المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : قراءة نقدية لقصيدة(مكحل الذياد)للشاعرمحمد الجهالين



ثناء حاج صالح
04-09-2018, 05:28 AM
مكحل الذياد

لَكِ اللهُ يــا بِلادي = فَأَبْنــاؤُكِ الأَعـادي
.
فِلَسْطينُ مِنْ رَئيسٍ = تَعِبْنا ومِنْ قِيـادي
.
يُباضونَ في دِمانـا = نَواطيــرَ مِـنْ قُـرادِ
.
يَحُكّونَنـا صَلاحًا = وَهُمْ قُـمَّـلُ الفَسادِ
.
فِلَسْطِيـنُ ما عَمانا = سِوى مِكْحَلِ الذِّيادِ
.
يَذودونَ عَنْ حِمانا = طِرادًا بِلا جِيــادِ
.
أَيادٍ على كُؤوسٍ = وَلَيْسَتْ على الزِّنادِ
.
أَعِدْ أَيُّهــا الـمُغَنّـي = لَهُ الوَيْلُ مَنْ يُعادي
.
إِذا النَّصـرُ أُغْنِياتٌ = فَمَنْصــورَةٌ بِــلادي
.
إِلى غَزَّةٍ خُذوني = إلى القَصْفِ في اشْتِدادِ
.
سَأحبو أَمامَ طِفْلٍ = مَآقيهِ في الضِّمادِ
.
وَأَرْجوهُ يا صَغيري = قَليــلًا مِنَ العِنادِ
.
دِماكَ الحُقولُ مِسْكًا = وَلَسْنا سِوى جَرادِ
.
لِـمَنْ نُـنْشِدُ الـمَراثي = ولا دَمْـعَ لِلْجَمـادِ
.
هُوَ الشِّعْـرُ ذو نَشيجٍ = إذا الشِّعْـرُ مِنْ فُؤادِ
.
فيا شاعِــرَ الـمَنــافي = مَآسيــكَ في ازْدِيادِ
.
صَديقٌ بـِلا اقْتِـرابٍ = عَــدُوٌ بِـلا ابْـتِعـادِ
.
أَعاريبُ لا تَصيحوا = رُجوعًا بِسِنْـدِبـــادِ
.
نَخَسْتـُــمْ ثَراهُ سُقْتُمْ = صَبــايـاهُ لِـلْمَـزادِ
.
هُوَ الضَّيْفُ غِـلْتُمــوهُ = أَتُـحْيــونَـــهُ بِـزادِ
.
فَأَهْدَيْـتُمـوهُ نَعْشًــا = وذُبْـتُـمْ مِنَ الحِدادِ
.
غَرورٌ ضُحى هُدوءٍ = إِذا الليلُ غَـيْـرُ هادي
.
غَدًا يَعْصِفُ انْتِفاضٌ = مِنَ الصَّمْتِ والحِيادِ
.
غَدًا شَعْبُكُـمْ يُغَـنّي = لَـكُمْ تُكْسَرُ الأَيادي
.
فَمـا دامَ مُسْتَــبِـــدٌ = على صَـهْوَةِ اضْطِهادِ
.
مَتى ســـاءَكُمْ أَخـوكُـمْ = فَــلا حِقْـــدَ في انْغِمادِ
.
وإنْ ساءَكُـمْ عَــــدُوٌّ = سَــلَلْــتُــمْ ظُبـــا الــوِدادِ
.
أَعاريـــبُ لَيْسَ إِرْثًـــا = رُجـــولـــِيَّـــةُ الــبَــوادي
.
حِجازِيـــَّـــةٌ عُـــلاكُمْ = وَكَمْ في الحِجازِ وادي
.
وَنَجْدِيَّةٌ صَبـــــاكُـمْ = ولا وَجْـدَ في الـنِّجـــــادِ
.
إلى القُدْسِ عِيـرُ غازٍ = وَفي مَكَّـــةَ الـحَــوادي
.
يَخونُ الأَنـــــامُ لكِــــنْ = رَدى الحَظِّ خَوْنُ فادي
.
إلامَ النِّضالُ وَغْـدٌ = تَمـــادى على التَّمادي
.
فَكوفِيَّــةٌ بِـمَلْهـى = وبــارودَةٌ بِنـــادي
.
لماذا الدَّسيسُ رمزٌ = عَصِيٌّ على انْتِقادِ
.
أَفِقْ يا أبا جِـهادٍ = أَفِق يا أبــا إِيـــادِ
.
هَلُمّا لرَكْلِ سينٍ = هَلُمّا لِسَحْلِ صادِ
.
ولا تَـنْدَما نضالاً = ذوى دونَما حَصــادِ
.
أَيَـفْدي النِّداءُ أَرْضًا = وسِمْسارُها الـمُنادي
.
أَيُبـــدي مِـــــدادُ وُدٍّ = خَفـــايا ذوي الـمِدادِ
.
إذا القولُ مِنْ جِمارٍ = أَتـى الفعلُ مِنْ رَمـادِ
.
كفى نَرْتَوي قَصيدًا = وراوي القَصيدِ صادي
.
أَيَحْمي سُهــادُ رُمْحٍ = وراميــــهِ في رُقــــادِ
.
خُيولَ الجِهادِ نامـي = فما نَحـْـــــنُ لِلْجِهـادِ
.
كَــراسِيُّـــنـا هَدايـــا = وَإِنّـــا عَبــيـــدُ هادي

آب 2018



عنوان القصيدة (مكحل الذياد) يقع موقع المفاجأة الساخرة.
فالذياد: مصدر للفعل ذاد يذود . أي دافع عن وطنه ، وحامى عنه. وهذه الصيغة للمصدر ( الذياد) نادرة الاستخدام . والأكثر منها استخداما (الذَّوْد).وكلتاهما بمعنى واحد . غير أن ندرة استخدام (الذياد) جعلت وقعه في الأذن مفاجئاً. وزاد من الشعور بالمفاجأة إضافة المكحل إليه. إذ لا يتوقع القارئ أن المكحل الذي يستخدم في تكحيل الأجفان كأداة للزينة، سيلعب دوراً ما في الدفاع عن الوطن، والذود عنه. وإذا كان الشاعر يخبرنا فعلا بأن للمكحل دوراً في الذياد. فلا بد أنه كاشفٌ لنا، ولو بعد حين، عن ماهيَّة هذا الدور العجيب.
فإلى أين يريد الشاعر الذهاب بنا؟ وما الذي يخبئه لنا من مفاجآت، وهو في طريقه إلى الكشف عن سر علاقة المكحل بالذياد ؟
من السمات الخاصة بأسلوب الشاعر المبدع محمد الجهالين في هذه القصيدة، كما في غيرها ، أنه يعمد إلى السخرية البسيطة السهلة القابلة للكشف، دون كثير من المحاكمات العقلية،فيشكِّلها على شكل حكمة مستنتجة من واقع الحدث، إلا أنها تركِّز على فكرة الخطأ في الحدث ،فتنتقدها بأسلوب ساخر لاذع ، يضخِّم الخطأ ويجسِد الخلل فيه بأسلوب كاريكاتوري . مستخدماً في سبيل ذلك ألفاظاً بسيطة سهلة متداولة في ظاهرها ، إلا أن توظيفها يربطها بعلائق جديدة مدهشة هي الأساس في تمثيل تلك السخرية اللاذعة والسهلة في آن واحد.
ولبساطة الألفاظ المستخدمة في أبيات هذه القصيدة شأن آخر، يدفعنا للاعتقاد بأن الشاعر يرغب من خلالها، بإيجاد علاقة قوية وحميمة، بين شعره وبين عامة الناس وبسطائهم . ويدفعنا إلى هذا الاعتقاد احتمالان:
أحدهما: أن الشاعر يريد أن يتواصل ويتحاور مع ما يتردد على ألسنة الناس من أهازيج وأغاريد ؟
وثانيهما: أنه قد خطَّطَ وقرَّرَ أن ينزل بشعره إلى المستوى الذي يصلح فيه ليكون جزءا مما يتردد على ألسنة الناس في الشارع.
لقد راهن الشاعر على بساطة الألفاظ وبساطة الصياغة مع عمق وحميمية المعاني الساخرة المنبثقة من وعي الناس لحقيقة المعاناة، في قضية ضياع فلسطين. وعوَّض بهذا الخطاب الوجداني الساخر، عن تمنع المضارع وعدم ألفته للأسماع، ليثبت أن الإيقاع الصعب قابل للتطويع ، ما دامت عناصر أخرى في أسلوبه الشعري الخاص واقفة في صفه، ومناصرة له.
ولقد شعر كل من قرأ القصيدة بارتفاع موسيقاها ارتفاعاً يؤهلها فعلاً للترداد على ألسنة الناس ؟ فكأن اختيار الإيقاع المجزوء ،لم يكن إلا خطوة صحيحة باتجاه التواصل مع الأهازيج الشعبية القروية ذات الإيقاعات المجزوءة السريعة ، والتي شكَّلت جزءاً كبيراً من ذائقة تراثية متداولة في بلاد الشام من جيل إلى جيل .
لَكِ اللهُ يــا بِلادي = فَأَبْنــاؤُكِ الأَعـادي
فِلَسْطينُ مِنْ رَئيسٍ = تَعِبْنا ومِنْ قِيـادي
في المطلع وفي البيت الثاني ، يوجز الشاعر ما آلت إليه قضية فلسطين على يد أبنائها الذين هدروا طاقاتهم في الخلافات الدائرة بينهم ، وبدلا من أن يتحدوا ليواجهوا الاحتلال تمترسوا وراء كل ما يفرِقهم ويشتتهم ويضعف قواهم .وـالخلاصة : (لك الله يا بلادي )! فلا تنتظري من أبنائك ما لن يقدموه لكِ، لأنهم هم الأعادي !لو كنت لا تدرين.
قسوة الشاعر في وصف أبناء فلسطين بأنهم الأعادي ، لا تطال أبناءها البسطاء الصامدين . ولا تطال من يقاوم فيها في غزة أو في القدس مثلا. لكنها موجهة إلى القياديين فقط، فالشاعر يطلق اللفظ على عموميته في المطلع ( فأبناؤك) ، ثم يعود إلى تخصيصه في البيت الثاني، عندما يفَصِّل قصده من لفظة( أبناؤك) بلفظتي (الرئيس والقيادي).
لَكِ اللهُ يــا بِلادي = فَأَبْنــاؤُكِ الأَعـادي
فِلَسْطينُ مِنْ رَئيسٍ = تَعِبْنا ومِنْ قِيـادي
الفعل ( تعبنا) يقسم الشعب الفلسطيني إلى قسمين : القسم الأول تعبر عنه نا الفاعلين في تعبنا ، وهم عامة الشعب المتعَب ، والقسم الثاني هم من أتعب عامة الشعب، بدءاً من الرئيس وانتهاءً بالقياديين المتناحرين .
فِلَسْطينُ مِنْ رَئيسٍ = تَعِبْنا ومِنْ قِيـادي
من حيث التركيب اللغوي ، قدَّم الشاعر شبه جملة الجار والمجرور ( من رئيسٍ ) على الفعل الذي تعلقت به " فِلَسْطينُ مِنْ رَئيسٍ تَعِبْنا" ويدخل هذا التقديم في باب تقديم اللفظ على عامله، وله دلالة بلاغية تختلف حسب السياق، و يمكننا حملها في هذا البيت على محمل الضيق أو التضجر الشديد من الرئيس. ويشمل هذا الضيق أيضا من هو مقصود بقوله" ومِن قيادي" بتأثير الواو العاطفة، بين شبه جملتي الجار والمجرور (من رئيسٍ، ومن قيادي).
يُباضونَ في دِمانـا = نَواطيــرَ مِـنْ قُـرادِ
يَحُكّونَنـا صَلاحًا = وَهُمْ قُـمَّـلُ الفَسادِ
يدخل الشاعر الآن جدِّيا في مسألة السخرية اللاذعة التي قدَّمنا لها آنفاً.
فمن هم هؤلاء الذين أتعبوا الشعب؟
أنهم ببساطة بيوض الطُفيليات الممرضة التي تتطفل على جسم الإنسان ، وتمتص دماءه، من مثل حشرات القُمَّل .
وكونهم يباضون يعني أنهم حاصل عملية تكاثر لم يحدد الشاعر مصدرها. لكن إذا كانوا الآن مجرد بيوض فسوف يأتي يوم تفقس فيه هذه البيوض. وعند ذاك سنجدهم قد احتلوا مناصبهم بوصفهم النواطير.
وماذا سنتوقع من النواطير أن يفعلوا سوى حراستهم للبساتين والكروم؟ فهل علينا أن نستعجل ونتفاءل ؟
المضحك المبكي أنهم ( نواطير من قُراد ) ، وبالتالي فإن الشاعر يغلق أمامنا سريعاً أبواب الأمل، إذا ما سوَّلت لنا أنفسنا أن نتفاءل بوجود النواطير في دمائنا.
الخيال الذي استخدمه الشاعر في نسج هذه الصورة الشعرية كان خيالاً مرعباً. فبقدر ما هي تلك الحشرات الطفيلية حقيرة وصغيرة وقادرة على الاختباء ، بقدر ما هي خطيرة وخبيثة وممرضة حد القتل.
وفيما لو تناولنا دلالة الدماء في القضية الفلسطينية، والتي تعبر عن تضحيات الشهداء. سنشعر بحجم الرعب الذي يعنيه تطفل تلك البيوض على دمائنا.
ولا شكَ أن الخوف منها له مبرر قوي. على أن الشاعر أوجز في وصف تأثيرها، واقتصر من ذلك على جزئية أنهم" يحكُّوننا" ، فكيف يحكُّوننا ؟ هذا الجزء من تخيل الصورة متروك لمخيلة القارئ وحده عند تفاعله مع فعل الحكّ الذي تحدثه حشرات القُمَّل.وفي بساطة التعبير عنه بلفظة عادية سهلة (يحكُّوننا) ما يكفي للتدليل على لذعة السخرية وبساطتها معاً ،عند الشاعر.
يَحُكّونَنـا صَلاحًا = وَهُمْ قُـمَّـلُ الفَسادِ
يحكُّوننا صلاحا : يرهقوننا ويزعجوننا ويستفزوننا بما يجرُّونه علينا من إصلاحهم المزعوم .
أو يحُكّونَنـا صَلاحًا : من شدة صلاحهم التي لا نستطيع تحملها، نشعر بالحكَّة.
لكن إذا كانت الحكَّة حقيقة فالصلاح كذب .لأنهم ببساطة " َهُمْ قُـمَّـلُ الفَسادِ" .
ولأننا مصابون بهم فلا غرابة أبداً في أن نعاني من الحكَّة جرَّاء هذه الإصابة .
يتبع بإذن الله..

محمد الجهالين
04-09-2018, 12:13 PM
أن تحظى أربعة أبيات من خمسة وأربعين بيتا بهذا التعريج المتأني قراءة مخبرية وإضاءة مجهرية فهذه دلالة على أن النقد حين يغوص في أعماق التعبير فهو يقدم ذلك التعبير للقارئ تعبيرا مُقنِعًا مُشبَعًا بوقع المُراد.
والشعر دون النقد قصير اليد ، ويد النقد أطول من يد الشعر لأن الشاعر محتاج إلى الناقد إذ يفرح بإشادته وينجح بإفادته؛ ولعمري إن هذا الفرح ليغمرني الآن حُبورَ نجاح وجذل ارتياح.
شكرا على غدق وقتكم وألق سمتكم.

ثناء حاج صالح
04-09-2018, 02:12 PM
أن تحظى أربعة أبيات من خمسة وأربعين بيتا بهذا التعريج المتأني قراءة مخبرية وإضاءة مجهرية فهذه دلالة على أن النقد حين يغوص في أعماق التعبير فهو يقدم ذلك التعبير للقارئ تعبيرا مُقنِعًا مُشبَعًا بوقع المُراد.
والشعر دون النقد قصير اليد ، ويد النقد أطول من يد الشعر لأن الشاعر محتاج إلى الناقد إذ يفرح بإشادته وينجح بإفادته؛ ولعمري إن هذا الفرح ليغمرني الآن حُبورَ نجاح وجذل ارتياح.
شكرا على غدق وقتكم وألق سمتكم.
بل لكم الشكر على ما أبدعتم أستاذي الشاعر المبدع محمد الجهالين
وأشكركم على الحضور والتعليق الجميل ، وهو من ذوقكم الرفيع.
إنني والله أستمتع بكتابة النقد استمتاعي بكتابة الشعر سواء. وبهذا فإن لكم علي حق الشكر على ما أفوز به من المتعة في استقراء نصكم .
ويد النقد نعم أطول من يد الشعر؛ لأن مساحة التعبير كلها متاحة للنقد .بينما قد يُحاسَبُ الحرف الواحد في الشعر، على حقه في المساحة التي احتلها. غير أن الشعر يسبق النقد في خلق المادة الإبداعية وتحضيرها . ثم يغذِّيه منها بالقوت الذي يقيم أَوْدَه.
بارك الله فيكم ولكم التحية

ثناء حاج صالح
07-09-2018, 01:11 AM
فِلَسْطِيـنُ ما عَمانا = سِوى مِكْحَلِ الذِّيادِ
يتكئ الشاعر في البيت الذي جعله عقدة للأزمة الداخلية في القصيدة على الموروث الشعبي في المثل القائل " جاء يكحلها فأعماها" ، والذي يعني أن ذلك الذي قام بتكحيلها لم يحسن أداءه . وبدلا من تحسين مرآها وتجميله ، أساء إليها إساءة بالغة وصلت إلى درجة التسبب بالعمى .
وماذا يُظَن بمن فقد نور عينيه وصواب رؤيته سوى التشوه والتوقف في المكان عجزاً عن المتابعة ،وهذا هو حال الشعب الفلسطيني المكحول، الذي يدفع ثمن الصراع المرير بين الأخوة .من نور عينيه.
فما كان أغناه عن ذلك المكحل وعن تكحيله !
فِلَسْطِيـنُ ما عَمانا = سِوى مِكْحَلِ الذِّيادِ
ثم لا يترك الشاعر قارئه حائراً في السبب الذي جعله يسخر من ذلك الذياد ، ولعل مدافعاً عن الذائدين يقول : ما بهم الذائدون ؟ ألا يكفي أنهم يذودون عن حمانا ؟ فلمثل هذا المُدافِع ينفع الشرح والإيضاح:
يَذودونَ عَنْ حِمانا = طِرادًا بِلا جِيــادِ
أَيادٍ على كُؤوسٍ = وَلَيْسَتْ على الزِّنادِ
الطِّراد هو المطاردة . و فرسان الطِّراد هم الذين يحمل بعضهم على بعض في الحرب ونحوها ( حسب المعجم الوسيط ). و الخلل الذي يريد الشاعر تجسيمه يكمن في حصول الطراد مع فقدان الجياد. وهذه هي إشارة الشاعر الساخرة إلى عمليات الملاحقة والمطاردة والاعتقال التي يتعرض لها مقاومو حماس، على أيدي الذائدين في الضفة الغربية من(فتح).
ولأن غياب الجياد يعني بالضرورة غياب الفرسان. سنفهم أن الساحة خالية من الفرسان .
إذن ، فما الذي يفِعْله الذائدون في أرض الواقع سوى مطاردة إخوانهم؟
تصدمنا الصورة الفوتوغرافية المباغتة التي التقطها الشاعر لأيديهم وهي على كؤوس الخمر . ونحن الذين كنا لا نأمل ولا نتوقع إلا أن نرى أيديهم ضاغطة بأصابعها على الزناد .
أَيادٍ على كُؤوسٍ = وَلَيْسَتْ على الزِّنادِ
من حيث البلاغة المعنوية: اعتمد الإيجاز البلاغي في هذا البيت ذي التركيب الخبري على أسلوب النفي أو السلب . فالخبر المثبت في الصدر " أَيادٍ على كُؤوسٍ" كان سيبقى أضعف في دلالته المعنوية لو لم يلفت الشاعر انتباهنا إلى ما هو مطلوب ومأمول من تلك الأيدي ، وهو أن تكون على الزناد . لكنها" لَيْسَتْ على الزِّنادِ" . وهكذا تجسَّم الخلل، و اتضح بالمقارنة بين الصورتين المثبنة والمنفية ، بكلام موجز قليل .
أَعِدْ أَيُّهــا الـمُغَنّـي = لَهُ الوَيْلُ مَنْ يُعادي
إِذا النَّصـرُ أُغْنِياتٌ = فَمَنْصــورَةٌ بِــلادي
أعد أيها المغني ! ومن سوى المغني يهدد ويتوعد هذه الأيام؟ ..
لهذين البيتين نكهة الحوار الساخر اللاذع الحاد، وإن لم يردا في سياق حوار .لأن بناءهما اللغوي ومنطق الفكرة فيهما يقوم على رفض التشكيك بالهزيمة . بمعنى أن الشاعر يرى الهزيمة ماثلة للأعين. ولا يقبل التشكيك في وقوعها. ويردُّ على من يحاول التشكيك فيها، أو حتى التبشير بالنصر، في ظل معطيات الواقع، التي لا تتعدى الكثير من الأغنيات .
واستخدامه فعل الأمر( أعد ) مصحوباً بالعبارة التي يأمر المغني بإعادتها " له لويل من يعادي" يحمل في الظاهر طابع الموافقة. لكنه في الباطن يدل الاستنكار اليائس المستسلم .وكنتيجة لهذا الاستنكار اليائس أيضاً يتوصل الشاعر إلى استنتاجه الحاسم بنصر بلاده.
إِذا النَّصـرُ أُغْنِياتٌ = فَمَنْصــورَةٌ بِــلادي.
فإذا كانت الأغنيات تكفي لتحقيق النصر. (فمنصورة بلادي ) ولا شك .
على أن الشاعر ما يلبث حينما يذكر غزة وأطفال غزة ، أن يضع السخرية والتهكم جانباً، وإلى حين ، متلمساً مشاعر الاستصغار لنفسه ولكل العرب ، مستخدما الفعل ( سأحبو) أمام طفل غزة المصاب الجريح .
إِلى غَزَّةٍ خُذوني = إلى القَصْفِ في اشْتِدادِ
سَأحبو أَمامَ طِفْلٍ = مَآقيهِ في الضِّمادِ
وَأَرْجوهُ يا صَغيري = قَليــلًا مِنَ العِنادِ
مقتبساً عبارة " القصف في اشتداد" من نشرات الأخبار العربية ، وهي تغطَّي إعلامياً القصف الإسرائيلي لغزة. يضع الشاعر هذه الاستعارة في موضع اسم غزة ، وكأنه يقول لنا بأنها قد تحوَّلت إلى خبر، إلى مجرد عبارة ( القصف في اشتداد ) . ثم ماذا ؟
ثم سيحبو أمام طفل غزاوي أصابته الشظايا في عينيه، ليرجوه قليلا من العناد ، معلِّقاً عليه كل آماله بالإحساس بالكرامة، التي يجود به علينا من عناده وصموده وتضحيته بعينيه أمام العدو .
. سَأحبو أَمامَ طِفْلٍ = مَآقيهِ في الضِّمادِ
وَأَرْجوهُ يا صَغيري = قَليــلًا مِنَ العِنادِ
دِماكَ الحُقولُ مِسْكًا = وَلَسْنا سِوى جَرادِ
وبهذه الصورة المعنوية الكاريكاتورية، التي يتقزم فيها العرب أمام طفل صغير ملفوفة عيناه بالضماد، يستمر الشاعر في إظهار صغر حجمنا وقزامتنا كعرب، حتى نكتشف أننا في الحقيقة لسنا سوى أسرابٍ من الجراد، تعيش أو تتعايش على حساب دماء الطفل الغزاوي ، التي انسفحت في غزة حقولا من المسك.
دِماكَ الحُقولُ مِسْكًا = وَلَسْنا سِوى جَرادِ
وبعد هذا التصاغر إلى حد التلاشي ، نستحق نحن أن ينشد بعضنا المراثي، على بعضنا الآخر. لكن لا ، فحتى المراثي لن تؤثر فينا وقد أصبحنا والجماد سيان ، بعد أن تجمدت ضمائرنا ومشاعرنا ،فلمن ننشد المراثي ولا دمع للجماد؟
لِـمَنْ نُـنْشِدُ الـمَراثي = ولا دَمْـعَ لِلْجَمـادِ
يتبع بإذن الله

ثناء حاج صالح
11-09-2018, 01:04 AM
هُوَ الشِّعْـرُ ذو نَشيجٍ = إذا الشِّعْـرُ مِنْ فُؤادِ
.
فيا شاعِــرَ الـمَنــافي = مَآسيــكَ في ازْدِيادِ
.
صَديقٌ بـِلا اقْتِـرابٍ = عَــدُوٌ بِـلا ابْـتِعـادِ
يرصد الشاعر ردود فعله ومكابدته الذاتية للحدث، في القضية الفلسطينية، لا كشخص عادي ، وإنما كشاعر.
لذلك يشير إلى الشعر ذي النشيج ، الذي يصدر عن القلب محملاً بنشيجه .
هُوَ الشِّعْـرُ ذو نَشيجٍ = إذا الشِّعْـرُ مِنْ فُؤادِ
من حيث البلاغة المعنوية : يتوجب علينا إذا قرأنا هذا البيت أن نمنع أنفسنا من تحليله وكأنه مقارنة ناقدة بين نوعين من الشعر ، أحدِهما ذو نشيج لأنه من الفؤاد . والآخر ليس ذا نشيج لأنه ليس من الفؤاد . ويمنعنا من هذه الدلالة السياق الذي وصف فيه الشاعر الشعر . فموضوع القصيدة أبعد ما يكون عن نقد الشعر والمقارنة بين أنواعه . والإخبار بنشيج الشعر أسلوب غير مباشر للإخبار بنشيج الفؤاد الذي صدر عنه هذا الشعر . وهو فؤاد الشاعر .
وقد جاء الشاعر بهذا الوصف للشعر بعد قوله" لِـمَنْ نُـنْشِدُ الـمَراثي = ولا دَمْـعَ لِلْجَمـادِ" وبما أن المراثي شعر ، والشاعر متألم لأن الجماد لا يتأثر بالشعر ولا يذرف الدمع ؛ فقد أصبح السياق مع خيبة أمل الشاعر مهيَّأً ليخبرنا عن مشاعره الخاصة ، وليخبرنا ما شأن النشيج في شعره ، و متى يكون الشعر ذا نشيج..
هُوَ الشِّعْـرُ ذو نَشيجٍ = إذا الشِّعْـرُ مِنْ فُؤادِ
فيا شاعِــرَ الـمَنــافي = مَآسيــكَ في ازْدِيادِ
صَديقٌ بـِلا اقْتِـرابٍ = عَــدُوٌ بِـلا ابْـتِعـادِ
لا شك أن رصد انفعالات الشاعر سيأتينا بأحاسيس وجدانية أعمق وأرهف مما يمكن رصده من انفعالات الإنسان العادي . والشاعر يتَّخذ من نفسه مثالاً لكل شعراء المنافي عندما يضيف اسم الشاعر المفرد إلى صيغة الجمع (شاعر المنافي ) ويقرر من تجربته الخاصة أن مآسي شاعر المنافي تفوق مآسي الآخرين ، وهي في ازدياد مستمر. وأما أدلة الشاعر على صدقية حكمه بازدياد مآسيه فيسوقها عبر البيت
صَديقٌ بـِلا اقْتِـرابٍ = عَــدُوٌ بِـلا ابْـتِعـادِ
وثمة وجهان لقراءة هذا البيت. ويختلف فيهما تأويله باختلاف الاعتبارات النحوية في بنائه اللغوي :
القراءة الأولى باعتبار لفظة (صديقٌ) مبتدأً ولفظة (عدوٌ) خبراً :
فيكون التأويل أن إحدى مآسي شاعر المنافي هي الحالة المعضلة التي يعبر عنها البيت: فهو في منفاه يمتلك الأصدقاء . ولكن أصدقاء بلا اقتراب . وعندما يضع شخص نفسه بمنزلة الصديق ، ثم لا يقترب من صديقه ، يكون قد خذله ولم يفه حق الصداقة . وهو بهذا الخذلان يسبب لصديقه ألماً نفسياً مماثلاً للألم الذي يتلقاه الإنسان من عدوه . فالصديق الخذول عدوٌ قريب منك، غير مبتعد عنك، لاطلاعه على أسرارك ومعاناتك عن قرب . والخلاصة : الصديق بلا اقتراب هو عدو بلا ابتعاد.
القراءة الثانية : باعتبار كل من لفظتي ( صديقٌ وعدوٌ ) مبتدأ. والجار والمجرور متعلقان بخبر محذوف تقديره ( موجود).
فيكون التأويل : أن شاعر المنافي واقع في معاناته بين نوعين من البشر : أولهما يقدِّم نفسه بصورة الصديق،
ولكنه يحتفظ لنفسه بمسافة وحاجز يمنعانه من الاقتراب، خشية أن يكلفه هذا الاقتراب شيئاً من بذل أو عطاء أو تضحية . وثانيهما هو العدو الذي اقترب من الشاعر فآذاه ، ثم إنه لا يفكر بالابتعاد عنه وتركه في شأنه.
وقد لا يكون هذا العدو مضطراً للابتعاد بعد أن احتل المكان وسيطر عليه ولم يستطع أحد رده . وفي هذه الحالة يكون تأويل البيت قد قسم العالم إلى قسمين: أحدهما صديق غير مخلص. وثانيهما عدو جاثم على الصدر ويأبى التراجع والرحيل.
.أَعاريبُ لا تَصيحوا = رُجوعًا بِسِنْـدِبـــادِ
. نَخَسْتـُــمْ ثَراهُ سُقْتُمْ = صَبــايـاهُ لِـلْمَـزادِ
السندباد( البحري) شخصية معروفة من (ألف ليلة وليلة ). ووظيفتها في البيت أن تمثل رمزاً للسفر والمعاناة في الارتحال الذي لا يعرف مستقراً . وقد استحضرها الشاعر على شكل كناية عن الشعب الفلسطيني، الذي ارتحل في كل اتجاهات الأرض، ولم يستطع العودة إلى فلسطين .
وأما لفظة ( الأعاريب ) فهي جمع أعراب . والشاعر يخاطب فئات من العرب بهذه الصيغة من الجمع، تأسيساً على لفظة (الأعراب) التي ورد ذكرها في بعض آيات القرآن الكريم.
قال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura9-aya98.html) (98 (http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura9-aya98.html))/ التوبة.
فالأعاريب: لفظة حاضرة في القصيدة بغرض الذم .
والمعنى : أن يا أعاريب ! كفوا عن التشدق والكلام، حول عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذين تشرَّدوا في جميع أنحاء الأرض بسبب تخاذلكم وجبنكم . أو كفُّوا عن التظاهر باهتمامكم بأمر عودتهم .
ونلاحظ البناء اللغوي في قوله ( لا تصيحوا رجوعاً بسندباد ) أن الشاعر قد استخدم الباء كحرف جر بعد المصدر (رجوعا ) ودلالة (الرجوع بالإنسان)، تختلف عن (رجوع الإنسان)، فبدون الباء يكون الراجع راجعاً بنفسه.، بينما يحتاج مع الباء إلى من يرجِعه .
وهم يصيحون (رجوعاً بسندباد ) فهذه مقولتهم غير الموجهة توجيهاً مباشراً لسندباد . أي أنهم لا يصيحون للاجئين الفلسطينيين كي يعودوا . بل ثمة أناس آخرون في الوسط الحائل بينهم وبين الفلسطينيين توجَّه لهم عبارة الصياح "رجوعاً بسندباد " كي يقوموا بإرجاع سندباد .
والسندباد غير مسموح له بالعودة في واقع الأمر .
وهذا التحايل في الصياح غير المباشر الذي لا يبلغ أسماع من هو أولى بسماعه ،هو من باب الالتفاف والنفاق. وبهذا يحق للشاعر أن يخاطبهم بصيغة جمع الأعراب الذي هم أشد كفراً ونفاقا.
أَعاريبُ لا تَصيحوا = رُجوعًا بِسِنْـدِبـــادِ
. نَخَسْتـُــمْ ثَراهُ سُقْتُمْ = صَبــايـاهُ لِـلْمَـزادِ
وكيف نصدِّق أنهم يرغبون بعودة سندباد إلى بلاده وهم الذين نخسوا ثراه، أي سمحوا باستعباد أرضه ، لتخاذلهم وعدم دفاعهم عن هذه الأرض . وهم الذين سمحوا بأن تساق صباياه للمزاد ، في إشارة إلى عدم نخوتهم وانعدام مروءتهم في حفظ أعراض المسلمين .
يتبع بإذن الله..

محمد الجهالين
11-09-2018, 08:39 PM
أتابع بالشكر والتقدير هذا النقد المُنير

ثناء حاج صالح
12-09-2018, 11:57 PM
أتابع بالشكر والتقدير هذا النقد المُنير
وأنا أتابع القراءة بمتعة منقطعة النظير !
شكراً لحضوركم شاعرنا المبدع الأستاذ محمد الجهالين
حيًّاكم الله

ثناء حاج صالح
13-09-2018, 03:18 AM
هُوَ الضَّيْفُ غِـلْتُمــوهُ = أَتُـحْيــونَـــهُ بِـزادِ
فَأَهْدَيْـتُمـوهُ نَعْشًــا = وذُبْـتُـمْ مِنَ الحِدادِ
كثير من قادة المقاومة الفلسطينية، وعلى مدى سنوات طويلة ، تم اغتيالهم تباعاً في بعض عواصم ومدن الدول العربية، وهم تحت حماية مخابرات تلك الدول. والمسؤولية كانت تلقى – كما نعلم جميعاً- على الموساد الإسرائيلي وحده فقط . لكن الشاعر – على ما يبدو – غير مقتنع بفكرة اعتماد الموساد الإسرائيلي على نفسه فقط . وإلا فلمَ قال " غلتموه" وهو يخاطب الأعاريب ؟
قد يعاني بعض الأعاريب من مشكلة عدم قدرتهم على إرضاء بعض الناس ومنهم شاعرنا . فمع أن الشاعر يعرف أن الأعاريب لم يقصروا في إرسال بعض الطعام إلى المخيمات الفلسطينية . أو إلى غزة مثلاً ، بعد حروبها التي تخوضها وحيدة ضد إسرائيل، فمع ذلك يظلُّ غير معجبٍ بهم ؟ ويسألهم : أبعدما اغتلتم ضيفكم الذي احتمى بكم ، تمنُّون عليه أنكم تحيونه بتقديم الطعام له ؟
هُوَ الضَّيْفُ غِـلْتُمــوهُ = أَتُـحْيــونَـــهُ بِـزادِ
فَأَهْدَيْـتُمـوهُ نَعْشًــا = وذُبْـتُـمْ مِنَ الحِدادِ
وما سيزعج الأعاريب أكثر هو أن الشاعر يشكك في قراراتهم الرسمية، التي يعلنونها عقب الاغتيالات، التي تحدث بإشرافهم . فهو غير راضٍ عنهم، مع أنهم يقدِّمون النعش هدية لمن اغتالوه.كما أنه غير مقتنع بأنهم يذوبون من الحداد .ولعل المثل القائل " يقتل القتيل ويمشي في جنازته " هو ما جعله يربط بين من يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته، و من يهديه نعشاً ، ثم يذوب من الحداد عليه .
غَرورٌ ضُحى هُدوءٍ = إِذا الليلُ غَـيْـرُ هادي
من حيث البناء اللغوي :
قدَّم الشاعر الخبر على المبتدأ في هذا البيت، لوجود قرينة معنوية تمكننا من التمييز بينهما.
فلفظة (غَرورٌ) :خبر مقدَّم مرفوع . و(ضحى )،مبتدأ مؤخر مرفوع وهو مضاف .
ونفهم من المعنى أن الشاعر يخبرنا عن هدوء الضحى بأنه (غَرور) أي مخادع . ونحن مضطرون لهذا الفهم لأنه في العجز يقول :" إِذا الليلُ غَـيْـرُ هادي". فهو يعقد مقارنة ما بين الليل غير الهادي ( الذي جعلوه صاخباً بالاغتيال الذي نفّذوه فيه) والضحى الهادئ الذي ظهروا فيه بمظهر الغافلين، الذين يتغافلون عما حصل في الليل . فالأصل أن يقول: لا يغرَّنكم هدوء الضحى ، إذا كان الليل غير هادئٍ ، فإن هدوء الضحى في هذه الحالة غَرور ومخادع.
ولو أن الشاعر بدَّل مواقع المضاف والمضاف إليه وأعاد الخبر إلى مكانه الأصلي لكان أسلس للوزن وأبلغ في إيصال المعنى ( هدوءُ الضحى غَرورٌ) ، في رأيي.
غَدًا شَعْبُكُـمْ يُغَـنّي = لَـكُمْ تُكْسَرُ الأَيادي
غَدًا يَعْصِفُ انْتِفاضٌ = مِنَ الصَّمْتِ والحِيادِ
فَمـا دامَ مُسْتَــبِـــدٌ = على صَـهْوَةِ اضْطِهادِ
يتنبأ الشاعر أن لا تستمر الشعوب في صمتها وحيادها إلى الأبد. وسيأتي يوم ينتفض فيه الشعب ، وعندها سيردد أغانيه التي تندد بأعمال الحكام وتدعو عليهم بكسر الأيادي. ولا شك أنه يستمد نبوءته مما هو حاصل في واقع الأمر، على مقربة . فسُنَّة التاريخ لا تسمح بأن تستمر عهود الاستبداد إلى الأبد، ولا يدوم استبداد ولا اضطهاد .

مَتى ســـاءَكُمْ أَخـوكُـمْ = فَــلا حِقْـــدَ في انْغِمادِ
وإنْ ساءَكُـمْ عَــــدُوٌّ = سَــلَلْــتُــمْ ظُبـــا الــوِدادِ
يواصل الشاعر الكشف عن طِباع الأعاريب ، وما هي بخافية على أحد .
فمن صفاتهم أنهم لا يغفرون للشقيق العربي المسلم خطأه أو إساءته في حقهم ، إذ لا يغمدون سيوف الحقد عند ذاك ، لحاجتهم إلى العمل إلى المحاربة بها .
وأما مع إساءة العدو الإسرائيلي واعتداءاته على أراضي المسلمين وكرامتهم، فالسياسة تقتضي عند ذاك كظم الغيظ واستلال ظُبا/حد الوداد بدلا من حد السيف . (ولعل بعضهم يحتفظ بحق الرد) . وليس ذلك دليلاً على تسامحهم وإنسانيتهم، على أية حال. وإذا شئتموه دليلا، فخذوه دليلاً على نقص الرجولة .
ومن هذا الباب يدخل الشاعر إلى قوله
أَعاريـــبُ لَيْسَ إِرْثًـــا = رُجـــولـــِيَّـــةُ الــبَــوادي
.فهم لم يرثوا – مع الأسف - رجولية البوادي عن آبائهم وأجدادهم من الرجال ، وإلا لما كان هذا حالهم .
حِجازِيـــَّـــةٌ عُـــلاكُمْ = وَكَمْ في الحِجازِ وادي
وَنَجْدِيَّةٌ صَبـــــاكُـمْ = ولا وَجْـدَ في الـنِّجـــــادِ
بلاغياً: نقرأ في البيتين تورِيَتين ومقابلة :
حجازية علاكم : تورية أولى
للفظتي ( حجازية عُلاكم ) معنى قريب ظاهر لا يريده الشاعر . وهو يشير إلى جبال الحجاز التي سمي لأجلها الحجاز باسمه كونها تحجز تهامة عن نجد. بينما تقودنا التورية إلى المعنى البعيد الخفي الذي أراده الشاعر والذي يشير إلى (الحجاز) باعتباره نغماً أو مقاما موسيقيا .
وهكذا تتشكل المقابلة ما بين الصدر والعجز والتي تترتب معانيها ما بين الجناس والطباق في (حجازية علاكم) و ( وكم في الحجاز وادي)
حِجازِيـــَّـــةٌ عُـــلاكُمْ = وَكَمْ في الحِجازِ وادي
أي أنكم في مناصبكم العالية( عُلاكم) في حالة طرب ولهو، تلهون بالاستماع لأنغامكم (الحجازية ) .
متشاغلين عن الوديان الكثيرة في الحجاز والتي تقابل عُلاكم. وكل وادٍ هو منخفَض في الأرض. ولعل الشاعر قد كنَّى به عن الانخفاض في مستوى المعيشة، التي يعيشها الفقراء والبسطاء الذين لا يدري بهم أحد .
وفي البيت الثاني كذلك تورية:
وَنَجْدِيَّةٌ صَبـــــاكُـمْ = ولا وَجْـدَ في الـنِّجـــــادِ
فقوله " ونجدية صَباكم" تورية : والمعنى الظاهر القريب لـ (صَباكم ) أنها رياحٌ قادمة إليهم من نجد .
بينما يقودنا المعنى الخفي المراد إلى (نغم مقام الصَبا الموسيقي) ،مفيداً تأكيد الاستغراق في اللهو، مع تنويع المقامات.
وَنَجْدِيَّةٌ صَبـــــاكُـمْ = ولا وَجْـدَ في الـنِّجـــــادِ
ونختار من المعاني الكثيرة للفظة (وَجْد) أقربها إلى السياق، وهو (الغضب ) .
وبما أن النِجاد هو حد السيف. فيكون المعنى في التورية ، أنتم تلهون بالموسيقا والطرب، وسيوفكم لا يعتريها غضب لأحوال أمتكم.
ومن المحسنات البديعية في البيت، رد العجز إلى الصدر، عبر لفظة ( نجدية) التي ابتدأ بها الصدر ولفظة (النِجاد) التي ختم بها العجز.
إلى القُدْسِ عِيـرُ غازٍ = وَفي مَكَّـــةَ الـحَــوادي
الحوادي هي الأرجل . أو هي أواخر كل شيء . وعير الغزاة التي توجهت إلى القدس لغزوها . لم تواجهها عيركم التي ظلت في مكة مع حواديها، الحوادي جمع الجمع (حُداة) والمفرد هو الحادي الذي يحدو الإبل، أي يسوقها ويغني لها .
والمعنى أنكم متأخرون جداً عن الحدث . فأنتم تتفرجون من بعيد ، وترون العير الغازية قد توجهت للقدس ، ثم أنتم لا تزال عيركم برفقة حداتها تتهيأ في مكة.
يتبع بإذن الله

أحمد بن يحيى
13-09-2018, 03:25 AM
قراءة محلقة أستاذتنا الفاضلة وناقدتنا المجيدة !
وسَّعتْ من أفق رؤيتنا لجمال القصيدة ومنعرجاتها الفنية.

أدهشني التقاطكم العبقري للتورية في (الحجاز) و (الصبا).. مع أنهما مقامان رقيقان ليسا بالضرورة لهوا ولعبا على كل حال؛ فبهما ـ كغيرهما من المقامات ـ يؤذن بالأذان، ويتلى القرآن!
ولا أدري هل أراد الشاعر ذلك المعنى أم لا؟

ولكنه على كل حال التقاط حصيف يدل على بداهة وحضور نقدي في كامل تجلّيه!
ما شاء الله تبارك الله!

ثناء حاج صالح
13-09-2018, 01:50 PM
قراءة محلقة أستاذتنا الفاضلة وناقدتنا المجيدة !
وسَّعتْ من أفق رؤيتنا لجمال القصيدة ومنعرجاتها الفنية.

أدهشني التقاطكم العبقري للتورية في (الحجاز) و (الصبا).. مع أنهما مقامان رقيقان ليسا بالضرورة لهوا ولعبا على كل حال؛ فبهما ـ كغيرهما من المقامات ـ يؤذن بالأذان، ويتلى القرآن!
ولا أدري هل أراد الشاعر ذلك المعنى أم لا؟

ولكنه على كل حال التقاط حصيف يدل على بداهة وحضور نقدي في كامل تجلّيه!
ما شاء الله تبارك الله!
مرحباً بكم أستاذي الكريم الشاعر والناقد أحمد بن يحيى
أشكركم على تعقيبكم وتشجيعكم
أما عن مقامي الصَبا والحجاز ، فنعم هما رقيقان وفيهما شجن ،ويستخدمان في الأذان وفي الترتيل . ولكن هذا لا ينفي أنهما في الدرجة الأولى مقامان موسيقيان يستخدمان في الطرب ، وثمة أغانٍ كثيرة استُخدِم في تلحينها أحد هذين المقامين ،لأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ ، ومحمد عبد الوهاب ، وغيرهم.
وأتمنى لو أن الأستاذ الشاعر محمد الجهالين يتفضل بإخبارنا عن حقيقة إرادته للمعنى الذي ذهبتُ إليه في تحديدي للتوريتين، وحديثي عن معناهما .
كل التقدير وأطيب تحية

محمد الجهالين
13-09-2018, 04:19 PM
مرحباً بكم أستاذي الكريم الشاعر والناقد أحمد بن يحيى
أشكركم على تعقيبكم وتشجيعكم
أما عن مقامي الصَبا والحجاز ، فنعم هما رقيقان وفيهما شجن ،ويستخدمان في الأذان وفي الترتيل . ولكن هذا لا ينفي أنهما في الدرجة الأولى مقامان موسيقيان يستخدمان في الطرب ، وثمة أغانٍ كثيرة استُخدِم في تلحينها أحد هذين المقامين ،لأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ ، ومحمد عبد الوهاب ، وغيرهم.
وأتمنى لو أن الأستاذ الشاعر محمد الجهالين يتفضل بإخبارنا عن حقيقة إرادته للمعنى الذي ذهبتُ إليه في تحديدي للتوريتين، وحديثي عن معناهما .
كل التقدير وأطيب تحية

كل حلقة من حلقات هذا التحليق الناقد تزيدني ابتهاجا

كلا لم يخطر ببالي المقامان ، وحقيقة المعنى المراد أنهم يدعون انتسابا إلى أعلى الأصول وهم قد يكونون من أدنى الأنساب . ونجدية الصبا إشارة إلى البيت الشهير ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد ، فالنجاد هنا جمع نجد بمعنى الأرض المرتفعة وليس حمالة السيف ، فهم يزعمون أنهم يحبون بلادهم وهم على غير ما يزعمون.

أما المعنى الذي التقطته الناقدة بتوظيف المقامين فلن يلتقطه إلا من عنده إلمام بأسماء المقامات وسماتها ، فهؤلاء سيقتربون من معنى الناقدة ويبتعدون عن معنى الشاعر.

ثناء حاج صالح
13-09-2018, 09:00 PM
كل حلقة من حلقات هذا التحليق الناقد تزيدني ابتهاجا

كلا لم يخطر ببالي المقامان ، وحقيقة المعنى المراد أنهم يدعون انتسابا إلى أعلى الأصول وهم قد يكونون من أدنى الأنساب . ونجدية الصبا إشارة إلى البيت الشهير ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد ، فالنجاد هنا جمع نجد بمعنى الأرض المرتفعة وليس حمالة السيف ، فهم يزعمون أنهم يحبون بلادهم وهم على غير ما يزعمون.

أما المعنى الذي التقطته الناقدة بتوظيف المقامين فلن يلتقطه إلا من عنده إلمام بأسماء المقامات وسماتها ، فهؤلاء سيقتربون من معنى الناقدة ويبتعدون عن معنى الشاعر.
هذا عجيب!:0::)
أعرف أنه لا يحق للمرء أن يتعجب مما فعل بنفسه.
ولكنني متعجبة حقاً، من قراءتي للبيتين اللذين اكتشفت فيهما توريتين لم يقصدهما الشاعر !
بل إنني متعجبة أكثر من اجتماع الألفاظ المترابطة، والتي تزامنت في تواليها ومواضعها عفوياً ، لتُظْهِرَ لي ما بينها من علاقاتٍ بلاغيةً ومعنويةً، رأيتها جليةً واضحةً ، وما كنت لأشك مطلقاً في احتمال أن يكون الشاعر لم يقصدها .
حقاً ، إن المتلقي يساهم في تشكيل النص الإبداعي تشكيلاً جديداً عندما يقرؤه !
أشكركم على الإيضاح .
ولكم التحية والتقدير