المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : إلقاء الكتاب



مهاجر
21-07-2017, 08:02 AM
مادة الوحي في اللسان ، مئنة من قول يخفى يُلْقَى في سرعة فهو مما ينفث في الروع ، أو يكون رؤيا في المنام ، أو يُلْقِيهِ الرب الخالق ، جل وعلا ، على النَّبِيِّ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (مَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، فجاء نفي الكينونة الماضية مئنة من تقرير وتوكيد زائد ، فهو أقوى في الدلالة من القول في غير التنزيل : ما رجوت إلقاء الكتاب إليك ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يروم النبوة ، فهي تكليف عظيم لا تتحمله إلا النفوس العظيمة وهي نفوس لا تحب الظهور أو الاشتهار بمزاحمة الكبراء والسادة في المجالس فلا يكون ذلك الحرص إلا مئنة من نقص إذ لا يقنع صاحب الخطوة الواسعة الراغب في الحظوة عند رياسة حاكمة ، لا يقنع إلا أن يحتل مكانا في صف السادة ، وإن لم يكن أهلا للسيادة ، فيكون من السفهاء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فإمرة الصبيان مما استعاذ منه أبو هريرة ، رضي الله عنه ، إذ يستعجل السفيه في أمره ، فإن استولى عليه ماكر صيره آلة لا عقل لها إلا ما يوحي إليه وسواسه ، فبطانة السوء إذا وجدت أذنا تُصْغِي من سفيه لا حظ له من الفقه ولا تجربة له ليحسن القياس والاعتبار في سياسة أو حرب ، وإنما وَلِيَ وِرَاثَةَ جاهٍ وثروة ، فإذا وجدت هذه البطانة هذه الأذن فهي توسوس بما تهوى ولا معيار محكم لناظر مخلص يفتش في هذا الوسواس فَيُزَيِّفُ بَاطِلَهُ ويفضح عاطله ، فإن النفس إذا تجردت من الحظوظ وأعظمها حظ الجاه والرياسة ، فهو أدق حظ يخفى في زوايا القلب وأركانه فَقَلَّ أن يسلم منه إنسان وإن بَدَا أَنَّهُ فِي عافية ، فليس ذلك مِمَّا يُؤْمَنُ إذا كانت أسباب السيادة بمنأى عنه ، فلا يُعْلَمُ صدق الدعوى من كذبها إلا إذا ابْتُلِيَ بِتَيْسِيرِ الأسباب أن يسود ويظهر ، فتفضح الرياسة ما استكن في النفوس من الطبائع والعادات ، فهي الكاشفة الفاضحة التي يستعيذ منها العاقل وينأى بنفسه أن يلابسها إلا في أحوال تكون فيها الرياسة فَرْضًا كرياسة النبوة فإنها تكليف لا يقبل الرد ، فهي منحة من وجه إذ فُضِّلَ صاحبها وَاصْطُفِيَ بأعظم وظائف البشر ، فَجَاوَزَ حَدَّ الاكتساب لصناعة أو طريقة في المعاش كسائر الوظائف البشرية ، فهي من الوهب الخالص الذي لم يكن صاحبه عليه بحريص ، فلم يكن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرجو إلقاء الكتاب وحيا وإن كان من أعظم الناس دينا وخلقا فكان ممن سلم من الشرك الطارئ على دين الحنيفية الناصح ، فَتَحَنَّثَ بالحنيفية السمحة في الغار حتى فجأه الوحي بالكتاب فلم يكن إلا الامتثال مع عظم الأمر فلا تطيقه إلا النفوس الكاملة التي بلغت الغاية في الأخلاق والطرائق الفاضلة فذلك أمر قد جرى مجرى التواتر فكانت شهادة الجمع القرشي على عدالة النبي الأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي شهادة قد احتج بها التنزيل في مواضع ، فـ : (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، وذلك مما استأنس به بعض المحققين ، أن السنة لا تنسخ القرآن ، فلا يبدل صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تلقاء نفسه بِقَوْلٍ يَنْطِقُ بِهِ ، وقد يجاب عن ذلك بأن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جنس عام تندرج فيه آحاد فَثَمَّ قوله الذي هو وحي يُبَلِّغُهُ ، سواء أكان تنزيلا أم سنة ، فإن الوحي العربي لا يقتصر على التنزيل السماوي الذي يتبادر إلى الذهن ، بادي الرأي ، إذا أطلق لفظ الوحي أو الكتاب ..... إلخ ، مع أن أولئك من الأجناس العامة المطلقة التي تندرج تحتها آحاد ، وبعضها ، لو تدبر الناظر ، مِمَّا يُذَمُّ فلا يدخل في الحد المشروع ، فثم وحي الشيطان وأوليائه ، وثم كتاب مبدل وآخر مؤول وثالث محدث هو كتاب الوضع الذي يقترحه العقل ، وإن شئت الدقة فقل الهوى فهو الذي يقترح من الأديان والأخلاق ما يحقق الرغائب وإن خالف عن الشرائع بل وإن خالف عن الفضائل والخصال التي أجمع العقلاء على حسنها ، فضلا عن الدين المنزَّل الذي جاء يشيد بالأخلاق ويعظم من شأنها ، فهي مما لا يترك لمعيار وضع أو تجريب فليس أَمْرًا نِسْبِيًّا يَتَفَاوَتُ كما زعم من زعم من علماء الاجتماع في تَقْرِيرَاتِهِ الأرضية التي خاصمت الوحي فجعلت معيار الحكم هو التجريب ، كما تقول الوضعية المنطقية ، فالوضعية مذهب في الفكر غلا في اعتبار الحس والتجريب فجعله معيار الحكم القاطع ، فصار ما جاوزه من مرجع الوحي ، صار عبارات غيبية لا تَحْمِلُ ، كما يحكي بعض الباحثين ، معنى يمكن الثبت منه بخبرة الحس الذي لا تُدْرِكُ إلا شاهد التجريب الذي يدخل في نطاق المدركات البشرية على وجه يزعم الاستغناء بالعقل والاكتفاء بالوضع في تقريرات الدين والأخلاق ، فالمذاهب المادية لم تقتصر على التصور لنشأة الكون ، والتشريع في السياسات وسائر المعاملات ، وإنما جاوزت ذلك إلى فضاء أوسع ، وهو فضاء الأخلاق ، فلا تقتصر على ما يَتَبَادَرُ إلى الأذهان من الأخلاق الفردية وإن كان ذلك هو منشأ الأخلاق الاجتماعية والسياسية إذ البناء المركب مَادَّتُهُ الرَّئِيسَةُ لبنات صغيرة ، فالمجتمع يَتَأَلَّفُ من أفراد ، وهذه الأفراد تندرج في منظومة أعلى وهي منظومة الأسرة ، وهي وحدة من وحدات المجتمع الذي يتألف من أسر لها نمط واحد ، في التصور للغايات وطرائق المعاش ، فيجمعها فكر واحد وإن تفاوت الآحاد في دركه ، وهذا الفكر مما يترجم عنه اللسان ، فكان وحي الرسالات إلى كل أمة بلسانها الذي يفصح عن معانيها ، فاللسان آلة البيان المحكم ، بما تواتر في الجماعة من مشهور اللسان ، والمجتمع يتفاوت في التماسك ، فيكون أشد تماسكا إذا كان التصور واحدا ، وكان الترجمان لسانا واحدا ، فالدولة والوطن ، ولو بمفهوم السياسة الأرضية المحدثِ الذي يخاصم الوحي المنزل في تقريرات الفكر والأخلاق ، الدولة والوطن مما تقوى أواصره إذا كان التصور العلمي وأداة البيان اللغوي ، إذا كانا من جنس واحد ، فيكون الدين واحدا ، وهو معنى يجاوز العقد الباطن ، فالدين والخلق مما يتكآفان في الدلالة ، وإن اختلفا في الحد اللفظي ، فثم اختلاف معجمي به يكون الترادف غير مطابق ، فهو تَرَادُفٌ في المعنى الكلي الجامع ، فَالْخُلُقُ جِبِلَّةٌ تمازج الخِلقة ، فمعنى الْخُلُقِ ومحله الجنان فهو معدن التصور والإرادات ، ومعنى الخِلْقَةِ وهي أدوات الفعل وآلاته ، هذان المعنيان مما يمتزج على وجه به يأتلف جنس الإنسان العاقل فهو روح ناطق وبدن فاعل ، فثم روح تصور وعلم فذلك منطق باطن محله الجنان ، وثم روح تنطق فهي تفصح عن الغاية والتصور ، فمنطق الظاهر يحكي منطق الباطن فما لَفْظُ اللسان إلا ترجمان الجنان ، وإن اجتهد صاحبه أن يُزَيِّفَ ويدلس فلا ينفك منطق الظاهر يحكي لطائف تدق من منطق الباطن بها يفتضح مقصد الفاعل ، فالخلائق الباطنة لا تخفى وإن ظن صاحبها ذلك ، فَتُعْلَمُ من لفظ يفصح أو خائة عين تفضح ، أو حركة جارحة لا يطيق الفاعل كَفَّهَا فهي فعل عادة وطبع يغلب التطبع إذ فيه من التكلف ما يهذب النفس ، سواء أكان التهذيب إصلاحا أم نفاقا ورياء ، والتكلف أشق على النفس من فعل العادة والجبلة التي تغلب إذا ذهل العقل فغاب عن معاني الحكمة والشرعة ، ولو أرضية محدثة ، فالشرع يحكم لجام النفس أن تخالف عن الفضائل ، وذلك مما تتفاوت الأمم في حده ، فالتصور العام ، كما تقدم ، تصور للغايات والمقاصد وهي مما يظهر أَثَرُهُ في نظم التشريع والسياسة فالأمة التي تأرز إلى مستمد سماوي محكم يكون معيار الفضائل فيها ناصحا من التقصير في الغايات والأحكام وطرائق الحياة وأنماط الاستهلاك فأخلاقها أخلاق العدل الحق الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، وأخلاقها تأرز إلى معيار ثابت فهو مطلق ، من وجه ، لا يجري عليه من الطرائق النسبية ما يخالف عن المعيار الثابت المحكم ، كما هي الحال في طرائق في الأخلاق والاجتماع تظهر آثارها في السياسة والتشريعات ، فالفلسفة الوضعية لا سيما المنطقية قد جعلت الغيب مما لا يمكن التسليم بدلالته وإن وحيا منزلا قد قامت على صحته الأدلة التي يعالجها نقد النصوص والروايات ، وقد سلم من الغوامض التي اشتهرت في طرائق الباطن فهي تخالف عن معيار اللسان ، وهو ، كما تقدم ، معيار رئيس في تعيين الغايات والتصورات الكلية لأي جماعة بشرية ، فمدارس الفلسفة آنفة الذكر قد خالفت عن الوحي فهو غيب لا يمكن التسليم به فصارت تجربة الحس هي المعيار المحكم الذي به يدرك العدل وبه يستبين الحسن من القبح على وجه ينحط بالإنسان ، لو تدبر الناظر ، إلى دركة الحيوان ، فهو يهضم الجنان واللسان الحق إذ بهما يدرك الإنسان الذي كلف بتحمل الأمانة العظمى ، أمانة الرسالة والنبوة التي تَرْقَى به بما يباشر من أسباب الوحي ، إن تكليفا أعم بالتصديق والامتثال ، فذلك مما يجب على جميع البشر أنبياء أو أتباعا ، أو نُبُوَّةً يتحمل صاحبها الكتاب فلا يطيق الاعتذار فذلك تكليف لا إقالة فيه ولا استقالة ، وهو معدن حكمة في الاختيار والاصطفاء فلا يكون إلا لمحال قد تجردت من الحظوظ كما تقدم من وصف صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يكن له في السيادة حاجة ، ولم يكن ثم في أصوله مَلِكٌ قد سُلِبَ مُلْكَهُ فأراد أن يستعيده بما يدعي من نبوة هي أعظم رياسة بها يجمع الناس تحت سلطان نافذ ، فلا أعظم في النفوس من سلطان الوحي وما يوجبه من امتثال الأمر والنهي باسم الدين أعظم ما تمتثل النفوس الشريفة ، فهو الذي به تمتاز عن سائر أجناس الحيوان ، فمعنى التكليف فيه يظهر ، ومنه التكليف الأشرف ، تكليف الإيمان بالغيب الذي يجاوز مدارك الحس ، فكان وصف أهله أنهم : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ، فَقُدِّمَ الإيمان بالغيب على فعل الظاهر من الصلاة والزكاة ، فإن الإنسان روح مادتها الناصحة إيمان بالغيوب لا يخرج بها إلى الأوهام والظنون ، وإنما معدنه الرئيس وحي محكم قد سلم من التبديل والتحريف ، فلا يأتي بمحال تأباه العقول الصريحة وإن جاء بمحار في الحقيقة والكيف ، فلا يخرج في العقل أن يكون واجبا كإثبات الكمال ونفي النقص في الإلهيات ، أو جائزا كَجُمَلٍ من السمعيات من الأشراط الخاتمة وحياة البرزخ التالية وقيام الساعة وما يكون فيها من حساب وجزاء وأجناس من النعمة فضلا ، وأخرى من النقمة عدلا ، فلا ظلم يحيله العقل ، فإن الإيمان بالغيب لا يقتصر على خبر محض ، وإنما يتضمن في طياته معنى العدل الذي لا قيام لحكومة تشريع أو سياسة أو حرب إلا به ، على وجه يزيف مناهج الوضع النسبية التي جعلت معيار الأخلاق يضطرب ، وهي ، كما تقدم ، مما تتسع دلالته فتكافئ دلالة الأديان ، على وجه يكون فيه الترادف في الجنس العام وإن اختلفت الآحاد في الخارج ، فالأخلاق تَحْمِلُ صاحبها أن يسلك جادة العدل فَيَتَحَلَّى بالفضائل وَيَتَخَلَّى من الرذائل ، فتلك غاية الأخلاق أن تزكو النفس فتطهر من وصف النقص وتسعى في اكتساب الفضائل لتبلغ حد الكمال الذي جاءت الرسالات تُبِينُ عنه ، في المقاصد والغايات الكلية والتشريعات والتفاصيل الجزئية على وجه خالف عنه من خالف من أصحاب الطرائق الوضعية في الأخلاق والسياسات فلئن سلمت أن للدين وظيفة في الحياة فهي وظيفة الضمير والرقيب الذي يضع أُطُرًا كلية ولا سلطان له على التشريعات الجزئية ، وَأُطُرُهُ الكلية مما يحتمل التأويل فيحمله كل قبيل من الناس على ما يوافق أهواءه ، فقيم الحرية والعدالة ..... إلخ مما أجمع العقلاء على حسنه وفي التفاصيل تكمن الشياطين التي توحي بزخرف من القول يجعل الباطل حقا ، والقبيح حسنا ، فيكون تأويل الأحكام الذي يأرز إلى عقول الأنام التي تختلف في التصور والحكم على وجه تنشعب به السبل فطاعة أصحابها ذريعة إلى الضلال ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، فجاء السياق يحكي تلازما وثيقا في القياس والطبع فهو مما تظهر آثاره في الأخلاق والسياسات وسائر الأفعال الإرادية ، الفردية والجماعية ، على وجه تتسع دائرته ، كما تقدم ، فالطاعة تظهر آثارها في أفعال الأفراد وأفعال الجماعات فليست إلا تأويلا يحكي مجموع الأفراد في التصور والغاية ، والتحسين والتقبيح ، وما تعظمه النفوس من المصادر وما تَرْتَضِيهِ من الشرائع وما تَنْتَحِلُهُ من عقائد وتصورات علمية ، وتشريعات عملية ، أخلاقية وسياسية .... إلخ على وجه يستغرق الجماعة فهو يحكم بنيانها برباط جامع ، وذلك الدين الذي يعظم فهو يكافئ جنس الطاعة في الآية ، وهو يكافئ معنى الخلق الذي يمازج النفس فيصير دينا يطاع سواء أكان حقا أم هوى على وجه يتأول به صاحبه فريضة التأله فهي مما رُكِزَ في الفطرة والجبلة ، فثم من اتخذ دينه الوحي فكان خلقه الذي اقْتَدَى فيه بِالنَّبِيِّ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فَالْخُلُقُ هنا وإن انصرف إلى معنى الشمائل والفضائل النفسانية التي تظهر آثارها في السلوك قولا وعملا على وجه يواطئ فيه الظاهرُ الباطنَ فيحكي دينُ الظاهر قولا وعملا ، دينَ الباطن تصورا وإرادة ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق في القياس والحس ، فطاعة الظاهر ، حقيقةً لا رياءً ، لا تصدر إلا عن طاعة الباطن ، فيكون التلازم الوثيق الذي يبلغ حد الضرورة العلمية الملجئة إلى اليقين الجازم فلا ينكرها إلا مسفسط أو جاحد ، فالخلق وإن انصرف إلى ذلك إلا أن ثَمَّ معنى أعم ، وهو معنى الدين الذي يستغرق أخلاق التصور الباطن ، وأخلاق الفعل الظاهر ، وأخلاق الفرد وأخلاق الجماعة ، وأخلاق السياسة وأخلاق الحرب ، على وجه يجاوز ما قررته بعض المدارس الأرضية المحدثة في علم الاجتماع إذ تحكم بالفصام النكد بين الدين والحياة ، فمن ذلك الفصام بين الدين والأخلاق ، فَثَمَّ فصام بين الدين والحياة في العلمانية الكلية ، وَثَمَّ فصام بين الدين والسياسة في العلمانية الجزئية ، وثم فصام بين الدين والأخلاق في العلمانية الاجتماعية وهي ، لو تدبر الناظر ، تضاهي العلمانية الكلية إذ الأخلاق مما يعم بتأثيره الحياة كلها ، حياة الفرد وحياة الجماعة ، فما الجماعة إلا صورة مركبة من وحدات دونها وهي الأسر ، والأسرة وحدة مجموعة من أفراد طبقا لنظرية البناء الاجتماعي التي انتحلتها هذه المدارس من فرد إلى أسرة إلى دولة إلى إنسانية ، وهي في الجملة قسمة صحيحة توافق قياس العقل في التصنيف ، ولكنها لا تخلو من نظر إن كان معيار الشرع هو الحكم فلا بد من تفصيل زائد ، فإن مفهوم الأمة الأخص من وجه فهي دون الإنسانية الأعم ، فثم أمة أخص وهي أمة الوحي والرسالة ، أمة التوحيد وهي مما يتألف من أمصار عدة يجمعها رباط الوحي المحكم الذي يجاوز حد الهوية المجملة فهو حكم فصل في التفاصيل الجزئية والخلافات البينية ، السياسية والاقتصادية والجنائية ..... إلخ فهذا المفهوم أعم بالنظر فيما تحته من أمصار ، أخص بالنظر فيما فوقه من مفهوم الإنسانية الأعم ، فلا بد من اعتباره إذ هو معيار التفاضل والخيرية ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، ودلالة الكينونة الماضية ، كما تقدم مرارا ، آكد في التقرير والتوكيد ، والتفضيل هنا لا ينصرف إلى معنى أرضي يتسم بالعنصرية والتعسف كما يرى الناظر في المعايير الأرضية التي تقسم الناس سادة وعبيدا طبقا لمعيار جائر من لون أو عرق أو جاه أو ثروة أو امتلاك لأسباب القوة الناعمة أو الصلبة تجعل القوي يحتقر الضعيف وَيُزْرِي به إذ اغتر بقوته وإن كانت بأسباب تشهد بافتقاره فليست قوته ذاتية ليغتر بها وإنما هي قوة غيرية تُسْتَمَدُّ من خارج الذات ، فلا تجيز له ما استجاز من الطغيان المطلق أن استجمع أسباب القوة فلا يخلو ، كما تقدم ، أن يفتقر إليها ، بل وإلى سائر أسباب الحياة خلافا لمن قوته ذاتية فلا يفتقر إلى أسباب من خارج ، فهو الغني عنها مطلقا بل هي الفقيرة إليه مطلقا ، خلقا وتدبيرا ، فمن له هذا الوصف وحده إذ انفرد به ، هو من تجب له الطاعة مطلقا فتكون الأخلاق جملة وتفصيلا على ما شرع ، مقاصدَ وأحكامًا ، كليات وجزئيات ، وذلك ما يجاوز النظرية العلمانية اللادينية في الأخلاق إذ تحكم بفصام نكد فتزعم أن النظام الأخلاقي لم يشرع للآلهة ، فالأخلاق خارج نطاق الدين الذي ضاق فاقتصر على جملة من التصورات والشعائر ، فخرجت الأخلاق سواء أكانت فردية أم جماعية ، فالنظام الأخلاقي مما يُرْجَعُ فيه إلى الناس ، فليدعهم الوحي يشرعون لأنفسهم ما يوافقهم من الأخلاق ، وإن كانت مستند تشريعهم الأهواء التي تختلف سبلا تضل ، كما تقدم في آية الأنعام ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ، فكان رباط الشرط طردا وعكسا فثم تلازم من جنس التلازم بين الحكم والعلة ، أو السبب والمسبَّب وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وقد حسن بالنظر في خطاب المواجهة الأول أن يرد الشرط مئنة من الندرة ، فتلك دلالة "إِنْ" الشرطية ، فهي مما يضعف الاحتمال بل وَيُبْطِلُهُ في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمكان العصمة وذلك بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، وإن كان الخطاب الأعم يستغرق جميع الأفراد ، لقرينة العموم في التكليف ، فلا يخلو الخبر شرطا من إنشاء الأمر نهيا أن لا تطع أكثر من في الأرض لئلا يضلوك عن سبيل الله فتهلك ، فذلك بالنظر في المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يجري مجرى الفرض تقديرا لبيان مقادير الأعمال ، فإن قرينة العصمة تمنعه ، فـ : (لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ، ففعل التثبيت الذي أسند إلى ضمير الفاعلين في "ثَبَّتْنَاكَ" مئنة من التعظيم وذلك ما يحسن في مواضع الامتنان التي تظهر فيها آثار القدرة والحكمة والرحمة ، فكان الفعل الذي تعدى بالتضعيف في مادته ، فَثَبَّتَ تثبيتا على حد التعدي ، وَثَبَتَ ثباتا على حد اللزوم ، فكان التثبيت مِنَّةً من الرب ، جل وعلا ، فتلك عصمة النبوة ، فالشرط في آية الأنعام يجري مجرى الفرض بيانا لمقادير الأعمال ، فلئن جاز في العقل فهو مما يمتنع في الخارج في حق النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإنما خطاب التكليف الأعم هو الذي يجيز ذلك في حق جميع البشر بخلاف الأنبياء والرسل ، عليهم السلام ، إذ لا عصمة لغيرهم وإن بلغوا من الفضل ما بلغوا فجاء الخطاب في حق عامة الناس يحذر تأسيسا وجاء في حق صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحذر توكيدا ، من قبيل خطابه أَنْ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ، فَدَاوِمْ على تَقْوَاهُ وإن عم الخطاب بقرينة العموم في التكليف فالأمر بالتقوى في حق غيره من أفراد أمته ، أمر تأسيس لا توكيد ، فاختلف المعنى باختلاف النسبة على وجه يجوز فيه كلا الوجهين ، إذ الجهة متخالفة ، فجهة التأسيس في حق عموم الأمة تخالف عن جهة التوكيد في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك ما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك إذ وقع الاشتراك هنا بالنظر في تخالف الجهات وإن صح الجمع بينها فهي منفكة ، فلكلِّ جهة حكم يلائمها ، وذلك مقتضى الحكمة في خطاب الشرع واللسان أن يُوضَعَ اللفظ في الموضع الذي يلائمه وأن يُحَمَّلَ من المعنى ما يَحْتَمِلُ بالنظر في قرينة السياق التي ترجح تارة إن كان ثم اشتراك ، وتجمع أخرى إن لم يكن ثم مانع ، بل الجمع آنذاك أولى إثراء للسياق بأكثر من معنى صحيح .
فَلَوْ رُدَّ الناس إلى معيار محدث في الأرض في باب الأخلاق لكان الاختلاف تبعا لاختلاف الأهواء ، فهي متشابهة في حد الحقائق ودرك الغايات وتشريع الوسائل والذرائع فيقع الاختلاف بينها على وجه تفتقر فيه إلى معيار محكم من خارج فهو الذي يحسم مادة التنازع إذ يشرع للناس من الأخلاق الكلية والجزئية ، الفردية والاجتماعية والسياسية ما يحقق لهم كمال العبودية تأويلا صحيحا بامتثال الغاية من خلقهم في هذه الدار ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، ولا يخلو من خير عاجل في هذه الدار إذ تستقيم الأحوال بالتجرد من الحظوظ والأهواء ورد الأمر إلى معيار محكم يَقْضِي من خارج بالحق الجازم فهو رباط تأسيس لمنهاج في الأخلاق مفصل يجاوز حد الكليات الجامعة ، فليس ، كما يقول أرباب النظرية العلمانية في علم الاجتماع ، ليس رباط ضمان فحسب يمارس دور الضمير المجمل الذي لا يتدخل في الشأن المفصل وإنما يمارس دور الرقيب الوازع ، وذلك حق ، ولكن وظيفة الشرع تجاوز ذلك ، فليس خبرا يُرَغِّبُ وَيُرَهِّبُ فقط ، وإنما هو حكم مفصل يأمر وينهى ، فَلَهُ مقاصد كلية وله شرائع جزئية وله نظر محكم إن في المنطوق أو في المفهوم ، فبه تكون الكفاية في الأخلاق الخاصة والعامة ، في المجمل الكلي والمفصل الجزئي ، في الرقيب والوازع الخبري ، والتأسيس والتفصيل الحكمي ، ولا يكون ذلك إلا من كتاب مفصل ألقي إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحيا ، وإن لم يرج ذلك فكان أزهد الناس في الرياسة فجاءه منها أشرف جنس وهو جنس الرسالة والنبوة ، فكانت الرحمة العظمى التي نكرت تعظيما في قوله تعالى : (ومَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، وكان ابتداء الغاية من الرب ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ، وذلك أليق في الدلالة فالرحمة الكونية أو الشرعية من عطاء الربوبية ، وهي هنا تنصرف إلى الرحمة الشرعية بالوحي وذلك ما يرجح أنها غير مخلوقة فهي من كلمات الله ، جل وعلا ، وحيا يخبر بالصدق ويأمر بالعدل ، وكلماته ، تبارك وتعالى ، من وصفه ، وذلك مما يشهد أن رحمة الخضر ، عليه السلام ، كانت رحمة نبوة لا ولاية في قوله تعالى : (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) ، ودلالة الكتاب إما أن تنصرف إلى العهد الخاص ، وهو الكتاب الخاتم ، أو تعم بدلالة الجنس فهي تستغرق كتاب التشريع المنزل سواء أكان مما يتلى آيا أم يؤثر أخبارا ، وسواء أكان من الخبر إثباتا ونفيا أم من الإنشاء أمرا ونهيا ، وليس ثَمَّ هنا ، أيضا ، ما يحول دون الجمع بين الوجهين ، ومن ثم جاء التكليف بعد تقرير المنة ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، فلئن كانت المنة العظمى بإلقاء الكتاب وهي مما حسن معه حد الفعل حد التأويل من "أن" وما دخلت عليه في "أَنْ يُلْقَى" وقد حُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، فالرب ، جل وعلا ، هو الملقي بواسطة روح القدس ، عليه السلام ، فهو من ألقى مباشرة ، وذلك ما شهد به الوحي نصا في مواضع أخرى ، فـ : (إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) ، فهو تنزيل رب العالمين ، جل وعلا ، فتلك نسبة الإنشاء وحيا ابتدأه الرب ، تبارك وتعالى ، فتكلم به على الوجه اللائق بجلاله ، وهو مما نَزَلَ به الروح الأمين ، عليه السلام ، فتلك نسبة الإبلاغ ، فلئن كانت المنة العظمى بهذا الإلقاء فالتكليف الذي به تشكر أن : (لَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، وهو ، أيضا ، مما يحتمل التأكيد بالنظر في معنى العصمة ولا يخلو من دلالة الإرشاد والتحذير ، وقد أكد بالنون المثقَّلَةِ في "تكونن" وكان نفي الكينونة ، أيضا ، أبلغ في الدلالة من القول في غير التنزيل : فلا تظاهر الكافرين ، وقد استفيد العموم من أوجه ، فاستفيد من تسلط النهي على المصدر الكامن في فعل الكينونة "تكونن" ، واستفيد من النكرة "ظهيرا" في سياق النهي ، واستفيد من عموم "أل" في "الكافرين" ، ودلالتها ، من وجه آخر ، دلالة وصل إذ اتصلت باسم مشتق من معنى أنيط به الحكم على جهة الدوران وجودا وعدما فالنهي عن المظاهرة يدور مع وصف الكفر وجودا وعدما ، فيفيد بالمفهوم أَنْ : ظَاهِرِ المؤمنين إذ لهم من ضد الوصف ما يوجب ضد الحكم ، فعم النهي كافة أجناس المظاهرة ، بالقول أو بالعمل ، بالتحريض أو بالمشاركة ! ، بالتصريح أو بالتلميح ..... إلخ ، وهو مما قد عَمَّتْ به البلوى في هذه الأعصار ، فكانت مظاهرة الكافرين على المؤمنين من وجوه السياسة المحكمة إذ صار معيارها أرضيا محضا وهو مما تتفاوت فيه الأنظار إذ لم يصر الوحي هو الحكم الذي يبيح أو يحظر ، وتلك مظاهرة تَبْلُغُ في أحيان أن تَنْقُضَ أصل الإيمان إذا كانت مظاهرة الكافر على المؤمن فذلك ناقض عملي ، ولا يخلو أن يجمع الناقض الاعتقادي إذا انضم إلى ذلك أن تكون المظاهرة بغضا لدين المؤمن وركونا إلى دين الكافر ، وذلك أمر ينقض أصل الإيمان وإن لم يتكلم صاحبه أو يفعل ! . والنهي ، من وجه آخر ، يحتمل التأسيس في حق بقية المكلفين من أفراد الأمة الخاتمة فذلك مما يجوز منهم الجواز العقلي لا الشرعي ، فليسوا بمعصومين عصمة النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان الخطاب في حقهم تأسيسا من هذا الوجه ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التوكيد والأمر بالمداومة فصح اجتماع الوجهين هنا ، أيضا ، لاختلاف الجهة ، جهة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجهة غيره وهو ، كما تقدم ، مما قد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك فيدل اللفظ الواحد أو السياق الواحد على أكثر من معنى لاختلاف الجهة في كل تقدير .

والله أعلى وأعلم .