون الوسيلة في نفسها مباحة ، وهو محل البحث ، فالمباح إذا كان وسيلة إلى خير فهو خير ، خلافا لو أطلق القول أن الفعل مطلقا إذا كان وسيلة إلى خير فهو خير ، فذلك لا يتوجه إذ قد يكون الأمر محرما ويتوسل به فاعله إلى خير ، فَلَا تُبَرِّرُ الغاية الوسيلة بل لا بد أن تكون الوسيلة مشروعة في نفسها فضلا أن تكون الغاية كذلك ، فلا يتوسل بخير إلى شر ، ولا العكس ، بل لا بد أن يكون كلاهما خيرا مشروعا ، وأدنى أحوالهما أن يكونا مباحين ، ولو تدبرته لوجدت صاحب ذلك مغبونا أن لم ينل إلا الكفاف فلا له ولا عليه ، وذلك وإن كان في نفسه غاية ابتغاها أهل الصلاح في مقام الخوف والخشية ، كما أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، إلا أن مقام الرجاء والرغبة ، وهو مقام أبي عبيدة ، رضي الله عنه ، لا يمنع أن يزيد الإنسان في النية ، فهو يروم النجاة كالأول ، ولكنه يزيد أن يحسن الظن فيطلب الفضل ، فلا يطلب الزيادة طلب الاستحقاق فَيَمُنَّ على ربه ، جل وعلا ، فذلك ما استنكر باستفهام مقدر في قول الرب المقدِّر جل وعلا : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فتقدير الكلام قد يجري ، والله أعلم ، على جهة الخبر المحض استئنافا ، وقد يجري على جهة الإنشاء استفهاما في سياق النكير على تقدير : أيمنون عليك ، فهو استفهام إنكار وتوبيخ ، إذ وقع ذلك منهم لعظم جهلهم فقد كانوا حدثاء عهد بإسلام ، فثبت لهم إسلام صحيح بالنظر في الأصل ، وإن لم يبلغوا حد الإيمان الواجب فتلك رتبة شريفة لا يبلغها إلا من اجتهد في تحصيل أسباب الشريعة عقدا وقولا وعملا ، فأتى بالواجب وزاد من النفل ما يجبره واحترز من المحرم والمكروه ، بل واحترز في باب الذرائع فلم يفرط في فضول عادة لا تليق بأصحاب المراتب العالية وإن لم يكن تَرْكُهَا شَرْطًا فِي النجاة فَلَهُ مروءة تحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ أن يقترف ما يكره أن يطلع عليه الناس ، فهو مئنة من الإثم أو هو خارم للمروءة ، والعاقل فضلا عن المؤمن لا ينحط بنفسه إلى دركة توجب الإثم في باب المحرم ، أو توجب اللوم في باب المكروه ، أو المباح إن كان ثم فضول فهو في العادة المطردة ذريعة إلى تفريط سواء بمقارفة مكروه ، أو هو نفسه قد صار مكروها بما كان من تعد وتجاوز فيكون بذلك ذريعة إلى ما يعلوه من المحرم ، أو خارم المروءة وإن كان مباحا بلا إفراط فاقترافه في نفسه ينحط برتبة صاحبه وإن لم يوجب إثما في أحكام الشرع ، وإن أوجب اللوم في أحكام العرف ، فذلك من المواضع التي يصح الاحتجاج فيها بالعرف ، إذ العرف قد يخصص بعض المباحات فيضيق فيها الخناق إذ اطرد في العادة أنها فعل يستقبح وإن لم يكن محرما ، فالعرف المعتبر هو الذي لا يحل حراما ، وإن حظر بعض المباح لا أنه محرم فذلك تبديل في الشرع ، فالفعل مباح في نفسه ، وإنما قيده العرف فله سلطان في هذا الموضع يضاهي سلطان الإمام فله أن يقيد بعض المباح لمصلحة مشروعة معتبرة فلا يكون الأمر تحكما ، فالمصلحة المعتبرة لا بد أن تكون عامة ، فلا يخص نفعها آحادا من الناس أو فئة بعينها كما ترى الآن من تشريعات محدثة وإن كانت في أمور التنظيم والتجارة .... إلخ ، فهي تُعْطِي الأغنياء مزيدا من الصلاحيات أن يتحكموا في عصب الحياة ، فيكون الاحتكار ويكون التلاعب بالأسعار ..... إلخ من صور الفساد العام الذي لا يَنْتَفِعُ فيه إلا أصحاب المصالح من رءوس الناس في المال والسياسة ، فالسلطان قد يقيد بعض المباح بالحظر التام أو التضييق ، إن كان ثم مصلحة عامة ، واشترط بعض المحققين أن يكون ذلك في باب الضرورات فقط فلا يكون في الحاجيات أو التحسينيات من باب أولى ، وأن تكون المصلحة قطعية لا ظنية ، وذلك ، والله أعلم ، تضييق لواسع ، إذ مدار الشرع في غالب مسائل الفقه على الظن الراجح فهو يجزئ في باب العمل وذلك أمر يعرف بتصفح الأدلة ، واستقراء وجوه الاستدلال في مسائل الخلاف ، فالحجج تتراجح ولا تَتَكَافَأُ من كل وجه ، وإن تكافأت في نظر بعض المجتهدين فَتَوَقَّفُوا في الترجيح ، فثم غيرهم يظهر له من الترجيح وجوه أخرى توجب قبول قول ورد آخر ، إن تعذر الجمع كما اطرد من مسالك أهل النظر في موارد الاختلاف والترجيح فلا يصار إلى الترجيح إلا أن يتعذر الجمع ، فإعمال الأدلة أولى من إهمالها ، فالظن الغالب لا المتوهم يجزئ فتكون المصلحة في الحاجيات والتحسينيات كما تكون في الضروريات .
والشاهد أن الإمام قد يقيد بعض المباح نظرا في مصلحة تعم ، وقد يزيد في الحكم أمرا يحظر في العادة إذا جدت نازلة توجب ذلك على وجه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضرورة التي تقدر بقدرها ، كما في فرض زيادة على الزكاة المشروعة إن وقعت نازلة عامة من مخمصة أو أَسْرٍ يوجب الفداء ولو أحاط ذلك بأموال المسلمين جميعا ، فيجوز للإمام أن يفرض زيادة على كل إنسان كل بحسب استطاعته فذلك ، أيضا ، يدخل في عموم : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فلا بد أن يستوفي أولا فروضه العينية من نفقة نفس بلا إسراف ، فـ : "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ" ، فثم اقتران في الذكر ، ولا يوجب ذلك التماثل في الحكم ، فالصدقة منها الواجب وأقل أحوالها الندب ، والأكل والشرب من المباح في الأصل ، وقد يبلغ رتبة الإيجاب إذا بلغ الأمر حد الجوع المهلك فإن ترك الأكل حتى قضى فهو آثم ، وذلك في حال الضرورة ، فهي تبيح المحظور بقدره ، فالضرورة ، كما تقدم ، تقدر بقدرها ، فالميتة والخنزير والخمر .... إلخ من المحظورات لا تباح حال الاختيار بوجه ، فوجب أن يتناول منها ما يحفظ الأود فليس له أن يتخم أو يتضلع ، وإن كان ثم وجه معتبر يجوز له أن يشبع إذا خشي أن تنقطع به السبيل فهو يحتاط أن يغتذي ولو بمحرم ينهض به حتى يبلغ مأمنه ، فإن غلب على ظنه أنه لا يجد مباحا به يقتات على وجه يسير مبذول بثمن مثله إن كان معه مال ، أو هبة بلا منة أو أذى ، فإنه يأخذ من الحرام قدرا يكفيه فيشبع ، واختلف في الهبة فلا تخلو من يد منة ، وقد أجاز له الرب ، جل وعلا ، من الرخصة ما يحجزه أن يدخل في منة بشر ، فرب البشر ، جل وعلا ، قد امتن عليه أن أباح له من المحظور حال الضرورة ما تندفع به الحاجة ، ويشبه ذلك من وجه ، ما كان من فرض الزكاة لابن السبيل فَلَهُ سهم في الصدقة الواجبة إذ هو من الأصناف المذكورة في آية التوبة ، فلا يجب عليه أن يقترض وإن كان غنيا في بلده ، إِذْ فِي الاقتراض مِنَّةٌ ، ومنة البشر تُوقِعُ الإنسان في الحرج ، فَلَيْسَ له أن يدخل فِيهَا وقد أباح له ، جل وعلا ، من المشروع الذي لا منة فيه ، فمنة الرب ، تبارك وتعالى ، لا تثريب فيها ولا حرج يلحق الإنسان إن تناولها فالرب ، جل وعلا ، الغني الكريم مطلقا ، فلا يشح ويبخل كما يشح البشر ويبخلون فإن الفقر فيهم جبلة ، والفقير يخشى الفاقة فهو يبخل بما تحت يده في العادة ، بل قد يحمله سوء الظن أن يدخر ويبخل بالحق الواجب في الشرع أو يجحد ما وجب عليه من حقوق البشر من دَيْنٍ ونحوه ، فليس له أن يدخل في منة فقير ، والغني قد كفل له ما يدفع حاجته فأباح له الطيبات حال الاختيار ، بلا إفراط في الفضول يضره فلا يضر ذلك الرب ، جل وعلا ، في شيء فخزائنه لا تنفد ، فـ : "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ" ، فلا ينقص شيئا ، وإنما ضرب المثل إمعانا في التقليل والتحقير فيجري مجرى إطلاق القليل على العديم في نحو قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فلا يؤمنون أبدا .
فلا يضره ، جل وعلا ، نقص ليمنع ، وإنما حمى عباده مما يضر ، فلم يبح الخبائث بل حرمها ، وليس ذلك تحجيرا لواسع ، وإنما أراد به الخير ، والخير في أحوال كثيرة قد يكون في المنع لا في الإعطاء ، فالمنع قد يكون من بعض المباح تَرْبِيَةً وتنشئة على المكارم التي لا تحصل إلا بمباشرة المكاره فيخالف صاحبها مألوف العوائد إذ يَرُومُ لجام الشهوة التي تنحط بصاحبها إلى دركة الحيوان ، وإن كانت في الأصل مباحة ، فالذم قد توجه إلى الزيادة ، فكل زيادة في الدين تخرج عن حد المشروع فهي موضع ذم ، وإن كانت في العبادة إذ توقع صاحبها في العادة في حرج ومشقة زائدة غير معتادة توجب السآمة والملل ولو بطول الزمن فقد لا يجد ذلك ابتداء وإنما يجده بما تراكم في آخر الأمر ومنتهاه ، فكذلك الشأن في الزيادة في المباح من العوائد ، فإن الزيادة فيه موضع ذم وإن لم تكن موضع إثم إلا أن تخرج عن حد المشروع فيكون ذلك من التبذير ، أو تكون ذريعة إلى محرم أو مكروه ، فتأخذ حكمه ، كما تقدم ، من نظر الشارع ، جل وعلا ، في العواقب ونظره مع ذلك في الذرائع ، فلا تسلم إلا صورة واحدة من صور القسمة العقلية الرباعية وهي أن تكون الذريعة مشروعة ، سواء أكانت واجبة أم مندوبة أم مباحة ، والغاية مشروعة ، فالوضوء على سبيل المثال ، مشروع في نفسه ، إما إيجابا وإما استحبابا ، كما في حديث ابن عمر ، رضي الله عنه ، مرفوعا ، وفيه : "من توضأ على طهرٍ فله عشر حسنات" ، على كلام في إسناد الحديث ، فيجب قبل الفريضة ، ويجب قبل النافلة وإن كانت النافلة في نفسها غير واجبة ولكن الإيجاب ينصرف إلى استباحة الصلاة ، فلا تستباح إلا بالطهارة ، فـ : "مفتاح " ، فهو مشروع ، من وجه ، ذريعة من وجه آخر لاستباحة واجب أو مندوب من صلاة أو طواف ، أو مس مصحف عند من اشترط له الوضوء ، أو قراءة قرآن عند من استحب الوضوء قبل الشروع في القراءة .

فقد يكون المنع من مباح تربية للنفس إما إيجابا كالصوم ومنه المستحب فهو لجام للنفس أن تقارف شهوات مباحة في الأصل فيحصل لها من الانكسار والذل ما هو كمال لها فلا تصلح حالها إلا أن تخضع لأمر ربها ، جل وعلا ، فتتأول موجب الابتلاء بالأمر والنهي ، فعلا وكفا ، رجاء الثوب وخوفا من العقاب فتلك أكمل أحوالها إذ تحقق غاية العبودية على الوجه الذي يرضي رب البرية جل وعلا ، وإما استحبابا يمدح صاحبه لكمال مروءته أن اقتصد في المباح بلا تكلف أو تنطع يحمله على هجر الطيبات على وجه يدخله في عموم الذم في قول الرب جل وعلا : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، وقد يكون المنع مما يضر ، فينهى عنه ابتداء ، وإن جاز للضرورة ، كما تقدم ، فيجوز له أن يأكل فاستطاعة السبب المباح الذي يَرْفَعُ الضرورة أمر قد تَعَذَّرَ ، فانتقل إلى حكم آخر أجاز له أن ينتفع بالمحرم على جهة الترخص فذلك عارض طرأ ، لانتفاء استطاعة المباح ، فإن لم تستطع المباح وضاقت عليك سبل المشروع ، وذلك أمر يندر ، ولكنه يحصل ، فالتجويز العقلي يَثْبُتُ ، فضلا أن ثم آحادا في الخارج حصلت فَثَمَّ من ألجأته الضرورة أن يتعاطى المحرم بل والنجس الذي تنفر منه النفوس بمقتضى الجبلة ، ولكن الطارئ من ألم الجوع أو العطش مع تعذر ما يسد الرمق ويحفظ المهج ألجأه إلى ذلك فيأخذ منه ما يدفع ضرورته ، ويشبع إن غلب على ظَنِّهِ أنه لا يجد مباحا في الْقَرِيبِ العاجل ، فدفع الضرورة ينظر فيه في الحال والمآل ، ويحمل منه ما يكفيه المؤنة حتى يجد الحلال المباح ، وهو في هذه الحال يَتَخَيَّرُ أخف الضررين ، فإن خير بين محرم مطلق كالخنزير ومحرم عارض كميتة مباحة حَالَ ذَكَاتِهَا الذكاة المشروعة ، اختار الثاني ، وكذلك الشأن إذا خير بين ميتة حنف أنفها ، وأخرى أخذت غصبا ، فإنه يأكل من الميتة إذ منة الشارع ، جل وعلا ، قد أباحت له الميتة ، فلا يلجأ إلى الغصب مع وجود ما يدفع حاجته ، فالمغصوب وإن ذكي الذكاة الشرعية وكان في الأصل مباحا إلا أن ثم عارض تحريم تعلق بحق صاحبه ، وحق البشر مما تقع فيه المشاحة خلافا لحق الله ، جل وعلا ، في تحريم الميتة فهو قائم على المسامحة لا سيما في حال الضرورة فهو الذي أباح ذلك مِنَّةً منه وفضلا أن رفع الحرج وشرع من التيسير ما يقترن بالمشقة فيزيل آثارها أو يخففها ، فيشبه ذلك من وجه رخصة التيمم فهي الطهارة الحكمية التي يستصحب حكمها حتى يجد الماء على وجه حقيقي معتبر ، فلا اعتبار لماء يجده حسا وقد منع منه شرعا ، كأن يكون مغصوبا فلا يلزمه أن يغصب ماء غيره ليتطهر به ، إذ منة الشارع ، جل وعلا ، قد أباحت له التيمم ، بل وأباحت له أن يصلي بلا طهور سواء أكان حقيقيا بالماء أم حكميا بالتراب إذا تعذر استعمالهما جميعا ، فما الذي يلجئه إلى أن يغصب غيره حقه فيقع في المحرم وثم فسحة من المباح الذي رخص فيه الرب ، جل وعلا ، سواء أكان وجه الترخص مشروعا تشريع الحكم الثابت ، كالتيمم ، فهو في نفسه أصل ، وإن كان من وجه آخر فرعا عن الطهارة المائية الحقيقية ، فهو من هذا الوجه رخصة ، وقد يبلغ حد العزيمة إذا فقد الماء فقدا حقيقيا ، فإذا فقد الماء حقيقة صار التيمم عزيمة ، إذ ليس ثم سبيل إلى الطهارة إلا به ، وهو ، كما تقدم ، قد شرع نصا فليس بمحظور يستعمله صاحب الضرورة حتى ترتفع ضرورته ، وإن شابه المحرم حال الضرورة أن حكمه يبطل إذا وجد الأصل ، وهو الماء ، فهو الأصل في باب الطهارة إذ به تحصل الطهارة الحقيقية ، فلا يعدل عنها إلى الطهارة الحكمية بالتراب إلا إذا فقد الأصل ، فشابه المحرم حال الضرورة من هذا الوجه ، وخالفه أنه مشروع شرع الأحكام فله صفة وهيئة ، وله أركان ..... إلخ من صورة العبادة التوقيفية ، وأما أكل الميتة حال الضرورة فهو أمر عارض ، لا صفة له ولا هيئة في الشريعة إلا جملا عامة من قبيل : الضرورة تقدر بقدرها ، وذلك ، كما تقدم ، أمر يتفاوت ، فليس له حد مقدر في الشرع خلافا للتيمم فإن له حدا مقدرا في الشرع فله هيئة وصفة مخصوصة بها يحصل الإجزاء ، فالتيمم رخصة كأكل الميتة حال الضرورة ، فإذا فقد الماء الفقد الحقيقي فلا ماء ابتداء ، سواء أقدر عليه أم عجز فجنس الطهور الأول قد عدم ، فإذا كانت الحال كذلك فالتيمم عزيمة ، وإن وجده حسا وفقده حكما كأن يكون مغصوبا أو مسروقا أو احتيج إليه في شرب أو نحوه على وجه يحفظ المهج ، فلا يجوز له أن يستعمله في الطهارة إذ يظلم صاحبه إن كان مغتصبا ، والظلم منهي عنه مطلقا ، فـ : "فلا تظالموا" ، فإن وجده حسا وفقده معنى فالتيمم رخصة ، وهي تجري مجرى رخصة الإسقاط إذ سقط حكم الأصل وهو الوضوء فقد تعذر فلم يصر واجبا فينتقل عنه المصلي إلى بديله حال فقده وهو طهار التيمم الحكمية فذلك ، أيضا ، من وجوه الاعتبار الصريح في باب الاستطاعة فلم يكلف الله ، جل وعلا ، المصلى ما ليس في وسعه أن يخاطر بنفسه فيسلك جادة فيها عدو يتربص أو سبع يتنمر ليحصل ماء به يتوضأ ، أو يستعمل ماء شرب أو طبخ في وضوء ثم يجلس بلا ماء فَتَتْلَفَ نفسه ، فكل أولئك مما لا يطيق فامتن ، جل وعلا ، أن رفعه فالحرج ، كما تقدم مرارا ، مرفوع شرعا فلا يتقصده إلا من تنطع وتكلف فاستوجب الذم من هذا الوجه .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
06-11-2015, 06:23 AM
فإذا وجب في الضرورة أن يُبَاشِرَ الإنسان المحرم لذاته ليرفع الحرج عن نفسه ، كما في أكل الميتة حال المخمصة بل إنه يأثم إن ترك ذلك ، فسقط حكم الأصل وهو التحريم بل وانقلب إلى الضد ، وهو الإيجاب ، وتلك رخصة يحب الله ، جل وعلا ، أن تؤتى فإن الكريم يحب أن تقبل عطاياه ، والإنسان يجوز له أن يقبل الهدية من غيره إن أمنت المنة ، فهي من البشر لا تخلو من أذى ، ولذلك جاء القيد في قول الرب جل وعلا : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فلم يكن مناط المدح هو الإنفاق المطلق ، ولو كان في وجه نفقة مشروع ، ولو ابتغى صاحبه وجه الله ، جل وعلا ، وثوابه ، فلا تمدح النفقة مع ذلك إلا أن تخلو من شوب المنة والأذى ، تصريحا أو إيماء ، إذ صاحب العطية ، لو تدبر ونظر ، لعلم أنه محض سبب ، فليس له من ملك التصرف المطلق ما للرب المهيمن ، جل وعلا ، فإنه لا يتصرف إلا وفق شرع يحكم ، فإن خرج عنه وأساء فلا يخرج عن تصرف الرب ، جل وعلا ، في الكون بكلماته ، فهو لا يملك ما يمتن به الملك الكامل ، فلا يمتن إلا من ملك الشيء ملكا تاما ، فهو يتصرف فيه مطلقا بالإعطاء أو المنع ، وليس ذلك إلا للرب ، جل وعلا ، فيحسن المن في حقه إذ يملك العطايا ملكَ أعيان فهو خالقها ومالكها ، وملكَ أحوال فهو ملكها ومدبرها بكلمات الكون ، وهو الحكم فيها بكلمات الشرع ، فشرع من وجوه النفقة ما يجب كالزكوات أو يندب كالصدقات ، ولا يقبل ذلك إلا أن يشفع بالإخلاص ، فذلك القيد الأول في الآية : "في سبيل الله" ، وهو يعم ، أيضا ، بيان ما شرع من وجوه النفقة ، فـ : "في سبيل الله" ، في هذا السياق يعم جميع وجوه النفقة المستحبة ، فلا يخص بالنفقة في القتال كما في قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فإن اللفظ يفيد حال إفراده ما لا يفيده حال اقترانه فلما أفرد عم ، ولما اقترن خص وجها واحدا من وجوه النفقة ، فلا تقبل الصدقة إلا بقيد الإخلاص ، وقيد المتابعة أن يكون وجه النفقة مشروعا ، وقيد السلامة من المن والأذى فذلك القيد الثالث ، فالمن ، وهو محل الشاهد ، من البشر لا يحسن فملكهم لما تحت أيديهم ملك ناقص ، إن في الكون فلم يخلقوه ولا يطيقوا أن يحفظوه إذا شاء الرب ، جل وعلا ، أن يذهب به ، فلا راد لقضائه إذ هو المهيمن على جميع الأعيان والأحوال ، وإن في الشرع فهم فيه مستخلفون ، فـ : (أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) ، فلا يجوز لهم تصرف إلا أن يوافق الشرع ، وإن نفذ فذلك ، كما تقدم ، حكم الكون ، فلا يَلْزَمُ أن يوافق حكم الشرع ، فلا يحسن المن في حق البشر ، إذ وصفهم الناقص لا يقبل آثار هذا الفعل فهو مما يقبح في حقهم لحاجتهم التي لا تنقطع وافتقارهم الذي لا يرتفع ، فكيف يمتن الفقير وهو صاحب حاجة كالذي يعطيه ، فما ذلك إلا انتقال سبب من يد فقير إلى فقير مثله بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، وأما المنة من الرب ، جل وعلا ، فهي تحسن ، إذ وصفه الكمال والغنى المطلق فهو الموصوف بالحمد جمالا ، والمجد جلالا ، فله كمال الملك للأعيان خلقا وتصريفا بأمر الكون النافذ ، فيملك الأبدان والأرزاق فهو الذي يجريها على البشر ، وهو الذي جعلهم أسبابا في إِيصَالِهَا إلى غَيْرِهِم ، فملكهم ، جادوا أو بخلوا ، ملك زائل سرعان ما ينتقل من يد إلى أخرى ، فتختلف عليه الأيدي إذ لا يستقر في ذمة بِمُوجِبِ ما جبل عليه العباد من الافتقار الذي يلجئهم إلى بذل المال استيفاء لأسباب المعاش ، واختلاف اليد مما ظهر أثره في أحكام الفقه ، فالشيء قد يحرم في يد ويحل في أخرى ، ويجوز في أولى ، ويحظر في ثانية ، كيد الزكاة إذ ضابطها أن تعطي من لا تجب عليك نفقته ، وإن وجب عليه نفقتك ، كإعطاء المرأة زكاتها لزوجها ، فلا تجب عليها نفقته فيحل لها أن تعطيه الزكاة وإن أنفقها عليها ، فيدها يد زكاة واجبة ، ويده يد إنفاق واجب فانفكت الجهة في هذه الصورة ، كما في حديث زينب زوج ابن مسعود ، رضي الله عنهما ، وقد سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تعطي زكاتها لزوجها ، فقل مثله في يد المنة ، فالجهة فيها تنفك ، أيضا ، إذ في الفقه لا منة في واجب ، كأن ينفق الأب على ابنه أو عكسه ، فكلاهما واجب ، فلا يجد الإنسان غضاضة أن ينفق عليه أبوه ، ولا يجد الأب غضاضة أن ينفق عليه ابنه ، وإنما تحصل المنة في نفقة الأخ أو العم ..... إلخ ، على تفاوت فكلما بعد المنفق من جهة النسب كانت المنة أعظم فلا يلزمه أن يدخل تحتها ، ولا يجب عليه قبولها وإن هدية إلا أن تؤمن يد المنة ، من وجه ، وألا تكون ثم شبهة من رشوة أو نحوه ، كما في حديث ابن اللتبية ، فكل أولئك مما يمنع قبول العطية إما خوف المنة وإن كان وجه الإعطاء مباحا ، وإما خوف الإثم إن كان وجه الإعطاء محرما وإن كان ظاهره الإباحة ، فإذا انتفت هذه المحظورات جاز قبول الهدية بل واستحب في أحوال ، فهي سبب في حصول المحبة بين المتهادين ، فـ : "تَهَادَوْا فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ" ، على كلام في إسناده .

وقل مثله في منة الرب ، جل وعلا ، فيد المنة من البشر تقبح لما تقدم من اتصافهم الجبلي بالفقر فلا يحسن في حق الفقير أن يمتن وهو لا يملك ما تحت يده إلا أن يحفظه الرب ، جل وعلا ، من التلف ، وهو إليه يفتقر فيبخل ويشح ولا يعطي إلا أن يؤذي السائل ، فيغضب إذا سئل ، فتلك جبلة التكوين إلا أن يهذبها بفضائل التشريع وهي مع ذلك تظل طبيعة كامنة فيه تظهر في أحوال ، وإن ندرت ، إذ لا ينفك في جميع أحواله يفتقر إلى ما تحت يده من الأسباب ، وأما منة الرب ، جل وعلا ، فهي تحسن في حقه إذ هو الغني فلا يفتقر ، الكريم فلا يبخل ، فمهما سئل لم يسخط بل إنه يسخط إذا لم يسأل وسئل غيره ، فتلك حال الكريم من البشر ، فكيف برب البشر ، جل وعلا ، وله الغنى المطلق فلا يخشى ما يخشى البشر من الفقر ، ولا يفتقر كما يفتقرون إلى الأسباب ، فالجهة هنا ، أيضا ، منفكة ، فجهة المخلوق يقبح فيها المن فهو الفقير فقرا جبليا مطلقا يتصل زمانه وتظهر آثاره في جميع أحواله ، وجهة الخالق ، جل وعلا ، في المقابل يحسن فيها المن فهو الغني ولا يجد الإنسان فيها غضاضة ، بل لا يجب عليه في مسائل أن يدخل تحت منة البشر ، وقد كفي مُؤْنَتَهَا بمنة سابغة خالصة من الأذى من رب البشر ، جل وعلا ، كما في ابن السبيل فليس له أن يقترض ، فيدخل تحت منة المخلوق ، وقد كفل له الخالق ، جل وعلا ، سهما مفروضا في الصدقات ، وقل مثله في رجل لا يجد ماء إلا أن يبذل له بمنة تؤذيه ، فلا يجب عليه أن يَقْبَلَهُ وقد كفي بالتيمم ، فهي رخصة امتن بها الرب ، جل وعلا ، حال الفقد الحقيقي أو الفقد الحكمي ، بل بلغت ، من وجه ، أن تكون رخصة إسقاط إذ سقط حكم الأصل وصار التيمم واجبا حال فقد الماء حقيقة على جهة العزيمة ، كما أنه واجب حال فقد الماء حكما كما في حال المنة التي تقدمت ، فهو واجب حال فقد الماء حكما على جهة الرخصة .

وهذا أصل في جملة من أوصاف الرب ، جل وعلا ، كالكبر والعظمة .... إلخ ، فإنها تحسن في حق الخالق ، جل وعلا ، لكمال المحل فهو يقبل آثارها ، وتقبح في حق المخلوق لنقص المحل فلا يقبل آثارها ، فاختلفت الجهة على وجه صار فيه الوصف كمالا في محل ، نقصا في آخر ، ومثله في المقابل صفات تحسن في حق المخلوق ففيها وجه كمال وإن شابه نقص الحاجة كالأكل والشرب والنكاح فمن يباشرها أكمل ممن لا يباشرها ، وهي ، في المقابل ، لا تحسن في حق الخالق ، جل وعلا ، إذ لا تخلو من شوب النقص والحاجة التي تنزه عنها الرب ، جل وعلا ، ضرورة في النقل والعقل ، فضلا عن ورود النص بنفيها ، فـ : (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) ، و : (أَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) .

فهذه منة الرب ، جل وعلا ، وهو محل الشاهد ، في رفع الضرورة حال وقوع الحرج وانعدام الاستطاعة ، فيحرم على المكلف ألا يتعاطى السبب المحرم الذي يحفظ مهجته ، إذا بلغت به الحال الضرورة التي يخشى فيها الهلاك ، إلا لمصلحة راجحة ، ولا تكون إلا مصلحة الدين فهي المصلحة الوحيدة التي تقدم على مصلحة حفظ النفس ، فحفظ الأديان يقدم على حفظ الأبدان ، وإن جاز له أن يكفر حال الضرورة إلا أن ذلك إنما يجري مجرى رخصة الترفيه فلم يسقط حكم الأصل ، فالكفر محرم في جميع الأحوال ، وإنما أبيح في الضرورة ، وإن استحب الثبات على الإيمان لمن يطيق نكاية في الكافر المخاصم للديانة ، وذلك أمر لا يطيقه ، كل أحد ، ولذلك جاء التكليف رافعا لإيجابه فجعله من المندوب الذي لا يرجح فيه الفعلُ التركَ اقتضاء لازما ، فالوسع فيه يتفاوت تبعا لتفاوت الحال ، فثم من له إيمان به يصبر وجسد به يحتمل ، وثم من ضعف فلا يطيق فالرخصة في حقه جائزة ، وإن لم تكن مندوبة أو واجبة كحال من خشي الهلاك ووجد السبب المحرم الذي يحفظ مهجته بلا منة أو إكراه أو خشية الشماتة من أعداء الديانة ..... إلخ مما يرجح جانب العزم لا على جهة الإيجاب وإنما على جهة الندب ، فذلك يجب عليه أن يطعم من المحرم حفظا لنفسه أن تتلف فالرخصة في حقه رخصة إسقاط كما تقدم .

فإذا كان الحكم كذلك حال الضرورة ، فكيف بالاختيار ؟! ، فيمتنع أن يتقصد إدخال الضرر على نفسه تنطعا أن يوقعها في الحرج ويحملها ما لا تطيق ، فيمتنع الصوم على وجه يفضي إلى الهلكة أو الضعف الشديد الذي يقعد صاحبه أن ينهض بأعباء التكليف من أمور الدين وأمور المعاش فذلك مما لا حد له مقدر فهو كالجوع الذي يتناول صاحبه من الطعام ما به يدفع الحاجة وذلك أمر يتفاوت تبعا لتفاوت الناس في الأبدان ، فأنيطت رخصة الفطر بوصف ظاهر منضبط ، وهو السفر أو المرض إذ هما مظنة المشقة فإن عادة الشارع ، جل وعلا ، أن ينيط الحكم بمعنى ظاهر منضبط يصح حده في الذهن وإن كان ثم تفاوت في بعض الجزئيات في الخارج إلا أن المعنى في الجملة يطرد ، فإذا انتشرت الحكمة وتعذر ضبطها لا سيما إن كان ثم شبهة هوى فالنفس تميل أن تتفلت من التكليف فتتعذر بالمشقة وعدم الاستطاعة مع أول ألم تجده وإن كان محتملا فلا يخلو تكليف من نوع مشقة ، ولا يخلو أي عمل في الدنيا من مشقة ، وصاحب هذه الشبهة يحتمل من الألم في تحصيل أسباب الدنيا أضعاف ما يحتمل في تحصيل أسباب العبادة ! ، فإناطة الحكم بالمشقة وهي الحكمة أمر لا ينضبط ويفتح الباب أن يتعذر به كل أحد ! ، فأنيط الحكم بأحوال هي مظنة حصول الحكمة ظنا راجحا لا يبلغ رتبة اليقين فهو يتعذر في كثير من الأحكام العملية فيجزئ الظن الراجح ، كما قرر أهل الفقه والفروع ، فأنيط بالمرض والمشقة ، وإن تخلف الحكم في بعض الجزئيات فهو مغتفر ، وما سواهما فهو استثناء ينظر فيه بقدره ، إذ ينزل منزلة الضرورة الملجئة لا المتوهمة ، كمن لا يجد بدا أن يجهد في عمل بدن يشق لئلا يدخل في منة أحد سوى الله ، جل وعلا ، فهو يجهد في الكسب المشروع مع انعدام البدل على وجه يسلم من المنة والأذى ، فيجتهد أن يدخر نفقته في شهر الصيام ، فإن عجز وكان لا بد عاملا في زمن الصيام ، فإنه يتأول الأمر في قوله تعالى : (اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، فَيَتَّقِي الله ، جل وعلا ، قدر الاستطاعة أن يجزم نية الصوم ابتداء ، ويشرع في الصوم فإن لم يطق فإن الضرورة ، كما تقدم ، تقدر بقدرها ، فيفطر ويأخذ من الطعام والشراب ما يقيم أوده تعظيما لحرمة الشهر فلا يأخذ إلا ما يقيم الصلب حتى يحصل سبب الرزق الحلال السالم من شوب المنة والأذى فلو تكفل بنفقته أحد ما لزمه أن يدخل في منته ويدع الكسب ، فهو يعظم الشرع في أمر الكسب المشروع ، وهو ، مع ذلك ، يعظم الشرع في أمر التعبد فلا يفطر إلا إذا وقع في ضرورة ، ولا يفطر إلا بقدر ما تندفع به الحاجة وتحصل به الغاية من تحصيل أمر المعاش ، ومثله ، كما تقدم ، في مواضع سابقة ، من عَلِمَتْ يقينا زمن حيضتها وأنها ستأتي في نهار الصوم فلا تفطر ابتداء وإنما تعظم الشهر أن تُبَيِّتَ نية الصوم من الليل ، فقد لا تحيض فذلك أمر وإن اعتيد إلا أنه يحتمل عدم الوقوع ، ولو احتمالا مرجوحا ، وإن حصل الحيض فإنها تفطر لئلا تأثم ، ولا تطعم ما زاد على القدر المفطِرِ ، عند بعض أهل العلم ، وإنما تمسك بَقِيَّةَ اليوم رعاية لحرمة الشهر ، وقد يقال إن الشارع ، جل وعلا ، قد أباح لها الفطر مطلقا ، وبدنها حال الحيض يضعف فلا تحتمل الصوم ، وإن كان الحكم تعبديا ، فتطعم لئلا يزداد ضعفها ولتستمتع برخصة مطلقة على وجه لا يخدش حرمة الشهر فهي تستتر بفطرها كما تستتر بحيضتها .

وذلك ، لو تدبرته ، مئنة من العلم والحكمة في دقائق الشرع ، فلا تجد تكليفا إلا قدر الوسع ، وهو ، مما يتفاوت ، فلكل نفس وسعها ، وهي ، في الجملة ، تدخل في عموم : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فالتكليف من الله ، جل وعلا ، فهو الشارع في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحق التشريع له وحده ، تبارك وتعالى ، وإن صح إطلاق القول في حق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه صاحب الشريعة فهو من باب التجوز إذ قد علم بداهة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقول في الشرع برأيه ، فهو وحي من عند ربه ، جل وعلا ، فـ : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، والوحي في مواضع الاجتهاد لا يقره على خلاف الأولى ، فضلا أن يقره على باطل ، ودلالة "النفس" إذ نكرت في سياق النفي مئنة من العموم ، فهو يعم كل مكلف وإنما يقع الحرج إذا كلف الإنسان نفسه ما لم يكلف ، سواء أكان مطيقا وإنما زاد في الدين ما ليس منه فهو محدث ينهى عنه وإن أراد صاحبه المبالغة في التعبد ، فَنِيَّتُهُ الصالحة لا تجزئ في تسويغ ما زاد في العبادة ، فـ : "كم من مريد للخير لن يصيبه" ، كما أثر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، بل ذلك قد يكون سببا في فساد أعظم فالتنطع والتشدد في الدين يحمل صاحبه أن ينكر في موضع لا يحسن فيه الإنكار فهو يغلو في الحكم على المخالف حتى يبلغ به الأمر أن يستحل منه العرض شتما ونبزا بالكفر والفسوق والعصيان ، بل والدم ، كما في الأثر السابق ، وهو مما رواه الدارمي رحمه الله ، وفيه : "فقال عمرو بن سلمة : رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوراج" .
وفي حديث أبي إسرائيل : "مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" ، فلم يقره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الزيادة غير المشروعة ، وأقره على المشروع إذ الباب : باب تعبد فيجري مجرى التوقيف .

فيقع الحرج إذا كلف الإنسان نفسه ما لم يكلف ، سواء أكان مطيقا وإنما زاد في الدين ما ليس منه أم كان غير مطيق كحال من نذر أن يحج ماشيا ووقع له من الحرج ما وقع ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ" .

والكسب والاكتساب في هذه الآية مما يجري مجرى الاقتران والافتراق من وجه ، فإذا اقترنا انصرف الكسب إلى المشروع ، والاكتساب ، وهو مئنة من التكلف ، إلى غير المشروع ، فذلك خلاف الفطرة التي جبلت على التوحيد وما يستوجبه من امتثال الأمر والنهي فالخروج عن قانون الفطرة إن في الشرع أو في الكون لا يكون إلا بتكلف حسنت معه الزيادة في المبنى فهي مئنة من الزيادة في المعنى ، وإذا افترقا ، عَمَّ كلٌّ نفسه أصاله وقسيمه نيابة ، فيطلق الكسب في أحوال على الخير ، وفي أخرى على الشر ، كما في قوله تعالى : (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .

ومن ثم جاء الإطناب في الدعاء : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، وهو ما يحسن معه تصدير الكلام باسم الربوبية ، فالطالب يطلب عطاءها إن في الكون أو في الشرع ، فضلا أنه يجري مجرى التوسل بأسماء الله ، جل وعلا ، وهو من أعظم أجناس التوسل المشروع فيختار الداعي لكل دعاء ما يناسبه من الأسماء ، فيتوسل بأسماء الجمال في مواضع الرحمة ، ويتوسل بأسماء الجلال في مواضع الشدة ، وثم التفات من الغيبة حال الإفراد إلى التكلم حال الجمع فهو دعاء جميع المؤمنين ، فـ : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، والنهي هنا يحمل على الدعاء تأدبا مع الرب ، جل وعلا ، فلا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ، بداهة ، بل هو ، تبارك وتعالى ، الآمر الناهي ، السيد المطاع ، فدعوا بنفي المؤاخذة حال النسيان أو الخطأ ، وذلك ما امتن به الرب ، جل وعلا ، كما في الخبر : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" ، فذلك يجري من وجه مجرى تفسير القرآن بالسنة ، فتأويل الدعاء أن يقع ما دعا به الداعي فوقع كما أخبر به الرسول الهادي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وثم إطناب في الدعاء حسن معه تكرار النداء : (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) ، وقد حذفت أداة النداء إيجازا فذلك مما اطرد في التنزيل وتقديرها بـ : "يا" هو المطرد في التنزيل ، وهو ، من وجه آخر ، مما يحسن في مقام الدعاء فنداء البعيد مئنة من التعظيم إذا توجه النداء إلى معظم فهو في هذا السياق مئنة من التعظيم والعلو ، فدعوا ألا يحمل عليهم الإصر ، وذلك ، أيضا ، مما عم ، بقرينة ورود النكرة في سياق الدعاء فتفيد العموم ، أيضا ، كما قرر أهل الأصول ، والإصر الذي حمل على السابقين ، منه :
الإصر الشرعي ، سواء أكان شرعا مبتدأ فذلك ما يناسب أحوالهم ، فشريعة التوراة الجليلة تلائم حال بني إسرائيل ، ذوي الرقاب الصلبة كما قالوا فجاءت هذه الشريعة الجليلة لتخضع هذه الرقاب الصلبة فتلين لأمر ربها ، جل وعلا ، فضلا أنها تستصلح نفوسا ذلت في السخرة أجيالا فلا بد من شرع جليل يشتد به عودهم بعد أن لان وخضع في سلطان الطغيان ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مئنة من حكمة الرب ، جل وعلا ، أن أنزل في كل أمة شرعة تلائمها ، فبعث موسى ، عليه السلام ، بالجلال تهذيبا ، وبعث عيسى ، عليه السلام ، بالجمال تخفيفا ، وبعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالكمال الخاتم الذي يلائم كل جيل آت ، فتمت المنة الربانية السابغة في أمر التشريع بإكمال الدين ، أصولا وفروعا .
فمن الإصر ، كما تقدم ، الإصر الشرعي ، سواء أكان شرعا مبتدأ أم كان شرعا على جهة العقاب ، فذلك إصر حمله الرب ، جل وعلا ، عليهم جزاء وفاقا ، فـ : (بِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) .
ومنه الإصر الكوني وهو ما تحملوه تنطعا كما في تكرار سؤالهم عن البقرة ، حتى وقعوا في الحرج بتقييد ما أطلقه الشارع ، جل وعلا ، فكان الإجزاء حاصلا بأية بقرة مطلقة في الوصف فأبوا إلا الزيادة بالقيد ، فأوقعوا أنفسهم في الحرج وذلك معنى يعم كل من تنطع في الدين فتحمل من المشقة ما لا يطيق .

وذلك الدعاء المتقدم هو مما استجيب بقرينة سبب النزول ، من وجه ، وبقرينة آية الإعراف ، إذ وردت المنة على أهل الكتاب أن بعث فيهم من : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، فالإصر قد أفرد في اللفظ وأضيف إلى الضمير فأفاد العموم من هذا الوجه ، كما استفيد العموم في آي البقرة من تسلط لا الدعائية على النكرة : "إصرا" .

ثم جاء الإطناب في الدعاء : (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) ، فذلك ، أيضا ، مما عم بدلالة الوصل ، فهو نص في العموم ، واستفيد المناط من جملة الصلة التي أزالت الإجمال في الموصول ، فهي تنفي ما زاد عن الطاقة في الفعل سواء أكانت مما لا يطاق ابتداء ، أو يطاق بمشقة زائدة عن المعتاد ، أو يطاق بلا مشقة في الحال ولكنها تقع بعد ذلك بما تراكم من آحاد الأفعال فأفادت بمجموعها ما لا تفيد بأفرادها .

ثم جاء الدعاء بألفاظ إثبات بعد ألفاظ النفي ، فـ : (اعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) ، فذلك من الإطناب في سياق الطلب وهو مما يحسن في سؤال الكريم ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فهو أكرم الأكرمين .
وذلك ، عند التدبر والنظر ، من عطف المتلازمات ، فالعفو وهو محو آثار الذنوب ، والمغفرة وهو سترها ، والرحمة وهي ما يحلى به المحل بعد تخليته من آثار الذنوب ، كل أولئك من المتلازمات في الدلالة العقلية الصريحة .

ثم جاء الإطناب على جهة الفصل فلا وصل بعاطف على جهة القصر بتعريف الجزأين ، فـ : "أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" ، فهو ، من وجه ، قد يكون توسلا لما تقدم ، فكأنه علته ، فاعف عنا واغفر لنا وارحمنا إذ أنت مولانا ولا مولى لنا سواك ليعفو ، ويصلح من وجه آخر ، وهو الأقرب ، أن يكون توسلا لما بعده ، لا سيما وفيه دعاء بالنصر فحسن أن يركن المؤمنون إلى ربهم ومولاهم ، جل وعلا ، فأنت مولانا وناصرنا ، فتلك ولاية المحبة وما تستوجبه من النصرة والتأييد فانصرنا على القوم الكافرين ، فاستفيد العموم من دلالة : "أل" ، في القوم الذي وطأ لما بعده فهو محل الفائدة ، فانصرنا على من اتصف بالكفر أيا كان جنسه أو نوعه .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
21-11-2015, 06:41 AM
ومن وجوه الاعتبار في باب الاستطاعة : النظر في حال المكلف ، إذ لكل مكلف من الحال ما يخصه وإن اشترك الجميع في تكاليف لا يتصور حصول دين صحيح مجزئ إلا باستيفائها ، كالشهادة فهي أصل الدين ، فلا يحصل حكم الإسلام ابتداء إلا أن ينطق الإنسان لفظ الشهادة فذلك حتم لازم إلا أن يكون ثم مانع معتبر من عجز في النطق أو إكراه في الفعل على وجه صحيح فهو الإكراه الملجئ الذي يسقط به التكليف ، فيجري مجرى رخصة الترفيه ، فإن حكم الأصل لم يسقط فهو أصل الدين ، كما تقدم ، فكيف يتصور سقوطه واستبدال حكم آخر به ، وإنما رفه عن المكلف وخفف أن يترخص إذا خشي على نفسه الهلكة أو الحرج الشديد بحصول مشقة أو ألم زائد عن الحد المعتاد ، فيحصل الحرج الذي رفع شرعا ، وتحصل المشقة التي تجلب التيسير ، فقد تجلبه على حد الإيجاب ، كما في رخصة الأكل من الميتة إذا خشي على نفسه الهلكة ، فسقط حكم الأصل وهو التحريم واستبدل به الضد ، فصار الأكل منها واجبا ، فيأثم إن تركه حتى زهقت روحه أو تلف بعض بدنه إلا لمصلحة راجحة كإحداث نكاية معتبرة في خصم الدين ألا يشمت في أتباعه من المسلمين ، وقد تجلبه ، من وجه آخر ، على حد الاستحباب ، كما لو أفطر في قتال ليتقوى على مصابرة العدو ، وقد يبلغ ذلك حد الإيجاب إذا أوجبه الإمام ، كما في حديث جابر ، رضي الله عنه ، وفيه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»" ، فصام صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر ، كما في حديث أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، وفيه : "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ" ، فكان الحر شديدا حتى وضعوا أيديهم على رءوسهم ، وذلك قد يجري مجرى الحقيقة ، وقد يجري مجرى الكناية فهو مئنة من شدة الحر ، فلم يضعوا أيديهم على رءوسهم طيلة الوقت وإنما أنزلوها واستعملوها في أمور أخرى ، بداهة ، فذلك يجري مجرى حديث فاطمة بنت قيس ، رضي الله عنها ، وفيه : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ" ، فتلك كناية أنه كثير الترحال أو ضراب للنساء وذلك الأرجح كما ذكر أهل الشأن في تأويل هذه الكناية ، فلم يكن يحمل العصا في كل وقت وإنما كان يضعها ، بداهة ، في أوقات ، فكذلك الشأن هنا ، فتلك كناية لا يمتنع معها إثبات الحقيقة خلافا للمجاز إذ يمتنع معه ذلك ، على تفصيل ، إذ ثم وجوه في اللفظ جاز فيها الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وخرج عليها بعض آي التنزيل ، كما في السجود في قول الرب المعبود جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) ، فالسجود في الأول خضوع فهو مجاز بالنظر في حقيقة الشرع الأخص التي يحمل عليها النص إلا إذا وردت قرينة توجب العدول عنها إلى حقيقة اللسان أو حقيقة في العرف ، وفي الثاني اختيار وهو السجود الاصطلاحي المعهود وهو الحقيقة الشرعية الاصطلاحية وهي الأصل في نصوص الشريعة ، على تفصيل في ذلك ، فصام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصام ابن رواحة ، رضي الله عنه ، وهو محل الشاهد ، وذلك مئنة من الجواز لمن أطاق ولم يجد مشقة ، على خلاف هل الصوم له أفضل أو الفطر استمتاعا بالرخصة وقبولا لصدقة الرب جل وعلا فلا يحسن ردها ، فالصوم في السفر يكره إن كان إعراضا عن الرخصة وقد يبلغ بذلك حد التحريم إن بلغ حد التنطع أن ينكر على من يفطر في السفر فهو يحرج على الناس في أمر فيه سعة فالحرج فيه قد رفع بنص الشارع ، جل وعلا ، في الكتاب ، فـ : (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، فدلالة الاقتضاء تقضي بمعطوف يقدر ، فتقدير الكلام : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ، وذلك قول الجمهور ، خلافا لأبي هريرة ، رضي الله عنه ، ولطائفة من الظاهرية ، رحمهم الله ، فتقدير الكلام عندهم : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فصيامه قد انتقل فهو في عدة من أيام أخر ، فمن تنطع وأوجب ما لا يجب فذلك وجه قد يبلغ بفعله حد التحريم أن حجر واسعا واعتقد تحريم ما هو مباح ، وإلا فالصوم يجوز إن لم يعتقد إيجابه في السفر فتلك زيادة في التشريع ليس لها مستند ، فيجوز له الصوم ، كما تقدم ، وإن كره في حق المريض إن بلغ به مشقة لا تبلغ حد الهلكة أو الضرر الشديد كتلف عضو أو زيادة مرض ولو بالنظر في المآل على وجه يضعف به البدن ، وحرم في حقه إن بلغ به حد الهلكة أو خِيفَ عليه من تلف عضو أو فساد ولو باعتبار المآل ، وكره في حق المسافر إن بلغ به مشقة محتملة ولكنها تزيد ، أو كان إعراضا عن الرخصة ، كما تقدم ، أو شغله عما هو أولى مع وجود الرخصة التي يمكن بها الجمع بين الفضيلتين فإنه يفطر ويستمتع بالرخصة ويقبل الصدقة فيثاب من هذا الوجه ، فضلا عن ثواب العبادة أن يقضيها بعد ذلك ، ويحصل الفضيلة الأخرى ، فيذهب بالأجرين جميعا ، من هذا الوجه ، وذلك مما يوافق مقاصد الشرع ، فإذا تعذر الجمع بين المصلحتين وأمكن تدارك إحداهما حالا والأخرى مآلا ، قدم ما لا يمكن استدراكه إلا في الحال فَزَمَانُهُ قد ضاق ، وَأُخِّرَ ما يمكن استدراكه مآلا فزمانه قد اتسع ، كما في حديث أنس ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»" ، فأبان عن شدة الحر بوصف حالهم إذ لا ظل يتقون إلا من كان من أكسية يستظلون بها وهو مئنة من عظم الجهد مع شدة الحر فكيف إن انضم إلى ذلك عطش الصوم ، وهو أشد في الصيف ، وجوعه ، فهو أشد في الشتاء ، والأجر معهود وهو أجر الخدمة لا أجر العبادة ، فدلالة "أل" فيه ، من هذا الوجه ، دلالة العهد الذهني ، وأطنب في بَيَانِ ما صنعوا إذ بَعَثُوا الركاب وامتهنوا وعالجوا ، والمعالجة مئنة من المفاعلة وإن كانت من واحد في هذا السياق ، كما في باشر ونحوه ، فالمباشر والمعالج واحد ، وهذا الإطناب مما يمهد لما بعده ، في مقابل عموم النفي في قوله : "وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا" ، ففرع بـ : "أما" فهي مئنة من التفصيل بعد إجمال على وجه استوفى شطري القسمة العقلية في هذا السياق ، من صام ولم يعمل ، ومن عمل ولم يصم ، فثم مقابلة بين الشطرين من هذا الوجه ، وهو عموم نفي قد يحمل على الحقيقة فلم يصنعوا أي شيء ، وقد يحمل على المبالغة فقد صنعوا شيئا قليلا نزل منزلة العدم ، فأطلق العدم وأراد القليل وعكسه أن يطلق القليل ويريد العدم كما في قوله تعالى : (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فلم يؤمنوا ابتداء لقرينة ما تقدم من الطبع الكوني على قلبهم ، بما اكتسبوا من الكفر فذلك سبب يؤثر وإن لم يخرج عن مشيئة الرب المسبِّب ، جل وعلا ، وفي مقابل ذلك الشطر ، جاء الشطر الثاني بـ : "أما" ، ثانية تفصل الشطر الثاني من شطري القسمة العقلية ، فـ : "وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا" ، فـ : "ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ" ، فذهبوا بأجر الخدمة الذي انقضى زمانه وبقي لهم أجر العبادة زمن القضاء خلاف الآخرين فقد فاتهم ما لا يمكن استدراكه وفعلوا ما يمكن استدراكه على وجه تعذر فيه الجمع فحصلوا فضيلة وَفَاتَتْهُم أخرى خلافا للأولين الذين جمعوا بين الفضيلتين ، وقد يحرم الصوم في السفر إن بلغ بالإنسان حد المشقة الشديدة التي توقع صاحبها في الحرج ، فتفاوت الحكم تَبَعًا لتفاوت الحال ، فمن إباحة إذا استوى الطرفان إلى ندب الصوم إذا كان يطيقه بلا مشقة ولم يشغله عما هو أولى ولم يكن ذلك على جهة التنطع باعتقاد الإيجاب والإنكار على المخالف ورد صدقة الرب الخالق جل وعلا ، فإذا انتفى كل أولئك ندب الصوم في السفر ، وقد يكره وقد يحرم ، على التفصيل المتقدم ، وبذلك يمكن الجمع بين النصوص ، ففيها صوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفيها إقراره لمن أفطر على فطره ، ولمن صام على صومه ، كما في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ لَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" ، فلم ينكر بعضهم على بعض ، وليس سكوتهم بداهة هو الدليل فإنهم ليسوا بأنبياء معصومين وإنما وجب أن يرد حالهم في الإقرار أو الإنكار إلى وحي السماء ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يدخل في عموم : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، مع أنه لم يكن ثم خلاف على جهة الإنكار ، وإنما كان الخلاف هنا اختلاف الفعل ، فبعض أفطر وبعض صام ، والفعلان ، بادي الرأي ، يتناقضان ، ولكن اختلاف الجهة من وجه آخر يَرْفَعُ التناقض ، فجهة الصوم الندب ، على التفصيل المتقدم ، أو الإباحة فذلك أدنى أحواله ، وجهة الفطر الأخذ بالرخصة والاستمتاع بها دون اعتقاد إيجابها فحكم الأصل لما يزل فلم يرتفع إذ تلك من رخص الترفيه التي لا يسقط فيها حكم الأصل فليست من رخص الإسقاط التي يسقط فيها حكم الأصل ، فعدم إنكارهم لم يستفد منه الحكم إلا بإقرار صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يقر الأمة على باطل ولا على خلاف الأولى ، ولا يقره الوحي ، من وجه آخر ، على باطل ولا على خلاف الأولى ، فمرد الأمر ، عند التدبر والنظر ، إلى الله ، جل وعلا ، فهو المنشئ للأحكام وحيا ، وإلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من وجه آخر ، فهو المنشئ للأحكام تبليغا وتبيينا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم دليلا قد يستأنس به من يستدل لحجية الإجماع ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اطرد من حاله في كثير من أسفاره ، لا سيما والأمر كان مما يتكرر بدلالة : "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ لَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" ، فدلالة الكينونة الماضية مئنة من ديمومة الفعل واتصاله في الزمن الماضي ، قد اطرد من حاله أنه كان يصطحب معه أهل الشورى وهم أهل الإجماع ، وقد سكتوا على ذلك الإقرار والإنكار ، فلم ينكر مفطر على ممسك ، ولا ممسك على مفطر ، بل أقر كلاهما الآخر ، وسكت أهل الإجماع وهم شهود فكان ذلك من إجماع السكوت ، وهو حجة وإن كان دون إجماع القول ، فسكوتهم مئنة من إجماع لا سيما مع انتفاء شبهة الإكراه واتساع الزمان أن ينظروا في الأمر ، وإجماعهم حجة ، كما تقدم ، استنادا لجملة أخرى من الأدلة محلها مبحث الإجماع في كلام أهل الشأن من الأصوليين ، والمخالف يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حاضرا وهو المرجع الأول ، فلو سكتوا وأنكر ما اعتبر إجماعهم إذ خالف النص ، ولذلك كان الإجماع دليلا حادثا بعد انقضاء زمن الرسالة فاطرد في كلام أهل الأصول أن لا إجماع في عهد النبوة ، إذ مرد الأحكام إلى الكتاب والسنة فلا حاجة إلى الإجماع ، وإنما يكون الإجماع إذا لم يكن ثم دليل صريح من الكتاب والسنة فالإجماع لا بد له من مستند من الكتاب أو السنة أو القياس أو المصلحة المعتبرة التي تحقق مقاصد الشارع جل وعلا ، على تفصيل في ذلك ، فإذا لم يظفر المستدل بالدليل الصريح من الكتاب والسنة وظفر بإجماع صحيح لا سيما في الصدر الأول وفد كان ضبطه أيسر مما أتى بعده ، كما أثر عن جمع من المحققين كأحمد رحمه الله ، فهذا الإجماع يجزئ في الاستدلال وإن لم يعلم مستنده لقرينة العصمة ، وهو ، من وجه آخر ، ينفع في مواضع فيها نصوص تحتمل أكثر من معنى ولو تراجحت ، إذ تكون من قبيل الظنون ، فهي تفيد الظن الراجح إذ تحتمل ضدا مرجوحا فدلالتها دلالة الظاهر ، فيأتي الإجماع وهو مرجح من خارج فيرجح أحد الاحتمالين ويقطع به ، فيصير اللفظ نصا قاطعا لا يحتمل بعد أن كان ظاهرا راجحا يحتمل .
ويكون الصوم محرما إن وجد المشقة الشديدة ، كما تقدم ، فحصل الجمع بين الأدلة على وجه زال فيه ما يظهر من التعارض ، بادي الرأي ، فلما بلغ عليه الصلاة والسلام كُرَاعَ الْغَمِيمِ أفطر وأمر الناس بالفطر ، وكانت دليل الأمر الفعل أن رفع الإناء لينظر الناس إليه ويقتدوا به ، فذلك من البيان بالفعل ، فلسان الحال : أفطروا كما أفطرت ، كما صنع ذلك ، أيضا ، يوم عرفة وهو على دابته لينظر الناس إليه فهو محل القدوة في التشريع فلا يشرع صوم يوم عرفة للحاج ، وإنما الأفضل في حقه الفطر ليجتهد في الذكر والدعاء والعبادة ، فلما بلغه أن ثم من صام ، قال عليه الصلاة والسلام ما قال ، فـ : "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" ، وذلك مئنة من القصر بتعريف الجزأين ، فضلا عن دلالة الإشارة بالبعيد : "أولئك" في محل ذم أن خالف من خالف الشرع وإن متأولا أن الأمر ليس بواجب وإنما أفطر عليه الصلاة والسلام ليرفع عن الناس الحرج ويبين حل الفطر في السفر فمن أراد الصوم فليصم ومن أراد الفطر فلا حرج ، فذلك تأويل يعذر به المخالف وإن لم يقر على فعله ، فتوجه الكلام على جهة الإطلاق دون تعيين مفطر بعينه وإطلاق لقب العاصي عليه ، فذلك قدر يزيد في تحقيق المناط في عاص بعينه فقد يقوم به من عذر الجهل أو التأويل ..... إلخ ما يرفع الحكم والإثم بل قد يثاب من وجه إن اجتهد فأخطأ ، فقد يتأول الأمر أنه للندب ويستشهد بصيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مواضع أخرى ، كما تقدم من حديث عبد الله بن رواحة ، رضي الله عنه ، ويرد على ذلك ما ذكره بعض المحققين أن الأمر قد يكون جازما في هذا الوضع لمصلحة وهي لقاء العدو في حال من القوة والنشاط فتلك مصلحة ترجح لا سيما والصوم مما يستدرك ، فهذا الأمر الجازم قد رفع الأمر إلى رتبة الإيجاب في هذا الموضع بعينه لقرينة زائدة ، وهي ، من وجه آخر ، مما يجري فيه القياس فيشرع الإفطار حال لقاء العدو بل قد يجب إن غلب على الظن أنه لا يُنَاجَزُ إلا إذا أفطر الجند فإن شق عليهم الصوم وتضرروا وجب الإفطار ، ويؤيده ، كما يذكر بعض المحققين ، ورود ذلك في طريق أخرى من طرق الخبر أنه قد بلغه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الناس قد تضرروا بالصوم وهم مقبلون على الحرب فكان أمره في هذه الحال أمر إيجاب إذ يحرم الصوم حال السفر إن تضرر المسافر ضررا يوقعه في الحرج وهو في سفر السلم فكيف بسفر الحرب فيجب عليه الإفطار ويحرم في حقه الإفطار ، من باب أولى ، فجاء الزجر ، فإن دلالة الذم في الخبر دلالة إنشاء من وجه آخر لِنَهْيٍ عن الصوم حال الضرر ، أو حال لقاء العدو إن غلب على الظن أن ذلك يوهن صاحبه ويضعفه ، وجاء التكرار اللفظي مئنة من التوكيد ، وقد يقال هنا ، والله أعلم ، إن أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أمر بالنظر في مقام الإمامة السياسية ، لا النبوة التشريعية ، فهو لا يخرج أن يكون شرعا ، إذ به حصل البيان أن الفطر جائز حال لقاء العدو ، وهو ما ورد النص على علته ، فـ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ" ، فصدر بالناسخ وهو مئنة من تعليل غير صريح كما قرر أهل الأصول ، فالفطر أقوى لكم ، وتلك دلالة تفضيل تحمل على الحقيقة فإن الإنسان يقوى إذا أفطر وعلة ذلك دنوهم من عدوهم والدنو من العدو مظنة القتال فذكر الشيء وأراد ما يترتب عليه في الغالب فالدنو من العدو مظنة قتاله فيكون ذلك من قبيل تنزيل السبب منزلة المسبب ، فالدنو سبب في حصول القتال .


والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
21-11-2015, 06:43 AM
ومن وجوه الاعتبار في باب الاستطاعة : النظر في حال المكلف ، إذ لكل مكلف من الحال ما يخصه وإن اشترك الجميع في تكاليف لا يتصور حصول دين صحيح مجزئ إلا باستيفائها ، كالشهادة فهي أصل الدين ، فلا يحصل حكم الإسلام ابتداء إلا أن ينطق الإنسان لفظ الشهادة فذلك حتم لازم إلا أن يكون ثم مانع معتبر من عجز في النطق أو إكراه في الفعل على وجه صحيح فهو الإكراه الملجئ الذي يسقط به التكليف ، فيجري مجرى رخصة الترفيه ، فإن حكم الأصل لم يسقط فهو أصل الدين ، كما تقدم ، فكيف يتصور سقوطه واستبدال حكم آخر به ، وإنما رفه عن المكلف وخفف أن يترخص إذا خشي على نفسه الهلكة أو الحرج الشديد بحصول مشقة أو ألم زائد عن الحد المعتاد ، فيحصل الحرج الذي رفع شرعا ، وتحصل المشقة التي تجلب التيسير ، فقد تجلبه على حد الإيجاب ، كما في رخصة الأكل من الميتة إذا خشي على نفسه الهلكة ، فسقط حكم الأصل وهو التحريم واستبدل به الضد ، فصار الأكل منها واجبا ، فيأثم إن تركه حتى زهقت روحه أو تلف بعض بدنه إلا لمصلحة راجحة كإحداث نكاية معتبرة في خصم الدين ألا يشمت في أتباعه من المسلمين ، وقد تجلبه ، من وجه آخر ، على حد الاستحباب ، كما لو أفطر في قتال ليتقوى على مصابرة العدو ، وقد يبلغ ذلك حد الإيجاب إذا أوجبه الإمام ، كما في حديث جابر ، رضي الله عنه ، وفيه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»" ، فصام صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر ، كما في حديث أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، وفيه : "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ" ، فكان الحر شديدا حتى وضعوا أيديهم على رءوسهم ، وذلك قد يجري مجرى الحقيقة ، وقد يجري مجرى الكناية فهو مئنة من شدة الحر ، فلم يضعوا أيديهم على رءوسهم طيلة الوقت وإنما أنزلوها واستعملوها في أمور أخرى ، بداهة ، فذلك يجري مجرى حديث فاطمة بنت قيس ، رضي الله عنها ، وفيه : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ" ، فتلك كناية أنه كثير الترحال أو ضراب للنساء وذلك الأرجح كما ذكر أهل الشأن في تأويل هذه الكناية ، فلم يكن يحمل العصا في كل وقت وإنما كان يضعها ، بداهة ، في أوقات ، فكذلك الشأن هنا ، فتلك كناية لا يمتنع معها إثبات الحقيقة خلافا للمجاز إذ يمتنع معه ذلك ، على تفصيل ، إذ ثم وجوه في اللفظ جاز فيها الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وخرج عليها بعض آي التنزيل ، كما في السجود في قول الرب المعبود جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) ، فالسجود في الأول خضوع فهو مجاز بالنظر في حقيقة الشرع الأخص التي يحمل عليها النص إلا إذا وردت قرينة توجب العدول عنها إلى حقيقة اللسان أو حقيقة في العرف ، وفي الثاني اختيار وهو السجود الاصطلاحي المعهود وهو الحقيقة الشرعية الاصطلاحية وهي الأصل في نصوص الشريعة ، على تفصيل في ذلك ، فصام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصام ابن رواحة ، رضي الله عنه ، وهو محل الشاهد ، وذلك مئنة من الجواز لمن أطاق ولم يجد مشقة ، على خلاف هل الصوم له أفضل أو الفطر استمتاعا بالرخصة وقبولا لصدقة الرب جل وعلا فلا يحسن ردها ، فالصوم في السفر يكره إن كان إعراضا عن الرخصة وقد يبلغ بذلك حد التحريم إن بلغ حد التنطع أن ينكر على من يفطر في السفر فهو يحرج على الناس في أمر فيه سعة فالحرج فيه قد رفع بنص الشارع ، جل وعلا ، في الكتاب ، فـ : (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، فدلالة الاقتضاء تقضي بمعطوف يقدر ، فتقدير الكلام : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ، وذلك قول الجمهور ، خلافا لأبي هريرة ، رضي الله عنه ، ولطائفة من الظاهرية ، رحمهم الله ، فتقدير الكلام عندهم : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فصيامه قد انتقل فهو في عدة من أيام أخر ، فمن تنطع وأوجب ما لا يجب فذلك وجه قد يبلغ بفعله حد التحريم أن حجر واسعا واعتقد تحريم ما هو مباح ، وإلا فالصوم يجوز إن لم يعتقد إيجابه في السفر فتلك زيادة في التشريع ليس لها مستند ، فيجوز له الصوم ، كما تقدم ، وإن كره في حق المريض إن بلغ به مشقة لا تبلغ حد الهلكة أو الضرر الشديد كتلف عضو أو زيادة مرض ولو بالنظر في المآل على وجه يضعف به البدن ، وحرم في حقه إن بلغ به حد الهلكة أو خِيفَ عليه من تلف عضو أو فساد ولو باعتبار المآل ، وكره في حق المسافر إن بلغ به مشقة محتملة ولكنها تزيد ، أو كان إعراضا عن الرخصة ، كما تقدم ، أو شغله عما هو أولى مع وجود الرخصة التي يمكن بها الجمع بين الفضيلتين فإنه يفطر ويستمتع بالرخصة ويقبل الصدقة فيثاب من هذا الوجه ، فضلا عن ثواب العبادة أن يقضيها بعد ذلك ، ويحصل الفضيلة الأخرى ، فيذهب بالأجرين جميعا ، من هذا الوجه ، وذلك مما يوافق مقاصد الشرع ، فإذا تعذر الجمع بين المصلحتين وأمكن تدارك إحداهما حالا والأخرى مآلا ، قدم ما لا يمكن استدراكه إلا في الحال فَزَمَانُهُ قد ضاق ، وَأُخِّرَ ما يمكن استدراكه مآلا فزمانه قد اتسع ، كما في حديث أنس ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»" ، فأبان عن شدة الحر بوصف حالهم إذ لا ظل يتقون إلا من كان من أكسية يستظلون بها وهو مئنة من عظم الجهد مع شدة الحر فكيف إن انضم إلى ذلك عطش الصوم ، وهو أشد في الصيف ، وجوعه ، فهو أشد في الشتاء ، والأجر معهود وهو أجر الخدمة لا أجر العبادة ، فدلالة "أل" فيه ، من هذا الوجه ، دلالة العهد الذهني ، وأطنب في بَيَانِ ما صنعوا إذ بَعَثُوا الركاب وامتهنوا وعالجوا ، والمعالجة مئنة من المفاعلة وإن كانت من واحد في هذا السياق ، كما في باشر ونحوه ، فالمباشر والمعالج واحد ، وهذا الإطناب مما يمهد لما بعده ، في مقابل عموم النفي في قوله : "وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا" ، ففرع بـ : "أما" فهي مئنة من التفصيل بعد إجمال على وجه استوفى شطري القسمة العقلية في هذا السياق ، من صام ولم يعمل ، ومن عمل ولم يصم ، فثم مقابلة بين الشطرين من هذا الوجه ، وهو عموم نفي قد يحمل على الحقيقة فلم يصنعوا أي شيء ، وقد يحمل على المبالغة فقد صنعوا شيئا قليلا نزل منزلة العدم ، فأطلق العدم وأراد القليل وعكسه أن يطلق القليل ويريد العدم كما في قوله تعالى : (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فلم يؤمنوا ابتداء لقرينة ما تقدم من الطبع الكوني على قلبهم ، بما اكتسبوا من الكفر فذلك سبب يؤثر وإن لم يخرج عن مشيئة الرب المسبِّب ، جل وعلا ، وفي مقابل ذلك الشطر ، جاء الشطر الثاني بـ : "أما" ، ثانية تفصل الشطر الثاني من شطري القسمة العقلية ، فـ : "وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا" ، فـ : "ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ" ، فذهبوا بأجر الخدمة الذي انقضى زمانه وبقي لهم أجر العبادة زمن القضاء خلاف الآخرين فقد فاتهم ما لا يمكن استدراكه وفعلوا ما يمكن استدراكه على وجه تعذر فيه الجمع فحصلوا فضيلة وَفَاتَتْهُم أخرى خلافا للأولين الذين جمعوا بين الفضيلتين ، وقد يحرم الصوم في السفر إن بلغ بالإنسان حد المشقة الشديدة التي توقع صاحبها في الحرج ، فتفاوت الحكم تَبَعًا لتفاوت الحال ، فمن إباحة إذا استوى الطرفان إلى ندب الصوم إذا كان يطيقه بلا مشقة ولم يشغله عما هو أولى ولم يكن ذلك على جهة التنطع باعتقاد الإيجاب والإنكار على المخالف ورد صدقة الرب الخالق جل وعلا ، فإذا انتفى كل أولئك ندب الصوم في السفر ، وقد يكره وقد يحرم ، على التفصيل المتقدم ، وبذلك يمكن الجمع بين النصوص ، ففيها صوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفيها إقراره لمن أفطر على فطره ، ولمن صام على صومه ، كما في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ لَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" ، فلم ينكر بعضهم على بعض ، وليس سكوتهم بداهة هو الدليل فإنهم ليسوا بأنبياء معصومين وإنما وجب أن يرد حالهم في الإقرار أو الإنكار إلى وحي السماء ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يدخل في عموم : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، مع أنه لم يكن ثم خلاف على جهة الإنكار ، وإنما كان الخلاف هنا اختلاف الفعل ، فبعض أفطر وبعض صام ، والفعلان ، بادي الرأي ، يتناقضان ، ولكن اختلاف الجهة من وجه آخر يَرْفَعُ التناقض ، فجهة الصوم الندب ، على التفصيل المتقدم ، أو الإباحة فذلك أدنى أحواله ، وجهة الفطر الأخذ بالرخصة والاستمتاع بها دون اعتقاد إيجابها فحكم الأصل لما يزل فلم يرتفع إذ تلك من رخص الترفيه التي لا يسقط فيها حكم الأصل فليست من رخص الإسقاط التي يسقط فيها حكم الأصل ، فعدم إنكارهم لم يستفد منه الحكم إلا بإقرار صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يقر الأمة على باطل ولا على خلاف الأولى ، ولا يقره الوحي ، من وجه آخر ، على باطل ولا على خلاف الأولى ، فمرد الأمر ، عند التدبر والنظر ، إلى الله ، جل وعلا ، فهو المنشئ للأحكام وحيا ، وإلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من وجه آخر ، فهو المنشئ للأحكام تبليغا وتبيينا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم دليلا قد يستأنس به من يستدل لحجية الإجماع ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اطرد من حاله في كثير من أسفاره ، لا سيما والأمر كان مما يتكرر بدلالة : "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ لَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" ، فدلالة الكينونة الماضية مئنة من ديمومة الفعل واتصاله في الزمن الماضي ، قد اطرد من حاله أنه كان يصطحب معه أهل الشورى وهم أهل الإجماع ، وقد سكتوا على ذلك الإقرار والإنكار ، فلم ينكر مفطر على ممسك ، ولا ممسك على مفطر ، بل أقر كلاهما الآخر ، وسكت أهل الإجماع وهم شهود فكان ذلك من إجماع السكوت ، وهو حجة وإن كان دون إجماع القول ، فسكوتهم مئنة من إجماع لا سيما مع انتفاء شبهة الإكراه واتساع الزمان أن ينظروا في الأمر ، وإجماعهم حجة ، كما تقدم ، استنادا لجملة أخرى من الأدلة محلها مبحث الإجماع في كلام أهل الشأن من الأصوليين ، والمخالف يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حاضرا وهو المرجع الأول ، فلو سكتوا وأنكر ما اعتبر إجماعهم إذ خالف النص ، ولذلك كان الإجماع دليلا حادثا بعد انقضاء زمن الرسالة فاطرد في كلام أهل الأصول أن لا إجماع في عهد النبوة ، إذ مرد الأحكام إلى الكتاب والسنة فلا حاجة إلى الإجماع ، وإنما يكون الإجماع إذا لم يكن ثم دليل صريح من الكتاب والسنة فالإجماع لا بد له من مستند من الكتاب أو السنة أو القياس أو المصلحة المعتبرة التي تحقق مقاصد الشارع جل وعلا ، على تفصيل في ذلك ، فإذا لم يظفر المستدل بالدليل الصريح من الكتاب والسنة وظفر بإجماع صحيح لا سيما في الصدر الأول وفد كان ضبطه أيسر مما أتى بعده ، كما أثر عن جمع من المحققين كأحمد رحمه الله ، فهذا الإجماع يجزئ في الاستدلال وإن لم يعلم مستنده لقرينة العصمة ، وهو ، من وجه آخر ، ينفع في مواضع فيها نصوص تحتمل أكثر من معنى ولو تراجحت ، إذ تكون من قبيل الظنون ، فهي تفيد الظن الراجح إذ تحتمل ضدا مرجوحا فدلالتها دلالة الظاهر ، فيأتي الإجماع وهو مرجح من خارج فيرجح أحد الاحتمالين ويقطع به ، فيصير اللفظ نصا قاطعا لا يحتمل بعد أن كان ظاهرا راجحا يحتمل .
ويكون الصوم محرما إن وجد المشقة الشديدة ، كما تقدم ، فحصل الجمع بين الأدلة على وجه زال فيه ما يظهر من التعارض ، بادي الرأي ، فلما بلغ عليه الصلاة والسلام كُرَاعَ الْغَمِيمِ أفطر وأمر الناس بالفطر ، وكانت دليل الأمر الفعل أن رفع الإناء لينظر الناس إليه ويقتدوا به ، فذلك من البيان بالفعل ، فلسان الحال : أفطروا كما أفطرت ، كما صنع ذلك ، أيضا ، يوم عرفة وهو على دابته لينظر الناس إليه فهو محل القدوة في التشريع فلا يشرع صوم يوم عرفة للحاج ، وإنما الأفضل في حقه الفطر ليجتهد في الذكر والدعاء والعبادة ، فلما بلغه أن ثم من صام ، قال عليه الصلاة والسلام ما قال ، فـ : "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" ، وذلك مئنة من القصر بتعريف الجزأين ، فضلا عن دلالة الإشارة بالبعيد : "أولئك" في محل ذم أن خالف من خالف الشرع وإن متأولا أن الأمر ليس بواجب وإنما أفطر عليه الصلاة والسلام ليرفع عن الناس الحرج ويبين حل الفطر في السفر فمن أراد الصوم فليصم ومن أراد الفطر فلا حرج ، فذلك تأويل يعذر به المخالف وإن لم يقر على فعله ، فتوجه الكلام على جهة الإطلاق دون تعيين مفطر بعينه وإطلاق لقب العاصي عليه ، فذلك قدر يزيد في تحقيق المناط في عاص بعينه فقد يقوم به من عذر الجهل أو التأويل ..... إلخ ما يرفع الحكم والإثم بل قد يثاب من وجه إن اجتهد فأخطأ ، فقد يتأول الأمر أنه للندب ويستشهد بصيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مواضع أخرى ، كما تقدم من حديث عبد الله بن رواحة ، رضي الله عنه ، ويرد على ذلك ما ذكره بعض المحققين أن الأمر قد يكون جازما في هذا الوضع لمصلحة وهي لقاء العدو في حال من القوة والنشاط فتلك مصلحة ترجح لا سيما والصوم مما يستدرك ، فهذا الأمر الجازم قد رفع الأمر إلى رتبة الإيجاب في هذا الموضع بعينه لقرينة زائدة ، وهي ، من وجه آخر ، مما يجري فيه القياس فيشرع الإفطار حال لقاء العدو بل قد يجب إن غلب على الظن أنه لا يُنَاجَزُ إلا إذا أفطر الجند فإن شق عليهم الصوم وتضرروا وجب الإفطار ، ويؤيده ، كما يذكر بعض المحققين ، ورود ذلك في طريق أخرى من طرق الخبر أنه قد بلغه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الناس قد تضرروا بالصوم وهم مقبلون على الحرب فكان أمره في هذه الحال أمر إيجاب إذ يحرم الصوم حال السفر إن تضرر المسافر ضررا يوقعه في الحرج وهو في سفر السلم فكيف بسفر الحرب فيجب عليه الإفطار ويحرم في حقه الإفطار ، من باب أولى ، فجاء الزجر ، فإن دلالة الذم في الخبر دلالة إنشاء من وجه آخر لِنَهْيٍ عن الصوم حال الضرر ، أو حال لقاء العدو إن غلب على الظن أن ذلك يوهن صاحبه ويضعفه ، وجاء التكرار اللفظي مئنة من التوكيد ، وقد يقال هنا ، والله أعلم ، إن أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أمر بالنظر في مقام الإمامة السياسية ، لا النبوة التشريعية ، فهو لا يخرج أن يكون شرعا ، إذ به حصل البيان أن الفطر جائز حال لقاء العدو ، وهو ما ورد النص على علته ، فـ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ" ، فصدر بالناسخ وهو مئنة من تعليل غير صريح كما قرر أهل الأصول ، فالفطر أقوى لكم ، وتلك دلالة تفضيل تحمل على الحقيقة فإن الإنسان يقوى إذا أفطر وعلة ذلك دنوهم من عدوهم والدنو من العدو مظنة القتال فذكر الشيء وأراد ما يترتب عليه في الغالب فالدنو من العدو مظنة قتاله فيكون ذلك من قبيل تنزيل السبب منزلة المسبب ، فالدنو سبب في حصول القتال .


والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .