المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : المساجد



مهاجر
02-07-2017, 06:45 AM
المساجد ، عند التدبر والنظر ، هي محل العبادة الأخص ، عبادة الصلاة ، وهي ، من وجه آخر ، محل العبادة بمفهومها الأعم ، كما يذكر بعض المفكرين في ملمح لطيف ، إذ كان المسجد أول ساحة للعبادة بمفهومها الجامع الذي يستغرق العمل ، فكان إنشاء البناء عملا يحمد ، ولكنه لم يكن الغاية في نفسه كما قد قصرت الهمة وقصر النظر وساء القصد في هذه الأعصار ، فصار بناء المساجد وعمارة بُنْيَانِهَا رياء به تستر السوءات والقبائح ، فصاحبه يقترف من الجنايات ما ينقص من الديانات بل وينقض أصولها في أحيان فيقارف من جناية الموالاة للكافر الذي يمنع مساجد الله ، جل وعلا ، أن يذكر فيها اسمه ، فظلمه الظلم الأكبر ، فجاء الاستفهام إنكارا وتوبيخا في قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فلا أحد أظلم وهو مما يحمل على الظلم الأكير إذ أطلق فذلك الأصل في باب الأسماء والأحكام إلا أن تَرِدَ قرينة صارفة عن المعنى الأكبر الناقض لأصل الدين إلى المعنى الأصغر الناقض لكماله الواجب ، وذلك مما يجري مجرى المبالغة من وجه ، وقد يحمل على الحقيقة فلا أظلم جناية في هذا الباب من منع المساجد ، وهو مما أجمل ثم أبين عنه بالبدل : (أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) وهو مناط الفائدة ، فإن الإنكار يَتَوَجَّهُ إلى من منع الذكر أيا كان الذاكر فَبُنِيَ الفعل لما لم يسم فاعله وَحُذِفَ الفاعل فأطلق الفعل فهو يعم كل ذكر وكل ذاكر ، فذلك تقرير للعموم ، من وجه ، فضلا عن التنويه بالجناية وهي منع الذكر دون التفات إلى الذاكر فمحل الجناية الرئيس هو مَنْعُ ذكر الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، الذي حُدَّ حَدَّ المصدر المؤول من "أَنْ" وما دخلت عليه "يُذْكَرَ" ، فالإطناب في المبنى مئنة من إطناب يضاهيه في المعنى ، فضلا عن دلالة الاستقبال فإن "أن" المصدرية ترشح معنى الاستقبال في الفعل الذي دخلت عليه فليس حكم الذم يقتصر على محل بعينه كأن يكون ثم سبب نزلت الآية عليه فلا يخصصه إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فضلا عن عموم آخر يجاوز عموم اللفظ وهو عموم المعنى إذ الألفاظ لا تصنع شيئا إلا بما تحوي من المعاني وما تستبطن من الدلالات سواء أكانت دلالات مفردة أم مركبة فالسياق يرشح معان تزيد على الدلالات المعجمية الأولى ، فصار المعنى هو الغاية ، سواء أكان معنى المعجم فهو أول ما يحصل في الذهن حال إطلاق اللفظ فَأُولَى لبنات الاستدلال تكون بدرك الدلالات المعجمية المطلقة ثم يكتمل بناء الاستدلال أن يُنْظَرَ في السياق الذي ورد فيه اللفظ ، فَيُحَمَّلُ من القيد ما يصرف مطلق الدلالة المعجمية إلى وجه مخصوص فيكون قيد السياق الفارق الذي يزيد في الدلالة من وجه ويرشح بعضا دون بعض إن كان اللفظ محل اشتراك بين جملة معان ، سواء أتساوت دلالة اللفظ عليها جميعا ، فذلك الاشتراك في الاصطلاح ، أم كان بعضها أرجح من بعض ، فالإجمال آنذاك أهون ، إذ يظهر من اللفظ ابتداء معنى ينصرف إليه الذهن فهو يَرْجُحُ بقية المعاني ، فصارت له ميزة توجب المصير إليه ابتداء ما لم ترد قرينة معتبرة توجب صرفه إلى معنى آخر من المعاني التي يحتملها اللفظ ، ولو بعيدة غير متبادرة ، فذلك حد التأويل كما قرر أهل الشأن ، فَيَرْجُحُ الظاهرُ المؤوَّلَ وذلك الأصل المطرد الذي يقاس عليه فذلك مثال صحيح في الاستدلال الصريح أن يجري اللفظ على الظاهر ، فإن وردت قرينة تُعْتَبَرُ وَجَبَ صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى المؤوَّل المرجوح ، والقرينة في كل باب بحسبه ، فتكون تارة محل إجماع من النظار ، كما في مناط الحكم المعلَّل في الفروع ، فالعقل يجتهد في تحرير المعنى المؤثِّر الذي أُنِيطَ به حكم الأصل وهو مع ذلك يختبره ويسبره أيتعدى إلى فرع حادث أم هو مما اختص به الأصل النازل فهو لازم له لا يتعدى إلى غيره ، فإن حرر المعنى وأثبت تعديه فذلك مما أجمع عليه أهل التحقيق في الفقه أن يكون تأويلا صحيحا في الحكم ، إذ آل حكم الفرع إلى الأصل لعلة جامعة يدركها العقل سواء أكان ذلك مما قد نُصَّ عليه ، فتضمن النص الإشارة إلى العلة الجامعة تصريحا أو تلميحا ، فذلك ما يوفر جهد العقل أن يستنبط العلة ، فإن ورد النص عليها فقد كُفِيَ العقل المؤنة وذلك من رحمة الشرعة في مواضع ، فتنص على العلة على وجه يحسم النزاع بين النظار فهو محل إجماع ، وتارة لا يكون النص ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو ، أيضا ، من رحمة إذ قد يكون ثَمَّ من رخصة الاختلاف السائغ ما يرفع الحرج في مواضع وإن كان الحق في كل نازلة واحدا ، سواء أكانت في الفروع أم في الأصول من باب أولى فحصول الخلاف السائغ فيها لا يُتَصَوَّرُ ، فقد يكون ثم رحمة عارضة في خفاء الحق في مواضع ليست من الأصول ، بداهة ، إذ لا يكون في الاختلاف فيها رحمة ! ، وإنما قد تكون ثم رحمة تَعْرِضُ في مواضعِ خلافٍ في الفروع ، فيكون الاختلاف في الحكم فَبَعْضٌ يُحِلُّ وَبَعْضٌ يَحْظُرُ ولكلٍّ حظ من النظر فلا اعتبار بأي خلاف ، ولو في الفروع ، بذريعة أن لا إنكار في مسائل الخلاف في الفروع الجزئية فطالما سلمت الأصول الكلية فلا إشكال في اتساع دائرة الخلاف في الفروع على وجه لا ينضبط فكلٌّ يفتي بما شاء في الفروع وذريعته أن لا إنكار فالخلاف سائغ وإن خالف عن النصوص والدلائل بل وربما البدائه فاحتج أَنَّ الوحي قد أرشد إلى النظر والتفكر ، وذلك حق لا يجحد ولكنه لم يطلق ذلك بل قيده بضوابط فإن أي مجتهد في أي علم سواء أكان من علوم النظر أم من علوم التجريب ، فإن أي مجتهد في أي علم لا يفتي في مسألة من مسائله إلا بعد أن يستكمل آلة الاجتهاد التي تَفْنَى في تحصيلها الأعمار ، فالطبيب النابه لا يكون مرجعا في الإفتاء في نوازل الأبدان إلا بعد قدر من العلم وبحث ونظر دقيق يجعله الحكيم الخبير بدقائق الصنعة فيدرك منها ما لا يدرك غيره ، فما خفي على غيره من دقائق الصنعة فهو في حقه بَيِّنٌ واضح قد بلغ في أحيان حد التواتر فتراه يصف الدواء ولما يستكمل المريض كلامه في بَيَانِ العلة وما يجد من أعراض وآلام ، فلا يستوي من أفنى العمر في طلب العلم ومن لا علم له ابتداء أو علمه قد اقتصر على مجملات لا تنفك تفتقر إلى بيان مفصل فلا يحيط به دركا إذ لا يحيط بآلاته وطرائقه ، فلا يفقه يستنبط إذ لم يستجمع آلات الاجتهاد وذلك ، كما تقدم ، ما يعم جميع العلوم ، الشرعية والكونية ، النظرية والتجريبية ، فلا يفتي إلا من هو أهل للاجتهاد ، وإن جاز لكل ناظر أن يتدبر ويتفكر بما أوتي من آلة العقل فهي آلة صحيحة في الفهم والتدبر ، وذلك جنس عام يستغرق فهو يعم تدبر العامة ، وتدبر الخاصة إن خاصةَ التشريع أو خاصةَ التجريب فلكلِّ علم خاصته ، كما تقدم ، فلا حجر على أنظار العامة أن تطلب حظها ورزقها المقسوم من النظر والاستدلال المعقول فلكلٍّ منه حظ ، جَلَّ أو دَقَّ ، فذلك رزق العقل الذي ركزه الرب ، جل وعلا ، في كل عاقل ، بل وجعله مناط التكليف فلا يحسن في حقه التعطيل والركون إلى التقليد ، ولا يحسن في حقه ، من وجه آخر ، التحرر من كل الأصول والقواعد بذريعة الاجتهاد وإن لم يكن له أهلا إذ لم يستجمع آلته ، فلا يفتي العامة في أمور الطب الدقيقة من الجراحات ونحوه وإن كان لهم علم مجمل بأصول التشريح ووظائف الأعضاء ، إن بدراسة مجملة أو أخرى أخص ، كما في بعض معاهد العلم التي يَتَلَقَّى فيها المتعلِّم قدرا نافعا من علوم البدن ، ولكنه لا يبلغ بصاحبه أن يصير في الطب مرجعا ، بل قد يكون الناظر طبيبا ولكنه غير حاذق أو لما يستجمع من العلم والخبرة ما يجعله مرجع فتوى في الأمراض ، فهو كطالب العلم مبدأَ الأمر ، فَقَدْ أحاط بجمل من المسائل أدلةً ووجوهَ استدلالٍ ، وفقه من الأصول بعض القواعد فيحسن يستنبط في نطاق ضيق ، ثم يتسع نطاق استنباطه واجتهاده فَيَرْتَقِي إلى رتبة المتبع المرجِّح الذي يفقه أقوال المجتهدين من أهل الصنعة ، ويحسن يُخَرِّجُ وجوه استدلالهم ويحسن التعليل لأحكامهم ويحسن شرح المسائل وبسط القول فيها بجمع أدلتها ألفاظا ثم الجمع بَيْنَهَا معان واستدلالات إن صح الجمع على وجه لا تكلف فيه ولا تعسف ، وإلا رجح بينها ترجيحا يستند إلى أصول محكمة فلا يكون ترجيح الهوى أو الذوق إذ يشتهي الناظر وجها فيسعى في ترجيحه أن وافق له غرضا فَرَاحَ يتكلف له من وجوه الترجيح ما هو بعيد أو باطل ، فكان تأويله المتكلَّف سواء أكان تأويلا بعيدا كتأويل بعض من انتسب إلى الكلام المحدث ، أم تأويلا باطلا يبلغ في أحيان أن يكون باطنا كتأويل الفلاسفة والباطنية الذين جعلوا الألفاظ الظاهرة رموزا على معان باطنة لا يشهد لها لفظ الدليل ولو من وجه بعيد فهي تلاعب صريح بدلالات الألفاظ ، والحجة ، كما تقدم في مواضع ، هي منهاج في الفكر اصطلح أن يسمى في الأعصار المتأخرة منهاج البنيوية ، وهي تَرُومُ إنشاءً لِبُنْيَانٍ في الفكر هو آلة في توليد المعاني مع انقطاع الصلة بأي مرجع من خارج العقل ، سواء أصرح صاحبه أم كَنَّى حياء أن يجهر بحقيقة الفكرة التي تبطل سيادة الشرعة وسيادة أي مرجع من خارج العقل فذلك غلو العقل في الاجتهاد في مقابل ركونه في أحيان إلى التقليد المذموم الذي طال الأصول فليته اقتصر على الفروع مع قُبْحِ ذلك إن بلغ حد التعصب ، وإن كان التمذهب في الفروع مما أجيز بضوابط أبرزها ألا يكون المقلِّد قادرا على النظر بنفسه سواء أبلغ حد الاجتهاد المطلق أم حد الاتباع فهو أهل أن يرجح ويختار فلا يركن إلى تقليد شيخ أو إمام وإن انتسب إليه نسبة المذهب الأول ، أو نسبة التَّعَلُّمِ ، فلا يحمله ذلك ألا يخالف إمامه إن رأى الحق في مذهب يغاير مذهبه فالدليل له يشهد ووجه الاستدلال لفتواه يؤيد ويرجح ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في الترجيح في كل علم ، فهو مثال اعتبار ومعيار استدلال محكم في جميع العلوم ، النظرية أو التجريبية ، فكم غاير بعض النظار في علوم التجريب ، كم غايروا في أقوالهم أن انكشف لهم من دقائق العلم ما كان خافيا فلم يحملهم التقليد والتعصب والاستمساك بنظريات أو فرضيات أُولَى اعتقدوا فيها ابتداءً الصحة ، ثم استبان لهم الحق في غيرها بدليل صحيح صريح معتبر في علوم التجريب فكان في المعامل من التجارب ما بَذُلِ فيه الجهد الوافر وَاسْتُفْرِغَ فيه الوسع والطاقة طلبا لمعلوم صحيح نَسَخَ معلوما أول قد اشتهر فلم يحمل ذلك المتعلم الناصح الذي يخطو في الاجتهاد خطوات ترسخ فمن أمارات التوفيق والسداد ألا يتعصب لما استبان له أنه مرجوح فلا يستمسك بقوله أو قول من ينتسب إليه نسبة المتعلِّم إلى المعلِّم ، وإنما يعدل عن القول المرجوح إلى القول الراجح المؤيد بدليل التجربة الناصحة في المعمل ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون في علوم مستندها الخبر إذ لا يدرك ذلك في المعمل ، فالقرينة في العلوم التجريبية قرينة ملاحظة للنتائج ونظر في التفاعل الذي أفضى إليها ، واستنباط لما قد يخفى من خطوات تدق فهي لحظية لا يكاد النظر يدركها إلا لمحة فهو يجتهد في رسم مسار التفاعل ، فيحاكي في عقله ما وجد بنظره وحسه وينتقل من طور التجربة إلى طور النظرية بعمل في العقل دقيق فهو ومض لطيف في العقل به يكون الربط بين حلقة التجربة وحلقة النظرية ، فثم حلقة وسطى من إلهام يطرأ ولا يكون بداهة تخرصا بلا دليل ! ، وإنما اجتهاد العقل آنذاك يقبل إذ له من أهلية النظر والإفتاء في هذا الموضع ما يجعل اجتهاده محل رضى وإن لم يُسَلَّمْ له مطلقا فلا زال البحث مستمرا على وجه لا يسوغ بداهة الخروج عن منهاج العلم وأصوله بذريعة الاجتهاد والتجديد الثوري وإن أفضى إلى إبطال الأصل الخبري والعقلي والحسي والتجريبي وما شئت من أصول الاستدلال الصحيح الصريح التي أجمع عليها العقلاء ، فلا يوجد عاقل ينظر في علم الكيمياء طلبا أول أو بحثا متقدما ، لا يوجد عاقل في هذا العلم يستنبط نظرية جديدة في تفاعل الحمض والقاعدة ، فقد أجمع أهل الصنعة أنه يفضي إلى حصول الملح والماء ، وذلك ما قُتِلَ بحثا وتجربة حتى صار من البدهي الضروري الذي يدركه من له أدنى عناية بهذا الفن ، فبلغ حد الأصل الكيميائي الثابت فهو من البدائه التي تفيد العلم الضروري فليس بحاجة إلى استدلال نظري أو معملي ، فإن جاء باحث ثوري مجدِّدٌ وَرَامَ قراءة هذا التفاعل قراءة جديدة ! فقال إن الحمض إذا مزج بقاعدة حصل مركب آخر يخترعه في عقله فهو مركب جديد لا علم لأهل الكيمياء به فحصل له من ذلك تجديد في علم الكيمياء وإن أفضى إلى نقض أصل ضروري محكم من أصوله فهو مما يدركه آحاد المبتدئين في هذا الفن فجاء هذا المجتهد الثوري في علم الكيمياء لينقض الإجماع المتواتر بمحض اقْتِرَاحٍ في عقله لمركب جديد لا وجود له إلا في ذهنه أو بمعيار جديد في النظر فحد مثالا جديدا به يعتبر أهل الفن وإن كان مثالا باطلا ومعيارا فاسدا يخالف عن سير التفاعل المعهود الذي يدركه الباحث في هذا الشأن فثم من تفرغ لبحث الخط الذي يسير عليه التفاعل وما يقع من تغيير في الجزيئات المتفاعلة فيعاد ترتيب الذرات على وجه مخصوص وتهدم علائق وتحدث أخرى على أنقاضها فيكون الناتج الذي يغاير عن الأصل فقد فني الأصل وانقلبت عينه إلى مركب جديد يخالف عن الأول في الماهية كما هي الحال في سنن الخلق ، فخاطب الله ، جل وعلا ، زكريا يُذَكِّرُهُ بقدرته الأولى في الخلق فهو على وَهْبِهِ ابْنًا حال الشيب أقدر إذ : (قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) ، فخلقه من العدم ابتداء إذ خَلْقُ أبيه كان من العدم فمادة التراب قد سُبِقَتْ بالعدم فأجناس الموجودات قد استحدثت من العدم إذ مادة العالم حادثة غير قديمة فليس أول مطلقا إلا رب الخليقة ، جل وعلا ، فهو الذي يصح الإخبار عنه أنه القديم مطلقا فلا شيء يتقدمه وذلك ما يكافئه في ألفاظ الوحي اسم الأول فهو الأول مطلقا فليس قبله شيء ، ثم كان خلق مادة العالم من العدم ، ثم كان خلق الصور أن قَدَّرَ الخالق ، جل وعلا ، سَنَنًا في الخلق تشبه طرائق التفاعل المخصوصة إذ بها يكون من النتائج ما يغاير في كل تفاعل وإن كانت الأصول واحدة فمرد الأمر إلى ذرات واحدة هي مادة التفاعل الأولى فإذا جرت على سنن بعينه فاجتمعت على هيئة مخصوصة حصل منها مادة بعينها ، وإن خالفت فسلكت جادة أخرى فاجتمعت على هيئة أخرى حصل ناتج آخر كما في النطف فأصلها واحد وهو الماء ، وهي ، مع ذلك ، تختلف إذ يسلك كلٌّ جادة تغاير عن الآخر على وجه يحصل به التمايز بين الأجناس والأنواع بل والآحاد في النوع الواحد فلكلٍّ نطفة تحمل خصائصه دون خصائص غيره وإن تَوْأَمًا يماثله فقد يشابهه ولكنه لا يماثله وكل قد خلق من مشيج مخصوص وإن توأما متماثلا فانقسم المشيج وصار على شطرين فاستقل كل شطر ونما إلى جنين يضاهي نظيره ولا يخلو ، مع ذلك ، من وجه اختلاف ولو دق ، كما في البصمة ومواضع مخصوصة لا يحصل فيها تماثل ولو بين توأمين وبه حصل من إعجاز الخلق ما يدل على وحدانية الرب ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل في مثال آخر صحيح صريح في الاستدلال إذ وحدانية الخالق ، جل وعلا ، في الفعل تَقْضِي لزوما أن يُوَحَّدَ في الحكم والشرع فلا يعبد إلا هو ، وذلك ما يعم سائر أجناس العبادة ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، والعبادة لا تكون إلا بشرع ، والشرع لا بد أن يستند إلى مرجع يجاوز من خارج لتحصل حقيقة الابتلاء وإلا وضع كل ذي عقل من الشرع ما يلائمه ! ، فاستحدث له شريعة سواء أجهر بعداوة الوحي أم لجأ إلى حيلة أخرى تجعله كما تقدم من حال الثائر في علم الكيمياء والطب ! ، يضع نظريات جديدة في الاستدلال تخالف عن الأصول ، ويتذرع بالخلاف السائغ ، وإن في أصل قاطع ، ويضع من الدلالات الجديدة ما يجعل القلب يهضم الطعام والمعدة تضخ الدماء ! فذلك اكتشاف جديد اكتشفه فكانت الثورة الجديدة في عالم الطب والتي نسخت أصولا قد أجمع عليها من له أدنى دراية بعلوم الطب ! ، والخلاف السائغ ، كما تقدم ، لا يكون إلا في مسائل الفروع من العلوم بل من الفروع ما لا يسوغ فيه الخلاف ، كأن يكون ثم دليل في المسألة فكل اجتهاد يخالفه فهو هدر إذ فسد اعتباره ، أو يكون ثم إجماع من أهل الشأن ، فأجمع أهل الطب أن مركبا يعينه يحدث في المرض أَثَرًا بِعَيْنِهِ فذلك ما قد عُلِمَ بالاستقراء الصحيح الذي يفيد القطع أو الظن الراجح ، فَلَمَّا تعاضدت ظنونهم المعتبرة فرجح كل طبيب أن هذا الأمر صحيح ، وإن شئت الدقة فقل رجح من هيئة الطب من يُسْتَمَعُ لمقاله فهو من أهل الحل والعقد في هذا الفن فإذا تكلم أصغى آحاد الْمُتَعَلِّمَةِ وخضع عامة من يمارس هذا الفن فلا يخالف عن قوله إلا جاحد أو مسفسط أو رجل لم يعالج فنون الطب وطرائقه فليس من أهل الشأن ليعتبر خلافه فلا يعتبر خلافٌ في أي علم إلا إذا كان له حظ من النظر والاستدلال ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا إذا كان المخالف من أهل الشأن ممن يفقه مسائل هذا الفن فلا يعتبر بخلاف من احترف الزراعة أو الصناعة في نوازل الطب ، كما لا يعتبر بخلاف الطبيب في نوازل الزراعة أو الصناعة ، فلا اعتبار بخلاف من لا يعتبر خلافه فلا يخالف إلا جحدا لضروري سواء أكان باعثه غِلًّا استبطنه فهو يروم إفساد العلم على أهله أم جهلا فهو يروم الاشتهار ولو بالباطل ، فلا تخلو حاله في أحيان كثيرة من إعجاب بالرأي يورده المهالك فيظن نفسه العالم المحقق ، والفقيه المجدد وهو لا يحسن أصول العلم الذي يفتي في نوازله فضلا عن فروعه ودقائقه التي لا يدركها إلا آحاد من أهل الشأن أفنوا العمر في تحصيل العلم أصولا وفروعا ، فجاء من يجدد لهم العلم ويضع لهم من نظريات البحث ويهدم لهم ما استقر من العلوم الضرورية بذريعة التجديد الثائر الذي به تقطع العلائق مع أصول العلم الراسخة ، فجاء بطب جديد يغاير عن الطب المشهور ، ولو كان خلافه في فرع لهان الخطب بل وحسن في مواضع أن أقام من البحث والنظر ما ابتكر به دواء جديدا أو اكتشف به فرعا دقيقا فكان عمله ثورة بحق في فن الطب ، فهي ثورة تجديد صحيح تستند إلى بحث واستدلال صريح فليست هدما للأصول يزعم صاحبه أنه يعيد قراءة تُرَاثِ الطب من أبقراط إلى يوم الناس هذا ! ، وهو لا يكاد يفقه اصطلاح الطب الأول الذي يدركه أي طالب لهذا الفن يخطو أولى خطواته ! ، فيروم بذلك استحداث مرجع آخر من عقله يأبى الانقياد لمرجع من خارج هو حصيلة البحث النافع في علم الطب على وجه أَوْرَثَ ، كما تقدم ، القطع ، فظنون أهل الشأن الراجحة المعتبرة تنضم إلى بعضها فتفيد من القطع ما لا تفيده بآحادها فذلك يشبه ، من وجه ، العلم النظري فهو مما لا يحصل ابتداء كالعلم الضروري وإنما يحصل بظن راجح تحتف به قرائن تَرْقَى به إلى رتبة اليقين القاطع ، فأبى المجدد الثوري الرجوع إلى هذا المصدر القطعي ورام ابْتِكَارَ سَنَنٍ جديد في الأبدان يخالف بدائه الخلقة وأصول الصنعة فتلك ، لو تدبر الناظر ، حداثة طبية ! يروم صاحبها بت الصلة بما استقر من أصول هذا العلم ويروم نقل النظار إلى أصول جديدة يستحدثها بحسه الثوري على كل قديم فيروم قطيعة معرفة مع الأصول ويروم إنشاء علم طب جديد وهو ، كما تقدم ، لا يكاد يفقه اصطلاحات العلم الأولى التي يفقهها آحاد الطلبة ! ، والسنة واحدة في جميع العلوم ، فالحداثة كمذهب في الفكر والعلوم النظرية ، تضاهي الحداثة في العلوم التجريبية ، وإن كانت البلوى بها أعم ، والضرر فيها أعظم فهي تعالج القيم والمبادئ من الأديان والأخلاق والشرائع وما يخرج من رحمها من السياسات الخاصة والعامة ، فشأنها أعظم من شأن البدن ، إذ الأديان بداهة أشرف من الأبدان ، وعلم الشرع أشرف من علم الطب ، وإن كان علم الطب أشرف علوم التجريب فمحل بحثه الإنسان وهو أشرف مخلوق ، فكذلك علم الوحي ، خبرا وإنشاء ، فمحل بحثه أشرف نص يرجع إليه البشر في التصور والحكم ، وهو الوحي الذي جاء بما يكمل فطرتهم العلمية بصحيح الأخبار وفطرتهم العملية بعادل الأحكام ، فكانت حداثة أخرى في باب المعرفة العقلية رامت بَتَّ الصلة بالمصادر الأصلية ، وإن تلميحا ، أو إجمالا صحيحا ، من وجه ، فهو يذم التقليد الذي فشا في المتأخرين ولكنه لم يحسن إصابة نقطة الاتزان في هذا الباب الدقيق ، فانتقل من طرف التقليد المذموم إلى طرف آخر يضاده في الوصف ويخالفه الوجهة ولكنه يساويه في المقدار فجاوز نقطة الاتزان إلى طرف آخر مذموم جاوز الحد المشروع فمن الغلو المذموم في التقليد إلى آخر يضاهيه في الاجتهاد دون إصابة الحق فهو ، كما تقدم مرارا ، وسط بين طرفين وفضيلة بين رذيلتين ، وزاد من الأمر وَفَاقَمَ ما كان من ضغط الواقع إذ أهل الوحي في هذه الأعصار في طرف ضعيف قد هُزِمَ نفسيا قبل أن يهزم في معترك الحياة سياسة أو حربا أو بحثا ...... إلخ ، فخضع كثير منهم لإملاءات الطرف القوي المنتصر فهو الذي يفرض قانونه ومنهاجه في النظر ، وهو الذي يضع معيار الحسن والقبح وسائر الأحكام وهو الذي يسن الدستور الجامع وهو الذي يعين المرجع الحاكم فمرجعه هو المحكَم إذ انتقلت نقطة التأثير في السياسة والحرب إلى معسكره ، فصار الشرق له خاضعا ولأمره مستسلما فإن أراد منه مفارقة مرجعه الذي يجاوز الجميع من الوحي الصحيح المحفوظ ، وزاد في الطلب وَأَلَحَّ ! فحمل الشرق على مرجعه الأرضي الذي لا يجاوز العقل إذ بَتَّ الصلة بالوحي المبدَّل فقاس عليه الوحي المحفوظ ، فضلا عن غرض آخر يدق ، فكبار نظاره يعلمون يقينا أن الخطر الرئيس على معيارهم الأرضي المحدث الذي يحقق لهم السيادة المطلقة على سائر الحضارات والشعوب ، أن الخطر الرئيس على معيارهم هو أي معيار سماوي ناصح قد سلم من كدر التبديل والتحريف فإن أول ما يعالج هو تحرير مسألة السيادة والتأله أيكون للخالق ، جل وعلا ، فيخضع العقل لمرجع الوحي الذي يجاوزه من خارج ، أم يكون لمرجع من الأرض حادث ، ولن يكون ذلك إلا بِبَتِّ الصلة مع الوحي فيحمل المركزُ الأطرافَ أن تفارقه طوعا أو كرها ، فثم ما توسوس به من أوهام الحداثة ، وثم من أصغى إلى هذه الوساوس مع ما تقدم من ضغط الواقع فأسرف في تأويل النصوص المحكمة أن التمس لها وجه تشابه دقيق يفضي القول به إلى إبطال الأصل ! ، وليس ثم اجتهاد معتبر في فرع من فروع الحضارة أو السياسة يُفْضِي إلى نقض أصل من أصول الديانة ، ولو على المدى البعيد ، فأول الوهن خطوة في باب التأويل تليها خطوات تَتْرَى حتى يُنْقَلَ مرجع الحكم تدريجا من الوحي المنزَّل إلى الوضع المحدَث فيكون الانتقال الناعم الذي لا يدرك العقل أَثَرَهُ إلا بعد أن يَتِمَّ ! ، فهو كمرض خبيث يخفى فيعمل في الجسد شيئا فشيئا حتى يفسده من داخل والظاهر لَمَّا يَجِدْ بَعْدُ آثارَه ، فظاهر البناء الصحة وباطنه الفساد العام فيوشك أن يَتَهَدَّمَ ، فكذلك الشأن في اجتهادات الحداثة التي تكسى لحاء الدين ! ، فهي إعادة قراءة للنصوص لا أكثر وهي معيار جديد لطيف في معالجة النصوص أن يكون الواقع هو الحاكم فيها بذريعة أنها تلائم كل عصر ومصر ، وذلك حق ولكنها تلائم الزمان والمكان حاكمة لا تُهْدِرُ دلالات العرف الصحيح وما يطرأ من طرائق المعاش الحديث فالأصل فيه الإباحة ، لا أن تلائم الزمان والمكان محكومةً تخضع لضغط الواقع فيكون هو الحاكم فيها بما يتأول النظار بذريعة التجديد ومواكبة العصر وإن أفضى ذلك إلى نقض الأصول فصارت ذريعة المصلحة المرسلة وما زِيدَ فيها مِمَّا ليس منها ! فقد صارت مصلحة تخضع للأهواء والأذواق مع مخالفتها لأصل كلي أو دليل جزئي فليست مرسلة كما يزعم من يتوسع في الاستدلال بالمصلحة مطلقا أن ينقض الأصول الكلية والأدلة الجزئية فهو يُوَسِّعُ دلالة النص تارة ويضيقها أخرى تَبَعًا لما يهوى ويشتهي ، فيجعل المحكم متشابها إن خالف عن قياسه وذوقه ، ويجعل المتشابه محكما إن وافقهما ، فصارا هما المرجع في الحقيقة وإن كان صاحبهما يَزْعُمُ أنه مُعَظِّمٌ للشريعة سائر على جادة الهدى من الكتاب والسنة ، بَانٍ لمساجد العبادة فلا يمنع المصلين بل يَتَفَنَّنُ في عمارة الجدر والأركان وهو ساع ، عَلِمَ أو جهل ، أن ينقض أركان الديانة التي ما أقيمت المساجد إلا لأجلها ، كما يرى الناظر في طرائق من المكر اللطيف في هذا العصر فإن حرب الديانة قد اكتست تارة ألفاظ التجديد والتحديث الناعمة ، وأخرى ألفاظ الاستئصال للتطرف والإرهاب وتجفيف منابعه .... إلخ من الألفاظ الخشنة ، والغاية الرئيسة نقل نقطة التوازن في التصور والحكم والسياسة والحرب والأخلاق والزهد من الوحي المنزَل إلى الوضع المحدَث ، سواء أكان الانتقال خشنا بقوة السلاح القاتل وفرض القانون الجائر كما هي الحال في التجارب الحداثية العلمانية ضد الدينية عامة ، وضد الإسلامية الرسالية خاصة ! ، أم كان الانتقال ناعما فكهنة الأفكار ومن باع نفسه من علماء الشرائع والأحكام ، أولئك من يَتَوَلَّى كبر هذه الجناية في التجارب الحداثية الناعمة كما هي الحال في التجارب العلمانية اللادينية ، فالجميع قد اتفق وذلك محل إجماع قاطع ، الجميع قد اتفق أن يمنع مساجد الله : (أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) ، بالنظر في دلالة الذكر الأعم ، فذكر اسمه ، جل وعلا ، اسم "الله" يقضي بدلالة الاشتقاق ألا يكون ثم معبود بحق سواه ، وذلك ما لا يقتصر على عبادة دون أخرى ، فيقصره الناظر على عبادة الصلاة دون غيرها أو يقصرها على أحكام الفروع الفقهية دون أحكام الفروع السياسية فذلك الفصل أول خطوة من خطوات العلمانية إذ توسوس للنفوس أن الدين كله مصالح ! ولو على حساب المبادئ ! ، فيكون التوسع في التأويل لتحصيل حظوظ في السياسة والرياسة تُكْسَى لحاء الوحي ألفاظا بلا دلالات ، فقد سطا من سطا من المتأولة على الدلالات فراح يتصرف فيها اعتبارا أو إبطالا أو استحداثا لدلالات جديدة توافق ما يهوى ويجد ، وصارت ذريعته في الاستدلال هي لَفْظَ الوحي بعد إفراغه من معناه ، فالظاهر إسلام والباطن علمانية لادينية ، والحجة قراءة ثورية جديدة لنصوص الرسالة السماوية ، وذلك ما لم يسلم منه بعض أهل الفضل ممن اشتغل بأمر السياسة دون أن يحكم أصول الديانة فرام خيرا إذ توسع في الاستدلال بذريعة المصلحة وحصل له علم أو جهل حَظُّ نَفْسٍ ، ولو خفيا ، سارع من وتيرة هذا الانحراف فيكاد يفضي به إلى ما أفضت الحداثة اللادينية التي تجهر بعداء الوحي صراحة، فهو ساع في تضييق دائرته ليواطئ مقررات الحداثة بذريعة التيسير في الفتوى والترغيب في الدعوة فالوحي سمح لطيف لا يخالف عن أصول الحداثة في الفكر والحكم والسياسة فهو يقبل الإدماج فيها أو يروم باختياره الاندماج فيها ! ، ويسعى أن يكون جزءا منها مع أنه ، عند التدبر والنظر ، خصمها الأكبر فلا يقر لها قرار حتى تمحو أثره من الأرض ! ، إذ يخالفها أصل النظرية الفكرية والتشريعية والسياسية ، فالمساجد قد أقيمت أن تكون لله ، جل وعلا ، وذلك معنى يجاوز فرض الصلاة المكتوبة ، وإن كان ذلك أول ما يدخل في عموم اللفظ والمعنى ، فدائرة المعنى تجاوز هذا القدر ، فالمساجد لله ، جل وعلا ، عبادة وفكرا وسياسة وحربا ، لا لغيره ، والحداثة وسائر ما أفرزت العلمانية تَرُومُ المساجد لها ولو أفضى ذلك إلى معيار في النظر في نصوص الوحي يسعى في إبطال العلوم الضرورية والثورة على الأصول هدما وإبطالا ! ، فكان الاختلاف والافتراق بل التدافع والاصطراع ، فأولئك ممن يدخلون في عموم قوله تعالى : (أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) ، فهو مانع لذكر العبادة والتأله بمعناهما الأعم ، وهو ساع في خرابها ولو عَمَّرَ ما عَمَّرَ من البنيان فقد استبطن من سوء القصد ما رام به نقض الأديان وهدمها ، فلا يجدي عمران الظاهر مع تخريب الباطن ، فليس ذلك إلا رياء أنكره الوحي إذ جاء بمعيار صحيح في النظر يفرق بين المختلفين ، فجاء ينكر ويبطل في آي التوبة : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، وقد جاءت الإشارة إليهم بإشارة البعيد تحقيرا وتصغيرا في قوله تعالى : (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) ، وجاء القصر بأقوى الأساليب نفيا واستثناء فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده في سياق الذم ، وذلك ما حسن معه الوعيد والزجر بالعقاب العاجل في الأولى ، فـ : (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) ، فقدم ما حقه التأخير "لهم" تعجيلا بالمساءة لمن رام تخريب الديانة وقد نُكِّرَ الخزي تعظيما ، واستوفى السياق شطري القسمة ، في الدنيا وفي الآخرة ، فـ : (لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، وزد عليه دلالة اللام في كل شطر في "لهم" فإعادتها إطناب في المبنى يدل على آخر يضاهيه في المعنى ، وهي مئنة من الاختصاص والاستحقاق فلهم وحدهم إذ لا يستحقه غيرهم ، وذلك آكد في الزجر والنكاية لعل المخرِّب للدين باسم التجديد ينزجر ، ولعل الراغب في رياسة فانية يحسن يقيس فلا يشتري أولى بآخرة ، ولا يخدع بسلطان المركز الذي طغى إذ استجمع أسباب السياسة والحرب فرام التأله بل وجهر بذلك في أحيان ولو في تقريرات الفكر والأدب فثم إله جديد يحكم بعد موت الإله الأول ، جل وعلا ، فمات معه شرعه ! وصار الشرع الآن للإنسان الذي ضُيِّقَتْ دائرته فهو الإنسان الأبيض في المركز ومن سواه فهو له تابع وإن شئت الدقة فقل عبدا ، فمن يرضى بالخروج من عبودية الرحمن ، جل وعلا ، إلى عبودية الإنسان ! ، فالعاقل ، لو فقه وتدبر ، لا يقدم عاجلا من حكم زائل على آجل من نعيم دائم فقياس العقل الصريح ومعيار النظر السديد أن يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير ولا يحصل ذلك إلا بتوفيق وتسديد من الرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، إذ يعلم من المحال أوصافا تلائمها أحكام مخصوصة إن هداية للمحال الكاملة فذلك الفضل أو غواية للمحال الناقصة فذلك العدل .

والله أعلى وأعلم .