المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : قراءة جديدة لأبيات الشعر الجاهلي (1)



حمدي كوكب
15-01-2016, 12:41 PM
يرى الشاعر الجاهلي أن البكاء على الأحبة الذين كانوا يودونك ويتمنون لك الخير والسعادة هو أمر محمود، وليس فيه أي نقص للمرء أو إهانة، وأن على المرء ألا يُعيّر الأخرين الذين تأخذهم حالة من البكاء والوجد على من عاونوهم في هذه الحياة سواء بالكلمة الطيبة أو بالعمل أو حتى بالدعاء، ويرى الشاعر الجاهلي أن مجرد استهزاء البعض بمن هم يبكون على الأحبة هو بمثابة الشتيمة الطاعنة.
يقول كعب بن الأشرف النضري (من بحر الطويل):
أتشتمني أن كنتُ أبكي بعبرةٍ = لقومٍ أتاني ودهم غيرَ كاذِب

هناك بعض الكُتّاب الذين أنكروا حادثة الفيل وتكلموا كثيراً عنها وحاولوا بإنكارهم هذا أن يتكلموا بعد ذلك عن "سورة الفيل" بأن القرآن الكريم ذكر حادثة لم تقع في الجاهلية، واستدلوا على رأيهم الفاسد هذا بأن الشعر ديوان العرب، وأن ما لم يذكره الشعراء العرب من حوادث حدثت في زمانهم فهو أمر غير موجود إذا تحدث عنه آخرون، واستدلوا بأن الشعر العربي يخلو تماماً من ذكر شخصية (إبرهة). لكني وأثناء إطلاعي على بعض أشعار العرب القديمة وجدت الكثير من الشعر الذي يتحدث عن إبرهة وأنه ملك من ملوك اليمن ولاقى حتفه في حادثة الفيل، مما يبطل حجتهم الواهية التي يقولون فيها (هات بيت شعري يتحدث عن إبرهة).
من هذه الأبيات، قول الشاعر قس بن ساعدة (من بحر الكامل):
وَغَدا بِأَبرَهَةَ المَنار فَأَصبَحَت = أَيّامُهُ مَسلوبَةَ الإِصباحِ

الكثيرون لم يشاهدوا الحمار الوحشي إلا في شاشات التلفاز، والقليل الذين شاهدوه مرة واحدة في حياتهم في حديقة الحيوانات، هذا عصرنا. أما في العصر الجاهلي فلا غرابة أن تجد الحمار الوحشي هو أحد البهائم التي تم حبسها في المنزل تماماً مثل البقرة الحلوب.
يقول عبد الله اليشكري(من بحر الكامل)
وَتَرى حَميرَ الوَحشِ في حافاتِهِ = مِثلَ الحلوبِ حَبَستَها في المَنزِلِ

في الجاهلية وقبل الإسلام كان هناك أناس عقلاء يفهمون ويعرفون أن الأصنام ما هي إلا حجارة لا تنقع ولا تضر، ولا يمكن لعاقل أن يعبد الحجر، ولا يمكن لحجر تم نحته أن ينطق أو يسمع، ومن هؤلاء ابن عم عمر بن الخطاب، وهو زيد بن عمرو بن نفيل وتوفي قبل الإسلام.
يقول زيد بن عمرو بن نفيل:
فلا العُزّى أَدينُ ولا اِبنَتَيها = ولا صَنَمَي بَني طَسمٍ أُديرُ

الملاهي هذا المكان المملوء بكل وسائل الترفيه، وبكافة الأنواع المختلفة من الألعاب المتعددة التي يحبها الأطفال، وكم يكون يوماً سعيداً هذا اليوم الذي يخرج فيه الأطفال إلى الملاهي وكم يكون الإنفاق كثيراً على الألعاب الكهربائية التي تجذب الكبير والصغير، ولكن هناك نوع آخر غير تلك الملاهي السابقة، وهي ملاهي ليست من اختراع العصر الحديث، ففي العصر الجاهلي كانت تلك الملاهي الأخيرة، والتي بدورها تجعل الإنسان غير مدرك لعاقبة قضاء يوم أو ساعة في تلك الملاهي والتي تُحذر الشاعرة الجاهلية من الاقتراب منها.
تقول الشاعرة الجاهليلة أمامة بنت كليب التغلبية (من بحر الوافر):
أتلهو بالملاهي والخمورِ = ولا تدري بعاقبةِ الأُمورِ

اكتشف الشاعر الجاهلي سر نضج الطبيخ بسرعة، وهو استخدام النار التي تُنضجه في أقرب وقت، فهناك بالفعل نار مهما أوقدتها تحت الطعام فإنك تظل تعاني من عدم النضج، وقد اكتشف الشاعر الجاهلي أن العيب في عدم النضج هو النار، وليس نوع الطعام، فليست اللحمة المغشوشة التي يستمر الاشتعال تحتها نهاراً كاملاً ولا تنضج هو عيب في اللحمة لكنه عيب في الموقد وكمية النار.
يقول الشاعر الجاهلي الحارث بن حلزة:
فَإِذا طَبَختَ بِنارِهِ نَضَّجتَهُ = وَإِذا طَبَختَ بِغَيرِها لَم يَنضَجِ

أطباء العظام في العصر الجاهلي كانوا يقومون بتجبير الكسور ويستمرون في علاج ومتابعة المريض حتى يستوي الكسر ويتم شفاؤه تماماً. فليس طب العظام وتجبيرها وليد العصر الحديث أو اكتشاف جاء بالصدفة، بل له عمق في التاريخ الإنساني.
يقول الهجرس بن كليب التغلبي:
فقد يُجبر العظمُ الكَسِيرُ فيستوي = ويُولد بعد المرءِ يا سعدُ ثائرُ

الشاعر الجاهلي قديماً وضع صورة من الخيال العلمي والتي لم يستطع حتى العصر الحديث بكل رواد فضائه وما معهم من أجهزة غاية في الدقة والسرعة التي تفوق الصوت أحيانأ وتفوق الضوء أحياناً أخرى، لم يصلوا إلى أن يروا النجوم وهي من تحتهم، بحيث يكونون هم فوق النحوم. وهي رؤية لخيال علمي فاق التصور الحديث وخيالاته، قد وضعها الشاعر الجاهلي بأنه استطاع أن يسموا إلى العلا حتى أنه رأى أن النجم يجري من تحته.
يقول الشاعر عنترة بن شداد:
سموتُ إلى العلا وعلوتُ حتى = رأَيتُ النَّجمَ تَحتي وهو يجري

نحمد الله عز وجل أننا نعيش في هذا العصر الحديث، والذي نشكو كثيراً من الضجر والضيق فيه رغم كل المميزات ورغم كل ما أزيل من عقبات أمام الإنسان، ولكن يبقى للزمن عضة موجعة يضغط بها أحياناً على البعض، فعلى الإنسان أن يتحمل تلك العضة ويصبر حتى يتعب الزمان من العض فيسكت.
يقول الشاعر الجاهلي قراد بن حنش الصادري:
وأنهم مأوى الحمالاتِ منهم = وأصبرُ إِن عَضَّ الزَمانُ فأوجعا

ليست ظاهرة منع الماء عن الجيران في ري الأراضي الزراعية بين المتجاورين بجديدة، بل هي منذ العصر الجاهلي أيضاً، فقطع المياه ومنعها عن آخرين فعلها (طُفيل) وحاول منع (معاوية) من الحصول ولو على قطرة ماء سواء للشرب أو للاستخدام أياً كان، ولكن معاوية حذره أن الذل عن طريق الضغط بقطع المياه ليس أسلوب العقلاء، وأظن أيضاً أراد أن يقطع عنه النور.
يقول الشاعر معاوية البكيلي:
أَرادَ طُفيلٌ يمنعُ الماءَ زَلةً = ولمْ يكُ رأياً مَنعهُ الماءَ لو عقلْ

في العصر الجاهلي كان البعض يفتخر أنه يأكل من أغلى اللحوم وينتقي أفضلها، في ظل أن هناك بيوت لم يدخلها اللحم ولا يعرف البعض طعمها أو حتى منظرها، تماماً مثل تلك الأحوال المعيشية التي يعيش فيها الكثير في هذا العصر، لم تختلف الصورة كثيراً، فنجد الشاعر عمرو بن قعاس المرادي، يفتخر بأنه يأكل وحده فقط من أفضل اللحوم، وليس هذا فحسب بل ومنفرداً في الصحراء، يقول:
ولحم لم يذقهُ الناسُ قبلي = أكلتُ على خلاءٍ واِنتقيتُ

الشاعر الجاهلي (الفند الزماني) من كثرة حبه لـ(ليلى) أصبح يكرر اسمها كثيراً، ويهذي كثيراً باسمها في مرضه، حتى صارت كل الأسماء عنده ليلى، فأمه ليلى، وأخته ليلى، وحبيبته ليلى، وبنت الجيران ليلى، وكل النساء ليلى، يسأل عن: ليلى، وليلي، وليلى؟ لكن الغريب أن مَن يرى ليلى هذه يصيبه المرض ولو كان صحيحاً، يقول:
أَينَ لَيلى وَأَينَ لَيلى وَلَيلى = أَمرَضَت غَيرَنا رِجالاً صِحاحا

(عميد العائلة) هو اللقب الصحيح لـ (كبير العائلة) هذا اللقب الذي استطاعت السينما العربية ترويجه إلى المشاهدين في صورة شخصية (عبد الرحيم: كبير الرحيمية قبلي) أيضاً في العصر الجاهلي كان عميد القبيلة هو المعني بكل شيء من صغائر الأمور إلى أعظمها، والأدهى والأمر أنه إذا أُخذ الثأر يؤخذ بقتل عميد القبيلة، وتصبح القبيلة بدون عميد لحين تعيين عميد آخر؛ ليتنظر دوره في الحتف به، تقول هند بنت حذيفة الفزارية:
فيالَبني ذُبيانَ بكّوا عَميدَكُم = بكل رقيق الحدّ أبيض باترِ

الأصدقاء الذين يخبرونك بأنهم يعرفون عنك الكثير؛ قديماً كانت (العصفورة) هي التي تقول لهم كل شيء، وما أن تتحدث إلى أحدهم إلا ويخبرك أن العصفورة تلك أنبأته الكثير والكثير عنك، وحالياً تم الاستغناء عن خدمات تلك العصفورة التي تذيع الأسرار، وأصبح الكل يمتلك (cd) فقبل أن تتكلم تجده يقول (اطلع السي دي بتاعتك) وأصبحت السيرة الذاتية الآن في غناء عن العصفورة فالـ(سي دي) عليها كل تفاصيل حياتك، أيضاً في العصر الجاهلي كانت هذه الظاهرة سواء أكانت(عصفورة)أو (cd) أو (طير)، يقول ابن ثور العامري:
وقد أنبأتني الطيرُ لو كُنت عايفاً = ولكنني بالطيرِ لا أتعيفُ

هناك الأطباء الذين يبهروننا بقدرتهم على اكتشاف الداء ووصف العلاج المناسب له، وهناك الكثيرون المتميزون في العمليات الجراحية وغيرها، ولكن ليس كل الأطباء يستطيعون وصف العلاج الصحيح، فالبعض منهم يكتبون ما تمليه عليهم شركات الأدوية من أن هذا العلاج هو المفيد لمرض كذا، بل يوجد البعض يحفظ عدداً من الأدوية ومن ثم ينوع في كتابتها بين كل مريض وآخر، وفي البداية والنهاية الله عز وجل هو الشافي المعافي، هذا هو الحال أيضاً في العصر الجاهلي ، يقول ابن الرعلاء:
وغموس تضلّ فيها يدُ الآ= سِى ويعيى طبيبُها بالدَواءِ

شراء قطعة أرض قد تقوم عليه حرب طاحنة، وكم من أنفس قتلت من أجل (قبضة) أو من أجل (صنيف) تزحزح يميناً أو يساراً، وتظل الأرض كما هي، ويأتي مشتر آخر وتقوم حرب ضده لكي لا يشتري؛ وعندما يشتري يبدأ الجيران في محاربته، وربما يصاب في بدنه إثر معركة بين الطرفين، وربما يموت هو أو أحد من أقاربه إثر طلقة نارية متهورة من البعض، وهذا سلوك غير إنساني وعادات قديمة متوارثة منذ العصر الجاهلي يقول في معلقته الشاعر عبيد بن الأبرص:
أَرضٌ توارثها الجدودُ = فكل مَن حَلَّها مَحروبُ

يجب أن نعرض وننأى عن أشياء كثيرة تكون أمامنا وباستطاعتنا أن نلجأ إليها، وذلك احتراماً لقيمنا ومثلنا العليا وأخلاقنا وتقاليدنا وعاداتنا، هكذا كان أصحاب القيم والأخلاق أيضاً في العصر الجاهلي فإنه باستطاعتك عمل كل شيء ولكن هناك أشياء يخجل الإنسان من فعلها، مثل: أنواع الموضة المرقعة، والمقطعة، وقصات الشعر الغربية والغريبة، والملابس التي تحتوي على كلمات مثل(كله شمال يا صاحبي) وعباءات السيدات المملؤة بعبارات الحب باللغة الإنجليزية، وكثير مما تراه في الشارع الشطوري الذي أصبح غريباً، انظر إلى هذا الشاعر الجاهلي الذي يستطيع أن يفعل كل شيء ولكنه يمنع نفسه احتراماً لذاته يقول عبيد السلامي:
وأعرِضُ عن أَشياءَ لو شِئتُ نِلتها = حَياءً إِذا ما كانَ فيها مَقاذِعُ

(العضو المنتدب): هذا العضو المنتدب يختلف تماماً عن (العضو المنتخب) وليس هنا مجالاً للشرح، ولكن العضو المنتدب دائماً ما يكون ( رئيس مجلس الإدارة ...والعضو المنتدب)هكذا نسمعها وسواء أكان هو المدير التنفيذي، أو غير ذلك، فكل تلك التعريفات مجالها هو علم الإدارة. وما يهمنا هنا هو المصطلح نفسه؛ فهذا المصطلح كان موجوداً في العصر الجاهلي، فهناك (عضو منتدب) في كل المحافل وفي كل الاجتماعات، حيث يقول الشاعر عامر بن الطفيل :
إني وإنْ كنتُ ابنَ سيدِ عامرٍ = وفارسهَا المَنْدوبَ في كلّ مَوكبِ

لم أرَ أغرب من هذا البيت، فهو ليس ببيت شعري، بل بيت حقيقي من مبانٍ وأبواب، ولكن الغرابة أن الرياح تهب فيه من كل جانب وفي جميع حجراته، وهو بيت وحيد في الصحراء، في أرض فضاء، وربما ليس له باب؛ أظن أن هذا البيت لم يتم بناؤه حتى الآن، وربما لا يوجد بيت أصلاً، يقول الشاعر الجاهلي طفيل الغنوي:
وبيتٍ تهبُّ الريح في حجراتـه = بأرضِ فضاءٍ ، بابهُ لم يحجبِ

الكتابة وفنونها كانت موجودة في العصر الجاهلي ، ولذلك وصلت إلينا أعمالهم، فليس كما يظن الكثيرون أن أشعارهم وصلت إلينا بالسماع والحفظ والرواية فقط، ولذلك ذكر الشاعر الجاهلي سلامة بن جندل (الدواة والكاتب المنكب على الكتابة والمتخصص فيها) يقول:
أكبَّ عليه كاتِبٌ بدَواتِهِ = وحادثه في العينِ ، جِدة مهرَقِ

أرى أن زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي قال معلقته المشهوره وقد بلغ من العمر ثمانين عاماً، حيث صرح في إحدى أبيات هذه المعلقة بذلك، يقول:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعش = ثمانينَ حولاً لا أَبا لك يسأمِ

ذكرت سابقاً أن زهير بن أبي سلمى سئم من تكاليف الحياة في عمره الذي بلغ الثمانين عاماً، وكره تلك الحياة المليئة بما لا تطيقه النفس، هذا بلغ الثمانين وكره تلك التكاليف؛ فما بالكم بمن بلغ المائتين عاماً، هو الآخر أيضاً ملّ وانتابته نفس مشاعر الضيق من هذا العمر الطويل، عجباً لقد ملّوا من الحياة! ونحن نرغب في المزيد! يقول زهير بن جناب الكلبي:
وحقَّ لمن أتت مائِتانِ عامٍ = عليه أَن يَمَلَّ مِنَ الثَواءِ

الإعلان في كل مكان وفي كل قناة تليفزيونية تجده هو هو لم يتغير حتى يخيل لك أنك لم تغير القناة فهي نفس الإعلانات بنفس الترتيب بنفس الصورة السيئة التي يظهرونها لك، فمرة يخيفك الإعلان، ومرة أخرى تنفر منه، وتارة تجد سوءاً في إخراجه وكلماته، ولكنهم لم يتعلموا كيف يعلنون حتى الآن؟ أما عن الإعلان في العصر الجاهلي فكان إعلاناً عن الحب وليس أي إعلان بل هو إعلان يظهر الشأن والرفعة والمكانة، يقول حاجب بن حبيب :
أعلنت في حب جُمحلٍ أيَّ إعلانِ = وقد بدا شأنها من بعدِ كتمانِ

(نيران صديقة) عندما كان تلتبس طائرتان متقاتلتان في بعضهما البعض إبان حرب الاحتلال الأمريكي للعراق، أو الاحتلال الإيطالي الفرنسي لليبيا عندما كانوا يوهموننا بأنهم يدافعون عن ليبيا وأهلها، فكانت تصطدم طائراتهم ببعضها البعض، من الاضطراب والخوف والهلع الشديد، ومن ثم يخرج الإعلاميون ويقولون إنها نيران صديقة، أيضاً في العصر الجاهلي كانت هذه الفكرة موجودة ولكنها لم تكن (نيران صديقة) كانت (خيول صديقة) يقول الشاعر الجاهلي بشرُ بنُ أَبي خازِم:
ولمّا تلتبِس خيلٌ بخيلٍ = فيطّعِنوا ويضطربوا اضطرابا

هل تقف مسميات العصور التاريخية التالية عند تلك الأسماء المعروفة فقط؟ فإلى متى يستمر تسمية العصر الحديث بهذ الاسم؟ وما هو العصر الذي قبل العصر الجاهلي؟ ولما سميت بعض العصور بطبقة الحكام الذين كانوا في تلك الفترة؟ مثل: عصر الأموي والعباسي، أو ببعض البلدان مثل: العصرالأندلسي، أو بما وصلنا إليه من علم عن تلك العصور: مثل الحفريات والمتحجرات، ربما يلفت أذهاننا الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بأن العصر الذي سبقهم هو (العصر الخالي) يقول:
ألا عِمْ صباحاً أيها الطلَل البالي = وهل يعمن مَن كان في العصرِ الخالي

جميعنا ننتظر الغد بأمل مشرق لعل يكون فيه الخير الواسع، أو تتبدل الأحوال إلى الأفضل، أو تتغير الظروف إلى أحسن منها، وكأن قلوبنا وصدورنا تستعد للقاء الغد هذا، أما الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني فهو الوحيد الذي خالف هذا التقليد ولم ينتظر الغد ولن يرحب به، يقول:
لا مرحباً بغدٍ ، ولا أهلاً بهِ = إنّ كانَ تَفريقُ الأحبّة ِ في غدِ

هل تستطيع أن تشتري: حصاناً بمعزة ؟ ربما الشيطان نفسه لا يستطيع ! وهذا ما حير الأجيال التي جاءت من بعد ذلك، والتي لا تعرف فنون البيع والشراء، وأظن أن هذه هي عملية تزوير كبرى كانت تحدث في العصر الجاهلي، مثلها تماماً مثل تزوير النقود حالياً، ولكن كيف كان يتم تزوير المعزى على أنها حصان؟ هذا ما أبدع فيه الشاعر الجاهلي المهلهل بن ربيعة:
عجبتْ أبناؤنا من فعلنا = إذْ نبيعُ الخيلَ بالمِعْزَى اللِّجابِ

مازلنا في كشف خبايا هذا العصر الجاهلي والذي أرى أنه ما هو إلا صورة فعلية وحقيقة لواقعنا المعاش في هذا العصر الحديث، ففي العصر الجاهلي أيضاً كان أولئك الذين يختلسون الأموال يستطيعون الهروب من البلاد. هي نفس الصورة ونفس الحكاية في عصرنا، فعندهم أيضاً يستطيع من له حسب ونسب وصيت وسمعه وشهرة ومكانة عليا أن يجد مهرباً من البلاد قبل صدور الحكم عليه، يقول الشاعر الجاهلي المسيب بن عَلس:
أبلِغ ضُبيعة أَن البلا = دَ فيها لذي حَسبٍ مَهرَبُ

اختلاس المال العام جريمة كبرى، منذ العصر الجاهلي والاختلاسات مستمرة، وأيضاً هناك من يكشف هذا الفساد المالي بالأرقام الفعلية، بل وبالحجة والدليل وكيف تم جمع تلك الأموال؟ ومن ثم يبدأ في نشر الخبر، وإذاعته في كافة الأوساط، ولا أعلم ما هي حكاية رقم (السبعين) ملياراً أو قنطاراً أو دولاراً أو ديناراً، ربما يكون كل شيء متوارث: يقول الشاعر الجاهلي المثقب العبدي :
مِن مالِ مَن يجني ويجنى لهُ = سبعونَ قنطاراً منَ المسجدِ

هذا (الغرب) لم يتركنا في حالنا منذ العصر الجاهلي، فقد كان يقف بجوار أناس ويترك آخرون، فالشاعر المتلمس الضبعي، يرسل اثنين من الدبلوماسيين ومعهما رسالة يُحذر فيها من يهدده أن الغرب صار بجانبه، يقول:
ألا أبلغا أفناءَ سعدِ بن مالكٍ =رسالةَ من قد صارَ في الغرب جانبه

أن تمتلك أرضاً فهذا ليس غريب، وأن تمتلك المال فهذا أيضاً أمر عادي، وأن تمتلك الأشياء الكثيرة أو القليلة أو النادرة أو الثمينة كل ذلك لا يثير الدهشة، ولكن الغريب أن تمتلك جبلاً. وتفتخر أن هذا الجبل ملك لك. فالشاعر الجاهلي السموأل أحد ملاك الجبال يقول:
لنا جَبَلٌ يحتله مَن نُجيره = منيعٌ يرد الطرف وهو كليلُ

لا توجد مشكلة إذا دعاك صديقك منفرداً، أو دعاك مع مجموعة من الأصحاب، بل لا توجد مشكلة أن تذهب إليه منفرداً، أو تذهب مع أصحابك، المهم هو الاستجابة السريعة للدعوة، يقول حاتم الطائي:
ومجيبٌ دعاءه، إن دعاني = عجلاً، واحداً، وذا أصحابِ

ليست الحكاية بالأسماء، فتلك الأسماء لا تهم، بل الصبر والتجلد هو الأهم، فكثيراً ما نسمع أسماء كل ما نفعله أننا نلحق بعدها كلمة (طز) إيماناً ويقيناً بأن الأسماء والمناصب لا تضر، والبعض يرى أن المناصب من النصب، والنصب هو الصنم، والصنم لا ينفع ولا يضر، هكذا يقول الشاعر الجاهلي ثابت بن جابر:
فهَبْهُ تسمّى اسمي وسمّاني باسمهِ = فأين له صبْري على معظم الخطب

(دقيقة حِداد) هي ليست دقيقة بالفعل، ولكن يجب الوقوف فيها، ويقرأ المسلم الفاتحة أثناء الوقوف، ويقرأ غيره ما يعرفه من كتبه السماوية، كل يقرأ في سره، أو يصمت الجاهلون، وهي ليست باختراع جديد في هذا العصر الذي نعيشه، بل في أشهر المعلقات الشعرية وفي أول بيت في مطلعها يقف (امرؤ القيس) حداداً على تذكر الأحباب والمنازل والشهداء وأولئك الذين تركوا أثراً فينا يقول:
قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل = بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

ربما كان النابغة الذبياني الشاعر الجاهلي يوميء إلى التحنيط أو وصلت إليه معلومات عن سر صيانة الجسد والاحتفاظ به، وخاصة تلك الأجساد التي كان لها في الماضي بعض الأثر الطيب، يقول:
يصونونَ أجساداً قديماً نعيمُها = بخالصة الأرْدَانِ خُضرِ المناكِبِ

في ظل هذا الشتاء والبرد القارص والسيول التي نزلت في بعض المحافظات، والأمطار الغزيرة في نواحي البلاد؛ إذا لاذ بك شخص مبلول بلته أمطار السماء فعلى الأقل رحب به ثلاثاً (أهلاً وسهلاً ومرحباً) وهذا هو ما فعله الشاعر الجاهلي المثقب العبدي:
فلما أتاني والسماء تبلهُ = فلقيتهُ: أهلاً وسهلا ًومرحبا

من الذي يفعل هذه الأشياء، عندما تعود وتجد كل شيء على ما يرام، والهدوء يخيم في المكان وكأن شيئاً لم يكن، الأطفال مؤدبون تماماً، والشقاوة محيت ولا أثر لها، بعد أن كانت غرفتك كل شيء فيها في ناحية، ربما الجن هو من فعل ذلك، وربما واحد إنسي، هذا هو ما حيّر الشاعر الجاهلي الشنفري:
فإن يَكُ من جنٍّ ، لأبرحَ طَارقاً = وإن يَكُ إنساً ، مَاكها الإنسُ تَفعَلُ

عندما تكون مختلفاً في أمر ما، مع أحد من إحدى القبائل، وأردت أن ترد عليه، فلا تهجو القبيلة كلها، بل تحدث عن الشخص المعني بهذا الهجاء، هكذا فعل الشاعر الحادرة (قطبة بن أوس) يقول:
لعمركَ لا أهجو منولة كلها = ولكنما أَهجو اللئامَ بني عَمْرو


الشتاء القارص هذا لا ينفع فيه سوى النوم تحت اللحاف من بعد العشاء مباشرة، وفي الصباح الباكر لا يمكنك الخروج من دفئه، والأفضل أن تظل نائماً، هذا هو الحال عند البعض في العصر الجاهلي ، يقول السليك بن عمرو:
ينامُ عِشاءً ثم يصبحُ ناعساً = تحث الحصى عن جنبِهِ المتعفِّر

أصبحت وجوه البنات لوحة مملؤة بالألوان غير المتناسقة؛ بحجة (المكياج)؛ مما يثير الإشمئزاز، وربما الخوف الذي يسيطر عليك فور مشاهدتك بشاعة المنظر، وهذه ظاهرة قديمة منذ العصر الجاهلي لاحظتها الشاعرة الخِرنِقِ بِنتِ بَدر، تقول:
و بيضٍ قد قعدنَ وكلُّ كحلٍ = بأعينهنَّ أصبحَ لا يليقُ

الإنسان يريد أن يفعل كل شيء في وقت واحد، وفي النهاية لا يفعل أي شيء من كل ما كان يدور في ذهنه، وبذلك يضع الإنسان نفسه في مأزق يعجز به نفسه، يقول الحارث بن حلزة الشاعر الجاهلي:
إنما العَجْز أنْ تهمَّ ولا تفـ = ـعل والهمّ ناشبٌ في الضمِير

يخبركم الشاعر الجاهلي الأعشى: أنه من السفاهة أن يتعلق قلب الرجل وعقله بفتاة كلما هو اقترب منها تبتعد هي عنه، بل والأدهى والأمر أن يتعلق بغانية، يقول:
أرى سفهاً بالمرءِ تعليقَ لبّهِ = بغانية ٍ خودٍ، متى تدنُ تبعدِ

(هالة تشبه الهلالا) هذا هو رأي عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي عندما رأى (هالة) إحدى فتيات قبيلة (معد)، ولكنه لم يرَ (هالة) إحدى فتيات مصر:
ولم أر مثـل هالـة في معـد = تشبـه حسنهـا ألاّ الهـلالا


كثيرون يتفاخرون بالأب وبالأم، وهذا سلوك حميد وظاهرة طيبة، ولكن يأتي آخر ويسحب هذا البُساط من تحت المتفاخر، شاتماً إياه بأنه ليس له أب ولا أم . وهذه شتيمة متوارثة قالها أوس بن حجر الشاعر الجاهلي:
إذا ما عُلوا قالوا أبونا وأُمنا = وليس لهم عالينَ أمّ ولا أبُ

كان تعداد سكان أهل مكة في عصر صدر الإسلام قليل جداً، بل أقل من القليل، حتى أن أبا طالب (عم رسول الله صلى الله عليه وسلم) وصف تعداد سكان مكة في ذلك الوقت بأنهم (قلائل)، يقول أبو طالب:
نشأنا بها والناسُ فيها قلائلٌ = فلم ننفكك نزدادُ خيرا ونحمدُ

كلما تتصل بصديق تجده مشغولاً، وربما هاتفه غير متاح، وإذا ذهبت إليه لم تجده، وتعود مرة أخرى تسأل عنه فهو أيضاً في مشوار، هذا هو حال عمرو بن كلثوم في العصر الجاهلي، يقول:
وأنّ غـداً وأنّ اليـومَ رهـنٌ = وبعـد غـدٍ بما لا تعلمينـا

النسيان تلك الظاهرة التي تجعلنا ننسى أهم الأشياء في الوقت المناسب الذي نحتاج إليها فيه. هذا هو حال الشعراء القدامى أيضاً، يقول قيس بن الملوح (مجنون ليلى):
فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مُهمةٍ =إِذا جِئتكم باللَيلِ لم أَدرِ ماهيا

تنبأ الشعراء في العصر الجاهلي بـ(الجلوس فوق الشمس)وهو مالم تستطعه وكالةناسا
قال زهير
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم=قوم بأَولهم أو مجدهم قعدوا

الحب:هو الاستماع بالأذن،والنظر بالعين،وحديث الذكريات،
تقول أم الضحاك المحاربية:
وما الحب إلّا سمعُ أذنٍ ونظرةٌ=وَجنّة قلبٍ عَن حديثٍ وعن ذكر

الجاهلي هدبة بن الخشرم،يستطيع أن يركب(الشر)ولكن لا يتمنى الشر مادام الشر بعيدا عنه:
ولا أَتمنى الشر والشر تاركي=ولَكن متى أحمل على الشر أركب

بعض الناس يروا أنفسهم راشدين،والناس تراهم غير ذلك،إنها وجهة نظر الشاعر المخضرم ضرار الفهري:
أناس لا نرى فيهِم رشيدا=وقد قالوا أَلسنا راشدينا

من الغرائب والعجائب والطرائف في العصر الجاهلي(شخص طويل الساعدين)يقول الشاعرهدبة بن الخشرم:
رأَته طويل الساعدين شمردلا=كما تشتهي من قوة وشباب

بثينة تُخفي عقل الشاعر جميل في مكان ما،فيطلب منها أن ترد له ولو جزءً بسيطاًمن عقله،
وإن قلت:ردّى بعض عقلى أعش به=مع الناس!قالت:ذاك منك بعيد!

يتركك الأصدقاء وأنت في أشد الحاجة إليهم،هكذا هم في كل زمان،يقول المرقش:
مَنْ مُبْلِغُ الأقْوَامِ أنّ مُرَقّشاً=أضحى على الأصحاب عِبئا مُثقلا

صديقك الذي يهرب منك دائما،ولا تعثر عليه،اصنع له كميناً كي تلقاه، هذا هو رأي بشار بن برد:
إذا جئته فى حاجة سدّ بابه = فلم تلقه إلّا وأنت كمين

في العصر الجاهلي أيضا وجد بعض البشر (معاهم معاهم)(عليهم عليهم)تقول ريطةبنت جذل الطعان:فإن كان خَيرا كان خيرا جزاؤه=وإِن كان شرا كان شرا مذمم

تدهور حال التعليم في العصر الجاهلي، فزوج الشاعرةميثاء المجاشعية،لا يعرف الديك من الدجاج،تقول:عفنججاً يضل في العجاج=لا يعرف الديك من الدجاج

القعقاع بن عمرو،هو الشاعر الجاهلي الذي كان يرد على اتصالات الهاتف،
يقول: يَدعونَ قَعقاعاً لِكُلِّ كَريهَةٍ=فَيُجيبُ قَعقاعٌ دُعاءَ الهاتِفِ

هدى عبد العزيز
15-01-2016, 07:22 PM
السلام عليكم
قراءة فريدة تربط واقعنا بتراثنا من خلال ديوان العرب
إنه مصدر من مصادر ثقافتنا , وكم من بيتٍ أحيا سلوكا ولوّن فراغا !
لعلي أعود إلى التعليق بصورة فاعلة
ومرحبا بعودتك الكريمة أخي حمدي

تحيتي وتقديري

حمدي كوكب
17-01-2016, 02:13 PM
شكراً على هذا التقدير بالمرور والتعليق الذي دوماً يدل على العطاء الوافر.
متعكم الله بالصحة والعافية.