المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من قوله تعالى : (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ .)



مهاجر
16-07-2015, 04:05 PM
مما قد يفرق فيه بين الرسول والنبي أن الرسول يأتي بشريعة ناسخة لما تقدمها ، فالشبهة في حقه أعظم ، فاقتضت الحكمة ألا يجمع له بين الرسالة والملك ، وأما النبي فهو دونه إذ يجدد شرعا تقدم ، فجاز أن يجمع له بين النبوة والملك ، إذ التصديق بدعواه أيسر فلم يأت بشرع جديد وإنما أتى بأمر يعلمه أهل عصره وإن درست بعض آثاره إلا أن الأصل فيهم فاش والتبديل ليس كتبديل الناس قبل بعث الرسول الناسخ ، وإن كان تجديد ما اندرس من دين التوحيد في كلا الوجهين حاصلا إلا أن تجديد الرسول أظهر فقد بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليجدد ما اندرس من ملة إبراهيم عليه السلام ، وقد بلغ الأمر غايته فقد بدل أصل الدين وإن بقيت بعض شعائره ، خلاف أنبياء بني إسرائيل فكلهم على دين موسى عليه السلام وكلهم يحكم بالتوراة ، وبنو إسرائيل في الجملة على الأصل ، وإن كان الخروج عن الشريعة فيهم أصلا ، فبعث النبي الملك داود عليه السلام في بني إسرائيل وجمع له الرب ، جل وعلا ، بين الملك والنبوة ، فـ : (هَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، فحصلت الهزيمة بالإذن الكوني ، بعد أن استفرغ القوم الوسع في تحصيل السبب الشرعي ، وبعد أن حصل الابتلاء الشرعي الذي محص صفهم ونفى خبثهم ، فلم تثبت إلا الطائفة المنصورة التي امتن الرب ، جل وعلا ، أن جازت الابتلاء وأفلحت في الاختبار ، فأثبت الفعل لهم ، فهم الهازمون بإرادة وفعل من خلق الرب ، جل وعلا ، فهو سبب يؤثر في إيجاد الفعل ، ولكنه لا يخرج عن مشيئة الرب ، جل وعلا ، فـ : (مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، وذلك أصل جليل في باب القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، فالاعتبار الصحيح يقضي أن ثم علة مخلوقة تُؤَثِّرُ في إيجاد الفعل ، ولا تستقل هذه العلة بالتأثير ، بل لا بد أن يجتمع لها من الشرائط الكونية والشرعية ما يعضدها ولا بد أن تَنْتَفِيَ جملة من الموانع ، فلما أخلص القوم وجازوا الابتلاء ، فهذا سبب شرعي أول ، وتذرعوا بالدعاء إلى حصول النصر ، فـ : (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ، فالصبر يحبس النفس أن تجزع إذا رأت الجمع الكثير الذي يختال فيه أهل الباطل ، فذلك مما نهي عنه أهل الإيمان ، فـ : (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ، وإن خص ذلك في أحوال ، كما في حديث أبي دجانة ، رضي الله عنه ، فـ : "إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع" ، فالأصل في الاختيال التحريم ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) ، ونصح الراسخين لقارون بني إسرائيل : (ابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) ، والعظة التي ذيل بها الخبر : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، فأشار إليها إشارة البعيد مئنة من علو الشأن وعظم القدر ، وأطنب في الخبر على القول بأن : "الدار الآخرة" : خبر عن اسم الإشارة ، فثم خبر ثان : "نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا" ، فذلك من الجعل الكوني لمن امْتَثَلَ الجعل الشرعي ، فالجعل هنا قد ضمن معنى التهيئة ، فلا تكون إلا : (لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، فدلالة اللام دلالة الاختصاص والاستحقاق فضلا من الرب ، جل وعلا ، فاستحقوها لا على جهة المعاوضة فلا شيء يعدل الجنة ، فـ : "«لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا»"، فَتَسَلَّطَ النفي على معنى المعاوضة من وجه ، وعلى معنى السبب الذي يظن صاحبه أنه استقل بالتأثير فهو العلة التامة في حصول الفعل وإن لم يشأ الرب ، جل وعلا ، كما ذهب إلى ذلك نفاة القدر من القدرية الأوائل والمعتزلة ومن حمل عنهم هذا القول من متأخري الخوارج والشيعة ، فهذا السبب التام في حدوث الفعل الذي يستقل بالتأثير هو المنفي في الحديث ، فيكون العمل على جهة السبب الذي يفضي إلى مسببه ، وهذا السبب المخلوق من إرادة الفعل وحصوله في الخارج ، لا يكون إلا باستيفاء شروط وانتفاء موانع ، وذلك أصل في باب التعليل ، فإن كل مسبب في الكون لا يحصل بسبب تام من كل وجه ، بل لا بد من جملة من الأسباب تعضد ، وجملة من الموانع لا ينتج السبب آثاره حتى يسلم منها ، فكل علة وراءها علة ، فالصبر علة في حصول النصر ، كما دعا القوم قبل لقاء جالوت ، فهو سبب الثبات ، والثبات سبب النصر ، فيكون ذلك من عطف المسبَّبَات على أسبابها على جهة التلازم ، فكل ما سبق سبب في حصول ما تلاه ، فالصبر سبب في حصول الثبات ، والثبات سبب في حصول النصر ، فتكون نتيجة المقدمتين : أن الصبر سبب النصر ، وذلك ما جاء به النص ، فـ : "اعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ" والصبر لا يحصل في الظاهر إلا بعد حصوله في الباطن ، فما بطن من الأحوال هو علة ما يظهر من الأقوال والأفعال ، وإرادة الصبر لا تحصل إلا بتصور معناه والاعتبار في مآله فذلك ما يحمل الصابر أن يتجرع مراراته ، ولا يكون هذا التصور إلا بتوفيق من الرب ، جل وعلا ، فهو الذي يخلق هذا التصور في القلب ، ويلهم صاحبه قبل ذلك أن يسلك سبيل الهدى ، فَيَنْهَجَ نهج الاستقامة ، وَمَرَدُّ كل علة في الخارج ، وإن تسلسلت العلل المخلوقة ، أن تصل إلى علة أولى غير مخلوقة ، فالتسلسل في المؤثرين ممتنع ، كما قرر النظار ، فلا بد أن تَنْتَهِي العلل جَمِيعًا إلى علة أولى لا علة وراءها ، وهي ، عند أهل الإسلام والسنة ، كلمة التكوين النافذة ، فـ : (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فإذا أراد الرب ، جل وعلا ، أن يلهم أحدا الصبر فضلا منه ومنة تكلم بالوحي وقضى الأمر في السماء أن يصبر فلان ، فهذا وحي التكوين وقضاؤه ، فلا راد له من الخلق إذ مشيئة الخالق ، جل وعلا ، تنفذ على وجه يحار الصابر نفسه بعد انقضاء الأمر كيف صبر فلا يملك إلا أن يقر بفضل الرب ، جل وعلا ، فلو شاء لخلق في قلبه الجزع وما ظلمه فذلك عدله ، فـ : "مَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" ، فالأمر يرجع في آخره إلى السبب الأول الذي لا سبب وراءه ، والخلق فيه بين الفضل بالعطاء والعدل بالمنع ، بين الفضل بالهداية ، فـ : (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) ، والعدل بالغواية ، فـ : (لَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، فهذا سبب الخلق وهو الكلمة التي بها تكون الحوادث والكائنات ، وهي ، من وجه آخر ، أثر من آثار الوصف الإلهي الفاعل في الكون حكمة ورحمة وتدبيرا ، فكلمات القدر آثار القدرة ، فالقدر ، كما قال أحمد رحمه الله ، قدرة الله ، جل وعلا ، على كل شيء من إحياء وإماتة ، وعطاء ومنع ، وتثبيت وإزاغة ، وهداية وغواية ..... إلخ ، وذلك معنى جليل في باب الرُّبُوبِيَّةِ ، إذ الرب ، جل وعلا ، يخلق الأضداد على وجه تحصل به القدرة فلا يعجزه ، تبارك وتعالى ، شيء في الأرض ولا في السماء ، وتحصل بها الحكمة فتدافعها سبب في صلاح الأرض ، وإن حصل فساد طارئ فهو من العاجل الذي يحصل به صلاح آجل أعظم ، وذلك مقتضى الحكمة الكونية ، وعلى وزانه جرت السنة الشرعية ، فالشرع الصحيح والنظر الصريح قاض أن يحتمل الفساد الأصغر وإن تقدم لأجل الصلاح الأعظم وإن تأخر ، فيحتمل المريض مرارة الدواء وذلك ألم عاجل ، ولكنه ألم جزئي يحصل به نفع كلي بالنظر في مآله ، وهو حصول الشفاء بإذن رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فعلة خلق الصبر في القلب ، وعلة حصول الثبات في الخارج ، كل أولئك من فضل الرب ، جل وعلا ، أن قضاه بكلمة التكوين ، خلافا للفلاسفة في باب التعليل ، فإنهم يجعلون علة خلق هذا الكون هي ذات بسيطة مطلقة ، فلا وصف لها ولا فعل ، وتلك غاية التعطيل لذات ربنا الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، الموصوفة بصفات الكمال جلالا وجمالا ، فإن هذه الذات ، عند التدبر والنظر ، عدم إذ لا وجود للمطلق بشرط الإطلاق من كل وجه ، لا وجود له في الخارج ، إذ ذلك ، عند التدبر والنظر ، يكافئ العدم ! ، فغايته أن يفرضه الذهن فرضا فلا يتصوره إذ لا حقيقة له في الخارج ! ، ويجعلون علة أي حدث في الكون هي تشبه المخلوقات بالخالق ، فهو غاية تتحرك لأجلها الكائنات ، والفلسفة عندهم هي التشبه بالإله قدر الاستطاعة ! ، وفي ذلك من نفي الفعل والقضاء ما لا يخفى فلا إرادة له بل ولا علم إلا علما بسيطا كليا فلا علم له بالجزئيات فكيف يقدرها ثم يقضيها وهو بلا علم أول به يقدر ومشيئة تالية بها يقضي فهل ثم تعطيل أعظم من ذلك ؟! ، فالإله عندهم كما ينقل بعض الباحثين ، هو موضوع للحب والشوق أو غاية تنزع نحوها الكائنات فهي تتشبه بها ، والتشبه بالرب ، جل وعلا ، أمر مجمل منه ما يقبل كالتشبه بأسماء الجمال التي يجوز للإنسان أن يتحلى بمعانيها كالكرم ونحوه ، فالكرم كمال مطلق يمدح صاحبه مخلوقا كان أم خالقا فيثبت لله ، جل وعلا ، من باب أولى ، وأما أسماء الجلال فالأصل فيها المنع إذ الجلال لا يكون إلا للذات الكاملة وهي ذات الرب ، جل وعلا ، فهي محل يقبل آثار الجلال بل يجب أن يتحلى بها فذلك من الكمال المطلق الذي يجب لربنا جل وعلا وإن كان عمدة الإثبات فيه نص الوحي إلا أن العقل يدل عليه في الجملة فالإله لا يكون إلا قويا جبارا قهارا قادرا على كل شيء ، فذلك من دلالة القياس الصريح ، وقد يحسن في مواضع أن يتحلى المخلوق بشيء من صفات الجلال ، وإن كان الأصل في ذلك المنع ، لضعف المحل فلا يقبل آثار الجلال ، خلافا للذات الإلهية ، ولكل محل ما يليق به من الصفات وذلك ، أيضا ، من قياس العقل الصريح ، فإن الرجل له من الصفات ما يلائم محله في أخلاقه الباطنة وهيئته الظاهرة وهي بداهة تخالف ما يحسن في حق المرأة فَلَهَا من الصفات ما يلائم محلها ، وكلاهما مخلوق ومع ذلك حصل التباين باختلاف المحل بل قد يحصل في الجنس الواحد فلزيد من الأخلاق ما يلائم حاله ، ولعمرو منها ما يلائم حاله ، فاختلفت الأوصاف والأحكام باختلاف المحال ، فَيَكُونُ ذلك في حق الخالق ، جل وعلا ، من باب أولى ، لعظم التَّبَايُنِ بَيْنَ ذات الخالق الكاملة وذات المخلوق الناقصة ، فقد يحسن في مواضع أن يتحلى الإنسان بصفة الجلال وإن كانت ، في الجملة ، لا تلائم محله الضعيف ، كما في الكبر والاختيال حال القتال فذلك من الشدة المأمور بها في قتال الأعداء وذلك ما أثنى به الرب ، جل وعلا ، على الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فـ : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) ، وإن كان الأصل اختصاص الرب ، جل وعلا ، بالكبرياء والعظمة ، فـ : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" .

ومن وجه ثالث تجد القدرية ينفون المشيئة الربانية النافذة فتكون العلة عندهم هي مشيئة العبد ، فهم يقفون عند : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) ، وذلك تفريط وجفاء ، ومن وجه رابع يقابله ، تجد الجبرية ومن سار على طريقتهم من أصحاب نظرية الكسب ومن تأثر بهم من متأخري المتكلمين الذين نفوا السببية ضمنا وإن تلطفوا في القول فقالوا بالعندية لا السببية ! ، فالنار يحدث الإحراق عندها لا بها ، وإنما المحرِق هو الرب ، جل وعلا ، وذلك حق ، ولكنه يحرق بما أودع في النار من قوة الإحراق ، وهي لا تحرق إلا بإذنه ، جل وعلا ، فذلك السبب الأول الذي لا سبب وراءه ولو شاء الرب ، جل وعلا ، لعطلها فهي لا تستقل بالتأثير ، فليست علة تامة من كل وجه ، بل لا بد من جملة من الشرائط العاضدة وانتفاء جملة من الموانع العارضة ، وإذا حصلت الشرائط وانتفت الموانع فقد يشاء ربنا ، جل وعلا ، أن لا تحرق النار آية كما حصل للخليل عليه السلام ، أو كرامة كما حصل لأبي مسلم الخولاني ، رحمه الله ، لما أراد الأسود العنسي حرقه ، فاجتمعت الشرائط وتعاضدت وانتفت الموانع ، ومع ذلك شاء ربك ، جل وعلا ، أن يرفع غمة الظلم ويكسر شوكة الباطل في أوج عظمته ، فظهرت آيات القدرة في أخذ الظالم وقد بلغ من الجبروت ما بلغ ، فاستبد به الغرور كما استبد بفراعنة الماضي والحاضر ، ومن شايعهم من وزراء السوء فلكل فرعون هامان ، ومن اجتمع لهم من الملأ من قارون جامع للمال ، وعالم انسلخ من الشريعة وأخلد إلى الأرض ، وراهب أحدث في الدين ما ليس منه فصار فتنة لغيره ، فكل أولئك أسباب ما ترى من فساد عم وطم إلا أن يرفعه الرب ، جل وعلا ، فيتدارك الناس برحمة منه ، تظهر فيها آثار الجلال بقصم الظالم ، وآثار الحكمة فِيمَا ترى من التدافع بين قبيل الحق وقبيل الباطل وما بينهما مما اختلط فيه القبيلان ، فدعاء الوقت : اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله مشتبها علينا فنضل .
فذلك موضع آخر يطرد فيه قانون السببية ، فهم يعم جميع الموارد الكونية والشرعية ، فهزموهم بإذن الله ، فذلك من إضافة الوصف إلى الموصوف ، فإن الإذن من الكلم الكوني ، والكلام من صفات الله ، جل وعلا ، فذلك من جنس الإضافة في قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .
ثم جاء التفصيل : (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) ، فذلك من عطف المبين على المجمل ، إذ الهزيمة حصلت بقتل الرأس ، فلا يخلو العطف من دلالة السببية ، فيكون من عطف السبب على المسبب ، إذ قتل جالوت قد حصلت به هزيمة العماليق ، وبه ظهر بنو إسرائيل لما راجعوا الدين وثبتوا مع طالوت ، فكان الجزاء العاجل أن صارت فيهم النبوة ديانة ، وصار فيهم الحكم سياسة ، فجمع لهم سلطان الشرع وسلطان السيف وتلك أحسن أحوال البشر أن يظهر فيهم حكم الشرع وأن يكون له سيف عدل يدفع ويطلب فهو حافظ للديانة ناشر للرسالة ، فإذا زال رسم السياسة الشرعية ، وعطلت الأحكام الشرعية ، وأغمد حديد الردع الناصر حصل ما تراه من الفساد العاجل فقد استجلبنا كل أسبابه ومع ذلك يعجب كثير ويتساءل : ما سبب هذا الفساد العظيم ؟! .
فآتاه الله ، جل وعلا ، والإتيان آكد في تقرير المنة من الإعطاء إذ الإتياء لا يقبل المطاوعة ، خلافا للعطاء فالمعطى قد يمتنع ، وتلك منة عظيمة فحسن إسناد الفعل إلى : "نا" الدالة على الفاعلين ، فذلك في مقام الامتنان فضلا ، أو الأخذ عدلا مما يقرر المعنى ويؤكده ، فآتاه الله ، جل وعلا ، الملك ، فذلك رسم السياسة ، والحكمة فذلك رسم الديانة ، فالحكمة هنا تؤول بالنبوة ، وهي حكمة أخص ، ونظيره تأويل الشافعي لها في موضع آخر بالسنة إذ هي قرينة الكتاب في قوله تعالى : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، وهي تطلق في الاصطلاح الحادث على الفلسفة وعلى الطب ، وذلك لقب الطبيب حتى زمن قريب ، فأطلق الناس عليه لقب الحكيم إذ يضع الدواء في موضعه فيصيب الداء بإذن ربه ، جل وعلا ، فيشفى المريض ويعافى ، وهي بالنظر في معناها الأعم تطلق على كل حكم صحيح سواء أكان في علم أم في عمل ، ولا مانع من الجمع بين الْمَعْنَيَيْنِ : الأعم والأخص ، إذ أوتي داود عليه السلام الحكمة في قوله وعمله وسياسته ، وأوتي حكمة أخص وهي النبوة وقيل الزبور ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله : "{وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} النُّبوةَ وكمالَ العلمِ وإتقانَ العملِ وقيل الزَّبورَ وعلمَ الشَّرائعِ وقيل كلُّ كلامٍ وافقَ الحقَّ فهو حكمةٌ" . اهـ
فالذكر المنزل ذكر حكيم ، سواء أكان الزبور أم التوراة أم الإنجيل أم الذكر الخاتم الذي نسخ ما تقدم فهو الحاكم المهيمن .
ثم جاء البيان لسنة التدافع على جهة الامتناع لوجود ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، وذلك آكد في إقرار قانون السببية ، فالتدافع سبب في رفع الفساد ، فلولاه لحصل من الفساد أعظم مما ترى ، فالتدافع وإن حصل به فساد عاجل من اضطهاد أهل الحق قتلا وأسرا وتشريدا وتعذيبا .... إلخ ، إلا أن ثم فيه صلاحا أعظم وإن تأخر وتأجل حتى تمحص النفوس ويظهر مكنون الصدور فَبِكِيرِ الابتلاء ينفى الخبث ويعلم من صدق ومن كذب ، فحري بالعاقل أن يدعو في مثل هذه الفتن أن : "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" .
وأضيف المصدر إلى فاعله ، فنصب المفعول ، وهو المدفوع ، فلولا أن يدفع الله الناس ، وجاء البدل على جهة الإطناب ، فذلك من البيان بعد الإجمال ، وذلك آكد في بيان المعنى وتقريره كما قرر أهل البلاغة في مبحث الإطناب فمنه التقييد بالبدل ، إذ أطلق لفظ : "الناس" ، والبدل : (بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) ، يجري مجرى المقيد له .

فذلك فضل من الرب ، جل وعلا ، وهو ، أيضا ، من وصفه بالنظر في الفعل فيكون من إضافة الوصف إلى الموصوف ، وهو ، من وجه آخر ، من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، إذ الفضل الكائن في الأرض بنصر أو رزق .... إلخ ، مما يخلقه الرب ، جل وعلا ، فقد قدره أزلا بعلم التقدير المؤثر ثم أوجده بقدرة التكوين النافذة ، فهو خالق كل شيء ، وهو على كل شيء قدير : قدر العلم الأول ، وقدر الإيجاد الثاني .

وقل مثله في صفات كـ : "الرحمة" ، فَثَمَّ رحمة الله ، جل وعلا ، وهي من وصفه ، وثم رحمة مخلوقة في الخارج كالجنة في الآخرة والغيث في الأولى ، والسياق هو الذي يعين معنى الإضافة المراد أهي إضافة وصف إلى موصوف أم مخلوق إلى خالق .

وفضله ، جل وعلا ، قد عم العالمين جميعا ، فعم المؤمن في الأولى والآخرة ، بل وعم الكافر ، فلو فقه لعلم أن ظهور الدين وحكمه آمن له من حكم المستبد وجوره ولكنه آثر ما ظنه صلاحا لفساد في تصوره وعقله ، والتاريخ يحكي أن نصارى الشام ، في فحل وحمص وهي من مدن الشام ، قبلوا الدخول في حكم المسلمين وإن لم يدخلوا في دينهم فهم خير لهم من أبناء ملتهم من الروم المحتلين ، فهو ، في أدنى أحواله ، احتلال أهون من احتلال ! ، وبعض الشر أهون من بعض ، وإن كان دين الإسلام خيرا كله ولكن ذلك مما يجري مجرى التنزل مع الخصم .

والله أعلى وأعلم .