المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن الغيب



مهاجر
29-08-2015, 06:48 AM
أخبار النبوات السابقة مما لا يمكن للعقل أن يدركه ابتداء إذ لم يوقفه السمع عليها ، فهي من أخبار الغيب التي قصها الوحي ، وهي من جملة القصص الصادق ، فـ : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، فأشار إليها إشارة البعيد ، وقد انقضت قريبا ، وذلك مما عهد في كلام العرب فضلا عن دلالة الرِّفْعَةِ المعنوية فحسنت الإشارة إلى البعيد ، فذلك قصص شريف قد علت رتبته ، وهو من أنباء الغيب ، فدلالة : "من" ، دلالة الْبَيَانِ للجنس ، ولا تخلو من دلالة تبعيض ، فتلك بعض قصص الماضين وبعض قصص النبيين عليهم الصلاة والسلام ، فضلا عن دلالة ابتداء الغاية ، فابتداء غايتها من جنس الغيب ، فهو جنسها الأعم ، إذ تنقسم موارده في الخارج ، فتحته أنواع ، فثم غيب ماض ، وغيب حاضر ، وغيب مستقبل ، والغيب المستقبل ، جنس ، أيضا ، باعتبار ما تحته ، فثم غيب مستقبل في هذه الدار كأشراط الساعة ، وثم غيب مستقبل في دار البرزخ كنعيم القبر وعذابه ، وثم غيب مستقبل في الدار الآخرة ، فدلالة : "أل" في "الغيب" : دلالة جنس تواطئ دلالة : "من" الَّتِي تُبَيِّنُ الجنس ، فهو جنس المبيَّنِ ، ودلالة الإنباء مئنة من غرابة ولطافة في الخبر فليس خبرا معتادا وليس مِمَّا ثَمَّ سبيل إلى دركه بالعقل ، فلا بد أن يوقفه الوحي عليه ، ولذلك جاء الإطناب بالخبر الثاني : "نُوحِيهَا إِلَيْكَ" ، والخبر الثالث : "مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا" ، فَثَمَّ تَدَرُّجٌ فِي البيان ، فهي من أنباء الغيب ، وذلك فصل أول ، كما اصطلح عليه المناطقة ، فأخرج أنباء الشهادة ، والغيب منه غيب يدرك بالتجريب ، فثم غيوب نسبية قد يدرك العقل منها وجوها إما على سبيل التجربة كسائر ما يكتشف العقل مما كان غيبا قبل استحداث آلات البحث فكان غَيْبًا فيما مضى ثم ظهر منه ما ظهر ولا زال فذلك ، كما تقدم مرارا ، من دلائل الإعجاز الخبري في الرسالة ، فمنه غيب مضى ، ومنه غيب حاضر ، ومنه غيب مستقبل ، ومنه غيب شرعي ، ومنه غيب كوني كوجوه من الإعجاز كانت غيبا ثم صارت شهادة فأثبتها العلم الحديث بوسائل البحث والتجريب فصارت شهادة إما قطعا وإما ظنا راجحا فلا يعلم الغيب مطلقا إلا الله ، جل وعلا ، فجاء الفصل الثاني : "نُوحِيهَا إِلَيْكَ" ، فهي وحي ، والوحي لا يعلم إلا من قبل الله ، جل وعلا ، فهو نبوة يوحي بها الله ، جل وعلا ، إلى من شاء من عباده ، فلا اختيار فيها ولا كسب ، ولا يعدلها غيرها من أقيسة العقول أو مواجيد النفوس كما زعم من زعم من الروحانيين الذي أحدثوا طرائق من الاتصال الروحي فيها ، كما يقول بعض المحققين ، من الدجل والخداع ما فيها ، فباب الحيل فيها أوسع ما يكون أن يلج منه كل كاذب أو مدع ، سواء أَدَّعَى النُّبُوَّةَ صراحة كما حصل لمسيلمة والمختار ، فكان ثم وحي ، ولكنه وحي شيطان لا يعلمه إلا من تضلع من أخبار النبوات فرسخ في قلبه الإيمان ، فهو يميز الخبيث من الطيب ، والكذب من الصدق لا سيما في هذه الدعوى فهي أعظم دعوى ، فلا يدعيها إلا أصدق الصادقين الذي يؤيده الله ، جل وعلا ، بالأدلة والبراهين الصادقة فخوارق العادات في حقه آيات محكمة لا اشتباه فيها فضلا أنها نوع من جنس أعم ، فليست دلائل النبوة فيها تنحصر ، بل ثم دلائل كثيرة ، فثم دلائل بالنظر والاعتبار في أحوال الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وكيف اطرد نصره ، جل وعلا ، للرسل عليهم السلام وأتباعهم ما التزموا رسالاتهم فإن تركوا منها شيئا ، في عقد أو شرع ، حصل لهم من النقص في الحال والسياسة بِقَدْرِ مَا تَرَكُوا فإن راجعوا الوحي تَعْظِيمًا وَشَفَعُوا ذلك بالتصديق والامتثال حصل لهم الظهور بعد الانكسار ، وتلك سنة تطرد وتنعكس ، فالقياس فيها قياس اعتبار صريح ، في الطرد والعكس ، جميعا ، فمن وافق الرسالة نصر ، ومن خالفها كسر ، ومن وافقها في بعض وخالفها في بعض نُصِرَ بقدر ما وافق وكسر بقدر ما خالف ، فالحكم يَتَقَسَّطُ بقدر ما يحصل من العلة ، وقد تكون المخالفة في بعض ينقض أصل الرسالة ، فيكون ذلك كمخالفتها جميعا بالتكذيب الصريح ، فقد يأتي المخالِف بشعبة من شعب المخالفة تنقض الأصل ، فنقض الحقيقة في هذا الباب إما أن يكون بإنكار الأصل ، فلا يجتمع الإثبات والإنكار معا في نفس المحل من نفس الوجه في نفس الآن ، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وإما أن يكون بشعبة من شعب المخالفة تنقض أصل الرسالة ، فيكون ذلك من شعب الكفر القولية أو العملية ، الباطنة أو الظاهرة ، فإن من القول ما بطن وهو التصديق ، ومنه ما ظهر وهي الشهادة ، ومن العمل ما بطن ، والشرك فيه أخفى من الشرك في العمل الظاهر ، ومنه ما ظهر ، فثم أعمال تنقض أصل الرسالة وإن لم يكذب صاحبها ، فهي في نفسها تنقض الأصل وإن كان ثم عذر بالجهل أو النسيان أو الإكراه ، فذلك أصل في باب الأسماء والأحكام ، على تفصيل في ذلك ، إذ خص بمواضع لا عذر فيها ، وذلك مَوْضِعٌ يدق والناظر فيه ما بين جاف وغال ، والحق وسط بَيْنَهُمَا في هذا الباب الشَّائِكِ ، فالاعتبار في حال الرسل عليهم السلام وما كان من ظهورهم على أعدائهم وإن طال الابتلاء ، وما كان من إهلاك أعدائهم ولو بعد حين من الاستدراج ، فـ : (لَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) ، كل أولئك من الأدلة الصحيحة على صدق الدعوى ، ومثله ما يحصل للناظر في شرائعهم فقد جاءت بأصدق الأخبار وأعدل الأحكام ، ومثله ما يحصل من علامات وردت في الكتب الأولى فيعلمها أحبار اليهود والنصارى ، كما علم هِرَقْلُ من مسالكَ في الشخص والنوع استدل بها على صدق الرسالة الخاتمة وإن أبى أن ينقاد فلم يشفع التصديق بل والتعظيم ! ، لم يشفعه بانقياد الظاهر أن يخضع لأحكام الرسالة فَيَدْخُلَ في حكمها ، فمنعه الملك ، فالرياسة من أعظم ما يحول بين الناس وبين اتباع الحق إذ يسلبهم الجاه والسلطان ، وتأمل حال من ضن بالملك في القديم والحديث ، كيف استحل من الحرمات ما استحل ، وكيف استخف بالرسالة وأحكامها ، وكيف عطل من الحق بل والمروءة والأخلاق ما عطل ، فلم يبق على دين سماوي ينتحله المؤمنون ، بل ولا قانون أخلاقي يعظمه سائر العقلاء ، بل ولا قانون أرضي ارتضى أناس ضلوا سبيل الوحي أن يتحاكموا إليه ! ، فلا شرعا ولا وضعا ! ، وتلك شهوة الملك وذلك شؤمه الذي يحمل صاحبه أن يخالف النقل والعقل جميعا ، فهو يجهد في استبقاء ما لا بقاء له وإن طال زمانه ، فأي عقل ركب فيه إذ ذهب هذا المذهب الفاسد ؟! ، فـ : (إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .

فكل أولئك من دلائل النبوة التي يستبين بأدنى نظر فيها من يصدق في دعواه ومن يكذب ، فقد تظهر على يد المتنبئ الكذاب جُمْلَةٌ من الخوارق يُفْتَنُ بها هو وأتباعه ، أو تكون إهانة له ولو خرجت عن حد العادة كما أثر عن مسيلمة الكذاب ، وانظر في حال بني إسرائيل ، كيف ظهروا على العماليق إذ التزموا أحكام التوراة فعظموا الوحي فكان النصر ، ثم بَدَّلُوا واستخفوا ، فظهر عليهم العماليق فأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم ، فلما راجع منهم من راجع الدين ، بعث الله ، جل وعلا ، لهم طالوت ملكا ، فلما ظهروا ملكوا الأرض برسم النبوة ، فجمع الله ، جل وعلا ، لداود الملك والنبوة ، فـ : (قَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) ، فلما بدلوا بعد سليمان وانقسم ملكهم في الشمال والجنوب ، فكانت مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة وقد انتهت على أيدي الآشوريين ، وكانت مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها بيت المقدس وقد انتهت على أيدي البابليين ، فلما بدلوا سلط الله ، جل وعلا ، عليهم الآشوريين والبابليين ، ولما رجعوا إلى بيت المقدس وبعث إليهم المسيح عليهم كفروا به وحرضوا على قتله ، فكان السبي الثاني أن بدلوا زمن القائد تيطس سنة 70 م ، ثم كان فتح بيت المقدس على يد الخليفة الراشد عمر سنة 16 هـ ، فلما بدل أهل الإسلام سلط الله ، جل وعلا ، عليهم حملات الصليب فسقط البيت في أيديهم سنة 492 هـ ، فَلَمَّا راجعوا الدين رجع البيت على يد صلاح الدين 583 هـ ، ثم نكصوا في هذه الأعصار فكان سقوط البيت في يَدِ بريطانيا ثُمَّ دولة يهود ، ولن يرجع إلا بمراجعة الدين ، فَالْقِيَاسُ يطرد وينعكس ، فكل أولئك من دلائل النبوة الصحيحة ، وهذه الأخبار من الغيب ، كما تقدم ، وقد تعلم بالنظر في كتب الأولين فذلك احتمال رفعه الفصل الثالث : "مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ" ، وثم توكيد بالضمير : "أنت" إذ لا يعطف على ضمير الرفع ، برز أو استتر ، لا يعطف عليه بلا فاصل ، فثم استغراق يجري مجرى الاحتراز فلا يعلمها أحد من قريش إذ كَانُوا أُمِّيِّينَ لَا علم لهم بالكتاب الأول فالأمية هنا تنصرف إلى الجهل بالكتاب الأول لا الأمية الاصطلاحية المتأخرة وقد يصح الجمع بَيْنَهُمَا فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اجتمع في حقه أمية الكتاب الأول فلا يعلم منه شَيْئًا ، وأمية القراءة والكتابة ، وذلك أبلغ في الإعجاز ، فـ : (مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) ، فعلمه الرب ، جل وعلا ، ما لم يكن يعلم ، فـ : (أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) ، فَأَنْزَلَ الله ، جل وعلا ، الكتاب وحيا يُتْلَى ، والحكمة فهي السنة ، فهي الوحي الثاني الذي يقاسم الكتاب اسم الوحي ، فهو جنس يندرج تحته النوعان : وَحْيُ الكتاب وَوَحْيُ السنة ، وإن اختلفا في الحد والرتبة ، فوحي الكتاب أعلى رُتْبَةً ، ووحي السنة يَلِيهِ ، ووحي الكتاب مما نقل تَوَاتُرًا ، ووحي السنة مما نُقِلَ آحادا في معظمه وإن كان بِالنَّظَرِ فِي أَصْلِهِ مُتَوَاتِرًا ، فحجية السنة قد ثَبَتَت بالكتاب المتواتر ، ووحي الكتاب مما يتعبد بلفظه ومعناه ، ووحي السنة لا يتعبد إلا بمعناه إلا ما كان من الأدعية المأثورة والأقوال المخصوصة في الصلوات كأدعية الاستفتاح ، وأذكار الركوع والسجود والتشهد ، فذلك أعظم الفضل إذ لا منة ترجح منة النبوة ، فهي ، كما تقدم ، محض اصطفاء ، لا كسب فيها ولا اختيار ، فـ : (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ، وقد جاءت بأخبار صحيحة صدقت الكتاب الأول وزادت عليه فبينت ما كتم أحبار يهود ، فـ : (لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ، فهذه أخبار محكمة لا أساطير متوهمة ، كما رَوَّجَ من رَوَّجَ في مكر خبيث إذ قرنوا أخبار الدين بأخبار الأساطير فحكوا الجميع حكاية واحدة وتذرعوا بالإنصاف والموضوعية والتجرد من العقائد والثوابت حال البحث الذي يضيع فيه الناظر إذ عدل عن محكم الأخبار إلى قياس عقل لا يدرك من الغيب إلا ما يوقفه عليه الوحي فراموا قرن أخبار السيرة بأساطير الحكايات التي تَلْتَذُّ بها النفوس وإن خالفت قياس العقل زعم ! ، وهذا أمر مستنده الخبر فلا عبرة فيه بِقِيَاسِ عقل إذا خالف نصا صريحا فإن افْتِرَاضَ ذلك ابتداء : افتراض فاسد ! ، فإن غاية النقل أن يأتي بما يحار العقل في حقيقته وإن لم يحله ، فشق الصدر ، على سبيل المثال ، مِمَّا ورد به النص ، وإن حار فيه العقل ، فلا إشكال في إثباته بل ذلك قد صار في زَمَانِنَا أَمْرًا يقدر عَلَيْهِ البشر بما اكتشفوا من طَرَائِقَ الطب والعلاج فكيف برب البشر ، جل وعلا ، فإن ذلك يثبت في حقه من باب أولى ، فإن أنكره مستشرق فذلك جار على طرائقه في البحث والنظر فهي تقوم على إيمان مطلق بالمادة والحس في مقابل ازدراء معاني الغيب والإعجاز فذلك قدح ظاهر في النبوات وهو جار على منهاج البحث الغربي ، فالعقل الأوروبي الذي طالما فوض أمره إلى الكنيسة قد خرج عن أخبارها وإن شئت الدقة فقل أساطيرها التي يريد من يريد من أدعياء البحث الحديث أن يسوي أخبار الرسالة بها فجميعها أساطير يَتَسَلَّى الناظر فيها ! ، فلما رام العقل الأوروبي أن يخرج عن سلطان الكنيسة حصل له الغلو في دلالة العقل والحس بعد أن كان غُلُوُّه في دلالة الأخبار المحرفة ، فليس ذلك من الوحي الخاتم في شيء ، دق أو جل ، وإنما هو التأثر بالمناهج الوافدة بذريعة التجديد وإن هو إلا اقتباس من طرائق الآخرين مع اختلاف الموضوع ، وإن شئت الدقة فسمه تقليدا مذموما قد تَتَبَّعَ فيه المهزوم سَنَنَ الهازم ، إذ لم يستعل بإيمانه بما بَيْنَ يديه من الحق المطلق فزهد فيه وراح يَتَتَبَّعُ ما تشابه من طَرَائِقَ محدثة في البحث تستند إلى المادة والحس فهي تنحط به إلى دركة البهائم إذ لا تؤمن إلا بما تجده بالحس الظاهر ، فلا تعظم أخبار الغيب بل تقرنها بالأساطير فذلك مستند المجددين من أبناء الشرق الذين اتبعوا سبيل الغرب في البحث والنظر ، وإن شئت الدقة فقل في الشك والحيرة ، فاستبدلوا الذي هو أدنى من شك العقول التي لم تعظم الوحي المنقول ، استبدلوه بالذي هو خير من يقين النبوات التي جاءت بالصدق والعدل في الكلمات والتي قامت الأدلة الصحيحة الصريحة السالمة من المعارضة على صحتها في نفس الأمر ، فهم أسارى التقليد مع نسبة الأمر إلى النفس في تبجح ظاهر لا يعدو أن يكون سرقة سطا فيها السارق على اجتهاد غيره ، فكيف إن قلده في أسوإ ما قال ، فلم ينقل أولئك عن الغرب إلا رذائله الفكرية ، وإن ألبسوها ثياب الحرية والموضوعية ، حتى صارت الحرية في البحث تجيز لصاحبها أن يخرج عن جميع القواعد والأصول المحكمة ، فيخالف الشرائع والأعراف والقيم .... إلخ باسم حرية الاعتقاد وحرية الفكر ..... إلخ ، فمعيار الحق عنده متشابه مذبذب ! يستند إلى ما يهوى عقله أو تستلذ نفسه ، وإن طعن في القطعيات الضرورية ، وتأمل ما بلغ به الأمر أن شكك من شكك في أخبار النبوة الأولى ، كأخبار الخليل والذبيح ، عليهما السلام ، وهي مما تَنَاقَلَتْهُ قريش جيلا بعد آخر فذلك خبر جدها الأعلى ، أبو العرب المستعربة ، إسماعيل عليه السلام ، وقد جاء به النقل المتواتر ، ولكنه أيضا مما لا يسلم به قبل عرضه على منهاج البحث الصحيح الذي يكافئ الشك في الإرث المنقول فتلك مبادئ إنكاره أو تأويله بما يوافق هوى المستدل ، فهذه هي الثورة الأدبية على المنقول من التراث فليس إلا حديث خرافة كخرافات الأديان الأرضية ! ، وهي ثورة تؤدي إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق أنه تاريخ ، ولو كان مستنده الوحي والنبوة ! ، فلا معظم أو مقدس يعلو على النقد بل لا بد من إخضاع كل الثوابت لقياس العقل الذي أصبح القاطع الرئيس الذي يقضي على النص بالقبول أو الرد وإن في أمور التوقيف سواء أكان ذلك في الأخبار أم في الأحكام ! ، وما أشبه هذه الثورة في الأدب بثورة التجديد في الدين بنزع القداسة عن نصوصه والعبث فيها بالتضعيف تارة والتأويل أخرى ، فذانك مستندا مشروع التجديد الذي يرام به إبطال قطعيات وثوابت لا يرضى عنها الآخر ! في محاولة لِرَدْمِ الهوة بين الشرق والغرب ، ليلتقيا على كلمة سواء يرضى بها الغرب فهو القوي المنتصر الذي يملي شرائطه على المغلوب المنكسر ، فيكون الشرق طوع أمره ، فهو الذي يسعى جاهدا أن يرضيه ويتقرب إليه ولو بالعبث في محكمات الشريعة ! ، وتلك مدرسة قال عنها الاحتلال البريطاني في مصر إنها الأمل الوحيد في قيام الوطنية المصرية ، وقد صار المتواتر القطعي الذي لم يخالف فيه أحد ممن عظم العقل وقدمه على النقل في تاريخ الفكر الإسلامي كالمعتزلة ومن لَفَّ لفهم ، إذ هو من الخبر الذي لا شبهة فيه ولو واهية كالشبهات التي حصلت للمتأولة في باب الإلهيات والسمعيات ، صار هذا الخبر الآن محل بحث ونظر ، وصارت قصة الخليل والذبيح ، عليهما السلام ، من نسخ الخيال القرشي ، وفيها تحايل لإيجاد صلة بين العرب ويهود ! ، فضلا عن المآرب السياسية فقريش تفتري قصة الخليل والذبيح ، عليهما السلام ، ليكون لها السيادة والرياسة في العرب ! ، ولتدعم مركزها الديني في مقابل المراكز الدينية في نجران النصرانية وصنعاء اليهودية فلا بد من مركز ثقل ديني يجعل لقريش مكانة روحية تؤهلها للقيادة السياسية فضلا عن العوائد الاقتصادية من حج البيت فتجارتها تروج في المواسم فهم سدنة البيت الذي زعموا أن الخليل وإسماعيل ، عليهما السلام ، قد بَنَيَاهُ فذلك أيضا من جملة ما افتروا لتقوية مركزهم الروحي ، ولا تجد للقائل مستندا إلا الفرض العقلي المحض دون أن يستند إلى أية بَيِّنَةٍ في أمر ، كما تقدم مرارا ، مستنده الخبر ، فلا تجد إلا مقدمات فرضها العقل ثم أنزلها منزلة القطع بلا دليل ليستنبط منها نتائج توافق ما اعتقده سلفا أو نقله عن غيره ! ، وهو بعد ذلك يزعم الإنصاف والموضوعية والتجرد من الأهواء النفسانية ، وحقيقة الأمر أنه قد تجرد من كل شيء إلا هواه الذي صيره الحكم فليس بعادل وليس للحق بطالب ، وهو يستند إلى التشكيك في القواطع استنادا إلى مدارس مادية براجماتية في تفسير التاريخ فليس إلا جملة من المصالح تختلق لأجلها النصوص فهي توظف من أجل الحفاظ على المكاسب والرياسات ، وهل ذلك إلا نقل آخر للصورة الذهنية للكنيسة في العقلية الغربية المتمردة على أساطير الكهنوت ، فهل صارت أخبار الوحي الخاتم جملة أخرى من الأساطير تجب الثورة عليها باسم التجديد والتصحيح ولو بالتشكيك في الأصول والثوابت ؟! ، فما أفسده من قياس فالفارق بين الاثنين أي فارق ! ، ولذلك حسن الإطناب بتعدد الأخبار ، التي تؤكد حقيقة الوحي التي يأبى العقل ويستكبر أن يَتَّبِعَهَا فهو يقلد إبليس إذ عارض محكم الأمر بمتشابه القياس ، فجاء الإطناب بأخبار تَتْرَى تؤكد حقيقة الوحي : "نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا" ، والمضارعة في : "نوحيها" مئنة من استحضار الصورة فذلك آكد في تقرير المنة بالوحي ، وهي ، كما تقدم ، أعظم منة ، فليست جملة من الروحانيات تحصل لكل ناسك ومتزهد أو ناظر ومتدبر ، بل هي اصطفاء ، كما تقدم ، فلا يمكن أن تكون الرسالة إلا وحيا بالمفهوم الشرعي لا المفهوم الذوقي الروحاني الذي حمل بعضهم أن يسوي نفسه بالرسل عليهم السلام فنحن جميعا مرسلون ! ، بدين التسامح الذي لا يتعصب لمعتقد فهو يعشق الحقيقة لذاتها وطرائق الوصول إليها تَتَعَدَّدُ فالطرائق الروحانية المحدثة طريق أخرى سنها أصحابها مضاهاة للرسالة ، وجعلوا لها شعائر وطقوسا فهي مناهج تضاهي منهاج الوحي ، وتلك دعوات هونت من شأن النبوة فجعلتها واسطة مجردة بين السماء والأرض فلا حاجة لها إذا كانت الوسائط الأخرى تسد مسدها فأصحاب الروحانيات لهم من طرق أخرى ! يتوسلون بها إلى الرب ، جل وعلا ، وكلها صحيح فكل يتوسل بطريقته دون أن يتعصب لها ، وذلك مقال آثار الاتحاد فيه ظاهرة ! ، قد نطق به أهل الباطن قديما وتبنته في هذه الأعصار المتأخرة الحركات السرية التي تروم إبطال الأديان جميعا بالتسوية بينها جميعا ! ، وقد يعجب الناظر إذا رأى من أبناء المدارس التجديدية ! من يروم التوحيد بين الإسلام والنصرانية استنادا إلى توحيد الإسلام وتوحيد الكنيسة الأنجليكانية ! ، وقد وقع في براثنه من وقع من رجال ينسبون إلى الدين من أبناء المدرسة العقلية الحديثة ، وإن لم يبلغ به التجديد هذا المبلغ ! ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، إبطال للأديان جميعا ، ما صح وما فسد ! ، إذ الحق في هذا الباب واحد لا يتعدد فليس الدين أديانا يختار منها الإنسان ما يلائمه وهو في حل أن ينظر في أدلة الجميع لينتحل ما كانت أدلته الأصح والأسلم ، وإن في اجتهاده وإن لم تكن كذلك في نفس الأمر ، فلا بد أن يرجع في آخر أمره إلى قول واحد يعتقد صوابه وما عداه فخطأ فذلك قياس العقل الصريح فضلا أن يكون منطوق الوحي الصحيح ، فـ : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ، و : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فليس الوحي مادة تتجدد بتجدد الأزمان إذ لكل زمان رجاله ! ، وإن شئت الدقة فقل أنبياؤه إذ آل الأمر أن صارت النبوة واسطة من جملة الوسائط ، فليست الواسطة الوحيدة بين السماء والأرض فثم وسائط أخرى يدرك بها الحق ولو خالفت منهاج النبوة في الأخبار أو الأحكام فضلا أن تخالف قياس العقل إذ تزعم تعدد الحق بتعدد الوسطاء ! ، فحصل الإطناب ، كما تقدم ، ثم جاء الأمر فهو مناط الفائدة التي لأجلها سيقت أخبار الماضين في مقام الاعتبار ، فـ : (اصْبِرْ) ، فالأمر مئنة من الإيجاب والإرشاد ، ثم ذيل بالتعليل على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال ، فـ : (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، وهو جار على ما تقدم من القياس الصحيح في أخبار الماضين ، طردا وعكسا ، فما كان هذا قصصا للتسلية ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

والله أعلى وأعلم .