المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من آية : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا ....)



مهاجر
13-09-2015, 06:33 AM
مِمَّا تَقَرَّرَ في الإلهيات أن الله ، جل وعلا ، قد اتصف بالجلال عِزَّةً وانْتِقَامًا وأخذا ، فـ : (لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) ، فذلك من النَّهْيِ المؤكد بالنون ، وقد اسْتَتَرَ ضميره وجوبا ، إذ الفعل المضارع إن صدر بتاء المخاطب المذكر ، استتر ضميره وجوبا ، وقل مثله في حروف المضارعة : الألف والنون ، وأما الياء فإن الفاعل معها قد يظهر وقد يستتر جوازا ، كما في قولك : يأكل محمد الطعام ، أو جوابك لمن سأل : ماذا يصنع محمد ؟ ، فيكون الجواب : يأكل فاستتر الضمير جوازا إذ قد تقدم ذكره في السؤال فدل المذكور المتقدم على المستتر أو المحذوف المتأخر ، وكذلك الشأن في المضارع إن صدر بتاء تدل على الفاعلة المؤنثة ، فقد يظهر كما في قولك : تأكل هند ، وقد يستتر جوازا ، كما في جوابك لمن سأل : ماذا تصنع هند ؟ ، فيكون الجواب : تأكل فاستتر الضمير جوازا إذ قد تقدم ذكره في السؤال ، أيضا ، فدل المذكور المتقدم على المستتر أو المحذوف المتأخر ، فالأفعال المضارعة التي تصدر بالألف أو النون أو تاء المخاطب المذكر يستتر فيها ضمير الفاعل إيجابا ، وهو ما أشار إليه ابن مالك ، رحمه الله ، في الألفية بقوله :
ومنْ ضميرِ الرفعِ ما يستترُ ******* كافعلْ أوافقْ نغتبطْ إذ تُشْكُرُ .
فأبان عن الحد بالمثال فذلك يندرج من وجه في التعريف بالمثال وهو في أحيان كثيرة يكون أكثر إيضاحا وبيانا من التعريف بالحد الجامع المانع ، فأبان عن الأفعال المضارعة التي يستتر فيها ضمير الفاعل إيجابا بذكر جملة من الأمثلة ، فمثل للفعل الأمر بـ : "افعل" ، وضمير الفاعل يستتر إيجابا في فعل الأمر فِإن ظهر بعده منفصلا فهو يجري مجرى التوكيد للمستتر ، ويكون من نفس لفظه ، كما في قوله تعالى : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) ، فالفاعل قد استتر في الفعل وهو من جنس المذكور على سبيل التوكيد فمؤكد فاعل الأمر يكون ضميرا إما من نفس اللفظ إذا استتر إيجابا وهو الفاعل المفرد ، كما في هذه الآية ، ويكون من جنسه وإن لم يماثله في اللفظ إن ظهر كأن يكون ألف اثنين في نحو قولك : استقيما فإن أردت التوكيد قلت : استقيما أنتما ، فالخطاب بضمير الاثنين المنفصل : "أنتما" : من جنس ألف الاثنين ، الفاعل الظاهر في حال أمر الاثنين ، وقل مثله إن أردت التوكيد في حال الفاعل الظاهر في أمر الجماعة ، كأن تقول : استقيموا ، فظهر الفاعل وهو واو الجماعة فتوكيده يكون بضمير الجماعة المخاطبة : "أنتم" ، فتقدير الكلام : استقيموا أنتم ، وكذلك الشأن في نون النسوة ، فـ : استقمن ، فإن أردت التوكيد قلت : استقمن أنتن ، فأكدت بضمير المخاطب لجماعة الإناث ، ثم مثل ابن مالك ، رحمه الله ، لكل حرف من حروف المضارعة التي يستتر الفاعل في فعلها إيجابا ، مثل لكل منها بمثال ، فالفعل المضارع المبدوء بالألف كأوافق ، والمبدوء بالنون كنغتبط ، والمبدوء بالتاء كتشكر ، فإن ظهر بعدها ضمير ، فهو أيضا ، تَوْكِيدٌ ، ويكون الضمير المؤكد من جنس الضمير الذي يستفاد بالنظر في دلالة حرف المضارعة ، فدلالة الألف في : "أوافق" : دلالة الفاعل المتكلم ، فيلائمه حال الانفصال : "أنا" فهو الضمير المنفصل الذي يؤكد الضمير المستتر في المضارع المبدوء بالألف ، فتقدير الكلام : أوافق أنا ، ودلالة النون في : "نغتبط" : دلالة الفاعلين ، فيلائمه حال الانفصال : "نحن" فهو الضمير المنفصل الذي يؤكد الضمير المستتر في المضارع المبدوء بالنون ، فتقدير الكلام : تغتبط نحن ، ودلالة التاء في : "تشكر" : دلالة الفاعل المخاطب ، فيلائمه حال الانفصال : "أنت" فهو الضمير المنفصل الذي يؤكد الضمير المستتر في المضارع المبدوء بالتاء ، فتقدير الكلام : تشكر أنت ، وهذه التاء ، وهي حرف خطاب يدل على أن المخاطب واحد فليست بداهة ضميرا كتاء الفاعل ، إذ الضمير كلمة مستقلة ، وأما هذا الحرف فهو حرف مبنى يدخل في حد الحرف وإن أفاد معنى من وجه آخر وهو معنى الفاعل الواحد حال الخطاب ، إلا أنه ليس حرف معنى من كل وجه إذ لا يستقل باللفظ كسائر حروف المعاني الخالصة كحروف الجر على سبيل المثال فهي مستقلة في اللفظ ، وإن اتصلت كالباء ، فيمكن فصل اللفظ المتصل بها دون أن يختل معناه إذ ليست جزءا منه خلافا لحرف المضارعة في صدر الفعل المضارع فإن حذفه يخل بالمعنى ويغيره ، فهذه التاء وهي حرف خطاب تكافئ حال النصب والجر ، كاف المخاطب ، فدلالة الخطاب تعم : أنتَ حال الانفصال ، وهو للمخاطب المذكر ، وما اشتق منها من أجناس الخطاب : أنتِ للمخاطبة الأنثى ، و : أنتما للمثنى ، و : "ما" حرف دال على التثنية على خلاف هل هو داخل في حد الضمير أو يزيد عليه ، و : أنتم ، لجماعة الذكور والميم أيضا فيها الخلاف المتقدم فهل هي حرف دال على جماعة المخاطبين الذكور أو يزيد عليه ، و : أنتن ، لجماعة الإناث والنون أيضا فيها الخلاف المتقدم فهل هي حرف دال على جماعة المخاطبات الإناث أو يزيد عليه .
وتاء الفاعل إن فتحت في النطق كقولك : أكلتَ ، وإن كسرت في حال خطاب الأنثى كقولك : أكلتِ ، وإن ثنيت كقولك : أكلتما ، و : "ما" ، أيضا ، حرف يزيد فهو يدل على معنى التثنية على خلاف هل يدخل في حد الضمير أو هو زائد عليه ، وأكلتم لجماعة الفاعلين الذكور والخلاف في الميم قد تقدم فهو من جنس الخلاف في ميم : "أنتم" ، وأكلتن لجماعة الفاعلات الإناث ، والخلاف في النون قد تقدم فهو من جنس الخلاف في نون : "أنتن" .
وتاء المضارعة التي يصدر بها المضارع ، كما تقدم ، وهي وحدها الحرف وما سواها فضمائر تستقل بذاتها فلها محل مخصوص من الإعراب ، فكل أولئك من وجوه الخطاب في لسان العرب صواء أكان بإضمار أم بإظهار ، وسواء أكان بضمير فهو كلمة تستقل أم بحرف من حروف الخطاب يدخل في لفظ الفعل وإن أفاد في نفسه معنى على وجه لا يجوز أن ينفرد فيه باللفظ فهو حرف مبنى لا معنى فإفراده في اللفظ يفضي إلى النطق بصوت لا معنى له فليس بكلام في الاصطلاح إذ لم يفد معنى ولو مفردا فضلا أن يفيد معنى مفيدا مركبا في سياق مذكور أو مقدر كما حد النحاة الكلام وكما مثل له ابن مالك رحمه الله في صدر الألفية بـ : "استقم" فهو كلام مفيد وإن كان لفظا واحدا إذ استتر فيه فاعله وجوبا فذلك سياق مقدر وإن كانت صورة اللفظ مفردة .
وقد بني الفعل على الفتح إذ اتصل بنون التوكيد المشددة وهو ما حسن توكيده في سياق الاحتراز ، فالنهي في هذا السياق يحمل على الإرشاد والتحذير .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
16-09-2015, 06:17 AM
وفعل الحسبان قد ضمن معنى الاعتقاد ، فلا تَعْتَقِدَنَّ اللهَ يخلف الوعد ، والحسبان ابتداء يحتمل فهو مئنة من الاعتقاد الراجح على وجه ، وإن لم يبلغ حد اليقين الجازم ، كما في قوله تعالى : (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) ، فهم يعتقدون أنهم على شيء يعتبر به تحصل نجاتهم ، فحسن التوكيد بالناسخ ، فذلك آكد في تقرير المعنى بالنظر في حال المتكلم ، وإن كان ما يظنه خلافَ الحق ، فَسَدَّت : "أَنَّ" وما دخلت عليه من الجملة الاسمية مسد المفعولين ، ومثله قوله تعالى : (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) ، وقد يقال بأنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب المفعول الأول ، والمفعول الثاني قد حذف لدلالة السياق عليه فهو كون عام ، والكون العام مما اطرد حذفه في اللسان إيجازا ، فيكون تقدير الكلام : ويحسبون كينونتهم على شيء من الحق كائنة أو حاصلة أو ثابتة أو مستقرة .... إلخ من تقديرات الكون العام ، ومثله في الآية الثانية : ويحسبون هدايتهم كائنة أو حاصلة أو ثابتة أو مستقرة .... إلخ .
وقد ترد : "أَنَّ" مثقلة بعد فعل الحسبان ويكون اسمها بارزا ، كما في الآيات السابقة ، وقد ترد مخففة فاسمها ضمير الشأن المحذوف كما في قول الرب المعبود تبارك وتعالى : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) ، فدخلت أن على الجملة المنفية : "لن نجمع عظامه" ، وإنما رُسِمَا حرفا واحدا مشددا ، وهو اللام ، لمكان الإدغام الكامل إذ أدغمت النون في اللام فالنطق : لام مشددة مع ذهاب النون وذهاب وصفها فلا غنة فهو إدغام كامل من هذا الوجه إذ لم يَبْقَ لا من النون ولا من وصفها شيء ، فاسمها في هذه الحال : ضمير الشأن المحذوف وجوبا ، وتقدير الكلام : أيحسب أنه ، أي الشأن أو الحال ، أننا لن نجمع عظامه ؟! ، ودلالة الحسبان هنا ، أيضا ، دلالة اعتقاد راجح بالنظر في حال المتكلم ، وإن كان معتقده خلاف الحق الذي دل عليه الوحي ، بل والعقل لو أمعن النظر وتدبر ، وإنما أتي من قبل اعتباره الفاسد ، إذ أنكر البعث فاستبعد نَشْرَ العظام مع أن خلقها ابتداء أعسر ، والجميع على الرب ، جل وعلا ، هين ، فقياس الأولى أن من خلق ابتداء فهو على الجمع انتهاء أقدر .
وقد يرد المفعولان صراحة ، كما في الآية محل الشاهد : (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) ، فالمفعول الأول هو لفظ الجلالة : "الله" ، والثاني هو اسم الفاعل الذي حد من الرباعي : "أخلف" ، فضم أوله بعد قلبه ميما وكسر ما قبل آخره .

وقد يرد أحدهما ويحذف الآخر لدلالة السياق عليه فهو كون عام ، والكون العام مما يحسن حذفه إيجازا إذ لا معنى جديدا فيه يستفاد فهو يحصل في الذهن ابتداء ، فذكره لا يفيد السامع جديدا ، كما في قوله تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) ، فتقدير الكلام : أحسب الناس تَرْكَهم بلا ابتلاء كائنا ، فأولت : "أَنَّ" وما دخلت عليه بمصدر انسبك منهما ، وحذف المفعول الثاني فهو الكون العام كما تقدم ، والكون العام مما اطرد حذفه في لسان العرب ، كما في قوله تعالى : (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) ، فتقدير الكلام : والركب كائن أسفل منكم ، أو يكون أسفل منكم ، فمتعلق شبه الجملة ، وهو الخبر حقيقة على الأصح من أقوال النحاة فليس الجار والمجرور أو الظرف هو الخبر ، فمتعلق شبه الجملة قد حذف إذ قدر بالكون العام فلا زيادة معنى فيه تُرْتَجَى خلاف الاستقرار في نحو قوله تعالى : (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) ، فهو يكافئ الكينونة العامة من وجه ، ولكن ثم قدر زائد وهو انتقاله من محله في اليمن إلى بيت المقدس ، فذلك كون خاص يقرر معنى الإعجاز في الفعل ، وإلا فالكلام في غير التنزيل قد يصح على تقدير : فلما رآه عنده ويقدر العامل في الظرف بكائن أو مستقر ، فجاء النص عليه أن زيد فيه معنى ليس في الكون العام .

وقد يتقدم أحد المفعولين إيجابا لاتصاله بالعامل فذلك من مواضع تقدم المفعول به إيجابا ، كما في قوله تعالى : (يَحسَبهمُ الجاهلُ أغنياء من التعفّف) ، وقوله عز وجل : (وَتحسبُهم أيقاظاً وهم رُقودٌ) ، فاتصل ضمير الغائب ، وهو المفعول الأول ، اتصل في كليهما بعامله فقدم على الفاعل ، وبقي المفعول الثاني في موضعه من السياق فالأصل فيه أن يتأخر عن الفاعل رتبة ولفظا .
وقد يكون المفعولان ضميرين ، كما في قول الشاعر :
أخي حسبتك إياه .......
وهو الأرجح ، أي : انفصال الثاني ، ويصح أن يتصل كلاهما بالعامل فتقول : حسبتكه ، على المشهور في اللسان من تقديم الأعرف فالأعرف ، فتاء الفاعل وهي تكافئ ضمير المتكلم المنفصل : "أنا" أعرف من كاف المخاطب التي تكافئ ضمير المخاطب المنفصل : "أنت" ، وضمير المخاطب أعرف من هاء الغائب التي تكافئ ضمير الغائب المنفصل : "هو" .

وقد يحذف المفعولان جميعا لتقدم ذكرهما في السياق ، كما في قول الكميت :
بأي كتاب أم بأية سنة ******* ترى حبهم عار علي وتحسب
أي : وتحسب حبهم عارا علي ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر .
فهي ، كما تقدم ، مئنة من الاعتقاد الراجح ، كما مثل في "شرح الكافية الشافية" بقوله تعالى : (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء) ، وجعله المشهور من استعمالها .
وهي ، من وجه آخر ، مئنة من العلم فهو يقين يزيد على الاعتقاد الراجح الذي يحتمل ضدا مرجوحا فهو يكافئ في اصطلاح أهل الأصول النص الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من الدلالة في مقابل الظاهر الذي يحتمل وجها راجحا يتبادر إلى الذهن في مقابل آخر مرجوح لا يصار إليه إلا بقرينة صحيحة سالمة من المعارضة ، فمثال "حسب" العلمية ما مثل به ، أيضا ، في شرح الكافية الشافية ، من قول الشاعر :
حَسِبْت التُّقَى والجودَ خيرَ تِجارةٍ ******* رباحاً، إِذا ما الْمَرْءُ أَصبح ثاقِلا .
فهو يعتقد يقينا لا رجحانا ، أن التقى خير تجاة مع الرب ، جل وعلا ، فهي تُنْجِي صاحبها من العذاب الأليم .

ومادة : "حسب" مئنة من تقدير في الذهن سواء أكان حساب معدودات أم حساب معلومات .

ودلالة الاسم المشتق : "مُخْلِفَ" : دلالة المضارع ، إذ اسم الفاعل يعمل عمل مضارعه ، وإذا نُكِّرَ في اللفظ فَلَا بُدَّ أن يَتَمَحَّضَ للحاضر أو المستقبل ، حقيقة أو تقديرا ، كما في قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ، فَعَمِلَ وإن كانت دلالته على ماض انقضى إذ استحضرت صورته ، وأما في هذا الموضع فقد عمل عَلَى الأصل إذ هو نَكِرَةٌ فِي اللفظ فَإِضَافَتُهُ : إضافة تخفيف في اللفظ ، فهو من إضافة العامل إلى معموله ، فتقدير الكلام على الانقطاع : ولا تحسبن الله مخلفًا وعدَه رسلَه ، وإذا رد العامل إلى الأصل الذي اشْتُقَّ منه والذي يعمل عمل مضارعه ، فتقدير الكلام : ولا تحسبن الله يُخْلِفُ وعدَه رسله ، فَاسْتَتَرَ الفاعل جوازا ، وقد دل عَلَيْهِ السِّبَاقُ ، وذلك الأصل في الحذف أو الاستتار أن يدل المتقدم على المتأخر ، فاجتمع في هذا الموضع : إيجاز الحذف من وجه ، وَتَخْفِيفُ اللفظ من وجه آخر ، فلا يخلف الله ، جل وعلا ، وعده ، وذلك من وصف السلب للنقص ، وَلَا يَكْمُلُ المعنى إلا إذا أثبت كمال ضده ، فالله ، جل وعلا ، لا يخلف الوعد ، إذ اتصف بكمال الصدق والقدرة ، فلا يُوَفِّي بالعهد إلا الصادق القادر ، فَقَدْ يصدق الْوَاعِدُ ولكنه لا يقدر على الوفاء ، والله ، جل وعلا ، منزه عن العجز ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) ، لكمال اتصافه بالقدرة على كل شيء ، وكذلك الشأن في جميع موارد السلب في هذا الباب فلا يوصف ، جل وعلا ، بالسلوب مطلقا ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ ذلك في حقه أن يَتَّصِفَ بكمال الضد ، خلافا للفلاسفة وغلاة المعطلة ، الذين أطنبوا وفصلوا في النفي وأجملوا في الإثبات فخالفوا طريقة الأنبياء عليهم السلام في هذا الباب ، وقد عم الوعد إذ أضيف إلى المعرفة ، الضمير في : "وعده" ، ومثله إضافة الرسل ، عَلَيْهم السلام ، إلى الضمير في : "رسلَه" ، ومرجعه في كلا اللفظين واحد وهو الله ، جل وعلا ، والوعد يكون بالخير ، وهو من موارد الجمال ، ومع ذلك جاء التذييل بوصف الجلال ، وذلك بالنظر فيما يحيق بالظالمين ، أعداء المرسلين ، عليهم السلام ، ذلك مورد يحسن فيه الجلال ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) ، وحسن الفصل إذ ذلك يجري مجرى التذييل بالعلة ، وإن لم تكن صريحة ، فهي تجري مجرى الإيماء والتَّنْبِيهِ ، وأظهر الاسم الكريم وحقه الإضمار في اللفظ تَرْبِيَةً للمهابة في النفس ، وقد أُطْلِقَ الوصف ، وهو مِمَّا حد على جهة الوصف المشبه ، وهو مئنة من ملازمة الوصف ذاتَ الموصوف ، فالعزة وصف ذات لا يعلل ، فالله ، جل وعلا ، عزيز لا يُغَالَبُ ولا يُغْلَبُ ، بلا سبب من خارج ، فلا يفتقر إلى الأسباب ، كما يفتقر البشر إلى أسباب الْعِزَّةِ ، فلا يوجد ملك من ملوك الدنيا يعز إلا بجنده ، ولذلك فهو يتزلف إليهم وإن كان ظاهر أمره أنه الحاكم المهيمن ، فيقبل من شفاعاتهم ويحفظ من وَلَائِهم ما يحفظ وإن كان كارها لهم مبغضا ، وهم مثله ، يَفْتَقِرُونَ إليه أن يهبهم المناصب والمكاسب ، فيتزلفون إليه رجاء غنى وجاه ورياسة ، فكل يفتقر إلى غيره ، فلا بقاء له إلا بهم ، ولا حظ لهم إلا بكسب وده ، فَكُلٌّ يَهَبُ الآخر من فضله وجهده ما به يصطلحان على حفظ حظوظهم ، فالجميع فقير وإن أظهر الغنى ، وذلك ما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، فإن جنده هم الذين يفتقرون إليه ، فقد خلقهم بأمره ، وهم تحت تصرفه فلا يستقلون بِتَأْثِيرٍ ، ولا يصدرون إلا عن أمره ، فيعملون بما يأمر ، وَيَنْتَهُونَ عما ينهى ، فلا حاجة له أن ينصروه وإنما خلقهم لتظهر آثار حكمته وقدرته في إجراء الأسباب توسلا إلى حصول المسبَّبَات في الخارج ، فالله ، جل وعلا ، العزيز مطلقا ، إذ هو القدير مطلقا فلا يعجزه شيء من الأشياء ، والغني فلا يفتقر إلى سبب من الأسباب ، والحكيم الذي يجري الأسباب على سنن محكم ، فتلك سنة الله ، جل وعلا ، في الكون ، وهي من الفطرة التي خلق الأشياء عليها ، فركز فيها من قوى التأثير ما يحصل به الأثر في الخارج ، ولا يكون ذلك إلا بإذنه الكوني ، فَالنَّارُ إذ تحرق بما أودع فِيهَا من قوة الإحراق ، فإنها لا تحدث أثرها إلا بإذن ربها ، جل وعلا ، فأطلق وصف العزة ، وقد حد ، من وجه آخر ، على جهة المبالغة ، فـ : "عزيز" على وزن : "فعيل" ، فلا يخلو من دلالة المدح بكمال الوصف الذي يحسن معه إِيرَادُ اللفظ مورد المبالغة ، وإطلاقه يستغرق جميع موارد العزة ، فعزة القدر والشأن والقهر ، فهو العزيز في قدره ذَاتًا وَوَصْفًا ، وعزة الشأن ، فشأنه عظيم ، فـ : "إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ، إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا" ، فذلك من دلالة الشأن ، فالهاء في "إنه" : ضمير الشأن الذي لا مرجع له وإنما ذكر تَنْوِيهًا بالأمر ، فلا تطلب شفاعة الله ، جل وعلا ، على أحد ، فشأنه أعظم من ذلك ، وإنما تطلب الشفاعة المشروعة من الخلق عند الله ، جل وعلا ، خلافا لشفاعة الغلاة ممن أشركوا وتذرعوا بالشفاعة وطلب الزلفى فجاه الشافع عند الله ، عظيم ، فوقعوا في الشرك الصريح في باب الربوبية إذ اعتقدوا لصاحب الجاه تأثيرا في الكون ، فَقَدْ فَوَّضَ إليه الرب ، جل وعلا ، الأمر ! ، أو قبل شفاعته مكرها كما يقبل ملوك الدنيا شفاعة الشافعين عندهم ، فَيُكْرَهُونَ على جملة منها إذ يَسْتَبْقُونَ ود الشافع فهم يَفْتَقِرُونَ إليه في أمرٍ عاجل أو آجل ، وذلك ، كما تقدم ، ما لا يكون أبدا في حق الرب الغني الحميد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَشَأْنُهُ أعظم من ذلك ، إذ عزة الشأن له ، كما تقدم ، ثَابِتَةٌ ، ولازمها العلو ، فالعزيز عَلِيٌّ في القدر ، وهو عَلِيٌّ بالذات لا يخالط ما دونه ولا يحل في غيره ، فكل ما سواه مخلوق مربوب ، فهو حادث من العدم ، ناقص في الوصف ، فان وإن طال به الأمد ، فكيف يحل الكامل في الناقص ، والخالق في الحادث ، فذلك ما نفاه النص الصحيح إذ نفى المثلية ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، لتفرده في الذات والوصف ، فهو الواحد في ذاته الأولى الأزلية ، الأحد في صفاته الذاتية والفعلية ، وإن حصل اشتراك في معانيها فحقائقها في الخارج مِمَّا لَا تَجُوزُ فِيهِ الشركة ، وهو العلي بالقهر ، فهو القوي العزيز ، فلازم العزة : العلو والقدرة والقوة والغنى عن الأسباب فكل أولئك من دلالة الالتزام الصحيحة في هذا الباب ، فضلا عن دلالتها الثابتة على وصف الحياة فتلك صفات لا تقوم إلا بحي ، فدلالة الصفات جميعا في هذا الباب على صفة الحياة دلالة مطردة لا تتخلف في أي وصف منها ، فهو ، جل وعلا ، العزيز فلا يغالب في دَقِيقٍ أو جَلِيلٍ ، فَالْعِزَّةُ مَئِنَّةٌ من الغلبة ، كما في قوله تعالى : (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) ، أي : غَلَبَنِي ، فَجَمِيعُ تِلْكَ الْوُجُوهِ مِنَ الْعِزَّةِ الكاملة قد ثَبَتَتْ له ، جل وعلا ، على وجه تَفَرَّدَ به في الحقيقة وإن شاركه الخلق في معانيها المطلقة في الذهن ، واتصافهم بها ، من وجه آخر ، اتصاف مقيد ناقص ، فأقدارهم مهما بلغت لا تضاهي قدر الله ، جل وعلا ، فقدره أعظم ، وإن لم يقدره السفهاء حق قدره ، فـ : (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، فذلك من تمام الملك الذي يدل على كمال القدر ، فَلَهُ ما في السماوات وما في الأرض ، خلقا محكما ، فـ : (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) ، وتدبيرا بأمره الذي يَتَنَزَّلُ ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) ، فَعَمَّ الأمر الكوني الذي يَتَنَزَّلُ في كل وقت ، والأمر الشرعي حال الوحي الذي انقطع بقبض صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا وحي بعد قبضه ، وكل دعوى بَعْدَهُ فَغَيٌّ وهوى ، كما قرر بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ ، فَتِلْكَ دعوى لا يَدَّعِيهَا إلا أعظم صادق فيؤيد بالبراهين ، أو أعظم كاذب فدعواه لا تَرُوجُ إلا على غافل سَفِيهِ العقل ، قليل العلم ، لم يَتَضَلَّع من الحق لِيَنْفِيَ بِهِ خَبَثَ الباطل ، فَدَبَّرَ الجنان بِمَا أَنْزَلَ من حدود الإيمان ، وَدَبَّرَ الأبدان بما أَنْزَلَ من الأرزاق ، وحفظا أن تَزُولَ ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، فجاء الخبر على حد التوكيد ، فضلا عن اسمية الجملة وتكرار الإسناد ظاهرا في اسم إن ، ومستترا في العامل : "يمسك" ، فهو يرجع أيضا إلى الله جل وعلا ، وجاء الشرط بـ : "إن" وهو مَئِنَّةٌ من الأمر النَّادِرِ ، فيجري مجرى الفرض ، فـ : (لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، فدلالة : "إن" الثانية : دلالة النفي ، فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى المشترك اللَّفْظِيِّ ، إذ استعمل في الشرط وهو يحتمل الإثبات والوجود أو النفي والعدم ، على تفاوت ، فدلالة الإثبات في : "إِذَا" أرجح ، فـ : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ، فذلك مما حصل وهو الوعد الصادق ، فوقوعه حتم لازم إذ لا يجوز في حقه تبارك وتعالى خلافه ، فإخلاف الوعد نقص مطلق يَتَنَزَّهُ عنه آحاد الصادقين من الخلق فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ ، جَلَّ وَعَلَا ، فَيَنْتَفِي في حقه ، جل وعلا ، من باب أَوْلَى ، وهو من لوازم الْعِزَّةِ ، كما في الآية محل البحث ، ولذلك ذُيِّلَ بِوَصْفِ الْعِزَّةِ : (عَزِيزٌ) ، ودلالة النفي والعدم في : "إِنْ" فِي الْمُقَابِلِ أرجح ، فَاسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ الواحد في الدلالة على مَعْنَيَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ ، الشرط والنَّفْيِ ، وجاء القصر بأقوى أساليبه : النفي والاستثناء ، فلا مُمْسِكَ لَهُمَا أن يَزُولَا إلا الله ، جل وعلا ، فـ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فهو ، وحده ، جل وعلا ، الحفيظ الذي يحفظ الكون أن يفسد ، فإذا شاء بدله ، فذلك يكون : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، فبدلت الأرض غير الأرض ، والسماوات غير السماوات ، فحذف الشطر الثاني لدلالة الأول عليه ، وذلك ، أيضا ، مما يدل على كمال القدرة فحسن التذييل بأوصاف الجلال والعزة .

والله أعلى وأعلم .