المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن خبر : "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ .."



مهاجر
10-09-2015, 01:09 AM
ومن خبر : "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا" ، فصدر السياق بالمؤكد الناسخ : "إن" ، فضلا عن تكرار الإسناد ، فكان إسناد الخبر وهو الجملة : "لم يجعل" إلى المبتدأ ، فضلا عن إسناد فعل الجعل إلى الضمير المستتر فيه ، وهو جعل كوني ، إذ لم يجعل الرب ، جل وعلا ، في الأعيان الخبيثة نفعا يرجح خبثها ، ولذلك حرمها أن رجح ضَرَرُهَا نَفْعَهَا ، فذلك الجعل الشرعي وهو يبنى على الجعل الكوني ، فما طهر كونا أبيح شرعا ما لم يكن ضرره أعظم من نفعه ، فثم بعض الطاهرات التي حرمت لرجحان ضررها على نفعها ، وما نجس كونا حرم شرعا ، وذلك مقتضى الحكمة فلا تخلو عين من نفع ، بل وربما وجد من يطعمها إن كانت مطعوما أو يشربها إن كانت مشروبا ، ربما وجد لَذَّةً ، ولو متوهمة ، ولكنها لا تعدل ما يكون من ضررها الآجل فالنظر في تراجح المنفعة والمفسدة مع أن العين الخبيثة حال الاضطرار يحصل بها نفع يرجح ضررها ، وذلك استثناء لا يقاس عليه ومع ذلك فالقاعدة مطردة فمتى وجد النفع الخالص أو الراجح وجدت الإباحة ومتى وجد الضرر الخالص أو الراجح وجد التحريم فالقياس يطرد وينعكس ، فلم يجعل الشفاء فيما حُرِّمَ فَلَوْ كانت الحجامة ، على سبيل المثال ، محرمة ما أبيحت للاستشفاء ، ولو كانت محرمة لحرم ثمنها فإن الله ، جل وعلا ، إذا حرم شيئا حرم ثمنه ، وحرم الاستشفاء به إذ ضرره كما تقدم يرجح نفعه ، وليس له حاجة ، تبارك وتعالى ، أن يحرم شيئا لينغص على عباده منة الإباحة العامة للأعيان ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فاللام مئنة من الاختصاص ، فخصكم بهذه المنة العامة فلا حاجة له فيها إذ هو الغني بذاته وهو الذي خلق الأسباب فكيف يفتقر إليها وهي التي افتقرت إليه ابتداء أن يوجدها وأن يجعلها فاعلة بما ركز فيها من قوى الطبع لتنتج آثارها وفق سنن كوني محكم ، فلا نفع في العين الضارة التي خلص ضررها أو رجح ، ولا نفع في موارد الاحتياط في الأعيان التي اختلط فيها المحرم بالمباح على وجه يعسر فيه الفصل كتولد شيء من طاهر ونجس ، لا سيما في أمور الأصل فيها التحريم كالذبائح فحرم البغل على سبيل المثال إذ تولد من الحصان الطاهر والحمار الأهلي النجس ، فغلب التحريم احتياطا إذ مازج النجس الطاهر على وجه لا يؤمن فيه النجس وما يكون منه من الضرر فلو كان طيبا لأباحه الشارع ، جل وعلا ، فتلك منة الرسالة الخاتمة على من آمن من بني إسرائيل ، فوصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كتابهم : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، ويضع عنهم آصارا بتحريم ما أبيح لغيرهم من الشحوم ونحوه عقوبةً لهم أن ظلموا وبدلوا ، فلا يجوز الاستشفاء بنجس أو محرم ، وذلك وقت حاجة فلو كان مباحا ما تأخر البيان بالإباحة تصريحا أو استصحابا للبراءة الأصلية فلما جاء الدليل الناقل انقطع دليل الاستصحاب وانقلب الحكم إلى التحريم وهو خلاف الأصل فلا ينقل عنه إلا بدليل ، فجاء دليل التحريم للشيء ، فَسَرَى إلى الاستشفاء به ، فهو محرم سواء أكان الشيء نجسا أم طاهر العين ، فلما حرم ظهر رجحان الضرر فيه على النفع فلو كان خيرا خالصا أو راجحا ما حرمه الله ، جل وعلا ، فحصلت الحاجة إلى البيان ، إذ رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم سلمة ، رضي الله عنها ، تصنع نبيذا لابنة لها مريضةٍ تستشفي به ، فنهاها عن ذلك ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فأبان صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحكم فذلك دليل ناقل عن الأصل ولا يقاس ذلك على حال الضرورة في المخمصة ، كما يقول بعض المحققين ، فإن تناول المحرم حال المخمصة الشديدة التي يغلب على الظن هلاك الإنسان إن لم يتناولها ، أمر يبلغ حد اليقين أو يقاربه فالأكل في العادة المطردة سبب في حصول الشبع الذي يقيم الأود ، ولو محرما ، فتلك ، كما تقدم ، حال عارضة بل قال بعض أهل العلم إن قوى الجسد تنتفع بالمحرم حال الضرورة ما لا تنتفع به حال السعة ، وأما الدواء فليس كذلك فحال الضرورة في المخمصة الشديدة أعظم بداهة من حال المريض الذي يَسْتَشْفِي ، فعنده من المباح من الدواء ما يغنيه ، ودائرة الاختيار في حقه أوسع خلافا للمضطر فَيُوشِكُ أن يهلك فالأمر في حقه قد تضايق فإن لم يأكل هَلَكَ ولذلك وجب عليه أن يأكل إذ الحكم الأصلي في حقه قد سقط ولذلك سميت الرخصة في هذه الحال : رخصة إسقاط ، كما اصطلح عليه الحنفية رحمهم الله ، إذ سقط حكم الأصل بل وانقلب إلى الضد فحكمه حال الاختيار : محرم ، وحكمه حال الاضطرار : مباح بل وواجب ، فضلا عن اختلاف الحكم ابتداء ، فحفظ المهج حال المخمصة الشديدة واجب ، إذ يغتفر هذا الضرر في تَنَاوُلِ المحرم في مقابل النفع العظيم بحفظ النفس فذلك المقصد الثاني من مقاصد الشريعة ، فلا يقدم عليه إلا المقصد الأول : حفظ الدين ، ولذلك حمد لعبد الله بن حذافة ، رضي الله عنه ، ما صنع إذ وقع في أسر الروم ، فإنه أعرض عن تناول المحرم من الخمر والخنزير وقد بلغت به المخمصة ما بلغت ، فالقياس أنه آثم إذ أعرض عن الرخصة فتنطع وتكلف حتى بلغ نه الجهد كل مبلغ وأوشك أن يهلك وذلك ، كما تقدم ، ما نهي عنه في التَّنْزِيلِ : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، ولكن لما عارض ذلك مقصد أعظم يتعلق بأمر الدين إعزازا له وكسرا لقلوب خصومه واستعلاء أن يقهروا المؤمن أو يظهروا الشماتة به ، صار ذلك مستحبا وإن لم يجب فلا يقدر كل أحد على ذلك فليست كل النفوس تطيق العزيمة في موضع تباح فيه الرخصة ، فقد صبر حبيب بن زيد ، رضي الله عنه ، كسرا لقلب مسيلمة حتى قطعه إربا إربا أن أبى أن يشهد له بالرسالة ، فأخذ بالعزيمة ، ولم يطق عمار ، رضي الله عنه ، وهو أفضل بالإجماع من ابن زيد ، فهو من السابقين الأولين من المهاجرين ، وهم بالإجماع أفضل طبقات الصدر الأول ، رضي الله عنه ، وإن تَفَاوَتُوا في الفضل ، كما ذكر من صنف في طبقات الصحابة ، كالحاكم ، رحمه الله ، فإن أفضل طباق الصحابة ، رضي الله عنهم ، هم الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، ومنهم عمار ، ومع ذلك وسعه أن يأخذ بالرخصة حال اشتد عليه العذاب فلم يصبر فَلَوْ صبر لكان خيرا على جهة الندب ، فلما لم يطق جاء التخفيف بالرخصة وَنَزَلَ العذر فاستثنى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) ، فحال التداوي دون حال المخمصة ، فيباح في المخمصة ما لا يباح في التداوي ، فحكم الأول يخالف حكم الثاني ـ فالأول وهو الأكل من المحرم حال المخمصة الشديدة : واجب ، والثاني وهو التداوي : ليس بواجب على قول الجمهور ، على تفصيل في ذلك ، فضلا أن النص قد رخص في الأول ، فـ : (مَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، ولم يرخص في الثاني ، كما في حديث أم سلمة ، رضي الله عنها ، وأضيف الشفاء إلى المعرف بالإضافة : "أمتي" : فأفاد التعريف في اللفظ ، والتوضيح في المعنى ، والعموم في الدلالة ، فيعم جميع صور الاستشفاء ، والأمة هنا إما أن تحمل على أمة الإجابة على قول من نفى خطاب الكفار بفروع الشريعة ، وإما أن تحمل على أمة الدعوة على قول من أثبت خطاب الكفار بفروع الشريعة فيتوجه إليهم الإيجاب والتحريم في الفروع توجهه إلى المسلمين ، وإن لم يَصِحَّ منهم تَكْلِيفٌ بأمر أو نهي حتى يأتوا بالأصل وهو التوحيد فهو شرط صحة أول في كل عمل ، باطنا أو ظاهرا ، قولا أو عملا ، فعلا أو كفا ، ولا تخلو نسبة الأمة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دلالة رأفة ورحمة ، فهي أُمَّتُهُ التي يخشى عليها في الأولى والآخرة ، فـ : "ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله إلا وقد نهيتكم عنه" ، ولما نزلت آية المائدة : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، رفع يديه وقال : "اللهمَّ أُمَّتي أُمَّتي" ، فلم يجعل ، تبارك وتعالى ، الشفاء في محرم ، إذ نَزَعَ منه قوة النَّفْعِ والاستشفاء ، فحرم ذلك ، على خلاف في استحالة العين النجسة بالاستحالة : هل تطهر وَيُبَاحُ الاستشفاء بها ، أم هي على الأصل ، وقد استتر الفاعل في فعل التحريم : "حَرَّمَ" ، إذ قد تقدم ذكره في السياق ، فضلا أنه مما قد علم بداهة فلا يحل ويحرم في مقام التشريع إلا رب العالمين ، تبارك وتعالى ، ونبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا استقلالا وإنما تَبَعًا لما يوحى به إليه ، فهو الذي يبلغ اللفظ ويبين المعنى فتلك وظيفة الرسالة الرئيسة : التبليغ والتبيين ، فيحرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يحرم الله ، جل وعلا ، فـ : "إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ" ، فذلك مورد تحريم عام ، و : "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ" ، فذلك مورد تحريم خاص ، وليس ذلك بداهة تسوية بين الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يسوى بين خالق ومخلوق بداهة مهما بلغ قدر المخلوق فلا يضاهي الخالق ، جل وعلا ، وإنما اكتسب هذه الخاصة بما أوحى إليه الرب ، جل وعلا ، فتلك منزلة تؤهله أن يحل ويحرم فهو يبلغ حكم ربه ، جل وعلا ، في الشيء إباحة أو حظرا .
وفي سياق آخر : "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" ، فالفعل : "حَرَّمَ" قد بني لما سمي فاعله ، فمرجع الضمير هو الله ، جل وعلا ، الذي تقدم ذكره في السياق ، فهو متقدم في اللفظ والرتبة ، وذلك الأصل في مرجع الضمير : أن يتقدم لفظا ورتبة ، وفي هذا السياق ، أيضا ، جاء التوكيد بالناسخ فضلا عن اسمية الجملة فهي مئنة من الثبوت والديمومة ، وأضيف الشفاء في هذا السياق إلى ضمير الجماعة المخاطَبة ، فهو يتوجه إلى الحاضرين آنذاك مواجهة ، ويتوجه إلى بقية الأمة لِعُمُومِ التشريع فهو الأصل ما لم ترد قرينة تخصصه بمخاطَب بعينه سواء أكان فردا أم جماعة كنصوص الخصائص والفضائل في حق آحاد من الصحابة ، رضي الله عنهم ، وكنصوص التفضيل لِلْقُرُونِ الثلاثة فلا يتعدى إلى بقية الأمة وإن كان فيها خير حتى تقوم الساعة ولكنه بداهة لا يعدل خيرية الصدر الأول والقرون الفاضلة فخيرتهم أعظم وأعم ، فهي خيرية مطلقة في الاعتقاد والقول والعمل ، ولذلك صاروا معيار الإيمان الأكمل الذي به تحصل الهداية ، فـ : (إِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) ، فالخطاب قد توجه إليهم فصار إيمانهم هو المعيار الذي يمدح المكلف بقدر ما يقاربه ويذم بقدر ما يفارقه ، فـ : (إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .

وجاء النص على فرد محرم بعينه وهو الخمر ، كما في حديث طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ ، سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ - أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» ، فجاء النفي والاستدراك على جهة الطباق بين الداء والدواء فنفى عنه وصف الدواء وأثبت له وصف الداء فكيف يتداوى به من أدواءَ غيرِه وهو في نفسه داء ؟! .

والله أعلى وأعلم .