المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : رفع الشبهات عن إعراب خلق الله السماوات



مصطفى القباني
23-12-2018, 04:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد،

مقدّمة

فقد وقع الخلاف في إعراب قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ﴾، هل "السماوات" مفعول به أم مفعول مطلق؟ وممن قال إنه مفعول مطلق الجرجاني وابن الحاجب وابن هشام.

المبحث الأوّل: استقلالية علم النحو عن العلوم الشرعية

كلام ابن هشام مبني على حجج بعضها لغوية وأخرى عقدية، وأرى أنّه لا بدّ من فصل علم النحو عن علم العقيدة لأسباب عديدة، منها:
1. كلّ علم له اصطلاحه الخاصّ به والمشير إلى قواعده ومفاهيمه، فلا ينبغي أن نغيّر المفاهيم النحوية من أجل العقيدة، ففي ذلك ضياع للعلوم العربية، ومن ثمّ ضياع للعقيدة نفسها إذ ما من علم شرعي إلا وهو مبني على العلوم العربية. نعم، من المقبول تحسين الاصطلاحات أدبًا مع الله تعالى، فمن المقبول تسمية حرف الجر الزائد في القرآن "صلةً" وكذلك تسمية فعل الأمر "فعل دعاء" عندما يكون المخاطب هو الله تعالى. لكن لا ينبغي قلب الحقائق والمفاهيم من أجل العقيدة، وإنما علينا أن نقول: هذا هو الإعراب، وهو مجاز لأنّ أفعال الله لا تشبه أفعال العباد. وهذا المسلك له سوابق في علم اللغة، ألا ترى أنّا نقول في قوله تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ إنّ الله لا ينسى حقيقةً، وإنما هذا مجاز لغوي؟ فإن كان المجاز اللغوي جائزًا، فكذلك المجاز النحوي، ألا ترى أنّا نقول في إعراب "لم يضرب زيدٌ عمرًا"، زيد فاعل، فهذا اصطلاح، والحقيقة أنه ليس فاعل "يضرب"، فلا دور للعقل في تقرير قواعد اللغة، وإنما هي ما اصطلح عليه علماء العربية.
2. علم النحو وسيلة إلى فهم النصوص العربية التي سبقت الوحي، مثل أشعار الجاهليين وخطبهم، فإن جعلنا الإعراب خاصًّا بالقرآن والنصوص الشرعية، ضيّعنا بذلك فهم ما سبقهما زمنيًّا، وفي ذلك ضياع لشواهد لغوية ونحوية وغيرها.
3. إنّ الله تعالى نزّل كتابه بلسان عربي مبين، ولم ينزّله بِلُغةٍ جديدةٍ لم تعهدها العرب، فإن أردنا فهم القرآن فلا بدّ أن نفهم كلام العرب كما كان في عصر الوحي، وكانت لغتهم آنذاك وراثة ثقافية خالية من المفاهيم العقدية الصحيحة.
4. إنّ الله تعالى أكبر وأجلّ وأعظم من أن يصفه خلقه، والقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة، فليس هناك قاعدة نحوية توجب على الله صفةً أو فعلًا، وإنما وُضِعَتْ هذه القواعد لتقريب المعاني وضبطها حسب اصطلاح واضعي اللغة وقواعدهم، لا لفرضها على من خلق العقول التي أنشأتها. نعم، لا ننفي ما ثبت عن العرب في مجال اللغة، وإنما نقول إنّ بعض عواقب قواعد العلوم العربية غير مقصودة، ولا نلتزم بجميع ما تلزمها تلك القواعد، فلازم المذهب ليس بمذهب.
ولا يرد على ما سبق قولهم: "الإعراب يطابق المعنى، لا العكس"، فليس المقصود المعنى الشرعي إذ يحتاج إلى أدلّة أخرى لمعرفتها، وإنما المقصود المعنى المستفاد من نفس نبذة الكلام التي عُرِبَت.

المبحث الثاني: مناقشة الأدلّة

بعدما انتصر لمذهب القائلين بأنّ كلمة "السّماوات" مفعول مطلق وتغليط من قال إنّها مفعول به، قال ابن هشام رحمه الله تعالى في المغني: "وكذا البحث في: أنشأت كتابًا"، فمذهبه هذا جارٍ في حميع أفعال الإنشاء والإيجاد، وإن كان فاعلها بشرًا. ثمّ إنّه يلزم من مذهبه إعراب الأسماء الجامدة والضمائر مفاعيل مطلقة في نحو "خلق الله آدم" و"خلقهم الله". وقد صرّح ابن هشام بأنّ الأصل في المفعول المطلق أن يكون مصدرًا، فلا يخفى ما في هذا الإعراب من التكلّف.
هذا، وأردنا أن نخوض في مناقشة الأدلة في إعراب "أنشأت كتابًا" حتى نبعد عن الخوض في صفات الله وأفعاله، وإن كانت المناقشة نفسها في إعراب كلام الله، فالإعراب مستقلّ عن العقيدة كما بيّنّا.

فصل: أدلّة من قال إنّها مفعولٌ مطلقٌ والرّدّ عليها

1. المفعول المطلق لا يكون موجودًا قبل الفعل، بخلاف المفعول به، والكتاب المذكور في "أنشأت كتابًا" لم يكن موجودًا قبل الإنشاء. والرد على هذه الحجة من ثلاثة أوجه: الأوّل أنّا لا نسلم بهذا الشرط، فإن وُجد المفعول به مقترنًا بالفعل، فلا إشكال، فقد يقع الفعل على المفعول به دون أن يسبق المفعولُ به الفعلَ، لكن ينبغي أن لا يسبق الفعلُ المفعولَ به. الوجه الثاني: أنّا لو سلّمنا بأنّ المفعول به يجب أن يكون موجودًا قبل وقوع الفعل، ففي ذلك بيان أنّ الكتاب ليس مفعولا به، ولا يلزم منه أنّ الكتاب مفعول مطلق. والوجه الثالث: لم يوجد الكتاب قبل وقوع الفعل، لكن قد بقي بعده، والمفعول المطلق مقيّد بالفعل، فيبدأ ببدايته وينتهي بنهايته. فإن قيل: فماذا تقول في إعراب "ضربته سوطًا"، فإنّ السوط يبقى بعد الضرب، قلت: السوط هنا نائب عن المفعول المطلق، وابن هشام يقول إن الكتاب مفعول مطلق، لا نائب عنه.
2. المفعول المطلق يعمل فيه "فَعَلَ" دون واسطة حرف جرّ، بينما المفعول به يعمل فيه "فَعَلَ" بواسطة حرف الباء، فنقول في نحو "ضرب زيدٌ عمرًا" "فَعَلَ زيدٌ ضربًا بعمرٍو"، فضربًا معمولٌ لِفَعَلَ دون واسطة حرف جرّ، فهو مفعول مطلق، وعمرو مفعول به لاتصاله بالباء، فكذلك نقول في "أنشأت كتابًا"، "فَعَلتُ كتابًا"، فهو مفعول مطلق. والردّ على هذه الحجّة أنّ فَعَلَ لا تعمل مباشرة في الذّوات، فلا يقال: "فَعَلَ سيفًا" مثلًا، وإنما يعمل فَعَلَ دون واسطة حرف جرّ في الأحداث (مثل المصادر وأسماء المرّات) والأوصاف (مثل: "فعل خيرًا") والأسماء الموصولة وأسماء الإشارة التي تتعلق بالأحداث. أمّا في الذّوات، فلا يعمل فيها إلا مقترنًا بحرف جرّ، والله أعلم.

فصل: أدلّة من قال إنّها مفعولٌ به

1. يصحّ إطلاق صيغة المفعول على المفعول به، فنقول في "ضرب زيدٌ عمرًا"، عمرو مضروب، وكذلك نقول في "أنشأت كتابًا" الكتاب مُنشأ، ومثل هذا لا يصحّ في المفعول المطلق أبدا.
2. يستقيم المعنى بعد حذف المفعول المطلق دون المفعول به، فلو قلنا "ضربت زيدًا ضربًا مبرحًا"، فإنّ المعنى يستقيم بحذف المفعول المطلق، ولا يستقيم بعد حذف المفعول به، فلو قلت: "أنشأت كتابًا"، فلا يستقيم المعنى بعد حذف "كتابًا".

خاتمة

فقد بيّنّا ولله الحمد والمنّة أنّ كلمة "السماوات" في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول به، وأنّ القول بأنها مفعول مطلق كبوة جواد.

والله تعالى أعلم وأحكم وهو حسبنا ونعم الوكيل.

البازالأشهب
23-12-2018, 05:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
بورك فيك ايها الفاضل الكريم .ولكن المسألة لايحسمها مثل هذا الاختصار وقد قال فيها من لا ينكر فضله وقدره .
وأما مسألة فصل النحو عن العقيدة فهذا أمر جر على النحو من التهم والكوارث ما لا خفاء به لدى المتمرسين .