المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من خبر: "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ .........."



مهاجر
25-09-2018, 08:54 AM
ومن الخبر المأثور المروي عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" ، وهو مما رواه الترمذي ، رحمه الله ، رواية الغريب الذي أُطْلِقَ ، وإطلاقة لقب الغرابة مئنة من الضعف عنده كما اصطلح في آخر الجامع من سننه ، خلافا لوصف الغرابة في الاصطلاح الأعم ، فهو يطلق على أي حديث رُوِيَ عن وَاحِدٍ ولو في طبقة من طبقات الإسناد فالعبرة بأدنى طبقات السند ، وهو مما يَتَرَاوَحُ فَلَئِنْ كان في أحيان مظنة الضعف إلا أن منه الصحيح بل وما روي في الصحيحين من أصح الصحيح ، فالغريب في اصطلاح الترمذي يكافئ الضعيف ، وهو في غيره ، بالنظر في الاصطلاح الأعم ، جنس يستغرق غرائب منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ، فجاء النص : "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" ، فَذَلِكَ مِمَّا يجري مجرى القصر حقيقة فإن قسمة الجزاء : ثواب أو عقاب ، نعيم أو عذاب ، وذلك مَا يَسْتَغْرِقُ جميع الدور ، فإن في الدنيا من النعيم والعذاب : ما أدركه الحس وما لم يدرك ، ما وقع على البدن فهو المتبادر ، وما وقع على الروح فلا يظهر ، بادي الرأي ، إلا إذا دَقَّقَ النَّاظِرُ في الوجه ، فَثَمَّ من عذابات النفوس مَا اشتدت وطأته فهو على النفس أعظم من عذابات الحس ، ولا تنفك آثاره تظهر على البدن ، فإن النفس إذا ضَعُفَتْ ضَعُفَ البدن تَبَعًا ، وإن كان الحكم في هذه الدار ما يظهر على الأبدان ، وما يكون منها من فِعْلٍ أو تَرْكٍ ، من نُطْقٍ أو سكوت ، فَفِي دار الشهادة لا يكون الحكم إلا على المشهود ، فَمَا أَبْطَنَ الإنسان فلا سبيل لأحد عليه إلا إذا أظهر ما يحكي هذا الباطن أو قَامَ من القرينة ما عليه يدل دلالة معتبرة تجاوز حد الاتهام والشبهة ، فالباطن يعلمه الله ، جل وعلا ، وحده عِلْمَ اليقين الجازم ومن سواه فلا يعلم إلا ما قد عُلِّمَ ، وما اكتسب من العلم فَبِمَا رُكِزَ فيه من قوة الحس والنظر ، فلا يستقل به وإنما اغْتَرَّ من اغْتَرَّ بما حَصَّلَ من أسباب الحس الظاهر ، فَقَصُرَ نَظَرُه أن يُبْصِرَ ما وراء الحس ، بصر التدبر لا التكهن ، بصر الاعتبار لا الاستهزاء ، فحاجة الناس إلى الغيب أعظم من حاجتهم إلى الشهادة ، فالشهادة تصلح أبدانا مآلها المرض والعطب وإن طالت سلامتها وصحت آلتها ، والغيب يعمر الجنان بمادة الاطمئنان فلا تَزَالُ الخلائق تضطرب فهي تخشى الفقر والمرض والموت ، وَيُصِيبُهَا من الهم والحزن ما لا يُدْرَكُ بالحس الظاهر ، فضلا أن يجتمع الاثنان ، فيكون الناس في ضيق معاش وإعراض عن المآل ، فذلك يحكي أسوأ حال في هذا الباب ، فالناس فيه على أنحاء فَثَمَّ من رُزِقَ سعة في الدين والعيش ، وذلك فضل الله ، جل وعلا ، يؤتيه من يشاء ، وثم من رُزِقَ فَضْلَ دِينٍ فهو في خير وإن ضاق عيشه ، فما عنده من الوحي يعصم النفس أن تَضْجَرَ أو تَيْأَسَ وإن أصابها من الهم ما لا يسلم منه بَشَرٌ ، فَهِيَ تُرَاجِعُ الذكر لتدفع به ما أصابها من هَمٍّ وَحَزَنٍ ، وَثَمَّ من رُزِقَ فَضْلَ دنيا بلا دين ، فَعَيْشُهُ لا يَهْنَأُ إلا لحظات السكرة بما يُقَارِفُ من أسباب الشهوة ولو تَدَبَّرَهَا ما وجد فيها هناء فليس إلا غيابا عن الهم وَزَوَالًا بمباشرة ما يحجب العقل ويسكره ! ، وبئست الحال أن يكون مُنْتَهَى السؤل غيابَ العقل والفكرة فِرَارًا من الضيق والهم فلا تَطْمَئِنُّ النفس ، كما تقدم ، إلا بالذكر المنزَّل ، وَثَمَّ من لم يُرْزَقْ لا دِينًا ولا عَيْشًا فهو أسوأ الناس حالا ، وهو أعظم الناس إفسادا ، ولو خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الغنى والكفاية لَعَظُمَتِ الجناية ، جِنَايَتُهُ على الناس ، فلا يشبع من جوعة ، ولا ورع ولا فكرة ، فلا دين يعظ ولا دنيا تُلْهِي ، فكان من العذاب الخفي في دار الشهادة ما لا يُدْرَكُ بالحس الظاهر ، فلا يدركه إلا النابه ذو الفراسة الذي يُبْصِرُ بِنُورِ الرسالةِ ، ولا يهنأ عيش في أولى أو آخرة إذا لم يعدل صاحبه فَقَارَفَ من المظالمِ مَا يُفْسِدُ الأولى والآخرة ، فإن الوجود عاجلا أو آجلا ، فَانِيًا أو خالدا ، لا صلاح له إلا بالعدل ، فَبِهِ قامت السماوات والأرض ، فَلَئِنْ كان الحس الظاهر هو عمدة الاستدلال في دار الشهادة فلا يحول ذلك دون بَوَاطِنَ من الثواب والعقاب هي من عاجل الجزاء فضلا أو عدلا ، فكان من فرح المؤمنين ما امْتَنَّ به رب العالمين ، جل وعلا ، وكان من العقاب الناجز ما يجده الناظر الْمُتَبَصِّرُ في وجه الظالم الْمَتَهَتِّكِ الذي خرق ناموس الشرع والعدل جَمِيعًا ، فلا تخلو هذه الدار من جزاء ، وإن لم تكن ابتداء دار جزاء ، فهي دار ابتلاء ، وما يكون فيها من جزاء الشرع فهو امتثال التكليف في الحدود والزواجر فَيَجْتَهِدُ الناس أن يقيموها ، فما أقيم منها فهو حكومة العدل التي تُحْفَظُ بها الأرض ، وما يكون من جزاء الكون فلا اطلاع لكل أحد عليه لا سيما هو ، كما يقول بعض الفضلاء ، أمر قد يطول زمانه فسنن الكون لا تُؤْتِي أُكُلَهَا حالا ، فلا يَنْمُو الصغير فجأة ، ولا تُثْمِرُ الشجرة دفعةً ، ولا يحصل السيل إلا قطرة قطرة فإذا اجتمعت كان مِنْهَا سَيْلٌ جَارِفٌ ، ولا يَنْفَجِرُ البركان إلا بعد أحقاب طويلة تَتَرَاكَمُ فيها الحمم ثم يكون الانفجار بَغْتَةً إذا شاء رب العزة ، جل وعلا ، فالدنيا دار ابْتِلَاءٍ الأصلُ فِيهَا العمل ، وما بَعْدَهَا فَجَزَاءٌ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ ، فإما إلى جنة وإما إلى نار فتلك قسمة لا تحتمل ثَالِثًا ، وإن كان ثَمَّ تَفَاوُتٌ في الدرجات والدركات ، فدرجات الجنة لا تحصى ، إذ جنس الإيمان عام يستغرق في الخارج آحادا كثيرة تَتَفَاوَتُ ، فدرجات الناس في الجنة على ما كان منهم من قول أو عمل ، فالإيمان حقيقة تَتَرَاكَبُ من أجزاء فلا تقتصر على معنى بسيط لا يجاوز حد التصديق المجرد ، فهو عرفان يجده الناظر آمن أو كفر ، فلا يحصل به امتياز في الخارج ، فلا يَتَفَاوَتُ الناس إلا بالأعمال فهي شواهد الصدق على دعوى الخير ، وإن كان منشأ الأمر ما بطن من علم وإرادة ، فالأقوال والأعمال لا تَصْدُقُ شهادتها إذا اتهمت فكان من فساد المنشإ ما يفسدها فشهادتها باطلة تُرَدُّ ، وإن صحت في دار الابتلاء في إثبات الحكم الظاهر ، فلم يؤمر الرسل ، عليهم السلام ، أن يشقوا القلوب أو يحكموا بالظنون إلا ما رجح واعتبر وإلا فأمر الناس إلى ربهم ، جل وعلا ، فلا يُسْأَلُونَ عَمَّا بطن من أحوالهم ولا يُسْتَنْطَقُونَ بما استكن في ضمائرهم ، فالإيمان والكفر ، والحب والبغض ، أحكام لا سلطان لبشر عليها ، فغاية ما يصنع الرسل أن يُبَلِّغُوا وأن يجتهدوا في الحكم بالوحي فيصير له الأمر والنهي على الظواهر فلا يطيق أحد أن يحمل غيره على الإيمان وإن ألزمه أحكام الشرائع في الظاهر ، فهي مناط المؤاخذة في دار التكليف فمن ادعى الإيمان فلا تجري عليه أحكامه إلا أن يُقِيمَ من شهادة الظاهر ما يَعْصِمُ ، كما قال صاحب الشرع المسدَّدِ ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أَنْ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ قَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فإن ادعى الإيمان بلا قول ولا عمل فضلا أن يُقَارِفَ ما يخالف عن أصله الجامع إما بالكفر الصريح أو نَاقِضٍ من نَوَاقِضِ القول أو العمل ، فإن كان ذلك فدعواه كاذبة .

ودركات النار ، في المقابل ، على أنحاء ، فالكفر كالإيمان حقيقة تَتَرَاكَبُ من علوم وإرادات وأقوال وأعمال ، فلا تخرج أي حركة في الكون عن علم به التصور ، وإرادة بها الباعث ، وقول وفعل هو الشاهد ، إما إيمانا أو كفرا ، فحصل من الكفر في الخارج آحاد تَتَفَاوَتُ ، كما الإيمان ، فقياس الحكمة أن تَتَغَايَرَ الدرجات أو الدركات تَبَعًا لِتَغَايُرِ الأقوال والأعمال ، فذلك قياس العدل ، أصل الصلاح في كل حكومة دينية أو سياسية ، فكان من تأويل العدل الكامل في دار الجزاء ما لا يُنَالُ في دار الابتلاء ، وإن كانت حقيقة العدل واحدة فهي محكمة غير متشابهة ، فلا تَتَغَايَرُ الحقائق بِتَغَايُرِ المصالح والأهواء ، فالحقائق مطلقات ثابتة ، والمصالح والأهواء مُتَغَايِرَةٌ فإن رُدَّتِ الحكومة إليها فَلَيْسَ إلا الاضطراب والتناقض ، فالعدل محكم لا ينسخ ، وهو حاكم لا يُحْكَمُ ، فلا تحكمه الأهواء والمصالح فيكون العدل والخير ما يُنَالُ به الحظ العاجل من العرض الزائل وإن غَصْبًا يَجْتَهِدُ صاحبه أن يكسوه لحاء الحق فيستنبط من الحكم ما لطف تأويله ! ، فهو كتأويل الباطنية في الإلهيات ، فلا يخالف عن تأويل أصحاب الهوى في الشرائع والسياسات ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، مما تعظم به البلوى لا في استلاب الحقوق فحسب ، وذلك من أعظم الظلم ، فلا يكاد يسلم من شؤمه أحد ، وإنما يعظم شؤمه إذ يُنَفِّرُ الناس من الحق فقد صار ذريعة تُبَرِّرُ ما يُقَارِفُ من المظالم ، فَتُكْسَى لحاء الشرائع ، ولا تُعْدَمُ من الكهنة من يُفْتِي بالباطل ، فَيَصُدَّ الناظر ، فَمَنْ على الحق قد يكفر ! ، ومن على الباطل يَنْفِرُ فلا عاقل يَرُومُ دينا يُبَرِّرُ كهنته الظلم بل ويجعلونه مئنة من الديانة وحسن السياسة ! ، ودين الرسالة من صنيع أولئك براء ، ولكنه مما لا يدركه كل أحد ، فلا يخلو الناظر المفتون بصنيع أولئك الفجرة الذين أفسدوا الدين وبدلوا الشرعة ، وإن نطقوا بحروفها فقد عطلوا حدودها ! ، لا يخلو الناظر من تقصير في طلب الحق وتحريره ، فلو اجتهد في النظر ما يجتهد في غيره ما ضل عن جادة الحق فهو محكم وإن كَثُرَتِ الشبهات فلا تَنْهَضُ أن تقاومه فالحق يُبْطِلُهَا وَيَقْضِي فيها قضاء العدل فَيُبِينُ عما فيها من حق فلا يرده ، فلا تخلو شبهة من حق ، وإن لطيفا يخفى ، وإلا ما راجت الشبهة ، فما كانت شبهة إلا أن فيها اشْتِبَاهًا واختلافا ، والباطل المحض ظاهر لا اشتباه فيه ، وكذلك الحق المحض ، وإنما الشبهة في حق أُلْبِسَ بالباطل أو ضده من باطلٍ أُلْبِسَ بالحقِّ ، فلا بد من معيار محكم ، ولا بد من نظر مسدد ، يحسن يفصل في الحكومة ، فيميز الخبيث من الطيب ، ويقبل ما صح فلا تمنعه الشبهة أن يقبله فالحق غاية كل عاقل فاضل قد تجرد من الهوى وعدل في الحكومة فلم تحمله الخصومة أن يَرُدَّ ما عند الخصم كله وإن كان فيه من الحق ما يقبل وإن جاء به إبليس ، كما في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، المشهور ، فَقَدْ تَحَمَّلَ عن الشيطان ما يَنْفَعُ ، فعرضه على النبي الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَأَقَرَّهُ وهو قول شيطان إذ كان فيه من الحق ما ينفع ، فهو من الحكمة التي يَنْشُدُهَا المؤمن نشدان الضالة فهو أحق بها إذ هو الأعدل في الخصومة والحكومة فلا يحمله الشنآن أن يرد من الحق ما استبان ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فمن اجتهد في النظر وعدل في الحكم ما وجد بدا إلا أن يشهد للوحي أنه الناموس الأكمل ، وذلك ما نطق به خصوم رُزِقُوا الإنصاف وإن لم يُرْزَقُوا الإيمان ، فلم تمنعهم الخصومة أن يشهدوا له ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، فكان من العدل في هذه الدار ما نَزَلَ به الوحي ، فرغمت أنوف صيرته للظلم عضدا ، وللشر سندا ، فتأولت أحكامه تأول الباطنية في الإلهيات ، فكان من العدل في هذه الدار ما نَزَلَ به الوحي ، وما أطاق الناس من حكومات العدل في الديانة أو السياسة ، فليس كل العدل يحصل في هذه الدار ، وإلا بطل الابتلاء بالشر والخير فتنة كما قال رب العزة جل وعلا : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، فكان من العموم القياسي ، عموم "كل" ، فهي نص في الباب كما قرر أهل الشأن ، ولا يخلو من تخصيص إما بالعقل إذ قد دل بداهة أن الله ، جل وعلا ، لا يدخل في هذا العموم فَنَفْسُهُ أُولَى وآخرة ، فهو الأول والآخر بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فيجري مجرى التخصيص بالعقل آنف الذكر ، أو هو من العام الذي أُرِيدَ به خاص ، فأريد به ما سوى الخالق ، جل وعلا ، وقد يُسْتَثْنَى منه ، أيضا ، مَنْ خلق الله ، جل وعلا ، من أهل الجنة إن من الحور والولدان أو من أقوام خلقهم للجنة فأدخلهم إياها فيسكنون مساكن أهل النار إذ كان لهم من الجنة مقاعد فما خالفوا خولف بهم عنها ، فكان من العموم ما استغرق وهو ما يذكر الناس بالمآل ، وَفِيهِ يحكم الجبار ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، في الخصومات ، قضاء العدل النافذ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من المظالم ، فإن الموت انتقال من دار الابتلاء إلى دار البرزخ ، وهي أول الجزاء ، وفيها يكون من الثواب والعقاب ما يوطئ ، فـ : "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" ، فليست الروضة كالجنة ، وليست الحفرة كالنار ، فهي مثال منها يصدق فيه الجنس ، جنس العذاب ، وإن لم تُوَاطِئِ الأصل فالمثال لا يعدل الحقيقة وإنما يحكي طرفا منها على وجه تستبين به لِلنَّاظِرِ العاقل ، فالموت قنطرة يجاوزها الناس ، فَيَعْبُرُونَ من دار الابتلاء بالشر والخير فتنة إلى دار البرزخ ، ومعنى الغيب فيها أظهر من معنى الشهادة ، فَفِيهَا من أجناس النعيم والعذاب ما لا يدرك بالحس ، وما لا يدل عليه العقل لا أنه يقصر عن الاستدلال ، بل هو آلة بها يكون البيان والإفهام ، وإنما قَصُرَ عَنْ دَرَكِ الغيب ، بادي الرأي ، إذ لا يُطِيقُ الغيب حقيقةً في الخارج فمدارك الحس تَقْصُرُ عنه ، وإن كان يطيق درك المعاني المطلقة في الذهن فلا يُحِيلُهَا وإنما يحار في حقائقها في الخارج ، وليس ذلك مناط ابتلائه ، فَقَدِ ابْتُلِيَ بما يطيق أن يصدق ما صَحَّ من الأخبار وأن يَمْتَثِلَ ما شُرِعَ من الأحكام ، فيسلم له العلم بما صح من الخبر ، ويسلم له العمل بما عدل من الحكم ، فكان من المثال المضروب في دار البرزخ من روضة الجنان لمن آمن ، وحفرة النيران لمن كفر ، ولا يخلو العذاب في البرزخ أن يكون كأصله في دار الجزاء الأوفى ، فإن منه ما يؤبد ، فذلك عذاب الكافر الذي لم يؤمن ، وإن ألحق به من عصاة الموحدين من عظم جرمه فلم يجزئ فيه إلا التطهير بكير نار قد اتصل فاستغرق البرزخ كله ، بَلْ وَقَدْ يَزِيدُ فلا تخلو الدار الآخرة من فِئَامٍ من عصاة الموحدين قد بطل في حقهم ما يحول دون العذاب فلا فضل بالعفو ابتداء ولا شفاعة إذ لم يحسنوا صحبة الأخيار في الأولى فيكون لهم منهم شفيع وتلك بَرَكَةٌ الصحبة ، صحبة أهل الخير فهي مما ينفع صاحبه في الأولى والآخرة ، فلا يجد منه في الأولى إلا الخير ولو ريحا طيبة ، كما في الخبر ، فـ : "حَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ" ، ولا يجد منه في الآخرة إلا الشافع بين يدي الرب الخالق ، جل وعلا ، فمن شفاعات العصاة يوم الجزاء شفاعات الصالحين ، لا سيما الأقارب ، فلا يكمل نَعِيمُهُم وإخوانهم في النار يعذبون فَإِلَى ربهم ، جل وعلا ، يستشفعون فيهم ، فمن فاته ذلك كله فقد استحق النار ولو عذابا ينقطع ، فَثَمَّ من يُكَفَّرُ ذنبه بما يجد من عذاب في القبر ، فينقطع العذاب بعد حين ، كما الأمر في عصاة الموحدين يوم الدين والجزاء ، فمنهم من استحق التطهير بِكِيرِ نَارٍ لا تُؤَبَّدُ فمن دخلها فهو خارج وإن طال زمانه ، فعنده من أصل التوحيد ما يَنْفَعُ ، ولو في المآل فلا يخلد في النيران مَنْ بِقَلْبِهِ مثقال حبة أو ذرة من إيمان كما صح من الخبر ، فمن قارف الخطيئة فهو تحت المشيئة ، فإن شاء الجبار ، جل وعلا ، عَفَا بالفضل وإن شاء آخذ بالعدل ولا يظلم ربك أحدا ، فالخلق جَمِيعًا بَيْنَ فَضْلٍ يُنْعِشُهُمْ أو عدل يُنْصِفُهُمْ ، فلا يخشون ما يخشون من جور الحكام في الأرض فإن باعثهم النَّقْصُ وَالْفَقْرُ الذي يحملهم على البغي والظلم ، وأما الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فلا نقص في وصفه ولا فقر يخشى فيشح ويبخل أو يظلم ويطغى ، فَتَعَالَى في ملكوته فهو الحكم العدل في خصومه فلا يعدل فيهم أحد ما يعدل إذ قد أَثْنَى على نفسه بِمَا هو أهله من العدل والرحمة ، وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظلم فهو نَقْصٌ يذم به أي حاكم فكيف بالحكم العدل الذي له كمال الذات والوصف والفعل أولا وآخرا ، فيحصل من التَّفَاوُتِ بَيْنَ الدور ما اقتضت حكمة الرب المعبود ، جل وعلا ، فالدنيا دار ابتلاء بالشر والخير فتنة ، فـ : (نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، فكان من المضارعة في "نبلوكم" ما به استحضار الصورة ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من اتصال زمانٍ ، فالابتلاء بالتكليف لا يَنْقَطِعُ في الدنيا فذلك الأصل إلا أن يَعْرِضُ للمكلَّف ما يَرْفَعُهُ سواء أتصل زمانه كجنون مطبق أم انقطع كنوم أو زوال عقل طارئ فلا يدوم ، وإن تكررت نَوْبَاتُهُ فَبَيْنَهَا من نَوْبَاتِ اليقظة ما يُنَاطُ به التكليف على تفصيل في ذلك ، ولا يخلو الفعل من جلال وجمال ، فإن الابتلاء يكون بالشر والخير معا ، ويكون بالعزيمة تارة والرخصة أخرى ، فَجَاءَ الشَّرْعُ يُرَاوِحُ على وجه به تصديق الحكمة ، فالجلال في مواضعه ، والجمال في نَظَائِرِهَا ، إذ الحكم يدور وجودا وعدما مع علته ، فكان من الابتلاء بالشر أن يدافع ويناجز ، فليس في الابتلاء بالتكليف شر إذ نَهَى عنه الوحي النهي الجازم ، إن في العلم أو في العمل ، فجاء يُزَيِّفُ ما أحدث الناس من المقالات الباطلة ، وجاء يبطل ما سَنُّوا من الحكومات الجائرة ، وكان من الابتلاء بالخير أن تُسْلَكَ جادته وَتُعظَّم شرعته فتكون الحكم في الخصومات فذلك أعظم أجناس الخير وبه صلاح الأولى والآخرة ، فَيَسْلَمُ من سَلَكَ جادته من ضنك الحال وسوء المآل فلا تنال سعادة ولا نجاة إلا أن يكون الوحي رائدا حاكما فهو يهدي إلى البر ويحكم بالعدل ، فَحُدَّ الابتلاء حد المضارعة في "نَبْلُوكُمْ" ، فـ : (نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، على ما اطرد من اتصال الظرف فهو يستغرق زمان التكليف كله ، وكان من وصف الجلال والجمال ما تظهر آثاره في الشر عدلا أو الخير فضلا ، فقضاء التكوين يُرَاوِحُ فمنه ما كان بالخير ومنه ما كان بالشر لا أنه في نفسه شر ، وإنما ابْتَلَى بالشر الذي أجرى مقاديره فهو من خلقه لا من وصفه ، فليس الشر إليه وصفا وإن شاء خلقه كَوْنًا ، فحسن من هذا الوجه أن يسند إلى ضمير الجمع المستكن إيجابا في "نبلوكم" ، فحسن الإسناد آنف الذكر مئنة من التعظيم فلا يخلو الابتلاء ، كما تقدم ، من جمال وجلال ، بهما استحق الخالق ، جل وعلا ، كمال الثناء المحكم بوصف الكمال المطلق ، وكان من الجناس ما استوفى شطري القسمة في العقل فلا يخرج فعل الخلق أن يُرَاوِحَ بَيْنَ الخير والشر ، فَبِهِمَا الفتنة ، فكان من القيد إما حالا على تأويل المصدر بالاسم المشتق اسم الفاعل فنبلوكم فاتنين لكم فالحال من ضمير الفاعل المجموع : الضمير المستكن وجوبا في عامله "نبلوكم" فتقديره "نحن" ، أو المشتق من اسم المفعول على تقدير : ونبلوكم بالشر والخير مَفْتُونِينَ فالحال من الضمير المفعول ، كاف المخاطب في "نبلوكم" ، فذلك مما يجري مجرى تَبَادُلِ الصيغ أو مجاز التعلق الاشتقاقي إذ نابت صيغة عن أخرى ، وقد يحمل المصدر "فتنة" أنه مفعول لأجله ، أو أنه نائب عن المصدر على تقدير : ونبلوكم بالشر والخير ابتلاء الفتنة ، ومن ثَمَّ حُذِفَ المضاف وَأُقِيمَ المضاف إليه مقامه فيجري ، من هذا الوجه ، مجرى الإيجاز حذفا ، ومن ينكر المجاز ، ومنه مجاز الحذف آنف الذكر ، من ينكره فإنه يجري ذلك مجرى ما اطرد في لسان العرب فاطرد في كلامهم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وقد يجري مجرى المصدر المعنوي فَفِي الفتنة معنى الابتلاء دون حروفه ، فالمصدر اللفظي القياسي : وَنَبْلُوكُمْ ابتلاء ، أو : وَنَفْتِنُكُمْ فِتْنَةً .

وبعده يكون المرجع والمآل إلى الرب جل وعلا ، فـ : (إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، فَقُدِّمَ الظرف "إلينا" وحقه التأخير مئنة من التقرير والتوكيد ، فلا يخلو العطف أن يكون من عطف الجزاء على العمل ، وذلك ، أيضا ، آكد في تَقْرِيرِ المعنى جَرْيًا على سَنَنِ الحكمة ، فهي تُلَازِمُ فِي الدلالة بَيْنَ العمل والجزاء ، تَلَازُمَ العلة والمعلول ، فالعمل علة الجزاء ، ولا يكون ذلك إلا بعد الرجوع إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فيكون الرجوع الأول بعد الموت ، فَثَمَّ دار البرزخ وهي ، كما تقدم ، مثال يحكي المآل ، فـ : "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" ، فكان من القصر ما يزيد في المعنى ويؤكد ، وهو ، كما تقدم ، مما يُحْمَلُ على الحقيقة فلا يخرج الناس عن الجنة أو النار إما في دار البرزخ أو في دار الجزاء الأوفى ، وإن كان ثَمَّ في الموقف مَنْ يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا فَعَلَى الأعراف رجال ، ولكنه موقف لا يدوم ، فأصحاب الأعراف يُغَادِرُونَ ، على تفصيل في مآلهم ، فآخر الأمر جنة ونار ، ثَوَابٌ لمن آمن وأطاع وعقاب لمن كفر وعصى على وجه يطرد به الحكم وَيَنْعَكِسُ ، ولا يخلو من دلالة الإنشاء وإن خبرا ، فمن علم عاقبة المؤمن في البرزخ والموقف سلك جادته رجاء النجاة ، فَثَمَّ إنشاء الأمر أَنِ : اسلكوا جادة الإيمان ليكون لكم من جَزَائِهِ ما تقدم في الأولى من الطمأنينة وسعة العيش ، وما تأخر في البرزخ من روضة من رياض الجنة ، وما يكون بعده من سكنى الجنة خلودا بلا موت ، ومن علم عاقبة الكافر في البرزخ والموقف خالف عن جادته لئلا يهلك ، فَثَمَّ إنشاء النهي ، في المقابل أَنْ : لا تسلكوا جادة الكفران لتسلموا من عقابه في الأولى من ضيق الصدر وضنك العيش ، وما تأخر في البرزخ من حفرة من حفر النار ، وما يكون بعده من نار الخلد ، فمن دار الابتلاء ، والعدل فيها مطلق بالنظر في حروفه المصدَّقة وحدوده المحكَّمة ولكنه لا يحصل في كل حكومة فكم من مظالم لم تستوفَ ، فالعدل في دار الابتلاء جزئي وإلا كانت دار جزاء ، ولم تخلق لذلك ، وإنما خلقت للابتلاء فيجتهد المؤمن أن يقيم من حكومة العدل ما يطيق في نفسه وفي غيره إن كان ذا ولاية خصت أو عمت فلكلٍّ من التكليف ما يواطئ ولايته ، فمن دار الابتلاء ، دار الشهادة إلى دار البرزخ وهي من الغيب الذي لا يدرك بالحس الظاهر دَرَكَ الشهادة في الدار الأولى ، وفي البرزخ يكون من العدل مثال يُوَطِّئُ لما بعده من دار الحساب والجزاء الأوفى ، فكان من طباق الإيجاب بين شطري القسمة في الخبر : "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" ، كان منه ما يزيد المعنى بَيَانًا إذ اسْتَوْفَى الشطرين فلا ثالث ، وبعده كانت الدار الآخرة فهي دار الجزاء الخالص ، وفيها تُصَدِّقُ العاقبة ما تقدم من مبادئها في القبر فأهل النعيم من روضة من رياض الجنة إلى الأصل ، والخير والنعيم فيه أعظم ، وأهل العذاب من حفرة من حفر النار إلى الأصل ، والشر والعذاب فيه أعظم ، وفي جميعها لا تخرج الحكومة عن العدل والفضل وبهما استحق الرب ، جل وعلا ، الثناء المطلق .

والله أعلى وأعلم .