المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ميلاد القصيدة: أشرف حشيش



أشرف حشيش
11-02-2016, 04:13 PM
يقف الإحساسُ وراء تجنيد العواطف, ويسوقها بعمق الأثر الطارئ الذي خضع له هذا الإحساس , فإن كان المؤثر قويا , تجيش الأجواء الانفعالية ’ وتتلبد بغيوم العاطفة , وتخضع النفس لإرهاصات هذا المنخفض العاطفي , فيبدأ الوجدان بالانفعال , وتبدأ الفكرة تدريجيا بالنضوج, ثم التشكّل بأثر العاطفة المتمخضة عن قوة الإحساس أو ضعفه ’ وبتوجيه العقل المتأمل الذي يستدعي لها اللغة (مفرداتها , وأساليبها , وبلاغتها , وخيالاتها ), وهذا لا يحدث بعيدا عن العقل, فالعقل يكون حاضرا منذ البداية ’ وهو صفة آدمية بها رفع الله الإنسان عن سائر المخلوقات, وهو وسيلته للتطور والرقي , ومستودع معرفته التي اختبر بها الحياة , وهنا يأتي الدور الأكبر له في ترجمة هذه الأحاسيس والمشاعر عن طريق اللغة وتصويراتها , فللوجدان عواطف متدفقة , وللعقل أفكاره, واتجاهاته , وقدراته ,{ فالوجدان والعقل واللغة = هي الإنسان}
والسؤال هنا : هل يحدث أن يقال الشعر أو الأدب دون عاطفة ؟ بكل تأكيد نعم كقول القائل : كأننا والماء من حولنا = قومٌ جلوسٌ من حولهم ماء

لكن الإحساس بالماء موجود , أما العاطفة فمغيّبة , والفكر في هذا البيت سطحي ’لكنه هو الذي يقف وراء إخراجه

هل يحدث أن تغلب العاطفة على العقل الذي يقوم بمهمته الواسعة في التطوير والتصوير والتزيين وتخيّر الألفاظ والأساليب ؟

نعم بكل تأكيد رغم أن العاطفة تظهر لنا من خلال هذا الدور الذي يقوم به العقل

مثال على تغلّب العاطفة على العقل :

قول أبي فراس الحمداني أثناء احتضاره لابنته :

أبنيّتي لا تجزعي = كلّ الأنام إلى ذهابِ

نوحي عليّ بحسرة من خلف سترك والحجابِ

قولي إذا كلمتِني فعييتُ عن ردّ الجوابِ

زينُ الشبابِ أبو فراسٍ لم يمتّع بالشبابِ

__________

الأبيات تنم عن عاطفة باكية , وخوف , ولغة تخلو من الخيال , وتجربة شعرية عميقة ( وقوعه تحت مؤثر+ وجدان انفعالي+تصوير واقعي حواري) فطبيعة الحدث الذي حرك العاطفة لا يحتمل تصنعا ولا تكلّفا , بل يحتمل كلمة صادقة مؤثرة , يتلمس أثرها كل قارئ , وقد لمسنا أثرها في صاحبها الذي ينادي ابنته ألا تجزع , فالعبارة تخلو من المجاز بشقيه الاستعارة والمرسل , ويؤكد بحقيقة لا يختلف عليها اثنان {كل الأنام إلى ذهاب}
وبعد النداء والنهي يأتي (الأمر) من ابنته أن تنوح عليه خلف الستار بحسرة (حال النواح) وحقيقة هو من يتحسّر على هذه الحياة
ونلاحظ أن وسيلة حزنه ومشاعرة لغة تخلو من المجاز لأن الشعور بالألم أقوى من الفكر رغم ان الفكر منصبٌّ في تفسير الألم .

هل يُعقل أن أبا فراس القائل : تهون علينا في المعالي نفوسُنا = ومن يخطب الحسناء لم يغلْه المهرُ / هو نفسه من قال الأبيات أعلاه

إن الذي لا يعرف أنّ لكل مقامٍ مقالا , ولكل عاطفةٍ مؤثرا , ولكل مبتدأ خبرا’ ولكل فعل فاعلا , ولكل شاعر قلب , ولكل إنسان وطن , لا يمكن أن يؤمن أن من قال النصين ذاته نفس الشخص

فالبيت ( تهون علينا في المعالي نفوسُنا = ومن يخطب الحسناء لم يغلْه المهرُ) يضرب به مثلا عبقريا للتضحية بتشبيه ضمني مذهل فقد شبه النفوس بالمهر
ومن أراد الحصول على المعالي يبذل في سبيلها الغالي والنفيس كما أن الذي يريد أن يخطب الحسناء لا يعجزه المهر
بيتٌ خالد يعلمنا التضحية في سبيل العزة , نردده إلى يوم القيامة , قوي التعبير جميل التصوير , تغلّب فيه العقل على العاطفة

لكنّ السؤال : ما مناسبة هذا البيت ؟
نعم هو كذلك ظهرت الشعوبية التي طعنت في مثالب العرب , وأنكرت فضلهم على الحضارة الإنسانية , ودعت إلى قتلهم , فما كان من أبي فراس إلا أن يقع تحت تأثير الغيرة على أمّته ليرد لها اعتبارها , وينافح عن آثارها , مبينا أن العربي يغالي في المعالي بروحه (تهون علينا في المعالي نفوسنا) رغم أن التأثير قويٌّ والعاطفة قوية إلا أن دور العقل غلب دور العاطفة في هذا البيت
ومن هنا يكون للمؤثر دور في الأثر , وفي إخراجه , فالشعر ليس (صورا من أجل الصور) كأن تتحدث عن المشرّدين لتظهر قدرتك على تشبيههم وتصويرهم , دون أن أتلمس بصمتك في النص , ولا أجد روحك فيه , ولا أسمع للقلب نبضا

وحين تقول : إن المشرّد مثل ظبي ما له = أم ولا كهف ولا واحةْ / أقول لك هذا كلام لا ينم عن مرورك بتجربة شعرية تتكون من (مؤثر ووجدان وعقل) وإن ظهر التشبيه فيه ,فهل الذي اقتلع من وطنه طريدا في دنيا التيه والضياع , دون أن تمهله القنابل فرصة توديع الوطن , قد بلغك أثره في أن تتصنّع وتشبهه بظبي , نحن نعرف أنه لا وطن له ,ولا حضن آمن , لكن فكرتك لم تنضج , وعاطفتك لم تتلمّس حقيقة ألمه في اقتلاعه , استئصاله من الوطن الذي شكّل ملامحه , أو أي فكرة أخرى يتدخل العقل في ابتكارها
وهذا هو بيت القصيد (الغاية من الفن ليس الفن وحده) فلو خرجت العاطفة كليا من النص ما كان هناك نصٌ أصلا يستحق القراءة فهي المؤتمرة في افتعال مخاضه . (العاطفة الإنسانية وبيان دوافعها وأثرها , اللغة وأساليبها وعلومها وإظهار الجمال الفني والقيم والاتجاهات , ,,,,,) كل هذه الأمور غاية في الأدب

بقلمي / وقد يتبع

زيدون السرّاج
02-03-2016, 01:29 AM
نرجو أن يتبع أستاذ أشرف حشيش، قرأت هنا ما فيه الفائدة، ومثالاك كانا في محالهما، وكان تفريقك بين التصوير والوصف العدسي وبين العاطفة وظهور الناص رائعا أفدت منه كثيرا وتعلمت

كما أدعو الله أن يوفقني ويوفقك

ثناء حاج صالح
07-02-2019, 11:21 PM
يقف الإحساسُ وراء تجنيد العواطف, ويسوقها بعمق الأثر الطارئ الذي خضع له هذا الإحساس , فإن كان المؤثر قويا , تجيش الأجواء الانفعالية ’ وتتلبد بغيوم العاطفة , وتخضع النفس لإرهاصات هذا المنخفض العاطفي , فيبدأ الوجدان بالانفعال , وتبدأ الفكرة تدريجيا بالنضوج, ثم التشكّل بأثر العاطفة المتمخضة عن قوة الإحساس أو ضعفه ’ وبتوجيه العقل المتأمل الذي يستدعي لها اللغة (مفرداتها , وأساليبها , وبلاغتها , وخيالاتها ), وهذا لا يحدث بعيدا عن العقل, فالعقل يكون حاضرا منذ البداية ’ وهو صفة آدمية بها رفع الله الإنسان عن سائر المخلوقات, وهو وسيلته للتطور والرقي , ومستودع معرفته التي اختبر بها الحياة , وهنا يأتي الدور الأكبر له في ترجمة هذه الأحاسيس والمشاعر عن طريق اللغة وتصويراتها , فللوجدان عواطف متدفقة , وللعقل أفكاره, واتجاهاته , وقدراته ,{ فالوجدان والعقل واللغة = هي الإنسان}
والسؤال هنا : هل يحدث أن يقال الشعر أو الأدب دون عاطفة ؟ بكل تأكيد نعم كقول القائل : كأننا والماء من حولنا = قومٌ جلوسٌ من حولهم ماء

لكن الإحساس بالماء موجود , أما العاطفة فمغيّبة , والفكر في هذا البيت سطحي ’لكنه هو الذي يقف وراء إخراجه

هل يحدث أن تغلب العاطفة على العقل الذي يقوم بمهمته الواسعة في التطوير والتصوير والتزيين وتخيّر الألفاظ والأساليب ؟

نعم بكل تأكيد رغم أن العاطفة تظهر لنا من خلال هذا الدور الذي يقوم به العقل

مثال على تغلّب العاطفة على العقل :

قول أبي فراس الحمداني أثناء احتضاره لابنته :

أبنيّتي لا تجزعي = كلّ الأنام إلى ذهابِ

نوحي عليّ بحسرة من خلف سترك والحجابِ

قولي إذا كلمتِني فعييتُ عن ردّ الجوابِ

زينُ الشبابِ أبو فراسٍ لم يمتّع بالشبابِ

__________

الأبيات تنم عن عاطفة باكية , وخوف , ولغة تخلو من الخيال , وتجربة شعرية عميقة ( وقوعه تحت مؤثر+ وجدان انفعالي+تصوير واقعي حواري) فطبيعة الحدث الذي حرك العاطفة لا يحتمل تصنعا ولا تكلّفا , بل يحتمل كلمة صادقة مؤثرة , يتلمس أثرها كل قارئ , وقد لمسنا أثرها في صاحبها الذي ينادي ابنته ألا تجزع , فالعبارة تخلو من المجاز بشقيه الاستعارة والمرسل , ويؤكد بحقيقة لا يختلف عليها اثنان {كل الأنام إلى ذهاب}
وبعد النداء والنهي يأتي (الأمر) من ابنته أن تنوح عليه خلف الستار بحسرة (حال النواح) وحقيقة هو من يتحسّر على هذه الحياة
ونلاحظ أن وسيلة حزنه ومشاعرة لغة تخلو من المجاز لأن الشعور بالألم أقوى من الفكر رغم ان الفكر منصبٌّ في تفسير الألم .

هل يُعقل أن أبا فراس القائل : تهون علينا في المعالي نفوسُنا = ومن يخطب الحسناء لم يغلْه المهرُ / هو نفسه من قال الأبيات أعلاه

إن الذي لا يعرف أنّ لكل مقامٍ مقالا , ولكل عاطفةٍ مؤثرا , ولكل مبتدأ خبرا’ ولكل فعل فاعلا , ولكل شاعر قلب , ولكل إنسان وطن , لا يمكن أن يؤمن أن من قال النصين ذاته نفس الشخص

فالبيت ( تهون علينا في المعالي نفوسُنا = ومن يخطب الحسناء لم يغلْه المهرُ) يضرب به مثلا عبقريا للتضحية بتشبيه ضمني مذهل فقد شبه النفوس بالمهر
ومن أراد الحصول على المعالي يبذل في سبيلها الغالي والنفيس كما أن الذي يريد أن يخطب الحسناء لا يعجزه المهر
بيتٌ خالد يعلمنا التضحية في سبيل العزة , نردده إلى يوم القيامة , قوي التعبير جميل التصوير , تغلّب فيه العقل على العاطفة

لكنّ السؤال : ما مناسبة هذا البيت ؟
نعم هو كذلك ظهرت الشعوبية التي طعنت في مثالب العرب , وأنكرت فضلهم على الحضارة الإنسانية , ودعت إلى قتلهم , فما كان من أبي فراس إلا أن يقع تحت تأثير الغيرة على أمّته ليرد لها اعتبارها , وينافح عن آثارها , مبينا أن العربي يغالي في المعالي بروحه (تهون علينا في المعالي نفوسنا) رغم أن التأثير قويٌّ والعاطفة قوية إلا أن دور العقل غلب دور العاطفة في هذا البيت
ومن هنا يكون للمؤثر دور في الأثر , وفي إخراجه , فالشعر ليس (صورا من أجل الصور) كأن تتحدث عن المشرّدين لتظهر قدرتك على تشبيههم وتصويرهم , دون أن أتلمس بصمتك في النص , ولا أجد روحك فيه , ولا أسمع للقلب نبضا

وحين تقول : إن المشرّد مثل ظبي ما له = أم ولا كهف ولا واحةْ / أقول لك هذا كلام لا ينم عن مرورك بتجربة شعرية تتكون من (مؤثر ووجدان وعقل) وإن ظهر التشبيه فيه ,فهل الذي اقتلع من وطنه طريدا في دنيا التيه والضياع , دون أن تمهله القنابل فرصة توديع الوطن , قد بلغك أثره في أن تتصنّع وتشبهه بظبي , نحن نعرف أنه لا وطن له ,ولا حضن آمن , لكن فكرتك لم تنضج , وعاطفتك لم تتلمّس حقيقة ألمه في اقتلاعه , استئصاله من الوطن الذي شكّل ملامحه , أو أي فكرة أخرى يتدخل العقل في ابتكارها
وهذا هو بيت القصيد (الغاية من الفن ليس الفن وحده) فلو خرجت العاطفة كليا من النص ما كان هناك نصٌ أصلا يستحق القراءة فهي المؤتمرة في افتعال مخاضه . (العاطفة الإنسانية وبيان دوافعها وأثرها , اللغة وأساليبها وعلومها وإظهار الجمال الفني والقيم والاتجاهات , ,,,,,) كل هذه الأمور غاية في الأدب

بقلمي / وقد يتبع
الأستاذ الشاعر القدير أشرف حشيش
يا أهلاً ويا مرحباً بعودتكم التي أنارت الفصيح !
كتبتم هذا المقال عبر رصدكم دقائق التجرية الذاتية للشاعر المبدع الذي يعي مخاض الشعر، وهي التجربة الذاتية التي من شأنها أن تكون مصدراً للتعميم في النقد والتقييم؛ إذ لا يستطيع الخوض فيها إلاَّ من اختبر العملية الإبداعية ووعى مراحلها وتفاصيلها.
ومازلنا نطمع بمتابعتكم هذا البحث الرائع.
تحيتي وتقديري

أشرف حشيش
10-02-2019, 03:50 PM
الأستاذ الشاعر القدير أشرف حشيش
يا أهلاً ويا مرحباً بعودتكم التي أنارت الفصيح !
كتبتم هذا المقال عبر رصدكم دقائق التجرية الذاتية للشاعر المبدع الذي يعي مخاض الشعر، وهي التجربة الذاتية التي من شأنها أن تكون مصدراً للتعميم في النقد والتقييم؛ إذ لا يستطيع الخوض فيها إلاَّ من اختبر العملية الإبداعية ووعى مراحلها وتفاصيلها.
ومازلنا نطمع بمتابعتكم هذا البحث الرائع.
تحيتي وتقديري

بارك الله فيكم , وشكر لكم

أسعدني شعورك هذا وتقديرك لما كتبت أختي ثناء , وأشكرك جدا على رفعك الموضوع

يدور في خاطري التساؤل عن أمر في الأدب (شعرا ونثرا) أديب يصل حرفه لقلوب القراء ويستثير الذائقة بنص خال من التجربة الشعورية
ولا أقصد التجربة الإبداعية
التجربة الإبداعية : التمكن من أدوات اللغة ’وصقل العبارات بمهارة وحرفية
التجربة الشعورية :المرور بدوافع الكتابة وصدق العاطفة
كأن يكتب سجين عن أوجاعه في السجن

ما يثير الغرابة أن فاقد الشيء قد يعطي أكثر من مالكه
نأخذ على سبيل المثال (أبو العتاهية) إمام الزهد في العصر العباسي شعرا لا واقعا والأدلة كثيرة منها قول أحدهم فيه
ما اقبح التزهيد في واعظ///يزهِّدُ الناس ولا يزهدُ
لو كان في تزهيده صادقاً/// أضحى وأمسى بيته المسجد
لكنه أبدع في شعره , وصلت أشعاره إلى قلوب الناس واستفزت عواطفهم الدينية
أذكرمنها
خانك الطرف الطموح أيها القلب الجموحُ
نح على نفسك يا مسكين ما كنت تنوحُ
لتموتن وإن عمّرتَ ما عمر نوح
الشهادات التي عايشت أبا العتاهية تثبت أن سلوكه مغيار لدعوته الشعرية
غير أن تجربة أبي العتاهية الإبداعية أخرجت شعرا قويا رصينا من الناحية اللغوية
فكيف السلوك الإبداعي أن ينسلخ عن الواقعي ويكون إيجابيا ؟
_____________________________

نأخذ مثالا آخر
سُجن أبو إقبال اليعقوبي بأواخر الحقبة العثمانية بمصر , ورأى الويلات في سجنه فصور ما رأى بقالب هش
فالسجنُ قبرٌ ولكن كلُّهُ نُوَبٌ // والعاملون عليه كلهم نفلُ
أصابني خَزَل فيه فأهرمني // وكاد يودي بمتني ذلك الخزلُ
ونابني رهلٌ حار الطبيب به// إنّ الكوارث من أسبابها الرهلُ
وساءني مغلٌ في العين آلمها // هل يؤلم العين إلا ذلك المغلُ

لو تتبعنا أبياته هذه لوجدناها فقيرة البلاغة والأساليب والتصوير, فالعجز في كل بيت لم يضف شيئا لمعنى الصدر
(فالسجن قبر ولكن كله نوب )
ما أسخفه من شطر ! فالقبر لم يبق مصيبة بعده, فما قيمة قوله (ولكن كله نوبٌ)
أصابني خزلٌ فيه فأهرمني (الخزل كسر في الظهر من الطبيعي أن يؤلم وأن يؤرّق) فكيف بالسجين ؟ أما قوله (فكاد يودي بمتني ذلك الخزل ) جملة خبرية تثير السخرية
ونسأل هنا كيف عجز التعبير عن استيعاب الشعور الحقيقي الصادق
يتبع إن شاء الله

ثناء حاج صالح
17-02-2019, 03:26 PM
بارك الله فيكم , وشكر لكم

أسعدني شعورك هذا وتقديرك لما كتبت أختي ثناء , وأشكرك جدا على رفعك الموضوع

يدور في خاطري التساؤل عن أمر في الأدب (شعرا ونثرا) أديب يصل حرفه لقلوب القراء ويستثير الذائقة بنص خال من التجربة الشعورية
ولا أقصد التجربة الإبداعية
التجربة الإبداعية : التمكن من أدوات اللغة ’وصقل العبارات بمهارة وحرفية
التجربة الشعورية :المرور بدوافع الكتابة وصدق العاطفة
كأن يكتب سجين عن أوجاعه في السجن

ما يثير الغرابة أن فاقد الشيء قد يعطي أكثر من مالكه
نأخذ على سبيل المثال (أبو العتاهية) إمام الزهد في العصر العباسي شعرا لا واقعا والأدلة كثيرة منها قول أحدهم فيه
ما اقبح التزهيد في واعظ///يزهِّدُ الناس ولا يزهدُ
لو كان في تزهيده صادقاً/// أضحى وأمسى بيته المسجد
لكنه أبدع في شعره , وصلت أشعاره إلى قلوب الناس واستفزت عواطفهم الدينية
أذكرمنها
خانك الطرف الطموح أيها القلب الجموحُ
نح على نفسك يا مسكين ما كنت تنوحُ
لتموتن وإن عمّرتَ ما عمر نوح
الشهادات التي عايشت أبا العتاهية تثبت أن سلوكه مغيار لدعوته الشعرية
غير أن تجربة أبي العتاهية الإبداعية أخرجت شعرا قويا رصينا من الناحية اللغوية
فكيف السلوك الإبداعي أن ينسلخ عن الواقعي ويكون إيجابيا ؟
_____________________________

نأخذ مثالا آخر
سُجن أبو إقبال اليعقوبي بأواخر الحقبة العثمانية بمصر , ورأى الويلات في سجنه فصور ما رأى بقالب هش
فالسجنُ قبرٌ ولكن كلُّهُ نُوَبٌ // والعاملون عليه كلهم نفلُ
أصابني خَزَل فيه فأهرمني // وكاد يودي بمتني ذلك الخزلُ
ونابني رهلٌ حار الطبيب به// إنّ الكوارث من أسبابها الرهلُ
وساءني مغلٌ في العين آلمها // هل يؤلم العين إلا ذلك المغلُ

لو تتبعنا أبياته هذه لوجدناها فقيرة البلاغة والأساليب والتصوير, فالعجز في كل بيت لم يضف شيئا لمعنى الصدر
(فالسجن قبر ولكن كله نوب )
ما أسخفه من شطر ! فالقبر لم يبق مصيبة بعده, فما قيمة قوله (ولكن كله نوبٌ)
أصابني خزلٌ فيه فأهرمني (الخزل كسر في الظهر من الطبيعي أن يؤلم وأن يؤرّق) فكيف بالسجين ؟ أما قوله (فكاد يودي بمتني ذلك الخزل ) جملة خبرية تثير السخرية
ونسأل هنا كيف عجز التعبير عن استيعاب الشعور الحقيقي الصادق
يتبع إن شاء الله
ما شاء الله!
أرى خبرة واضحة في قراءة المعاني والاستدلال عليها بالأساليب البلاغية ودلالات الألفاظ!
أثار اهتمامي تساؤلكم عن تأثير صدق التجربة الشعورية في الشعر ، وكيف أن فاقد الشيء قد يعطيه في الشعر أكثر من مالكه في الحقيقة ، واستشهادكم على ذلك بشعر الزهد عند أبي العتاهية . وإنني أوافقكم الرأي مع محاولة متواضعة مني لتفسير هذه الظاهرة التي ترونها غريبة وأراها قابلة للتفسير من خلال علم السلوك . فمعروف أن الدوافع النفسية تكون أنشط وأقوى في تحفيز الإنسان على طلب ما يحتاجه من الحاجات النفسية العاطفية، عندما تكون هذه الدوافع غير مشبعة .
أقصد عندما يكون الإنسان في حالة حرمان أو شعور بالنقص تجاه ما يحتاجه. ومثال ذلك : الشعور بالعطش . فهذا دافع ينشِّط الإنسان ويحفِّزه لطلب الماء . فتراه يسعى بكل جهده للوصول إليه . وتراه إذا استمعت إليه وهو يصفه ، يصفه بأروع الكلمات وأرق العبارات وأصدق التعابير .بل أن الماء يصبح أولى أولوياته وأعظم أهتماماته. فيكثر من الكلام عنه أكثر من أي شيءٍ آخر . لأنه هو الذي يستطيع تقدير أهمية الماء ومعنى فقدانه والحرمان منه وأثر ذلك على البدن .
أما الشخص الذي لا يشعر بالعطش والذي يجد الماء متوفراً وسهلاً ودونما طلب . فقد لا يعبأ بالتعبير عن مشاعره تجاه الماء ، لعدم وجود دافع يدفعه للكلام عنه. وإذا ما طلب أحد منه أن يتكلم عن الماء فسيكون كلامه عنه فاتراً بارداً خالياً من الإبداع واللهفة والصدق والتقدير العظيم كما هو الأمر في كلام العطشان الذي يعاني من حرمان الماء.
فمن هنا أرى أن شعور أبي العتاهية العظيم بالحاجة الماسة للزهد، وقناعته العميقة بأن خير ما يمكن للمرء أن يفعله هو الزهد . مع عدم تنفيذه هذه القناعة وعدم استجابته السلوكية في الواقع للدافع العميق الذي يدعوه للزهد، جعله يزيد من عمق حسرته على نفسه ، وجعله أشدَّ تعلُّقاً بالدافع وأصدق في التعبير عنه ، كنوع من التنفيس عن كبت هذا الدافع وعدم تلبيته . وهذا ما انعكس على شعره وقرأناه عمقاً وصدقاً وشفافية ونفاذ بصيره .
هذا ما أراه والله أعلم
ولكم مني التحية والتقدير