المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : نقد النحاة الأقدمين! وكيف نجدد العربية؟ كتاب جديد



عبد الله بن محمد بن بدير
09-01-2018, 04:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
"
إن مشكلتنا التعليمية عريقة، أعرق من المشاكل التعليمية الناجمة عن العولمة، إنها مشكلة بدأت يوم وُضع النحو واللغة للنخبة المتعلمين، ولم يُجعل فيهما حظ لسائر فئات المجتمع من السوقة والأميين، فعلوم اللغة كانت تفيد الفقهاء والأدباء، بينما كان المجتمع يئن وهو يلعق جراحه اللغوية، التي نشأت بشكل طبيعي عن طوفان الألفاظ والمعارف والأغراض التي اقتحمت المجتمع اللغوي مع مجيء الشعوب الأعجمية الداخلة في الإسلام!
والدرس اللغوي ذاته الذي نشأ على مشافهة العرب، واعتنى بالدراسة الميدانية للغة وهي جارية على أفواه أهلها، هذا الدرس الحي أخذ يجمد على التجريد والتقعيد، فاللغة النابضة تُستقرأ لاستخراج القاعدة الهامدة، وعلى المتعلمين الجدد درس القاعدة، مع شواهد قليلة أخذت تقل تدريجيا، وأمثلة سطحية أخذت تزداد سطحية، حتى أصبح الطلاب يدرسون القواعد بعيدا عن اللغة، وحتى أصبحت القواعد التجريدية صالحة للتطبيق على أي مستوى لغوي آخر غير المستوى الذي اشتقت منه، فكانت بهذا عاملا خادعا عن الغاية التي قام الدرس اللغوي من أجلها، وهي "الحفاظ على لغة القرآن" وليس الاستعاضة عنها بمستوى لغوي آخر.

يمكنك أن تقرأ هذه الأبيات التي طبقت عليها القواعد جهدي هل هي عربية؟


لَا تَشْرَبِ الْـ (وُوتَرَ) ( بِتْـ ... ـوِينَ) الطَّعَامْ
(دُنْتِ) الْإِسَاءَةَ (تُو) صَدِيـ ... ـقِكَ وَالْخِصَامْ
أَنَا نَاصِحٌ (تُو يُو) ... فَكُنْ لِي، وَالسَّلَامْ

إن وجود الإعراب على الكلمات الأعجمية لا يعني أن النص عربي وأنه مفهم، من ناحية، ومن ناحية أخرى فلو اشتهرت الألفاظ والأساليب الأعجمية حتى صارت مفهمة فالنتيجة أفدح، وهي أننا تغيرت أذواقنا اللغوية إلى درجة أننا لن نفهم القرآن.
وعلى صعيد المعجم أخذت الألفاظ – مع التدريج - تُفرد عن سياقاتها، وتُصلّب في المعاجم وعليها لافتة تشرحها شرحا معجميا، مما أوقع المعجم في التجريد الذي وقع فيه النحو، ومكن أصحاب الانحرافات العقدية من استعمال التأويلات الخاطئة، والتي صارت ممكنة بعد هذه العزلة والتجريد عن السياق، فهذا اللفظ يستعمل عند العرب لكذا ولكذا ولكذا على وجه الحقيقة، ولكذا ولكذا ولكذا على وجه المجاز. وقطعوا النظر عن السياق وعن مراد المتكلم؛ حتى كان ابن تيمية كثيرا ما يقول ويكرر: "التأويل: بيان مراد المتكلم، ليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة" .

لو كان النحاة واللغويون قد اهتموا بدل تجريدهم هذا بـ:

1- الدوام على تسجيل اللغة في نماذجها وسياقاتها.
2. وتصنيفها تحت أغراض الكلام.
3. وتحت أنماط الأساليب.
4. ولو كانوا قد اهتموا بتعليمها كما هي هكذا بالترداد والممارسة للناشئة والأمهات.
5. وأخذوا على عاتقهم العناية بالدفاع عن اللغة الدارجة للمجتمع، وقد كانت فصيحة، وصيانتها من المؤثرات الدخيلة.
6. وأقاموا مدارس لتعليم أمهات الأولاد الأعجميات والناشئة اللغة والقرآن وأخلاق الإسلام.

لو فعلوا ذلك إذا لظلت اللغة الأولى حية كما هي، ولكانت المصنفات أوفى بوصف وتسجيل لغة عصر التنزيل، ولكان يسيرا علينا الاعتماد على مصنفاتهم في تصميم منهج الفصحى.

لكن الحمد لله، فمع أنهم لم يفعلوا ذلك بالصورة والاستمرار اللذَينِ كنا نؤملهما؛ إلا أننا لدينا القرآن الكريم، والسنة النبوية، ولدينا المصنفات الموسوعية التي دونها أوائل النحاة واللغويين، وفي ثناياها أجزاء عديدة من استعمالات العرب في سياقاتها، وحالات عديدة ينص فيها هؤلاء العلماء الكبار المشافهين للعرب؛ على معنى النص وملابساته، فهذا هو منهج الفصحى حقيقة ولكنه منهجها "غير المباشر".
إننا نحتاج إلى منهج فصحى "مباشر" يعطينا ما سنقوله للطفل غدا فغدا، وكيف سنضخ لملكات لطفل اللغة العربية في ثلاث سنين، بحيث تتكامل أنظمتها في وجدانه يوما بعد يوم؟ إن المنهج غير المباشر لا يعطينا هذه الإمكانيات، من ثم فنحن نحتاج إلى "منهج وسيط"، نحلل فيه المنهج غير المباشر، لنعيد صياغته على الطريقة التي كنا نأمل أن يقوم بها النحاة.
إن منهج الفصحى "الوسيط" يقتضي تجديد الدراسات العربية برمتها، إنه منهج يبني الأدوات اللازمة لتعليم العربية من خلال ممارستها في الحديث اليومي الموجه وغير الموجه، وهذا يقتضينا شيئين، لكل شيء منهما مقتضياته:
1. بناء دارجة فصيحة؛ دارجة تفي بمتطلبات إنجاز الحوارات العادية ولا تخرج عن سنن النحو والمعجم.
2. ويقتضينا تعريب سيل الأسماء الأعجمية المعاصرة بما يحفظ للعربية وحدة نظامها واتساقه.

• وبناء دارجة فصيحة هذا يعني:

1. تحليل نصوص التراث ومصنفات كبار النحاة واللغويين، لعمل مكنز بالعبارات الاصطلاحية للغة عصر الاحتجاج، مع تمييز قيمها التعبيرية والمعنوية.
2. وتحليل عامياتنا المعاصرة على نفس النحو؛ لإحلال العبارة الفصيحة محل العبارة العامية في الأغراض المشتركة. مع أنه ستبقى لدينا فجوات في بناء فصحانا الدارجة، ناجمة عن عدم اكتمال التطابق بين القيم التعبيرية للعبارات الاصطلاحية الفصحى وأخواتها العامية، مما يقتضينا وضع قواعد لأساليب العرب في تسهيل الأساليب وسك العبارات الاصطلاحية السلسة التي ينجزون بها الحوار الدارج.

بهذا نكون قد بنينا الأدوات التي نتمكن بها من استيعاب عباراتنا الشائعة التي نعبر بها عن أحوالنا المعاصرة في لغة عربية متسقة وشاملة، غنية بالمستويات اللغوية الثلاثة: الدارجة، والأدبية، والعلمية، حتى تفي بحاجات مجتمع لغوي واحد ذي اهتمامات متنوعة ومتكاملة.

• أما تعريب سيل الأسماء والمصطلحات الأعجمية فيقتضينا عملا لا يقل أهمية وجدية، وهو:

تحليل بنى الكلام العربي وقيمها المعنوية، لبناء:

1. مكنز بالصيغ العربية ومعانيها، لا يعقل أن صيغ الكلم العربي التي «أربت على الأربعمئة، وأوصلها بعض الأئمة بتقسيمات داخلية إلى عشر ومئتين وألف صيغة؛ لم يدرس منها وتوضع له القواعد في اشتقاقه ودلالته إلا القليل [سبع صيغ وتزيد قليلا على أنها لم توفّ حقها بحثا!!] مع أن باقي الصيغ يقبل التقعيد أيضا لولا انصراف الهمم»!!

إن موضوع هذا المكنز (مكنز الصيغ) لم تتناوله دراسات سابقة، والعجيب أنه رغم أهميته الملحة في التعريب ودرأ خطر الدخيل على اللغة العربية، رغم كل هذه الأولوية لم تعبأ به مجامعنا وجامعاتنا!!

2. ومكنز بمعاني مواد الألفاظ العربية يضع بإزاء كل مادة المعنى العام الذي ناطته العرب بهذه المادة لمشاكلته لجرسها في ذائقتهم، مثلا مادة [ص ع د] تدل على الارتفاع بمشقة ظاهرة لاستعمالهم إياها في الجبل وفي العقبة، ومادة [ر ق ى] تدل على ارتفاع بمشقة خفيفة، لاستعمالهم إياها في السلم والدرجة، ومادة [س م و] تدل على ارتفاع بلا أدنى مشقة، لاستعمالهم إياها في البصر والهمة.

إن موضوع هذا المكنز الأخير (مكنز المواد) قد تناولته دراسات سابقة، ولكنه في رأينا مازال يحتاج إلى المزيد من: الفحص، والإيضاح، وتسهيل المادة العلمية لتكون قريبة المأخذ من مصممي الألفاظ والمصطلحات المعاصرين.

3. دراسة تطبيقية واعبة لطرائق التسمية، وكيف يجري الاشتقاق اللفظي والدلالي، وكيف يجب تنكب مادة ما أو صيغة في تسمية شيء لأن اختيارها سيوقع في التباس كثير في الفروع، عندما يشتبه جمع بجمع مثلا، وكيف يمكن تهذيب اللفظ إذا اقتضت الحاجة، لصعوبته مثلا أو للمغايرة بينه وبين لفظ مقارب لمعنى آخر، كيف يمكن إصلاحه بإجراء التعديلات الصوتية التي كانت تجري نحوها العرب، من مثل قولهم: يعصر في أعصر، ودينار في دنّار، وتقضي في تقضض.
بهذا نكون قد بنينا الأدوات التي تمكننا من تعريب سيل الأسماء الأعجمية ذات الوجود الحيوي الكثيف في الحوار اليومي، بما يضمن نقاء مفردات لغتنا الجديدة، وابتنائها من لحمة مفرداتنا الأصيلة، مما يجعلها مساوقة لها غير نافرة عنها، وغير ممزقة للملكة اللغوية لدى المتعلم، تلك الملكة التي يتمكن بها المتعلم الموهوب من انتاج لغة جديدة للموضوعات الجديدة على نحو صحيح.

إن إنجاز هاتين المهمتين السابقتين لهو عمل كبير، يحتاج فريق عمل مؤمن برسالته، ومثابر لتحقيقها."


من مقدمة كتابي "قبس من العبارات الاصطلاحية لعصر الاحتجاج (1)"
متاح على شبكة الألوكة