المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من آي البقرة



مهاجر
03-11-2015, 06:30 AM
مما اطرد في مقال أهل الباطل : الدعاوى المجردة التي يكفي في إبطالها نقضها بدعوى تُضَاهِيهَا ، فـ : (قَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فدلالة الواو في : "وقالوا" مئنة من العموم ، من وجه ، وهو يستغرق الرجال نصا ، والنساء تغليبا بقرينة العموم في أمر الدين فإن كل متدين ينافح عن دينه بحق أو بِبَاطِلٍ ، أيا كان نوعه أو جنسه أو عمره إن كان ذا عقل يميز أو يدرك ، بحجة كما هي حال أهل الحق ، فمحاجتهم تكون بمحكم الوحي من كلام النبوة فهو نسج واحد لا تَفَاوُتَ فيه ولا تعارض ، فجميعهم قد أتى بالتوحيد وأصول التشريع وإن وقع النسخ في الشرع فهو من وجوه الحكمة إذ لكل : (جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فالجاعل هو الله ، جل وعلا ، وليس الهوى فليس في ذلك ذريعة أن يرد الأمر إلى الواقع فيكون هو المرجع من خارج ، فيكون لكل شرعة تلائم واقعه فلا عليه إن أحدث له من رسم التدين أو الحكم والسياسة ما يلائم حاله فيكون لكل دين جعله لنفسه فلم يجعله له ربه ، جل وعلا ، العليم بحاله المحكم لأحواله بما شرع ، فيجعل الإنسان لنفسه شرعا ، ويلصق الجناية بالواقع فهو الذي ألجأه إلى ذلك وإن خالف نص الوحي الشارع ، فيعارض المحكم بالمتشابه وتلك آفة كل من استبدل الأدنى بالأعلى فأعرض عن الشرع في مواضع النصوص الجزئية أو المقاصد الكلية واحتج بالمصلحة وواقع الحال أن يخالف عن أمر الكتاب ، فما يحتج به من الواقع هو ، عند التدبر والنظر ، واقع حادث لا يصلح أن يكون مناط تشريع ، وهو ، إن تدبرته ، انعكاس لحاجات بشر يفتقرون إلى أسباب الحياة ، وهذا الافتقار يجعل صاحبه متصفا بالنقص ، من وجه ، متهما في تشريعه وحكمه أنه يروم تحصيل المنفعة واللذة العاجلة ، فالواقع ليس إلا صورة مجموعة من علائق بين البشر تغلب عليها الحاجة فكل ينافح عن مصالحه الخاصة فيقع التصارع والتدافع وذلك ما يحمل من بيده السلطان من أئمة الجور الذين خالفوا الشرع بل والعقل ، وذلك ما يحمل أولئك أن يصدروا من التشريعات ما يكرس سلطانهم ويحفظ مكاسبهم ومطاعمهم ويقمع الخصم إن حدثته نفسه أن ينازعهم أو يشاطرهم السلطان ، فهم فقراء في صورة أغنياء فلا يملكون شيئا إلا أن تَتَيَسَّرَ لهم أسباب القمع والنهب ! ، فيحكمون في ظل منظومة سياسية جائرة غرضها الرئيس استبقاء حظوظ عاجلة لنخب حاكمة تتصارع على النفوذ في صورة من صور الحكم الذي اصطلح بعض أهل السياسة المعاصرة أن يطلقوا عليه الحكم الأنوقراطي ، بالنون ، وقد جعله أهل الاصطلاح السياسي الحديث : نمطا وسطا بين الحكم الأوتوقراطي الفردي الذي يغلب عليه الاستبداد والحكم الديمقراطي الشعبي الذي يكون الحكم فيه على المشاع ! ، إذ ثم هذا النمط الأنوقراطي ، ثم أحزاب وقوى تتصارع ، ولدى كلٍّ من وسائل القوة الناعمة أو الصلبة ما ينتزع به حصة من الثروة ، فليس ثم منظومة عدل فضلا أن يكون الشرع الكامل هو المهيمن ، ففي جميع هذه المنظومات السياسية لا ترى للوحي أثرا إلا أن يكون تبعا ! ، أو تلصق به فرية الحكم الثيوقراطي الديني المستبد في تعمية ما فتئ القوم يروجون لها إن رأوا بوادر أو مجرد دعاوى مجملة تروم الرجوع إلى الأصل الأول فينبز فورا أنه حكم الرجعية والتخلف وأن أهله يرومون الرجوع بنا إلى القرون الوسطى فلا تجد القوم إلا ناطقين باسم التاريخ والثقافة الأوروبية التي تشبعوا بمفرداتها وتضلعوا من تاريخها المظلم فعناية أحدهم بفلاسفة التنوير أعظم من عنايته بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، بل لا يكاد يعلم من أسمائهم إلا آحادا تعد على الأصابع وأما فلاسفة الغرب فهو يعلم عنهم أكثر مما يعلم المثقف الأوروبي صاحب الشأن فهم أوروبيون أكثر من أهل أوروبا نفسها ! ، فتشبعوا بهذه المفردات ورامو إسقاطها في جور عظيم وقياس فاسد على الوحي الخاتم فصار يكافئ حكم الكهنوت المستبد وصار علماء الشريعة كرجال الإكليروس الذين يحكمون بما هووا على وجه يحفظ رياساتهم ومطاعمهم فهل كان في هذا الوحي المحفوظ شيء من ذلك ؟! ، وهل كان انحراف علماء السوء في الأعصار المتأخرة والذي صد كثيرا من الناس أن يسلكوا جادة الحق وأعطى الذريعة لخصوم الوحي أن يطعنوا فيه هل كانت تلك الحال الردية من الوحي في شيء خلافا لحال رجال الكهنوت فقد كان مستندهم فيما وقع منهم من تعد في التشريع وفساد في النظر والاستدلال ، كان مستندهم في هذ الاستبداد ما زعموا أنه وحي ودين يعظم فاسترق الناس باسمه عصورا مديدة حتى ثاروا عليه وعزلوه عن منصب الرياسة ، فأي قياس أفسد من هذا ؟! .

وعموم الناس في ظل الطغيان الديني أو السياسي ليسوا إلا جملة من المعدومين أو صغار الملاك الذين يعتمدون على أنماط من الاقتصاد الخدمي ، أو الريعي ، أو اقتصاد إنتاج ولكنه محدود إذ لا يكون ثَمَّ تنافس حقيق ، فضلا أن هذا الإنتاج لا يكون مفيدا في دعم اقتصاد البلاد وإمداد المجتمع بأسباب القوة والثروة فغالبا ما ينصرف إلى المنتجات الاستهلاكية ذات الربح السريع لإقبال النفوس عليها لا سيما في أوساط غلب عليها الكسل والقعود واستهلاك أسباب التسلية ، فهي سريعة التصنيع لا تكلف الصانع كبير جهد أو عظيم مادة أو دقيق فكر ونظر ، واستهلاكها لا يعود بالنفع على المشتري بل تضره في الغالب إذ صنعتها رديئة ومادتها وَبِيئَةٌ تثقل البدن وتمرضه ، واستعمالها لا يعود بنفع لا في دين أو دنيا فغايتها أن تكون سببا في لذة عاجلة تسكن صاحبها فهو يتعاطاها كما يتعاطى المدمن المخدر ليجد نشوة في أول الأمر لا تلبث أن تنقلب ألما وفسادا في العقل والبدن .
فرءوس الأموال الكبيرة لا تسمح لأية قوة وطنية من وجه آخر أن تنمو فهي تهدد نفوذها سواء أكانت رءوس أموال محلية تتحكم في صناعة القرار السياسي لا سيما إن امتلكها من يحكم فجمع بين نفوذ السياسة ونفوذ المال فإذا انضم إلى ذلك قوة السلاح فذلك الاستبداد الذي يهيمن على الممالك إذا غابت شمس النبوة ! فضلا عن رسم العدل الذي لا صلاح لأي ملك إلا به وإن ملكا أرضيا ، فأي إصلاح ، ولو جزئيا في باب بعينه ، لا سيما السياسة والاقتصاد ، يهدد أرباب الحظوة إن في الداخل ، كما تقدم ، فثم من يَنْتَفِعُ بأوضاع شائهة تضر الجماعة استبقاء لحظ نفسه ، أو في الخارج ، فثم رءوس أموال عالمية تسهم في صناعة قرار السياسة والحرب بما يحفظ مصالحها ولو أدى ذلك إلى خراب العمران وهلاك الأبدان وفساد الأديان قبل ذلك فلا يعنيها إلا أن تحكم الأرض بما رأت واشتهت ، فمصلحتها الخاصة هي مصدر التشريع العام الذي يفرض طوعا أو كرها على عموم الناس فليس لهم إلا أن ينصاعوا ويستجيبوا بل ويصيروا أدوات في منظومة لا ينالهم من ريعها إلا الفتات ، في صورة أخرى من صور الإقطاع في القرون الوسطى ، وإن صاروا في هذه الأعصار رقيق المصنع بعد أن كانوا رقيق الأرض ، ففي كلام أهل الاقتصاد والاجتماع تجد التنويه بانتقال المجتمعات من الصورة الزراعية البسيطة إلى الصورة الصناعية المركبة في قفزة هائلة في طرائق الحياة والتمدين ، فانتقلت البشرية من قرون زراعية رتيبة لا جديد فيها وإن امتازت بقدر من الأخلاق والمحافظة على الأعراف تقليدا لا ديانة وهو ما أسهم في انهيار بنيانها سريعا تحت وطأة الضربات التي وجهتها الثورة الصناعية بطابعها التحرري الليبرالي الذي لا يقيم وزنا للأخلاق إلا أخلاق المنفعة واللذة الخاصة ولو أتت على مصلحة الدين والأخلاق فضلا عن مصلحة العامة فهذا طابع المنهاج الليبرالي كما قرره أمثال بنتام ، وهو فيلسوف المنظومة القانونية الأنجلوساكسونية التي تهيمن الآن على مراكز صنع القرار في دول المركز ، فانتصر للحرية الفردية ولو على حساب الجماعة ، فضلا عن إطلاق العنان للشهوات فكان من المدافعين عن المثلية الجنسية ، وزد عليه نفعية الأخلاق والعلائق فهي الرباط الجامع بين أفراد المجتمع ، وهي المحرك الرئيس الذي يوجه سياسة الدول ، فهذه منظومة الفكر التي تهيمن على العقلية الأنجلوساكسونية التي تحكم العالم الآن ، فهي منظومة قيم مادية تأرز إلى مفاهيم اللذة والمنفعة والقوة وهل ترى في صنائع القطب الأوحد الآن إلا تأويلا لهذه القيم المادية ؟! ، وانظر إلى الساسة في دول المركز والأطراف جميعا إذا أرادوا استنفار المجتمعات وتوظيفها وإن شئت الدقة فقل إحراقها في حروب ونزاعات خارجية أو داخلية استبقاء لحظوظهم أو انصياعا لجماعات ضغط سياسي أو اقتصاري لها مآرب أن تشتعل هذه النزاعات وأن تزهق الأرواح ولو بالآلاف لتحصيل منفعتها الخاصة ولو أتت على الأخضر واليابس فلا مانع من استنفار الناس باسم الدين أو المذهب أو الخطر الخارجي القادم من وراء المحيط فلا بد من نقل المعركة إلى أرضه أو الإرهاب المحلي الذي ينبغي التوحد للقضاء عليه ! ..... إلخ فلكل دعايته التي تلائم زمانه ومكانه ، وحقيقة الأمر : تحقيق مآرب النخبة الحاكمة وهي الأقلية ولو باسترقاق الأغلبية بل وإحراقها في أتون الصراعات الأممية والأهلية ، فتقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وذلك كما تقدم سمة رئيسة في المناهج الليبرالية الحديثة .

فانتقلت البشرية من منظومة رق إقطاعي رتيب إلى منظومة رق صناعي سريع الوتيرة لا يقيم وزنا ، كما تقدم ، إلا لإنتاجٍ مادي محسوس لا قيمة له ولا غاية إلا تحقيق اللذة الخاصة ولو أَتَى ذَلِكَ على مصلحة الجماعة ، بل ولو أتى قبل ذلك على مصالح الدين والوحي ، ففي مثل هذه المنظومات لا تجد للنبوة أثرا إلا جملا عامة لا تحكم حركة الحياة ، فهي تَنْتَفِعُ بِنُصُوصِ الدين كشعارات تحرك بها الجيوش الغازية التي تحارب تحت راية المسيح عليه السلام لتنشر النصرانية في الأمصار المفتوحة باسم الصليب ولتمارس وظيفتها التارخية في تمدين الشعوب الأخرى بإخضاعها لسلطان الرجل الأبيض فهي تَتَمَدَّنُ في رق مزارعه ومصانعه ! ، فذلك مرجع هذه الشرائع الأرضية في مقابل شرعة سماوية محكمة لا تتهم بحاجة أو افتقار ، فلا يكون الجعل الشرعي إلا من الرب العلي ، جل وعلا ، فهو الغني الحميد الذي بلغ من كمال الذات والوصف والفعل ما تَنَزَّهَ به عن العيب والنقص .

فكل ، كما تقدم ، ينافح عن دينه الذي ارتضاه ، إن بحق أو بباطل ، فأهل الحق لهم من الحجج ما أحكم وإن أورد عليهم المتشابه ردوه إلى محكمه ، كما هي حال أهل التحقيق ، وأما أهل الباطل فمحاجتهم مفاعلة ولجاج فهم يدفعون المحكم بمتشابه من الهوى أو الذوق فإن تدبرته وجدته عيش نفس وحظ بدن لا أكثر ، فلهم غرض في الطغيان إذ يحفظ لهم رياساتهم ، كما تقدم ، فلكل حظ في شرع موضوع أن يعارض به الشرع المعصوم ، فالصراع ، كما تقدم مرارا ، صراع على تحديد مفاهيم رئيسة في نظرية السيادة ، لمن تكون ، وما هي أغراضها ، أتكون أغراض الوحي الذي يحفظ الأديان والأبدان جميعا بمقاصده الكلية وأحكامه الجزئية ، أم تكون أغراض الوضع فغايتها تحصيل لذة عاجلة تهدر لأجلها من مصالح الدين والدنيا ما تفسد به الحال العاجلة التي تصارعوا عليها فَلَيْتَهَا سلمت لهم ! ، فلا تسلم ولا يحظى كل فرد منها بحظ مناسب يحفظ له مروءته فضلا أنه يستصلح الدنيا على وجه يفرغ الإنسان لغرض الدين ، حفظا ، فهو أعظم المقاصد وأشرفها عند جميع العقلاء فضلا عن المؤمنين المتبعين للنبوة خبرا وحكما ، فلا تسلم إلا أن يكون الوحي هو الحكم المطلق .

والشاهد أن ضمير الجماعة في : "وقالوا" : قد استغرق عموم القائلين ، فهو مئنة من الاستغراق ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن دلالة الخصوص فيه ظاهرة ، فلم يقل ذلك جميعهم ، وإنما قالته فئام منهم ، فيكون ذلك من العموم في اللفظ الذي أريد به الخصوص في المعنى فيجري مجرى المجاز المرسل ذي العلاقة العمومية ، ودلالة الواو من وجه آخر بقرينة الشطر الآخر من الكلام تشير ، كما يقول بعض المحققين ، إلى لَفٍّ أجمل في اللفظ لدلالة التقسيم ، هودا أو نصارى ، فتقدير الكلام : وقال اليهود أو بعضهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا فهم جزء من مدلول الواو في الخارج إذ هم بعض الجماعة ، وقال النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى فهم الجزء الآخر من مدلول الواو في الخارج لقرينة القسمة الثنائية : (هُودًا أَوْ نَصَارَى) ، فحصرت الدعوى موارد النجاة في هذين الشطرين وذلك استقراء ناقص ، إذ ثم في الخارج غيرهم وإنما تلك حال المتعصب الذي لا يرى الحق إلا ما هو عليه ، ولو بلا دليل ، فالحق واحد لا يتعدد فذلك أمر لا ينكر ولكنه لا بد أن يشفع بالدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة وإلا كان دعوى مجردة يدعيها كل أحد فما أسهل ذلك ، وما أسهل نقضها في المقابل فيكفي لأجل ذلك أن ترد بدعوى مثلها فدعوى في مقابل دعوى ولا مرجح إذ لا دليل فتكافأت الدعوتان وتساقطتا .

فثم إيجاز في إجمال اللف ، كما تقدم ، وقد أجراه ابن هشام ، رحمه الله ، في "المغني" مجرى الإيجاز في قوله تعالى : (قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ، أي : قال بعضهم ساحر وقال بعض آخر مجنون فجمعهم لدلالة القولين على قسمة القول الذي أجمل في أول الكلام .

وقد يقال إن العموم محفوظ بالنظر أن القائل يصرح ، والساكت يشهد فهو يُقِرُّ القول وبه يرضى ، وذلك أمر يعم خيره أو شره ، فمقال المسلمين يعم كل مسلم ، فما كان من دين زمن الرسالة فهو دين هذا الزمان وما لم يكن دِينًا زمانهم فليس دِينًا في هذا الزمان فالقياس يطرد وينعكس في الإثبات والنفي ، فمقال الأمم متصل عبر العصور المتتابعة والأجيال المتعاقبة ، فالدين واحد في الأصول والفروع ، وإن جدت نوازل فهي فروع تُرَدُّ إلى أصول محكمة ، إن أحكاما جزئية فيكون القياس الأخص ، وإن مقاصد عامة فيما أرسل من مصالح التنظيم والإدارة ، فهذا الدين واحد قد حفظ أصلا وفرعا ، فتلك منة عظمى ، فالقائل آنذاك ينطق بما يعتقده القائل الآن ، فصح من هذا الوجه أن يخاطب المعدوم زمنَ الخطاب فهو يخاطب بمقتضى التشريع العام ، الذي يعم الموجود والمعدوم ، فالخطاب يستغرقهم جميعا ، فكذلك الشأن في موارد الذم ، في دعاوى الباطل التي ادعاها أهل الكتاب ، وذلك وجه العموم الذي يمكن حمل الخطاب عليه في هذه الآية ، فقالوا إما نطقا وإما إقرارا ، فإن جميع اليهود والنصارى يوافقون القائلين بداهة ! ، فإنهم يجمعون على ما أجمع عليه العقلاء أن الحق واحد لا يَتَعَدَّدُ وهم يزعمون أنهم عليه ، ولو زعما لا يستند إلى دليل ، أو إلى دليل وَاهٍ فأصحابه يحاجون فيه بشبهات يعارضون بها ما أحكم من دين الأنبياء عليهم السلام ، فدينهم جميعا الإسلام ، فـ : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ، فذلك الإسلام الخاص بالنظر في دلالة العهد ، إذ بعثوا بالتوحيد وما يستوجبه من نفي التشريك ، فـ : (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، والإسلام العام بالنظر في دلالة اللفظ ، فالإسلام له وجهان : وجه خاص لا يقبل غيره ، فـ : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، وهو الدين الذي أخذ ميثاق الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه ، فيشفعوا الدعوى بلازمها من الاتباع والنصرة ، فـ : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، فَزَعَمُوا أنهم على الحق ، ولو دعوى ، كما تقدم ، وكل يعتقد أنه على الحق أو يقلد بلا بصيرة ، أو يكابر حفظا لجاه أو رياسة ، فعمهم القول من هذا الوجه ، وصار العام محفوظا بالنظر في معناه ، وإن خص بالقائلين بالنظر في زمن الخطاب ، فمن جهة القول يصح أن يكون العام مخصوصا بالعقل ، أو عاما أريد به خاص وهم القائلون فقط فيجري ذلك مجرى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، ولم يقل ذلك يهود كلهم ، ولم يقل ما بعده من بنوة المسيح عليه السلام ، لم يقله النصارى كلهم وإن قائله عمومهم الغالب فالكاثوليك هم الجمهرة العظمى من النصارى ، وإن كان ثم انشعاب في مذهبهم ، فالبروتستانت خرجوا من عباءتهم ولهم ثقل كبير لا سيما في القرار السياسي الدولي إذ يسيطرون على مراكز صنع القرار في القوة العظمى الأولى في هذا العصر ولهم علائق وثيقة بالصهيونية ، فهم أحد طرفيها ، لا سيما الطائفة الإنجيلية فهي تمثل الخطاب الأصولي الراديكالي ، وهي ، من وجه آخر ، جمهرة عظمى أخرى داخل الطائفة البروتستانتية ، في تكريس لنظرة دينية وَبُعْدٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ في السياسة الأمريكية المعاصرة ، فذلك من جنس ما تقدم من توظيف الدين في تحقيق مآرب الساسة وصناع القرار سواء أكانوا لاعبين ظاهرين أم محركين في الخفاء يوجهون اللاعب الظاهر ليحقق صالحهم الناجز ، في جاه وسلطان وَثَرْوَةٍ فهي أدوات اللذة العاجلة التي يَرُومُ الساسة ورجال المال والأعمال وعموم الناس تحصيلها بما جبلت عليه النفوس من حب الراحة والدعة والاستمتاع بالنعيم العاجل فصنوف اللذة من لذة الوهم جاها ورياسا ولذة البدن شهوة في الحس لا يركن إليها إن تدبرت إلا الخسيس الناقص فيصرف همته إلى تحصيل ما يشاطره الحيوان البهيم جنسه ، وكل أولئك ، كما تقدم ، مما يرسخ في الأذهان ما تقدم من حقيقة الصراع من لدن خلق آدم عليه السلام وأبى الشيطان أن يسجد له ، فكان استكباره هوى إذ عظم قياسه في مقابل نص الوحي فكان الصراع على نظرية السيادة والتشريع فأبى إبليس أن ينقاد للتشريع النازل وركن إلى ما تولد في ذهنه من الشرع الحادث إذ عارض محكم الوحي بمتشابه القياس الذي لم يسلم من الهوى والكبر .
والشاهد أن وجه المجاز في هذه الآية أظهر ، إذ لم يقل عموم اليهود والنصارى ما تقدم ، فتكون دلالة : "أل" في : "اليهود" و : "النصارى" : دلالة عموم بالنظر في اللفظ ، وإن خص المعنى بطائفة بعينها غلت في المسيح والعزير عليهما السلام .

وأما في آي البقرة فيظهر وجه العموم ، فقال ذلك من تكلم زمن الخطاب وأقره من جاء بعده فكلهم يَرُومُ احتكار الحق ، ولو دعوى بلا دليل ، فجاء النقض الصريح بخطاب تحد ، فالأمر فيه مئنة من التحدي ، فـ : (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) : وذلك أمر يتوجه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في خطاب المواجهة ، ويعم بمعناه كل من نافح وجادل عن هذا الدين : جدال الحق المحمود بلا مراء أو لجاج ، فجاء الأمر تحديا ، كما تقدم ، فـ : (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) ، فالبرهان هو الدليل الصحيح السالم من المعارضة إن نصا أو قياسا ، وذلك يعم جميع مسائل الخلاف فهو أصل جليل في هذا الباب ، فكل دعوى لا بد لها من بينة ، وكل قول لا بد له من مستند في النقل أو العقل ، وكل خلاف لا اعتبار له إلا أن يكون له حظ من نظر صحيح معتبر ، بالنظر في دليل النقل في مسائل الشرع والحكم ، ودليل العقل فإن الوحي ليس خطاب أخبار مجردة تفتقر إلى أدلة العقل المحكمة بل جمع في أخباره وأحكامه دلالة النقل الصحيح والعقل الصريح جميعا ، وختمت الآية بتحد آخر فثم شرط على جهة الإلهاب والتهييج ، وجوابه قد حذف لدلالة ما تقدم من الأمر في سياق التحدي ، فهاتوا برهانكم : (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، على تقدير : إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم ، وذلك جار ، كما تقدم مرارا ، على معهود اللسان العربي من دلالة المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .

مهاجر
18-11-2015, 06:53 AM
وكما كانت الدعوى عامة فالضمير في : (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) يعم ، كما تقدم ، بالنظر في النوع رجالا ونساء ، ويعم المخاطب ومن تقدمه من سلفه ممن كان على طريقته في اليهودية والنصرانية المبدلة ، ويعم ، لو تدبرت ، من جاء بعدهم فذلك قول موروث تواصوا به فحمله الخلف عن السلف ، فلا زالت تلك دعواهم إلى يوم الناس هذا بلا مستند صحيح صريح يسلم من المعارضة فليس ، كما تقدم ، إلا الدعوى المجردة دليلا على نفسها ، فذلك قول السابق واللاحق ، ففيه ما قد يستأنس به من يعم بالخطابِ المعدومَ الذي لما يوجد بعد فينزل منزلة الموجود إذ هو من نسله في اللحم والدم ، وفي الفكر والنظر ، وهو محل الخلاف ، فلو كانوا على الدين الحق الذي جاء به الكليم والمسيح عليهما السلام ما وسعهم إلا أن يتبعوا النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك خبر الوحي النازل وبشارة النبوات السابقة بالنبوة الخاتمة الجامعة التي نزلت بكتاب ينسخ ويهيمن فجمع ما تواطأت عليه أديان الأنبياء عليهم السلام من أصول التوحيد ، وأصول التشريع ، وأصول السياسات المنزلية والمحلية والدولية ، وأصول الأخلاق ، وإن كان ثم اختلاف فهو في الفروع على وجه تظهر فيه حكمة الشارع ، جل وعلا ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، وذلك جعل الربوبية جلالا أن يَبْتَلِيَ الخلق بالامتثال لحكم الشرع فذلك معنى التأله والخضوع الذي لا يصح توحيد ولا دين إلا به ، فتأويل الشهادة التي يلفظها اللسان أن يقر الباطن ويخضع في حركاته ، ويتأول الظاهر حكم الجنان فهو الملك المتصرف في الأركان ، فَيَمْتَثِلَ وَيُحْسِنَ فِي قوله وعمله ، في نطقه وسكوته ، في فعله وكفه ، فيكون مراده : ما حكم به الشارع ، جل وعلا ، فَلَهُ في كل حالٍ حكم ، فالتوحيد في التأله والتنسك وهو مناط النجاة إذ لا تحصل نجاة بتوحيد في الذات والوصف والفعل وإن كان ذلك من أشرف ما تنفق فيه الأعمار تحصيلا لمادته العلمية النافعة ، ولكنها لا تشفع لصاحبها شيئا إلا أن تقترن بمادة عملية صالحة هي تأويل ما يقوم بالقلب من العقد العلمي والتصور الذهني فلا يجزئ عقد ساذج من محض معرفة أو تصديق دون أن يشفعا بالإقرار والإذعان وما يستوجباه من تعظيم ، وهذا التعظيم أيضا من جملة الدعاوى فلا تقبل إلا بِبَيِّنَةٍ من العمل ، فيعظم القلب الشرع ، وَتَتَأَوَّلُ الجوارح ذلك بالامتثال التام للأمر فعلا سواء أكان إيجابا أم ندبا ، وللنهي تركا سواء أكان تحريما أم كراهة ، فالتعظيم دعوى عريضة فلا تقبل إلا بِبَيِّنَةٍ عظيمة من القول والعمل ، وإلا صارت علما مجردا يحصل لكل أحد مؤمنا كان أو كافرا ، وليس ذلك مناط نِزَاعٍ بَيْنَ الرسل عليهم السلام وأقوامهم ، وإنما مناط النزاع مسائل التأله : توحيدا في القلب يجرد صاحبه الحب والبغض وما يستوجباه في الخارج من ولاء وبراء ، والرجاء والخوف ، وما يستوجباه من الرغب والرهب ، وما يستلزماه من الفعل والترك ، فتوحيد القلب بإقرار ساذج أن الله ، جل وعلا ، هو الخالق ، دون أن تجتمع معاني التوحيد لتنتج صورة كاملة لا صورة ساذجة مجردة لا يظهر فيها أثر الإقرار في عمل الظاهر لا سيما في مواضع المفاصلة التي تُبْتَلَى فيها النفوس أن تختار ربها الذي يحكم وسيدها الذي يأمر وينهى ، فلا بد أن تختار سيدا واحدا يكون له وحده الحق أن يشرع ويحكم ، فالسيادة ، وهي ، كما تقدم مرارا ، محل النزاع الرئيس ، وإن انضمت إليه جملة من حظوظ السياسة والاقتصاد ... إلخ إلا أنها ، عند التدبر والنظر ، تدخل في عموم السيادة ، من وجه ، وهي من لوازمها من وجه آخر ، إذ التصرف فيها يفضح صاحبها ويكشف أمره أَمَرَدُّهُ إلى الشرع أم إلى الوضع ، أيصدر في قراره السياسي وإصلاحه الاقتصادي .... إلخ من أمور الشرع بمفهومه الأعم الذي لا يقتصر على جملة من العقود والشعائر في أحسن أحواله في ظل السلطان العلماني اللاديني المعتدل ! الذي يمتن على أتباع الوحي بجملة من الشعائر وربما زاد فأجرى بعض الحدود والزواجر ، وبعض رسوم السياسة الظاهرة على وجه لا يمس الخطوط الحمراء ولا يقربها وهي خطوط السياسة الدولية التي احتكرت موارد السيادة في الأرض ، فنازعت النبوة وظيفتها الرئيسة في سن الشرائع التي تحكم الأرض برسم الوحي ، فيحصل التأويل الصحيح الكامل لشهادة التوحيد الجامع الذي استغرقت موارده جميع الحركات الباطنة والظاهرة ، فانصرفت الجوارح كلها أن تَتَأَوَّلَ أحكام الشرع لتحقق معنى التأله والتعبد في كل شأن ، فـ : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وما سوى ذلك فتأول جزئي لبعض أحكامها مع تعطيل بعض آخر ، فصاحبه يدخل ، كما تقدم مرارا ، في عموم الإنكار في قوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فشهادة التوحيد : شهادة بالباطن تصورا ، وشهادة بالنطق لفظا ، وشهادة بالجوارح فعلا وكفا ، فذلك مفهوم الإيمان الصحيح كما حده المحققون فلا يقتصر على عقد معرفي محض ، أو قول بارد يُرَدِّدُهُ القائل تقليدا بلا فقه لمعناه ولا التزام لفحواه ، وإنما يعم ، كما تقدم ، جميع موارد الاختيار في الباطن والظاهر ، فهذا الدين الذي يقبله الرب ، جل وعلا ، فيصير سببا في دخول صاحبه الجنة ، فليس دخولها بالدعاوى كما قال القوم ، فجاءت دعواهم بأقوى أساليب القصر : النفي والاستثناء : (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ، فضلا عن دلالة "لن" فهي نص في النفي ، وإن لم تدل على التأبيد إلا بقرينة ، وقرينة القصر هنا لهذا المعنى تشهد ، فضلا أن الأمر ، كما تقدم ، موضع مفاصلة ، فالحق واحد لا يتعدد فمن ادعى احتكاره تحكما أو بدليل صحيح فهو يحتكر لزوما مورد النجاة فيكون دخول الجنة في حقه ثابتا ، وفي حقه غيره منفيا ، فجاء النفي مانعا ، وجاء الاستثناء جامعا لآحاد المعرف الذي قصروا موارد النجاة عليه ، على جهة الوصل : (مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ، فـ : "من" : اسم موصول مشترك ينصرف إلى العاقل ابتداء وهو مئنة من العموم ، وهو مما يفتقر إلى البيان ، إذ الموصول مظنة إجمال يَزُولُ بإيراد الصلة بعده ، فجاءت الصلة على جهة الكينونة الماضية وذلك أبلغ في تقرير المعنى من قولك في غير التنزيل : لن يدخل الجنة إلا اليهودي والنصراني ، فالكينونة مئنة من دوام الاتصاف فقد تلبسوا بالوصف فهو لازم لهم لا يفارقهم في حال وهكذا يكون الدين ! ، فإنه ليس عرضا يعرض ، بل هو حق يلزم ، فصاحبه يستحضره في جميع أحواله ، وإذا كانت تلك حالهم وهم على دين باطل قد أقروا أنهم بدلوه بل ونصوا على ذلك فما يعقده الكهنة في الأرض لا يحل في السماء ، وما يحلونه ولو محكما قد أجمعت عليه النبوات فلا يعقد في السماء بعد ذلك ! ، فتلك حالهم في الانتصار لدينهم أن قصروا مورد النجاة عليه ، وأكدوا ذلك بأقوى أساليب القصر ، كما تقدم ، فحرموا دخول الجنة على غيرهم ، ودلالة : "أل" في "الجنة" : مئنة من الجنس المبين للماهية فلا تحصل هذه الحقيقة وما تستوجبه من نجاة ونعيم إلا لمن كان على طريقتهم ، وإن لم يكن لهم مستند إلا الدعوى ! ، ولذلك ختمت الآية بالتحدي أن يأتوا ببرهان صحيح في النقل صريح في العقل سالم من المعارضة : (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فليس لهم إلا الدعوى دليلا على الدعوى وذلك من أفسد صور القياس أن يكون الدليل على الشيء هو الشيء نفسه فيلزم من ذلك دور باطل في الاستدلال ، يصادر فيه الناظر على المطلوب إذ يستدل بصورة الخلاف ، فمحل الخلاف معهم هو هذه الدعوى فكيف تكون هي مناط الاستدلال ، ولا تخلو "أل" أيضا من دلالة عموم ، فالجنان كلها محرمة على من سواهم ، وزد عليه دلالة عموم آخر أن تسلط النفي على المصدر الكامن في فعل الدخول ، فلن يدخل أي دخول الجنة أية جنة إلا من كان على طريقتنا ، وهذه الدعوى العريضة ، كما تقدم ، دعوى بلا دليل ، وهي تنقض ما يروج له بعض المتأخرين والمعاصرين من دعاوى أخوة في الدين بين أتباع الديانات والمذاهب ، سواء أكانت رسالات من السماء محفوظة أو مبدلة أم مذاهب من الأرض ، فالدين ، خلافا لمقالات الحركات السرية التي تَرُومُ هدم الأديان بِرَدِّ الأمر إلى قيم إنسانية مجملة من محبة وإخاء ومساواة .... إلخ من ألفاظ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب بنقض الدين المحكم والتسوية بينه وبين الأديان المبدلة بل والمذاهب الأرضية المحدثة ! ، فالدين ، عند التدبر والنظر ، معنى يزيد على الأخوة الإنسانية العامة ، فقصر الأمر على دين الإنسانية أو دين الحب الجامع ! ، يَكَادُ يكون شعبة من مقال أهل الاتحاد إن لم يكن عينه وإن اختلفت الألفاظ ، فإن كان أولئك على هذا الباطل قائمين وله منتصرين إذ قصروا مورد النجاة عليه ، وإن تحكما بلا دليل ، فأهل الحق بذلك أولى فلا يكون الدين عندهم محض عقد أو جزءا من هوية لا يكون مستندها الأول عقد النبوة المفصل فلا يكفي في هذا الموضع إجمال في التصور لا يشفع بالحكم المصدق في كل حال باطنة وظاهرة كما تقدم .
ولما كانت الدعوى عَرِيضَةً بذلك القصر الحقيقي بالنفي والاستثناء ، وهو الذي صدرت به الآية ، حسن أن يكون الرد بجمل تنقض الدعوى ، فجاء قصر آخر بتعريف الجزأين ، فـ : (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) ، فليست إلا أماني محضة ، سواء أكانت أماني قلب بلا عمل فذلك العجز ، فـ : "العَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ" ، على ضعف في إسناده ، أو أماني تلاوة فليست إلا تقليدا في اللفظ حملوه عن الآباء فهم يرددونه دون فقه في المعنى أو دليل صحيح في النظر والاستدلال ، فـ : (مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ، ودلالة الإشارة إلى البعيد بـ : "تلك" مع انقضاء الكلام قريبا إما أن تحمل على معهود اللسان العربي في إشارة البعيد إلى ما انقضى قريبا ، وإما أن يكون ذلك إمعانا في إبطال هذا المعنى فإشارة البعيد ، في هذا الموضع ، مئنة من تحقير القول واستهجانه ، وإن كانت إشارة البعيد ابتداء محل إجمال بالاشتراك فهي تحتمل التعظيم ، كما في قوله تعالى : (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، وتحتمل ، في المقابل ، التحقير كما في هذا الموضع ، فذلك إجمال بالاشتراك ، بل هو ، عند التدبر والنظر ، من أشد صور الإجمال فهو يجري مجرى الأضداد ، فلا يحسم النزاع بينها إلا السياق فهو القرينة التي تدل على أي المعنين يقصد المتكلم ويريد .

ثم جاء أمر التحدي : (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) ، ثانيا ، ثم أتبع بشرط الإلهاب والتهييج : (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فذلك آكد في نقض دعواهم ، وقد حد ، أيضا ، على جهة الكينونة الماضية ، فذلك آكد في الوصف من قولك في غير التنزيل : إن صدقتم ، وثم إيجاز بحذف الجواب لشرط الإلهاب والتهييج لدلالة ما تقدم عليه ، فتقدير الكلام : إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم ، وهو جار على ما اطرد مرارا من قياس اللسان في الحذف أن يحذف المتأخر ويقدر لدلالة مذكور متقدم عليه .
فضلا عن الإطناب في الآية التالية بِنَقْضِ دعواهم ثم إثبات ضدها : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فليس القول كما قالوا ، وإنما مناط النجاة التي يثبت بها الأجر فهو تحلية للمحل بما يسر : (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، وَيَنْتَفِي الخوف والحزن : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فهو التخلية مما يؤلم وينغص ، ومناط النجاة هو الإسلام الذي خص بالوجه : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) ، لكونه شعار الظاهر الذي يدل على استسلام الباطن وهو ، من وجه آخر ، أشرف الجوارح الظاهرة وبه أنيطت جملة من الحواس التي يحصل بها التكليف أمرا ونهيا ، فلا يدرك التكليف إلا بالسمع أو النظر في دليله بالعين أو قراءته باللسان سرا أو جهرا ، فيكون إطلاق الوجه من باب :
إطلاق اللازم وهو انقياد الظاهر وإرادة الملزوم وهو انقياد الباطن فهو مناط الأمر الرئيس وإلا كان المنافق بما أتى به من استسلام الظاهر ناجيا من العقوبة في الآخرة فغايته ، عند التدبر والنظر ، أن ينتفع بهذا الإسلام الظاهر في أحكام الدنيا إن لم يظهر ما يفضح باطنه من نواقض الإيمان الظاهرة في قول أو عمل .
ويجري ، أيضا ، مجرى إطلاق الجزء وإرادة الكل ، فالإسلام ، وهو هنا مئنة من الاخلاص إذ تعدى بنفسه ، الإسلام لا يكون بجوارح الوجه فقط وإنما يعم سائر موارد الاختيار والتكليف في الباطن والظاهر جميعا .

واحترز بالحال : (وَهُوَ مُحْسِنٌ) ، فلا بد من الإحسان الذي يستلزم العمل فلا يكون الأمر ، كما تقدم ، محض دعوى ، وجاء الأجر على جهة القصر بتقديم ما حقه التأخير : (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ، فضلا عن دلالة اللام في : "له" ، ففيها معنى استحقاق وإن كان ، كما تقدم ، فضلا امتن به الرب ، جل وعلا ، خلافا لمن أساء الأدب مع الرب ، جل وعلا ، فأوجبه عليه فلا يوجب أحد من الخلق شيئا على الخالق ، جل وعلا ، فذلك من القياس الفاسد الذي وقع فيه أهل الاعتزال في باب الوعد والوعيد ، فجاء القصر وجاءت اللام مئنة من استحقاق كتبه الرب ، جل وعلا ، على نفسه ، وهو ، من وجه آخر ، مئنة من الحكمة ألا يسوى بين المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ، فقياس الحكمة ألا يسوى بين مختلفين ، كما أنه لا يفرق بين متماثلين ، فجاء ذلك زيادة في المنة الربانية السابغة ، فحسن أن تكون العندية مقيدة بعنوان الربوبية ، فتلك ربوبية الجمال امتنانا بصنوف من النعيم والرعاية في جنان الخلد إذ النعمة فد اكتملت فسلمت من النقص ، ثم عطف في سياق الاحتراز أيضا ما ينفي أي منغص من الخوف والحزن خلافا لنعيم الدنيا فهي مما طبع على الكدر ، فحصلت المنة في كلا الوجهين : حصول الأجر فذلك مورد الإثبات ، وانتفاء ما ينغصه فذلك مورد النفي ، وقد التفت في آخر الآية من دلالة الموصول إفرادا بالنظر في لفظه في : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) إلى دلالة الجمع بالنظر في معناه في ختام الآية : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فلو جرى على صدر الكلام لقال : ولا خوف عليه ولا يحزن ، ولعل ذلك إنما كان لمحسن في اللفظ بمراعاة فواصل الآي .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .