المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : دعوة للمباحثة والاستفادة حول الجرِّ بالمجاورة (جحر ضبٍّ خربٍ)



أبو عبدالله الأثري
27-11-2005, 11:45 AM
:::

من الأمور المقررة عند بعض النحاة الجر بالمجاورة, واستدلوا على هذا بما ينقلونه عن العرب قولَهم : (( هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ )), فالأصل أن يُقال : (( خربٌ )) لأنه صفة للجحر لا الضب, ولكنه أخذ حركة الضب وهي الكسرة بسبب المجاورة, هذا ما يذكره النحاة, وقد وقعت على كلامٍ لعلامة الجزائر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ( ت 1384 - 1964 ) رحمه الله حول هذا الموضوع, فأحببتُ أن أنقله لإخواني لأستفيد مِن تعليقاتهم عليه, والكلام موجود في: ( آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 2/44 ظ.دار الغرب الإسلامي ) وهذا هو: يقول رحمه الله:

((.... ولكن المثال البارد الفج (( الصامط “1” )) الذي لا يثير في النفس اهتماماً, بل يثير فيها اغتماماً؛ هو المثال الذي تعلمناه من كتب النحو, وهو قولهم: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ.

يُمثلون به للجر بالمجاورةِ أو بالتوهمِ لا أدري! وإنما الذي أدريه هو أنَّ هذا النوع مِن الجرِّ مسموعٌ عن العرب, وهو مِن شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم, وهو مقبول منهم, لكنه مقصورٌ على ما سُمِعَ منهم, فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجريِ على غير منهاج, ولهذه الشذوذات في العربية فلسفةٌ خاصة لم يُشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن, ولو وجدتُ متسعاً من الوقت لكتبت فيها ما يصح أن يكون نواةً في الموضوعِ؛ إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرةً ذات أكل شهي, ولفيلسوف هذا الفنِّ أبي الفتح عثمان بن جني جُمَلٌ متفرقة في هذا الموضوع, لكنها تنطوي على نظراتٍ سديدة, وتدلُّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم, وإذا كان هذا النوع مِن الجرِّ مسموعاً موقوفاً على السماع فلستُ على ثقةٍ من أن مثال النحاة مسموعٌ من العرب, وإنما هو مثالٌ سوقيٌّ انتحلوه, ثم قلَّد آخرُهم أولَهم فيه على عاداتهم, وهل يصحُّ لهم أن يمثلوا لمسألةٍ سماعيةٍ بمثالٍ مصنوع؟ لا.

ودليلي على أن المثال مصنوع أمران:

الأول: أنَّ نطق العرب لا يساعد على ما ادَّعاه النحاة فيه؛ لأن كلمة خرب التي يَدَّعي النحاة جرها جاءت مقطعاً في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى, فإذا نطق بها عربيٌّ نطق بها ساكنةَ الآخِر بلا شك, فمن أين يظهر الجرُّ الذي ادَّعوه فيها؟
ووددت لو ذاكرتُ بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم, وما عسى أن يأتوا به من حججٍ فارغة, وكم في كلام الفارغين من تسليةٍ للهمِّ وتزجيةٍ للوقت وترويحٍ للخواطر المكدودة, بشرط أن يكون السامع موفور الحظِّ مِن الصبر.

والثاني: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يَعرف العرب عن الضب مِن أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى ( جمع كدية ) وهي جبيلٌ صلبُ الأرض متماسكُ التراب, ولذلك يضيفونه إليها كثيراً, فيقولون: ضب الكدية, وضب الكدى, يستعملون هذا كثيراً في كلامهم, وفي مقصورة ابن دريد بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه, وقد قال الشاعر:

سقى الله أرضاً يعلمُ الضبُّ أنَّها بعيدٌ عن الأدواءِ طيبةُ البقلِ
بنى بيتَهُ فيهِ على رأسِ كُدَيَّةٍ وكلُّ امرئٍ في حرفةِ العيش ذو عقلِ

فقد وصف هذه الأرضَ التي اختارها الضب لسكناه بأنَّ الضب - وهو الاختصاصي في هذه الهندسة - كأنه يعلم أنها بعيدة من الآفات, وأكبر الآفات في نظر الضب السقوط والانهيار والخراب.

وقال الشاعر الآخر فزاد المعنى المراد توضيحاً وهو يتحدَّث عن الضب:

ويحفر في الكدى خوفَ انهيارِ ويجعل بيتَه رأس الوجينِ

والوجين: هو الأرض الصلبة الغليظة, ومن هذه الكلمة جاء قولهم: رجل موجّن؛ قوي عظام الأضلاع والصدر, ومنها ميجنة الثياب؛ آلة تدق بها, ومنها جلد موجّن؛ مضروب بعد الدبغ حتى تتداخل أجزاؤه وتلطف فيلين مع القوة, فهذا البيت شاهدٌ على أنه " ليس جحرُ ضبٍّ خرباً ", ولهذه الخاصية في اختيار الضب للكدى, تصفه العرب بصفة ملازمة فيقولون " ضب دامي الأظافير " جمع أظفور, قال الشاعر:

ترى الشرَّ قد أفنى دوائرَ وجههِ كضبِّ الكدى أفنى أناملَهُ الحَفْرُ

ومِن تهكمات المعري وهمزاته أنَّ صاحبه أبا القاسم المغربي المشهور في علم التاريخ والأدب بالوزيرِ المغربي اختَصَرَ في حداثةِ سنه كتاب ( إصلاح المنطق ) ليعقوب بن السكيت, وأهدى منه نسخة إلى صفيِّه المعري, وكانت بينهما أسبابٌ متينة العُرى, فكتب له المعري جواب الإهداءِ رسالةً مِن أبدع رسائله, وفيها نقدٌ لكتاب ابن السكيت على طريقة المعري الغريبة في سخريته العجيبة يقول فيها إن لم تخني الذاكرة: " وقد أكثر يغقوب من الاجتهاد, في إقامة الأشهاد - يعني الشواهد -, حتى ذكر رجز الضب, وإن مَعَدًّا مِن ذلك لجِدُّ مُغضَب, أعَلَى فصاحته يُستعانُ بالقرض, ويُستشهد بأحناش الأرض, ما رُؤبة عنده في نفير, فما قولك في ضبٍّ دامي الأظافير ... ".

وهذه الرسالة الرائعة مطبوعة مصححة فيما طبع ( كامل الكيلاني ) مع رسالة الغفران, فإن كانت عندك "2" فراجعها, فلعلَّ الحافظة لم تضبط ألفاظها, ومحل الشاهد فيها لموضوعنا وصفه الضبَّ بما كانت تصفه العرب مِن أنَّه ( دامي الأظافير ), ولا سبب لذلك إلا حفره لجحره في الكدى الصلبة, وهذه كلها دلائل على فساد مثال النحاة إعراباً ومعنىً, ولا ننكر أنَّ بعض جحر الضباب تخرب, وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلا عن جحور الضباب, ولكنه "3" باردٌ جاف متخاذل خاذل لحافظه, إذ يوهمه خلاف الواقع, ومنه ومِن أمثاله خُذل المتأدبون بكتب النحو الذين قعدت بهم همتهم عن التأدب بلغة العرب مِن شعرهم وخطبهم, ولم يحصل واحد منهم ملكة صحيحة في هذه اللغة ولا ذوقاً صحيحاً في أدبها, والواجب في الأمثال أن تكون جملاً حكيمة ذات معانٍ مستقيمة وألفاظٍ قويمة حتى يحصل الحافظ لها فائدتين: الحكم اللفظي, والمعنى الذي يترك أثراً في النفس, ومِن مجموع هذه الأمثلة يتكون الأدب والأديب, وقد نعى ابن خلدون في زمنه هذا الذي نَعَيْنَاه, وانتقد مِن مزاولي النحو ما انتقدناه - وهو لعمري – نقد صحيح ما عليه غبار )) أ.هـ بنصه.

________________________

"1" كلمة عامية معناها: ثقيل الظل.
"2" هذا الكلام مأخوذ من رسالة أرسلها الشيخ إلى أحد تلاميذه وهو الأستاذ أحمد ابن أبي زيد قضيبة, فهو المعنيُّ بقوله: عندك, وعنوان الرسالة: رسالة الضب, وهي رسالة جميلة تتكلم عن جوانب عديدة تتعلق بالضب.
"3" أي العبارة: جحر ضب خرب.

أبو عبدالله الأثري
27-11-2005, 11:47 AM
رابط الموضوع في ملتقى أهل الحديث أضعه للاستفادة من تعليقات الإخوة هناك:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=41609

أبو ذكرى
28-11-2005, 04:06 AM
ومِنْ ذلك قوله تعالى: {وَحُورٍ عِينٍ} (الآية "17 و 23" من سورة الواقعة "56" والآيات هي {يطوف عليهم ولدانٌ مُخلدون، بأكواب وأباريقَ وكأسٍ من معين، لا يُصَدَّعون عنها ولا يُنزفون، وفاكهةٍ مما يتخيرون، ولحمِ طَيرٍ مما يشتهون، وحورٍ عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون} فيمن جرَّهما والأصلُ أن "وحورٍ" معطوف على "وِلدانٌ" لا على {أكْوابٍ وأَبَارِيقَ}.

ومثله قول امرئ القيس:

كأنَّ ثَبيراً في عَرَايِين وَبْلِهِ * كَبيرُ أُنَاسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

(ثبير: اسم جبلٍ بعينه، عرانين: جمع عرنين وهو الأنف استعار العرانين لأوائل المطر. البِجَاد: كِساء مُخَطَّط، التزميل: التلفيف بالثياب)

فـ "مُزمَّلِ" تأثَّر بحركةِ الكَلِمَة قَبْلَها "بِجَاد" بحكم المُجَاوَرَة، وهو في الحقيقَة والمَعْنى: صِفَةٌ لـ "كَبِير".

عزام محمد ذيب الشريدة
28-11-2005, 11:47 AM
الأخوة الأفاضل:
الرفع هو الوجه كما يقول سيبويه،من أجل التناسب المعنوي بين (خرب)وبين الجحر لأن (خرب)صفة للجحر، والصفة تتبع الموصوف ،ولكن الجر عدول عن أصل الاختيارعلى المحور الرأسي للغة ، من أجل التناسب اللفظي أو الموسيقي في الكلام،هكذا:
هذا جحرُ ضبٍ خربٌ-الأصل(تناسب معنوي)
هذا جحرُ ضبٍ خربٍ-عدول عن الأصل من أجل الهدف اللفظي(تناسب لفظي)
والله أعلم

أبو عبدالله الأثري
28-11-2005, 06:12 PM
بارك الله فيكم إخواني الكرام

وليت الإخوة يأتون بكلام علماء النحو المتقدمين في هذا الموضوع لإثرائه

فأنا لا أملك من كتب النحو إلا اليسير, ولم أجد كلاما حولها فيما بين يدي

وفقكم الله

رياض
29-11-2005, 04:00 AM
هذا بحث كتبته قبل مدة عن مسألة الحمل على المجاور .... قد يفيد ! :
التمهيد :
من مظاهر حياة اللغة وميلها لليسر والسهولة تأثر الألفاظ ببعضها إذا تجاورت ، ومن ذلك ما يسميه النحاة " الجر على الجوار " إذ يجر فيه الاسم بتأثير اسم سابق له ، لمجرد استحسان لفظي دون علاقة لذلك بالمعنى .
وتأثير المجاور لم يعرف عند النحاة إلا في حركة الجر ( ) ، ولم يخرج عن أبواب التوابع ( ) وهي: النعت والتوكيد والعطف والبدل على تفصيل في ذلك سيأتي لاحقاً .
وقد اتفق النحاة على أن الجر على الجوار لم يقع في باب البدل ، قال أبو حيان :" وأما في البدل فلا يحفظ ذلك من كلامهم ، ولا خرّج عليه أحدٌ ممن علمناه " ( ) ، وعلل لذلك ابن هشام فقال :" وينبغي امتناعه في البدل ؛ لأنه في التقدير من جملة أخرى ، فهو محجوزٌ تقديراً"( ) أي أنه يفصل بين المتجاورين تقديراً العامل في البدل .
إنما الخلاف بين النحاة في حدوثه في غير البدل من باب التوابع وتفصيل ذلك فيما يلي :
المناقشة :
اختلف النحاة في وقوع الحمل على المجاور في أبواب : النعت والتوكيد والعطف ، وللنحاة في ذلك ثلاثة آراء :
الرأي الأول:
وهو رأي سيبويه( ) وأبي عبيدة ( ) والأخفش ( ) والمبرد ( ) وغيرهم ( ) ، وهو رأي جمهور النحاة ( ) من بصريين وكوفيين ، فهم يجيزون الجر على الجوار مطلقاً ، حيث يرونه وجهاً في العربية وإن خالف الأصل في متابعة التابع المتبوع ، قال سيبويه :" ومما جرى نعتاً على غير وجه الكلام (هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ) فالوجه الرفع ، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم ، وهو القياس ، لأن الخرب نعت الجحر والجحر رفع ، ولكن بعض العرب يجره " ( ) وقال الفراء في قوله تعالى : ) اِشْتَدَّتْ بِهِ الْرِّيْحُ فِي يَومٍ عَاصِف( [إبراهيم : 18] : "وإن نويت أن تجعل (عاصف) من نعت الريح خاصَّة فلما جاء بعد اليوم أتبعته إعراب اليوم وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذ أشبهه " ( ) .
أما الجمهور فيجيزونه في باب النعت والعطف وبندرة في باب التوكيد وشرطهم في ذلك أن يؤمن اللبس، وقد أكد ذلك السمين بقوله :" وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يؤمن اللبس كما تقدم تمثيله [ أي بقول : هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ] ، بخلاف : (قام غلام زيدٍ العاقلِ) إذا جعلت (العاقل) نعتاً للغلام امتنع جره على الجوار لأجل اللبس " ( ) .
وقد استشهد القائلون بهذا الرأي على مذهبهم بالسماع في كثير من الآيات والشواهد الشعرية،حتى قال العكبري:" وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد"( )فمن ذلك:

· في باب النعت:
o قوله تعالى :) عَذَابَ يَوْمٍ مّحِيطٍ( [هود:84] فاليوم ليس بمحيط ، إنما المحيط هو العذاب ، وكان حق كلمة (محيط) الرفع ؛ ولكن الجر هنا لمجاورة (يوم)
o وقوله تعالى : ) مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ( [إبراهيم :18] إذا أريد بكلمة (عاصف) أن تكون وصفاً للريح ، فالأصل فيها (الرفع)؛ إنما جرت لمجاورة المجرور .
o وقوله تعالى : ) إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِين ( [الذاريات:58] في قراءة ( ) من جر (المتين) ، وهو صفة لـ (ذو) الأصل فيه الرفع ؛لكنه جُرَّ لمجاورته (القوة) .

o قول الشاعر ( ) :
كأنَّما ضُربتْ قُدَّام أعينها قطناً بمستَحْصِد الأَوْتَارِ محلوجِ
فـ(محلوج) نعت للقطن ، الأصل فيه النصب ، لكنه جر لمجاورة (الأوتار) .
o وقوله ( ) :
تُريك سُنَّةَ وجهٍ غَيْرِ مَعرفةٍ مَلْسَاءَ ليس بها خالٌ ولا نَدْبُ
فـ (غير) صفة لـ (سنة) الأصل أن تنصب ، لكن جرت لمجاورتها (وجه) المجرورة .
o وقول الشاعر ( ) :
وإيّاكم وَحَيَّةَ بطن وادٍ هموزِ النَّاب ليس لكم بسيِّ
فـ (هموز) صفة لـ (حيه) حقها النصب ، لكن جرت المجاورة (وادٍ) المجرورة .
o وقول الراجز ( ) :
(كأنَّ نَسْجَ العَنْكبُوتِ المُرمِّلِ )
فـ (المرمل) نعت لـ (نسج) ، والأصل أن تنصب ، لكن جر لمجاورة ( العنكبوت ) المجرورة .
o وقول العرب ( ) : " هذا جُحرُ ضَبٍّ خربٍ"
إذ الأصل في (خرب) الرفع ، وعليه أكثر الروايات لأنه صفة للجحر لا للضب ، لكنه جر لمجاورة المجرور.
· في باب العطف :
وقد حصره النحاة في حرف واحد وهو (الواو) ، قال ابن مالك :" وتنفرد (الواو) بجواز العطف على الجوار ... " ( ) فالخفض على الجوار في باب العطف مقصور على حرف (الواو) دون غيره من حروف الجر . ومن شواهد النحاة في ذلك :
1-قوله تعالى : ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ( [المائدة: 6] في قراءة ( )من قرأ بجر : " أرجلكم" إذ الأصل أن الأرجل تغسل ، لذلك جعلوها في المعنى معطوفة على وجوهكم فحقها النصب إلا أن قراءة الجر كانت حملاً على المجاورة لـ (رؤسكم) .
2-قوله تعالى :) وَحُوْرٍ عِيْنٍ ( [الواقعة:22] فيمن جّرَّهُما ( ) ، فإن العطف حقيقة على : ) وِلْدانٍ مُخَلَّدُونَ( [الواقعة: 17] لا على : ) أَكْوَابٍ وَأَبَارِيْقَ ( [الواقعة:18] إذ ليس المراد أن الولدان يطوفون بالحور .
3-قوله تعالى : ) لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّىَ تَأتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ( [ البينة:1] فـ (المشركين) مجرور بالجوار . وحقه الرفع لأنه في المعنى معطوف على اسم (يكن) .
1- قول الشاعر ( ):
يا صاحِ يا ذا الضامر العنسِ والرحلِ والاقتابِ والحلسِ
برواية الرفع في (الضامر) ، والشاهد فيه جر(الرحل) للمجاورة وحقه الرفع للعطف على الضامر " . وقد تفرد ابن مالك ( ) بالاستشهاد به في هذه المسألة .
2- وقول الآخر( ) :
لَعِبَ الرياحُ بها وغَيَّرها بَعْدي سَوَافي المورِ والقطرِ
فالأصل في (القطر) الرفع بالعطف على (سوافي) إلا أنه جر لمجاورة (المور).
· في باب التوكيد :
وقد حكموا على الجر للمجاورة فيه بالندرة ، إذ لم يُحفظ عن العرب في هذا الباب سوى بيت واحد ، وهو قول الشاعر ( ) :
يا صاحِ بَلِّغ ذوي الزوجاتِ كُلِّهِمُ أنْ ليس وصلٌ إذا انحلت عرى الذنب
فجَّر (كل) اتباعاً لـ (زوجات) ، وحقه النصب لأنه توكيد لـ (ذوي) .
الرأي الثاني :
وهو رأي الزمخشري ( ) وأبي حيان ( ) وابن هشام ( ) والسمين الحلبي ( ) وهم يجيزون الجر على الجوار ، إلا أنهم قصروه على باب النعت ، ولا يجيزونه في باب العطف وبخاصة عطف النسق .
وقد ردوا شواهد من أجاز ذلك في باب العطف ، فقال الزمخشري في قوله تعالى : ) وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ( [المائدة :6] : " قرأ جماعة "وأرجلكم" بالنصب، فدلَّ على أن الأرجل مغسولة . فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح ؟ ، قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغْسل بصب الماء عليها ، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه ، فعُطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها " ( ) فجعل الجر هنا حقيقة بالعطف على المجرور لا لتأثير المجاور لحكمة سامية أرادها المعنى .
ونقل ابن هشام في هذه الآية تأويلين يستبعد فيهما أن يكون الحمل هنا على المجاورة فقال :" أحدهما : أن المسح هنا الغُسْل ، قال أبو علي : حكى لنا مَنْ لا يُتَّهم أن أبا زيد قال : المسح خفيف الغسل ، ليُقْتَصَد في صب الماء عليهما ؛ إذ كانت مظنة الإسراف ، والثاني : أن المراد هنا المسح على الخفين ، وجعل ذلك مسحاً للرِّجْل مجازاً ، وإنما حقيقته أنه مسح للخف الذي على الرِّجل ، والسُنَّة بينت ذلك " ( ) ثم رجح هذا الرأي معتمداً على ثلاثة أمور :" أحدها : أن الحمل على المجاورة حمل على شاذ فينبغي صون القرآن عنه ، والثاني : أنه إذا حمل على ذلك كان العطف في الحقيقة على الوجوه والأيدي ؛ فيلزم من ذلك الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية (وامسحوا برؤوسكم ) ، وإذا حمل على العطف على الرؤوس لم يلزم الفصل بالأجنبي ، والأصل ألا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلاً عن الجملة . الثالث : أن العطف على هذا التقدير حمل على المجاور ، وعلى التقدير الأول حمل على غير المجاور ، والحمل على المجاور أولى " ( ) .
وأكد ذلك السمين بقوله : " وإذا لم يرد [ الجر على الجوار] إلا في النعت ، أما ما شذ من غيره ، فلا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله تعالى " ( ) .
وقد علل أصحاب هذا الرأي لقولهم بأمرين :
الأول : ما ذكره أبو حيان ( ) من أن الخفض على الجوار لم يرد إلا في النعت لعدم اللبس ، مما يعني أن منعه من العطف لأنه مظنة اللبس ، وهذا ظاهر كما في الآية السابقة .
الثاني : ما ذكره ابن هشام ( ) من أن الخفض على الجوار لا يحسن في المعطوف لأن حرف العطف حاجز بن الاسمين ومبطل للمجاورة .
وعليه فقد عمدوا إلى تخريج القراءات الموهمة بالخفض على الجوار بتخاريج عدة ، منها ما ذكره السمين الحلبي في قوله تعالى :) وَحُوْرٍ عِيْنٍ ( [الواقعة:22] فقال : " فأما الجر فمن أوجه :
أحدها : أنه عطف على "جنات النعيم " كأنه قيل : هم في جنات وفاكهة ولحم وحور ، قاله الزمخشري . قال الشيخ [أبو حيان] : وهذا فيه بُعْد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض وهو فَهْمٌ أعجمي ، قلت : والذي ذهب إليه معنى حسن جداً ، وهو على حذف المضاف : أي وفي مقاربة حور ، وهذا هو الذي عناه الزمخشري وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف .
والثاني : أنه معطوف على "أكواب" وذلك بتجوّز في قوله :" يطوف" ، إذ معناه : ينعمون فيها بكوب وبكذا أو بحور قاله الزمخشري .
الثالث : أنه معطوف عليه حقيقة ، وأن الولدان يطوفون عليهم أيضاً ، فإن فيه لذة لهم ، طافوا عليهم بالمأكول والمشروب والمتفكه والمنكوح ..." ( ) .
الرأي الثالث:
ويمثله ابن جني ( ) والسيرافي ( ) وابن الحاجب( ) ومن المعاصرين سعيد الأفغاني ( ) ، وهم المانعون للجر على الجوار مطلقاً ، ويرونه شاذاً في كلام من لا يؤبه به من العرب قال ابن الحاجب في قوله تعالى : ) وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ( [المائدة :6] :" إنه مخفوض على الجوار ، وليس بجيد ، إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن ولا في الكلام الفصيح ، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب " ( ) .
وقد عمدوا إلى أدلة القائلين بالخفض على الجوار وردوها بتأويلات عدة ، خاصة ما كان منها في باب النعت الذي أجمع عليه أصحاب المذهبين السابقين .
فأما ابن جني فقد قال في الشاهد العلم للنحاة على هذه المسألة (هذا جُحر ضبٍّ خربٍ) ما نصه :" أصله :" هذا جحر ضبٍّ خربٍ جُحْرُهُ " ، فيجري (خرب) وصفاً على (ضب) وإن كان في الحقيقة للجحر ، كما تقول : مررت برجلٍ قائمٍ أبوه . فتُجري (قائماً) وصفاً على رجل ، وإن كان القيام للأب لا للرجل لما ضمن من ذكره ... فلما كان أصله كذلك حذف الجحر المضاف إلى الهاء ، وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت ؛ لأن المضاف المحذوف كان مرفوعاً ، فلما ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس (خرب) فجرى وصفاً على (ضب) ، وإن كان الخراب للجحر لا للضب على تقدير حذف المضاف على ما رأينا " ( ) وبمثل ذلك قال في قول امرئ القيس :
كأن ثبيراً في عرانين وبله كبيرُ أناس في بجادٍ مزملِ
فقال : لأنه أراد مزمل فيه ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول ( ).
وتبع ابن جني في منع الجر على الجوار أبو سعيد السيرافي، إلا أنه خالفه فالتقدير في قول العرب :(هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ):" هذا جحرُ ضبِّ خربٍ الجُحرُ مِنْهُ " قال :" كما نقول : حسن الوجه منه ، وحذف الضمير للعلم به ، وحُوِّلَ الإسناد إلى ضمير النصب ، وخفض الجحر كما تقول : مررت برجلِ حسن الوجه " بالإضافة ، والأصل حسن الوجه منه، ثم أتى بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر " ( ) .
وقد تعقب النحاة ( ) هذين الرأيين لابن جني والسيرافي ومن ذلك ما ذكره ابن هشام بعد عرضه لرأيهما :" ويلزمهما استتار الضمير مع جريان الصفة على غير من هي له، وذلك لا يجوز عند البصريين وإن أَمِن اللبس ، وقول السيرافي إن هذا مثل :" مررت برجلٍ قائمٍ أبواه لا قاعدين " مردود لأن ذلك إنما يجوز في الوصف الثاني دون الأوَّل " ( ) .
وأما من المعاصرين من النحاة فقد رد الجر على الجوار كل من عباس حسن ( ) وسعيد الأفغاني ، فأما عباس حسن فكان أشد النحاة رفضاً له أو للأخذ به معللاً ذلك بأن الداعي لاتخاذه وردوده في أمثلة قليلة جداً وبعضها مشكوك فيه ، ووضح ذلك سعيد الأفغاني حين رد الاحتجاج بقول العرب :" هذا جحر ضبٍّ خربٍ" فقال :" جملة أولع بها قدماء النحاة مِن بعدهم ، ولا حجة فيها من وجهين : الأول : أن قائلها –إن وجد- مجهول ، والثاني : أن الوقوف على الكلمة الأخيرة بالسكون إذ العربي لا يقف على متحرك ، فمن أين علموا أن قائلها جر كلمة خرب ؟ هذا والجر على الجوار ضعيف جداًّ ، لم يرد بطريق موثوق إلا في الضرورة الشعرية بندرة والضرورة لا يحتج بها " ( ) .
وقد تعقب سعيد الأفغاني في هذا الرد الدكتور بدر البدر ورد عليه بثلاث أمور : " أولها : أن جهالة القائل لا تضر فكم من بيت أو قول من أقوال العرب مجهول القائل ، ومع ذلك فقد قبله النحويون . الثاني : أن الرواية جاءت فيه صراحة بتحريك (خرب) حين قال العلماء : الوجه فيه الرفع وهو كلام أكثر العرب ، ولكن بعضهم يجره . الثالث : قوله : إنه لم يرد عن العرب بطريق موثوق إلا في الضرورات الشعرية غير صحيح بل ثبت عن العرب أشعار عن سيبويه والفراء من غير ضرورة ، حتى توفر لهم من ذلك شيء كثير فوجب قبوله " ( ) .
الترجيح:
يبدو لي من ذلك كله أن الحمل على المجاور جائز في بابي النعت والعطف خاصة وذلك للأسباب التالية :
1/ كثرة المسموع عن العرب في ذلك ، وهي كثرة تسوغ القياس عليه وهذا هو رأي سيبويه والجمهور ، خلافاً لمن قصره على المسموع ( ).
2/ أنه القول بمنعه يوجب التقدير الذي لا داعي له، فضلا عن أنها تقديرات يرد عليها الكثير من المآخذ كما مر معنا في عرض المسألة .

رياض
29-11-2005, 04:09 AM
عذرا ... الفراغ الحاصل بين الأقواس يعبر في الأصل عن رقم هامش الإحالة على المصدر في أسفل الصفحة ... إن لزم الأمر وضع ذلك ؛ فأسعفوني بالطريقة ...!

الهذلي
01-12-2005, 12:30 PM
السامط ليست عاميّه بل هذليّه ومعناها قليل "الملح" وضدها "ماقر" و "مقران"

أبو عبدالله الأثري
07-12-2005, 12:02 PM
بارك الله فيكم

أخي رياض وليتك تذكر الإحالات

أخي الهذلي التعليق على معنى سامطة أخذته من حاشية الكتاب

صالح المحويتي
16-02-2014, 01:29 PM
جزاكم الله خيرا ..

أبو الوليد بن عبد الرحمان
20-07-2016, 06:43 PM
جزاكم الله خيرا على هذه الفوائد.

للفائدة : للعلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله كلام مفيد في المسألة وذلك في تفسيره "أضواء البيان" أثناء الحديث عن آية المائدة، أنقل لكم بعض ما ذكره:
"
اعلم أولا ، أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين ، كما هو معروف عند العلماء ، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة : وأرجلكم ، بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء ، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب ، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض ، مع أن إعرابها النصب ، أو الرفع .

وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل [ ص: 331 ] لضرورة الشعر خاصة ، وأنه غير مسموع في العطف ، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس ، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه .

وممن صرح به الأخفش ، وأبو البقاء ، وغير واحد .

ولم ينكره إلا الزجاج ، وإنكاره له ، مع ثبوته في كلام العرب ، وفي القرآن العظيم ، يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعا كافيا .

والتحقيق : أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية ، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين .

فمنه في النعت قول امرئ القيس : [ الطويل ]

كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل

بخفض " مزمل " بالمجاورة ، مع أنه نعت " كبير " المرفوع بأنه خبر " كأن " وقول ذي الرمة : [ البسيط ]

تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب


إذ الرواية بخفض " غير " ، كما قاله غير واحد للمجاورة ، مع أنه نعت " سنة " المنصوب بالمفعولية .

ومنه في العطف ، قول النابغة : [ البسيط ]

لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب

بخفض " موثق " لمجاورته المخفوض ، مع أنه معطوف على " أسير " المرفوع بالفاعلية .

وقول امرئ القيس : [ الطويل ]

وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل


بجر " قدير " لمجاورته للمخفوض ، مع أنه عطف على " صفيف " المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو " منضج " ، والصفيف : فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي ، والقدير : كذلك فعيل بمعنى مفعول ، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ .

[ ص: 332 ] وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق ، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير ، فما زعمه " الصبان " في حاشيته على "الأشموني " من أن قوله " أو قدير " معطوف على " منضج " بتقدير المضاف أي وطابخ قدير . . . الخ ، ظاهر السقوط ; لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف ، وطابخ القدير ، فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له ، ولا داعي لتقدير " طابخ " محذوف .

وما ذكره العيني من أنه معطوف على " شواء " ، فهو ظاهر السقوط أيضا ; وقد رده عليه " الصبان " ، لأن المعنى يصير بذلك : وصفيف قدير ، والقدير لا يكون صفيفا .

والتحقيق : هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة ، وبه جزم ابن قدامة في المغني . "اهـ .

ومن أراد مزيدا من الأدلة التي ذكرها، فليرجع إلى التفسير أعلاه (ص 330-335).

عبد العزيز أحمد
21-07-2016, 01:06 PM
جزاكم الله خيرًا على جهودكم الكبيرة في إثراء هذا الموضوع.
ولكن إن جاز الجر بالمجاورة فهل هو مطلق الجواز ؟ هل هناك قيود على الجر بالمجاورة؟
وإن قلنا بالجواز فما هو الفرق الدلالي بين الجر والرفع في مثل: "هذه مزرعةُ عنبٍ مثمرةٌٍ" ؟