المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من كتاب سيبويه



المكي
17-01-2006, 05:16 PM
(1)
مجاري أواخر الكلم من العربية
وهي تجري على ثمانية مجارٍ: على النصب والجرّ والرفع والجزم، والفتح والضمّ والكسر والوقف.
وهذه المجاري الثمانية يجمعهنّ في اللفظ أربعة أضرب: فالنصب والفتح في اللفظ ضرب واحد، والجرّ والكسر فيه ضرب واحد، وكذلك الرفع والضمّ، والجزم والوقف.
وإنما ذكرت لك ثمانية مجار لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه العامل -وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه- وبين ما يبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل، التي لكلّ منها ضرب من اللفظ في الحرف، وذلك الحرف حرف الإعراب.
فالرفع والجر والنصب والجزم لحروف الإعراب. وحروف الإعراب للأسماء المتمكّنة، وللأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين التي في أوائلها الزوائد الأربع: الهمزة، والتاء، والياء، والنون. وذلك قولك: أفعل أنا، وتفعل أنت أو هي، ويفعل هو، ونفعل نحن.
والنصب في الأسماء: رأيت زيداً، والجرّ: مررت بزيد، والرفع: هذا زيد. وليس في الأسماء جزم، لتمكنها وللحاق التنوين، فإذا ذهب التنوين لم يجمعوا على الاسم ذهابه وذهاب الحركة.
والنصب في المضارع من الأفعال: لن يفعل، والرفع: سيفعل، والجزم: لم يفعل. وليس في الأفعال المضارعة جر كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن لمجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال. وإنما ضارعت أسماء الفاعلين أنك تقول: إن عبد الله ليفعل، فيوافق قولك: لفاعل، حتّى كأنّك قلت: إن زيداً لفاعل فيما تريد من المعنى. وتلحقه هذه اللام كما لحقت الاسم، ولا تلحق فعل اللام. وتقول سيفعل ذلك وسوف يفعل ذلك فتلحقها هذين الحرفين لمعنى كما تلحق الألف واللام الأسماء للمعرفة.
ويبّن لك أنها ليست بأسماء أنك لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك. ألا ترى أنّك لو قلت إنّ يضرب يأتينا وأشباه هذا لم يكن كلاماً؟! إلا أنها ضارعت الفاعل لاجتماعهما في المعنى. وسترى ذلك أيضاً في موضعه.
ولدخول اللام قال الله جلّ ثناؤه: "وإن ربّك ليحكم بينهم" أي لحاكم.ولما لحقها من السين وسوف كما لحقت الاسم والألف واللام للمعرفة. وأما الفتح والكسر والضم والوقف فللأسماء غير المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم ولا فعل مما جاء لمعنى ليس غير، نحو سوف وقد، وللأفعال التي لم تجر مجرى المضارعة، وللحروف التي ليست بأسماء ولا أفعال ولم تجئ إلاّ لمعنى.
فالفتح في الأسماء قولهم: حيث وأين وكيف. والكسر فيها نحو: أولاد وحذار وبداد. والضم نحو: حيث وقبل وبعد. والوقف نحو: من وكم وقط وإذ.
والفتح في الأفعال التي لم تجر مجرى المضارعة قولهم: ضرب، وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه فعل. ولم يسكنو آخر فعل لأن فيها بعض ما في المضارعة، تقول: هذا رجل ضربنا، فتصف بها النكرة، وتكون في موضع ضارب إذا قلت هذا رجل ضارب. وتقول: إن فعل فعلت، فيكون في معنى إن يفعل أفعل، فهي فعل كما أنّ المضارع فعل وقد وقعت موقعها في إن، ووقعت موقع الأسماء في الوصف كما تقع المضارعة في الوصف، فلم يسكّنوها كما لم يسكنو من الأسماء ما ضارع المتمكن ولا ما صيّر من المتمكن في موضع بمنزلة غير المتمكن. فالمضارع: من عل، حرّكوه لأنهم قد يقولون من عل فيجرونه. وأما المتمكن الذي جعل بمنزلة غير المتمكن في موضع فقولك ابدأ بهذا أول، ويا حكم.
والوقف قولهم: اضرب في الأمر، ولم يحركوها لأنها لا يوصف بها ولا تقع موقع المضارعة، فبعدت من المضارعة بعدكم وإذ من المتمكنة.
وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه افعل.
والفتح في الحروف التي ليست إلا لمعنى وليست بأسماء ولا أفعال، قولهم: سوف، وثم.
والكسر فيها قولهم في باء الإضافة ولامها: بزيد ولزيد.
والضم فيها: منذ، فيمن جرّبها، لأنها بمنزلة من في الأيام.
والوقف فيها قولهم: من، وهل، وبل، وقد.
ولا ضم في الفعل؛ لأنه لم يجيء ثالث سوى المضارع. وعلى هذين المعنيين بناء كل فعل بعد المضارع.
واعلم أنك إذا ثنّيت الواحد لحقته زيادتان: الأولى منهما حرف المد والين وهو حرف الإعراب غير متحرّك ولا منوّن، يكون في الرفع ألفاً، ولم يكن واواً ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في الجر ياء مفتوحا ما قبلها، ولم يكسر ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حدّ التثنية. ويكون في النصب كذلك، ولم يجعلوا النصب ألفاً ليكون مثله في الجمع، وكان مع ذا أن يكون تابعاً لما الجر منه أولى، لأن الجرّ للاسم لا يجاوزه، والرفع قد ينتقل إلى الفعل، فكان هذا أغلب وأقوى. وتكون الزيادة الثانية نوناً كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين، وهي النون وحركتها الكسر، وذلك قولك: هما الرجلان، ورأيت الرجلين، ومررت بالرجلين.
وإذا جمعت على حدّ التثنية لحقتها زائدتان: الأولى منهما حرف المد والين، والثانية نون. وحال الأولى في السكون وترك التنوين وأنها حرف الإعراب، حال الأولى في التثنية، إلا أنها واو ومضموم ما قبلها في الرفع، وفي الجر والنصب ياء مكسور ما قبلها ونونها مفتوحة، فرقوا بينها وبين نون الاثنين كما أنّ حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما. وذلك قولك: المسلمون، ورأيت المسلمين ومررت بالمسلمين. ومن ثم جعلوا تاء الجمع في الجر والنصب مكسورة، لأنهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب كالواو والياء، والتنوين بمنزلة النون لأنها في التأنيث نظيرة الواو والياء في التذكير فأجروها مجراها.
واعلم أنّ التثنية إذا لحقت الأفعال المضارعة علامة للفاعلين لحقتها ألف ونون، ولم تكن الألف حرف الإعراب لأنك لم ترد أن تثنّي يفعل هذا البناء فتضم إليه يفعل آخر، ولكنك إنما ألحقته هذا علامة للفاعلين، ولم تكن منونة، ولا يلزمها الحركة لأنه يدركها الجزم والسكون فتكون الأولى حرف الإعراب، والثانية كالتنوين، فكلما كانت حالها في الواحد غير حال الاسم وفي التثنية لم تكن بمنزلته، فجعلوا إعرابه في الرفع ثبات النون لتكون له في التثنية علامة للرفع كما كان في الواحد إذ منع حرف الإعراب.
وجعلوا النون مكسورة كحالها في الاسم، ولم يجعلوها حرف الإعراب إذ كانت متحركة لا تثبت في الجزم ولم يكونوا ليحذفوا الألف لأنها علامة الإضمار والتثنية في قول من قال: أكلوني البراغيث، وبمنزلة التاء في قلت وقالت، فأثبتوها في الرفع وحذفوها في الجزم كما حذفوا الحركة في الواحد.ووافق النصب الجزم في الحذف كما وافق النصب الجر في الأسماء؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، والأسماء ليس لها في الجزم نصيب كما أنه ليس للفعل في الجر نصيب. وذلك قولك: هما يفعلان، ولم يفعلا، ولن يفعلا.
وكذلك إذا لحقت الأفعال علامة للجمع لحقتها زائدتان، إلا أنّ الأولى واو مضموم ما قبلها لئلا يكون الجمع كالتثنية، ونونها مفتوحة بمنزلتها في الأسماء كما فعلت ذلك في التثنية، لأنهما وقعتا في التثنية والجمع ههنا كما أنهما في الأسماء كذلك، وهو قولك: هم يفعلون ولم يفعلوا ولن يفعلوا.
وكذلك إذا ألحقت التأنيث في المخاطبة، إلاّ أن الأولى ياء وتفتح النون لأن الزيادة التي قبلها بمنزلة الزيادة التي في الجمع، وهي تكون في الأسماء في الجر والنصب، وذلك قولك: أنت تفعلين ولم تفعلي ولن تفعلي.
وإذا أردت جمع المؤنث في الفعل المضارع ألحقت للعلامة نوناً، وكانت علامة الإضمار والجمع فيمن قال أكلوني البراغيث، وأسكنت ما كان في الواحد حرف الإعراب، كما فعلت ذلك في فعل حين قلت فعلت وفعلن، فأسكن هذا ههنا وبني على هذه العلامة، كما أسكن فعل، لأنه فعل كما أنه فعل، وهو متحرك كما أنه متحرك، فليس هذا بأبعد فيها -إذا كانت هي وفعل شيئاً واحداً- من يفعل، إذ جاز لهم فيها الأعراب حين ضارعت الأسماء وليست باسم، وذلك قولك: هن يفعلن ولن يفعلن ولم يفعلن. وتفتحها لأنها نون جمع، ولا تحذف لأنها علامة إضمار وجمع في قول من قال أكلوني البراغيث. فالنون ههنا في يفعلن بمنزلتها في فعلن. وفعل بلام يفعل ما فعل بلام فعل لما ذكرت لك، ولأنها قد تبنى مع ذلك على الفتحة في قولك هل تفعلن. وألزموا لام فعل السكون وبنوها على العلامة وحذفوا الحركة لمّا زادوا، لأنها في الواحد ليست في آخرها حرف إعراب لما ذكرت لك.
واعلم أن بعض الكلام أثقل من بعض، فالأفعال أثقل من الأسماء لأن الأسماء هي الأولى، وهي أشد تمكّنا، فمن ثم لم يلحقها تنوين ولحقها الجزم والسكون، وإنما هي من الأسماء. ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم وإلا لم يكن كلاماً، والاسم قد يستغني عن الفعل، تقول: الله إلهنا، وعبد الله أخونا.
واعلم أن ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام ووافقه في البناء أجرى لفظه مجرى ما يستثقلون ومنعوه ما يكون لما يستخفون وذلك نحو أبيض وأسود وأحمر وأصفر، فهذا بناء أذهب وأعلم فيكون في موضع الجرّ مفتوحاً، استثقلوه حين قارب في الكلام ووافق في البناء.
وأما مضارعته في الصفة فإنك لو قلت: أتأتني اليوم قوي، وألا بارداً ومررت بجميل، كان ضعيفاً، ولم يكن في حسن أتاني رجل قوي وألا ماء بارداً، ومررت برجل جميل. أفلا ترى أن هذا يقبح ههنا كما أن الفعل المضارع لا يتكلم به إلا ومعه الاسم؛ لأن الاسم قبل الصفة، كما أنه قبل الفعل. ومع هذا أنك ترى الصفة تجري في معنى يفعل، يعني هذا رجل ضارب زيداً، وتنصب كما ينصب الفعل. وسترى ذلك إن شاء الله.
فإن كان اسماً كان أخفّ عليهم، وذلك نحو أفكل وأكلب، ينصرفان في النكرة.
ومضارعة أفعل الذي يكون صفة للاسم أنه يكون وهو اسم صفة كما يكون الفعل صفة، وأما يشكر فإنه لا يكون صفة وهو اسم، وإنما يكون صفة وهو فعل.
واعلم أن النكرة أخف عليهم من المعرفة، وهي أشد تمكناً؛ لأن النكرة أول، ثم يدخل عليها ما تعرّف به. فمن ثم أكثر الكلام ينصرف في النكرة.
واعلم أن الواحد أشد تمكناً من الجميع، لأن الواحد الأول، ومن ثم لم يصرفوا ما جاء من الجميع ما جاء على مثال ليس يكون للواحد، نحو مساجد ومفاتيح.
واعلم أن المذكر أخفّ عليهم من المؤنث لأن المذكر أول، وهو أشد تمكناً، وإنما يخرج التأنيث من التذكير. ألا ترى أن "الشيء" يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أو أنثى، والشيء ذكر، فالتنوين علامة للأمكن عندهم والأخف عليهم، وتركه علامة لما يستثقلون. وسوف يبيّن ما ينصرف وما لا ينصرف إن شاء الله.
وجميع ما لا ينصرف إذا أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجرّ؛ لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرف. ودخل فيها الجر كما يدخل في المنصرف، ولا يكون ذلك في الأفعال، وأمنوا التنوين. فجميع ما يترك صرفه مضارع به الفعل، لأنه إنما فعل ذلك به لأنه ليس له تمكن غيره، كما أنّ الفعل ليس له تمكن الاسم.
واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم، لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع، فحذفوا كما حذفوا الحركة ونون الاثنين والجميع. وذلك قولك لم يرم ولم يغز ولم يخش. وهو في الرفع ساكن الآخر، تقول: هو يرمي ويغزو ويخشى

المكي
17-01-2006, 05:26 PM
(2)
المسند والمسند إليه
وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بداً. فمن ذلك الاسم المتدأ والمبني عليه. وهو قولك عبد الله أخوك، وهذا أخوك.
ومثل ذلك يذهب عبد الله، فلا بدّ للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بدّ من الآخر في الابتداء.
ومما يكون بمنزلة الابتداء قولك: كان عبد الله منطلقاً، وليت زيداً منطلق؛ لأن هذا يحتاج إلى ما بعده كاحتياج المبتدأ إلى ما بعده.
واعلم أن الاسم أول أحواله الابتداء، وإنما يدخل الناصب والرافع سوى الابتداء والجار على المبتدأ. ألا ترى أن ما كان مبتدأ قد تدخل عليه هذه الأشياء حتى يكون غير مبتدأ، ولا تصل إلى الابتداء ما دام مع ما ذكرت لك إلا أن تدعه. وذلك أنك إذا قلت عبد الله منطلق إن شئت أدخلت رأيت عليه فقلت رأيت عبد الله منطلقاً، أو قلت كان عبد الله منطلقاً، أو مررت بعبد الله منطلقاً، فالمبتدأ أول جزء كما كان الواحد أول العدد، والنكرة قبل المعرفة.

المكي
17-01-2006, 05:28 PM
(3)
اللفظ للمعاني
اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين. وسترى ذلك إن شاء الله تعالى.
فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب. واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهب وانطلق. واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضّالة. وأشباه هذا كثير.

المكي
17-01-2006, 05:29 PM
(4)
ما يكون في اللفظ من الأعراض
اعلم أنهم مما يحذفون الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوّضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطاً. وسترى ذلك إن شاء الله.
فما حذف وأصله في الكلام غير ذلك. لم يك ولا أدر، وأشباه ذلك. وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء فإنهم يقولون يدع ولا يقولون ودع، استغنوا عنها بترك. وأشباه ذلك كثير.
والعوض قولهم: زنادقة وزناديق، وفرازنة وفرازين، حذفوا الياء وعوّضوها الهاء. وقولهم أسطاع يسطيع وإنما هي أطاع يطيع، زادوا السين عوضاً من ذهاب حركة العين من أفعل. وقولهم اللهم، حذفوا "يا" وألحقوا الميم عوضاً.
(والبقية ستأتي إن شاء الله)

المكي
17-01-2006, 09:06 PM
(5)
ومن العرب من يثقّل الكلمة إذا وقف عليها ولا يثقلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يجرونه في الوصل على حاله في الوقف نحو: سبسبّا وكلكلاّ لأنهم قد يثقلونه في الوقف، فأثبتوه في الوصل كما أثبتوا الحذف في قوله لنفسه مقنعاً، وإنما حذفه في الوقف. قال رؤبة: ضخم يحب الخلق الأضخما
يروي بكسر الهمزة وفتحها. وقال بعضهم: "الضّخمّا" بكسر الضاد.
وقال أيضاً ي مثله، وهو الشماخ: له زجل كأنه صوت حـادٍ إذا طلب الوسيقة أو زمير
وقال حنظلة بن فاتك: وأيقن أن الخيل إن تلتبس به يكن لفسيل النخل بعده آبر
وقال رجل من باهلة: أو معبر الظهر ينبي عن ولـيتـه ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمروا
وقال الأعشى: وما له من مجدٍ تـلـيدٍ ومـا لـه من الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا
وقال: بيناه في دار صدقٍ قد أقام بها حيناً يعللنا وما نـعـلـلـه
ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه، لأنه مستقيم ليس فيه نقيض فمن ذلك قوله: صددت فأطولت الصدود وقلما وصال على طول الصدود يدوم
وإنما الكلام: وقل ما يدوم وصال.
وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفاً بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المرار بن سلامة العجلي: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنـا
وقال الأعشى: وما قصدت من أهلها لسوائكا
وقال خطام المجاشعي: وصاليات ككما يؤثفين
فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غير، ومعنى الكاف معنى مثل.
وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهاً. وما يجوز في الشعر أكثر من أن أذكره لك ههنا، لأن هذا موضع جمل، وسنبين ذلك فيما نستقبل إن شاء الله.

المكي
17-01-2006, 09:07 PM
(6)الفاعل الذي لم يتعده فعله
إلى مفعول
والمفعول الذي لم يتعد إليه فعل فاعل ولا يتعدى فعله إلى مفعول آخر، وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وما يعمل من المصادر ذلك العمل، وما يجري من الصفات التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجرى الفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وما أجري مجرى الفعل وليس بفعل ولم يقو قوته، وما جرى من الأسماء التي ليست بأسماء الفاعلين التي ذكرت لك ولا الصفات التي هي من لفظ أحداث الأسماء وتكون لأحداثها أمثلة لما مضى ولما لم يمض، وهي التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين، التي تريد بها ما تريد بالفعل المتعدي إلى مفعول مجراها، وليست لها قوة أسماء الفاعلين التي ذكرت لك ولا هذه الصفات، كما أنه لا يقوى قوة الفعل ما جرى مجراها وليس بفعل.

المكي
19-01-2006, 12:40 PM
(7)
الفاعل الذي لم يتعده فعله إلى مفعول آخر
والمفعول الذي لم يتعد إليه فاعل ولم يتعده فعله إلى مفعول آخر.
والفاعل والمفعول في هذا سواء، يرتفع المفعول كما يرتفع الفاعل، لأنك لم تشغل الفعل بغيره وفرغته، كما فعلت ذلك بالفاعل.
فأما الفاعل الذي لا يتعداه فعله فقولك: ذهب زيدٌ وجلس عمروٌ.
والمفعول الذي لم يتعده فعله ولم يتعد إليه فعل فاعل فقولك: ضرب زيد ويضرب عمرو. فالأسماء المحدث عنها، والأمثلة دليلة على ما مضى وما لم يمض من المحدث به عن الأسماء، وهو الذهاب والجلوس والضرب، وليست الأمثلة بالأحداث ولا ما يكون منه الأحداث وهي الأسماء.

المكي
19-01-2006, 12:41 PM
(8)
الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول
وذلك قولك: ضرب عبد الله زيداً. فعبد الله ارتفع ههنا كما ارتفع في ذهب، وشغلت ضرب به كما شغلت به ذهب، وانتصب زيد لأنه مفعول تعدي إليه فعل الفاعل. فإن قدمت المفعول وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيداً عبد الله؛ لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً، ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه وإن كان مؤخراً في اللفظ. فمن ثم كان حد اللفظ أن يكون فيه مقدماً، وهو عربي جيد كثير، كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم.
واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي أخذ منه؛ لأنه إنما يذكر ليدل على الحدث. ألا ترى أن قولك قد ذهب بمنزلة قولك قد كان منه ذهاب. وإذا قلت ضرب عبد الله لم يستبن أن المفعول زيد أو عمرو، ولا يدل على صنفٍ كما أن ذهب قد دل على صنف، وهو الذهاب، وذلك قولك ذهب عبد الله الذهاب الشديد، وقعد قعدة سوء، وقعد قعدتين، لما عمل في الحدث عمل في المرة منه والمرتين وما يكون ضرباً منه. فمن ذلك: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء، ورجع القهقري، لأنه ضرب من فعله الذي أخذ منه.
ويتعدى إلى الزمان، نحو قولك ذهب لأنه بني لما مضى منه وما لم يمض، فإذا قال ذهب فهو دليل على أن الحدث فيما مضى من الزمان، وإذا قال سيذهب فإنه دليل على أنه يكون فيما يستقبل من الزمان، ففيه بيان ما مضى وما لم يمض منه، كما أن فيه استدلالاً على وقوع الحدث. وذلك قولك قعد شهرين، وسيقعد شهرين، وتقول: ذهبت أمس، وسأذهب غداً، فإن شئت لم تجعلهما ظرفاً، فهو يجوز في كل شيء من أسماء الزمان كما جاز في كل شيء من أسماء الحدث.
ويتعدى إلى ما اشتق من لفظه اسماً للمكان وإلى المكان؛ لأنه إذا قال ذهب أو قعد فقد علم أن للحدث مكاناً وإن لم يذكره كما علم أنه قد كان ذهاب، وذلك قولك ذهبت المذهب البعيد، وجلست مجلساً حسناً، وقعدت مقعداً كريماً، وقعدت المكان الذي رأيت، وذهبت وجهاً من الوجوه. وقد قال بعضهم ذهب الشام، يشبهه بالمبهم، إذ كان مكاناً يقع عليه المكان والمذهب. وهذا شاذ؛ لأنه ليس في ذهب دليل على الشام، وفيه دليل على المذهب والمكان. ومثل ذهبت الشام: دخلت البيت. ومثل ذلك قول ساعدة بن جوية: لدن بهز الكف يعسل متـنـه فيه كما عسل الطريق الثعلب
ويتعدى إلى ما كان وقتاً في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتاً في الأزمنة لأنه وقت يقع في المكان، ولا يختص به مكان واحد، كما في الزمن كان مثله؛ لأنك قد تفعل بالأماكن ما تفعل بالأزمنة وإن كان الأزمنة أقوى في ذلك. وكذلك ينبغي أن يكون إذ صار فيما هو أبعد نحو ذهبت الشام، وهو قولك ذهبت فرسخين، وسرت الميلين، كما تقول ذهبت شهرين وسرت اليومين. وإنما جعل في الزمان أقوى لأن الفعل بنى لما مضى منه وما لم يمض، ففيه بيان متى وقع، كما أن فيه بيان أنه قد وقع المصدر وهو الحدث. والأماكن لم يبن لها فعل، وليست بمصادر أخذ منها الأمثلة، والأماكن إلى الأناسي ونحوهم أقرب. ألا ترى أنهم يخصونها بأسماء كزيد وعمرو، وفي قولهم مكة وعمان ونحوها، ويكون منها خلق لا تكون لكل مكان ولا فيه، كالجبل والوادي، والبحر. والدهر ليس كذلك. والأماكن لها جثة، وإنما الدهر مضى الليل والنهار، فهو إلى الفعل أقرب.

المكي
19-01-2006, 12:42 PM
(9)
الفاعل
الذي يتعداه فعله إلى مفعولين فإن شئت اقتصرت
على المفعول الأول وإن شئت تعدى إلى الثاني كما تعدى إلى الأول.
وذلك قولك: أعطى عبد الله زيداً درهماً، وكسوت بشراً الثياب الجياد. ومن ذلك: اخترت الرجال عبد الله، ومثل ذلك قوله عز وجل: "واختار موسى قومه سبعين رجلاً "، وسميته زيداً، وكسيت زيداً أبا عبد الله، ودعوته زيداً إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سميته، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولاً واحداً. ومنه قول الشاعر: أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نـشـب
وإنما فصل هذا أنها أفعال توصل بحروف الإضافة، فتقول: اخترت فلاناً من الرجال، وسميته بفلان، كما تقول: عرفته بهذه العلامة وأوضحته بها، وأستغفر الله من ذلك، فلما حذفوا حرف الجر عمل الفعل. ومثل ذلك قول المتلمس: آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس
يريد: على حب العراق.
وكما تقول: نبئت زيداً يقول ذاك، أي عن زيد. وليست عن وعلى ههنا بمنزلة الباء في قوله: "كفى بالله شهيداً "، وليس بزيد؛ لأن عن وعلى لا يفعل بها ذاك، ولا بمن في الواجب.
وليست أستغفر الله ذنباً وأمرتك الخير أكثر في كلامهم جميعاً، وإنما يتكلم بها بعضهم. فأما سميت وكنيت فإنما دخلتها الباء على حد ما دخلت في عرفت، تقول عرفته زيداً ثم تقول عرفته بزيد، فهو سوى ذلك المعنى، فإنما تدخل في سميت وكنيت على حد ما دخلت في عرفته بزيد. فهذه الحروف كان أصلها في الاستعمال أن توصل بحرف الإضافة.
وليس كل الفعل يفعل به ذها، كما أنه ليس كل فعل يتعدى الفاعل ولا يتعدى إلى مفعولين. ومنه قول الفرزدق: منا الذي اختير الرجال سمـاحةً وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
وقال الفرزدق أيضاً: نبئت عبد الله بالجو أصبحت كراماً مواليها لئيماً صميمها

المكي
19-01-2006, 12:43 PM
(10)الفاعل
الذي يتعداه فعله إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر
على أحد المفعولين دون الآخر
وذلك قولك: حسب عبد الله زيداً بكراً، وظن عمرو وخالداً أباك، وخال عبد الله زيداً أخاك. ومثل ذلك: رأى عبد الله زيداً صاحبنا، ووجد عبد الله زيداً ذا الحفاظ.
وإنما منعك أن تقتصر على أحد المفعولين ههنا أنك إنما أردت أن تبين ما استقر عندك من حال المفعول الأول، يقيناً كان أو شكاً، وذكرت الأول لتعلم الذي تضيف إليه ما استقر له عندك من هو. فإنما ذكرت ظننت ونحوه لتجعل خبر المفعول الأول يقيناً أو شكاً، ولم ترد أن تجعل الأول فيه الشك أو تقيم عليه في اليقين.
ومثل ذلك: علمت زيداً الظريف، وزعم عبد الله زيداً أخاك.
وإن قلت رأيت فأردت رؤية العين، أو وجدت فأردت وجدان الضالة، فهو بمنزلة ضربت ولكنك إنما تريد بوجدت علمت، وبرأيت ذلك أيضاً. ألا ترى أنه يجوز للأعمى أن يقول: رأيت زيداً الصالح.
وقد يكون علمت بمنزلة عرفت لا تريد إلا علم الأول. فمن ذلك قوله تعالى: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت "، وقال سبحانه: "وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " فهي ههنا بمنزلة عرفت كما كانت رأيت على وجهين.
وأما ظننت ذاك فإنما جاز السكوت عليه لأنك قد تقول ظننت، فتقصر، كما تقول ذهبت، ثم تعمله في الظن كما تعمل ذهبت في الذهاب. فذاك ههنا هو الظن، كأنك قلت: ظننت ذاك الظن. وكذلك خلت وحسبت.
ويدلك على أنه الظن أنك لو قلت خلت زيداً وأرى زيداً لم يجز.
وتقول: ظننت به، جعلته موضع ظنك كما قلت نزلت به ونزلت عليه. ولو كانت الباء زائدة بمنزلتها في قوله عز وجل: "كفى بالله" لم يجز السكت عليها، فكأنك قلت: ظننت في الدار. ومثله شككت فيه.

المكي
23-01-2006, 09:12 PM
(11)
هذا باب
الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين
ولا يجوز أن تقتصر على مفعول منهم واحد دون الثلاثة، لأن المفعول ههنا كالفاعل في الباب الأول الذي قبله في المعنى.
وذلك قولك: أرى الله بشراً زيداً أباك، ونبأت زيداً عمراً أبا فلان، وأعلم الله زيداً عمراً خيراً منك.
واعلم أن هذه الأفعال إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين فلم يكن بعد ذلك متعدي، تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، وذلك قولك: أعطى عبد الله زيداً المال إعطاء حميلاً، وسرقت عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفاً، ولكن كما تقول: يا سارق الليلة زيداً الثوب، لم تجعلها ظرفاً.
وتقول: أعملت هذا زيداً قائماً العلم اليقين إعلاماً، وأدخل الله عمراً المدخل الكريم إدخالاً؛ لأنها لما انتهت صارت بمنزلة ما لا يتعدى.

المكي
23-01-2006, 09:13 PM
(12)هذا باب المفعول الذي تعداه فعله إلى مفعول
وذلك قولك: كسى عبد الله الثوب، وأعطى عبد الله المال. رفعت عبد الله ههنا كما رفعته في ضرب حين قلت ضرب عبد الله، وشغلت به كسى وأعطى كما شغلت به ضرب. وانتصب الثوب والمال لأنهما مفعولان تعدى إليهما مفعول هو بمنزلة الفاعل.
وإن شئت قدمت وأخرت فقلت كسى الثوب زيد، وأعطى المال عبد الله كما قلت ضرب زيداً عبد الله. فأمره في هذا كأمر الفاعل.
واعلم أن المفعول الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول، يتعدى إلى كل شيء تعدى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول، وذلك قولك: ضرب زيد الضرب الشديد، وضرب عبد الله اليومين اللذين تعلم، لا تجعله ظرفاً، ولكن كما تقول: يا مضروب الليلة الضرب الشديد، وأقعد عبد الله المقعد الكريم.
فجميع ما تعدى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول يتعدى إليه فعل المفعول الذي لا يتعداه فعله.
واعلم أن المفعول الذي لم يتعد إليه فعل فاعل في التعدي والاقتصار بمنزلة إذا تعدى إليه فعل الفاعل؛ لأن معناه متعدياً إليه فعل الفاعل وغير متعد إليه فعله سواء. ألا ترى أنك تقول ضربت زيداً، فلا تجاوز هذا المفعول، وتقول ضرب زيد فلا يتعداه فعله، لأن المعنى واحد.
وتقول: كسوت زيداً ثوباً فتجاوز إلى مفعول آخر، وتقول: كسى زيد ثوباً، فلا تجاوز الثوب، لأن الأول بمنزلة المنصوب، لأن المعنى واحد وإن كان لفظه لفظ الفاعل.

المكي
23-01-2006, 09:14 PM
(13)
هذا باب المفعول
الذي يتعداه فعله إلى مفعولين،
وليس لك أن تقتصر على أحدهما دون الآخر.
وذلك قولك: نبئت زيداً أبا فلان. لما كان الفاعل يتعدى إلى ثلاثة تعدى المفعول إلى اثنين. وتقول أرى عبد الله أبا فلان، لأنك لو أدخلت في هذا الفعل الفاعل وبنيته له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين.
واعلم أن الأفعال إذا انتهت ههنا فلم تجاوز، تعدت إلى جميع ما تعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى المفعول. وذلك قولك: أعطى عبد الله الثوب إعطاء جميلاً، ونبئت زيداً أبا فلان تنبيئاً حسناً، وسرق عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفاً ولكن على قولك يا مسروق الليلة الثوب، صير فعل المفعول والفاعل حيث انتهى فعلهما بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى فاعله ولا مفعوله، ولم يكونا ليكونا بأضعف من الفعل الذي لا يتعدى.

المكي
23-01-2006, 09:15 PM
(14)
ما يعمل فيه الفعل فينتصب وهو حال
وقع فيه الفعل وليس بمفعول
كالثوب في قولك كسوت الثوب، وفي قولك كسوت زيداً الثوب، لأن الثوب ليس بحال وقع فيها الفعل ولكنه مفعول كالأول. ألا ترى أنه يكون معرفة ويكون معناه ثانياً كمعناه أولاً إذا قلت كسوت الثوب، وكمعناه إذا كان بمنزل الفاعل إذا قلت كسى الثوب.
وذلك قولك: ضربت عبد الله قائماً، وذهب زيد راكباً. فلو كان بمنزلة المفعول الذي يتعدى إليه فعل الفاعل نحو عبد الله وزيد ما جاز في ذهبت، ولجاز أن تقول ضربت زيداً أباك، وضربت زيداً القائم، لا تريد بالأب ولا بالقائم الصفة "ولا البدل"، فالاسم الأول المفعول في ضربت قد حال بينه وبين الفعل أن يكون فيه بمنزلته، كما حال الفاعل بينه وبين الفعل في ذهب أن يكون فاعلاً، وكما حالت الأسماء المجرورة بين ما بعدها وبين الجار في قولك: لي مثله رجلاً، ولي ملؤه عسلاً، وكذلك ويحه فارساً؛ وكما منعت النون في عشرين أن يكون ما بعدها جراً إذا قلت: له عشرون درهماً. فعمل الفعل هنا فيما يكون حالاً كعمل مثله فيما بعده، ألا ترى أنه لا يكون إلا نكرة كما أن هذا لا يكون إلا نكرة، ولو كان هذا بمنزلة الثوب وزيد في كسوت لما جاز ذهبت راكباً، لأنه لا يتعدى إلى مفعول كزيد وعمرو. وإنما جاز هذا لأنه حال، وليس معناه كمعنى الثوب وزيد، فعمل كعمل غير الفعل ولم يكن أضعف منه، إذ كان يتعدى إلى ما ذكرت من الأزمنة والمصادر ونحوه.

المكي
23-01-2006, 09:17 PM
(15)
الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول
واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد
فمن ثم ذكر على حدته ولم يذكر مع الأول، ولا يجوز فيه الاقتصار على الفاعل كما لم يجز في ظننت الاقتصار على المفعول الأول، لأن حالك في الاحتياج إلى الآخر ههنا كحالك في الاحتياج إليه ثمة. وسنبين لك إن شاء الله.
وذلك قولك: كان ويكون، وصار، وما دام، وليس وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغنى عن الخبر. تقول: كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبر عن الأخوة، وأدخلت كان لتجعل ذلك فيما مضى. وذكرت الأول كما ذكرت المفعول الأول في ظننت. وإن شئت قلت: كان أخاك عبد الله، فقدمت وأخرت كما فعلت ذلك في ضرب لأنه فعل مثله وحال التقديم والتأخير فيه كحاله في ضرب، إلا أن اسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد.
وتقول: كناهم، كما تقول ضربناهم وتقول: إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم، كما تقول إذا لم نضربهم فمن يضربهم. قال أبو الأسود الدؤلي: فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
فهو كائن ومكون، كما تقول ضارب ومضروب.
وقد يكون لكان موضع آخر يقتصر على الفاعل فيه تقول: قد كان عبد الله، أي قد خلق عبد الله. وقد كان الأمر، أي وقع الأمر. وقد دام فلان، أي ثبت. كما تقول رأيت زيداً تريد رؤية العين، وكما تقول أنا وجدته تريد وجدان الضالة، وكما يكون أصبح وأمسى مرة بمنزلة كان، ومرة بمنزلة قولك استيقظوا وناموا.
فأما ليس فإنه لا يكون فيها ذلك، لأنها وضعت موضعاً واحدا، ومن ثم لم تصرف تصرف الفعل الآخر.
فمما جاء على وقع قوله، وهو مقاس العائذي: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
"أي إذا وقع". وقال الآخر، عمرو بن شأس: بني أسد هل تعلـمـون بـلاءنـا إذا كان يوماً ذا كواكب أشنـعـا
إذا كانت الحو الطوال كـأنـمـا كساها السلاح الأرجوان المضلعا
أضمر لعلم المخاطب بما يعنى، وهو اليوم. وسمعت بعض العرب يقول أشنعا ويرفع ما قبله، كأنه قال: إذا وقع يوم ذو كواكب أشنعا.
واعلم أنه إذا وقع في هذا الباب نكرة ومعرفة فالذي تشغل به كان المعرفة، لأنه حد الكلام، لأنهما شيء واحد، وليس بمنزلة قولك: ضرب رجل زيداً لأنهما شيئان مختلفان، وهما في كان بمنزلتهما في الابتداء إذا قلت عبد الله منطلق. تبتدئ بالأعرف ثم تذكر الخبر، وذلك قولك: كان زيد حليماً، وكان حليماً زيد، لا عليك أقدمت أم أخرت، إلا أنه على ما وصفت لك في قولك: ضرب زيداً عبد الله. فإذا قلت: كان زيد فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك فإنما ينتظر الخبر. فإذا قلت: حليماً فقد أعلمته مثل ما علمت. فإذا قلت كان حليماً فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة، فهو مبدوء به في الفعل وإن كان مؤخراً في اللفظ. فإن قلت: كان حليم أو رجل فقد بدأت بنكرة، ولا يستقيم أن تخبر المخاطب عن المنكور، وليس هذا بالذي ينزل به المخاطب منزلتك في المعرفة، فكرهوا أن يقربوا باب لبس.
وقد تقول: كان زيد الطويل منطلقاً، إذا خفت التباس الزيدين، وتقول: أسفيها كان زيد أم حليماً، وأرجلاً كان زيد أم صبياً، تجعلها لزيد، لأنه إنما ينبغي لك أن تسأله عن خبر من هو معروف عنده كما حدثته عن خبر من هو معروف عندك فالمعروف هو المبدوء به.
ولا يبدأ بما يكون فيه اللبس، وهو النكرة. ألا ترى أنك لو قلت: كان إنسان حليماً أو كان رجل منطلقاً، كنت تلبس، لأنه لا يستنكر أن يكون في الدنيا إنسان هكذا، فكرهوا أن يبدءوا بما فيه اللبس ويجعلوا المعرفة خبراً لما يكون فيه هذا اللبس.
وقد يجوز في الشعر وفي ضعف من الكلام. حملهم على ذلك أنه فعل بمنزلة ضرب، وأنه قد يعلم إذا ذكرت زيداً وجعلته خبراً أنه صاحب الصفة على ضعف من الكلام، وذلك قول خداش بن زهير: فإنك لا تبالي بعد حـول أظبي كان أمك أم حمار
وقال حسان بن ثابت: كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري: ألا من مبلغ حسان عنـي أسحر كان طبك أم جنون
وقال الفرزدق: أسكران كان ابن المراغة إذ هجا تميماً بجوف الشام أم متساكـر
فهذا إنشاء بعضهم. وأكثرهم ينصب السكران ويرفع الآخر على قطع وابتداء.
وإذا كان معرفة فأنت بالخيار: أيهما ما جعلته فاعلاً رفعته ونصبت الآخر، كما فعلت ذلك في ضرب، وذلك قولك: كان أخوك زيداً، وكان زيد صاحبك، وكان هذا زيداً، وكان المتكلم أخاك.
وتقول: من كان أخاك، ومن كان أخوك، كما تقول: من ضرب أباك إذا جعلت من الفاعل، ومن ضرب أبوك إذا جعلت الأب الفاعل. وكذلك أيهم كان أخاك وأيهم كان أخوك.
وتقول: ما كان أخاك إلا زيد كقولك ما ضرب أخاك إلا زيد. ومثل ذلك قوله عز وجل: "ما كان حجتهم إلا أن قالوا ": "وما كان جواب قومه إلا أن قالوا ". وقال الشاعر: وقد علم الأقوام ما كان داءهـا بثهلان إلا الخزي ممن يقودها
وإن شئت رفعت الأول كما تقول: ما ضرب أخوك إلا زيداً. و "قد" قرأ بعض القراء ما ذكرنا بالرفع.
ومثل قولهم: من كان أخاك، قول العرب ما جاءت حاجتك، كأنه قال: ما صارت حاجتك، ولكنه أدخل التأنيث على ما، حيث كانت الحاجة، كما قال بعض العرب: من كانت أمك، حيث أوقع من على مؤنث. وإنما صير جاء بمنزلة كان في هذا الحرف وحده لأنه كان بمنزلة المثل، كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم: "عسى الغوير أبؤساً "، ولا يقال: عسيت أخانا. وكما جعلوا لدن مع غدوة منونة في قولهم لدن غدوة. ومن كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام، وسترى مثل ذلك إن شاء الله.
ومن يقول من العرب: ما جاءت حاجتك، كثير، كما يقول من كانت أمك. ولم يقولوا ما جاء حاجتك كما قالوا من كان أمك، لأنه بمنزلة المثل فألزموه التاء، كما اتفقوا على لعمر كان في اليمين.
وزعم يونس أنه سمع رؤبة يقول: ما جاءت حاجتك؛ فيرفع.
ومثل قولهم ما جاءت حاجتك إذ صارت تقع على مؤنث، قراءة بعض القراء: "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا " و "تلتقطه بعض السيارة ". وربما قالوا في بعض الكلام: ذهبت بعض أصابعه، وإنما أنث البعض لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه، لأنه لو قال: ذهبت عبد أمك لم يحسن.
ومما جاء مثله في الشعر قول الشاعر، الأعشى: وتشرق بالقول الذي قد أذعتـه كما شرقت صدر القناة من الدم
لأن صدر القناة من مؤنث. ومثله قول جرير: إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
لأن "بعض" ههنا سنون. ومثله قول جرير أيضاً: لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
ومثله قول ذي الرمة: مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح الـنـواسـم
وقال العجاج: طول الليالي أسرعت في نقضى
وسمعنا من العرب من يقول ممن يوثق به: اجتمعت أهل اليمامة، لأنه يقول في كلامه: اجتمعت اليمامة، يعني أهل اليمامة، فأنث الفعل في اللفظ إذ جعله في اللفظ لليمامة، فترك اللفظ يكون على ما يكون عليه في سعة الكلام.
ومثل "في هذا" يا طلحة أقبل، لأن أكثر ما يدعو طلحة بالترخيم فترك الحاء على حالها. ويا تيم تيم عدي أقبل. وقال الشاعر جرير: يا تيم تيم عدي لا أبا لكـم لا يلقينكم في سوءة عمر
وسترى هذا مبيناً في مواضعه إن شاء الله.
وترك التاء في جميع هذا "الحد والوجه. وسترى ما" إثبات التاء فيه حسن إن شاء الله "من هذا النحو، لكثرته في كلامهم. وسيبين في بابه".
فإن قلت: من ضربت عبد أمك، أو هذه عبد زينب لم يجز، لأنه ليس منها ولا بها، ولا يجوز أن تلفظ بها و "أنت" تريد العبد.

المكي
23-01-2006, 09:18 PM
(16)
تخبر فيه عن النكرة بنكرة
وذلك قولك: ما كان أحد مثلك، وما كان أحد خيراً منك، وما كان أحد مجترئاً عليك.
وإنما حسن الإخبار ههنا عن النكرة حيث أردت أن تنفي أن يكون في مثل حاله شيء أو فوقه، ولأن المخاطب قد يحتاج إلى أن تعلمه مثل هذا.
وإذا قلت كان رجل ذاهباً فليس في هذا شيء تعلمه كان جهله. ولو قلت كان رجل من آل فلان فارساً حسن؛ لأنه قد يحتاج إلى أن تعلمه أن ذاك في آل فلان وقد يجهله. ولو قلت كان رجل في قوم عاقلاً لم يحسن؛ لأنه لا يستنكر أن يكون في الدنيا عاقل وأن يكون من قوم. فعلى هذا النحو يحسن ويقبح.
ولا يجوز لأحد أن تضعه في موضع واجب، لو قلت كان أحد من آل فلان لم يجز، لأنه إنما وقع في كلامهم نفياً عاماً. يقول الرجل: أتاني رجل، يريد واحداً في العدد لا اثنين فيقال: ما أتاك رجل، أي أتاك أكثر من ذلك، أو يقول أتاني رجل لا امرأة فيقال: ما أتاك رجل، أي امرأة أتتك. ويقول: أتاني اليوم رجل، أي في قوته ونفاذه، فتقول: ما أتاك رجل، أي أتاك الضعفاء. فإذا قال: ما أتاك أحد صار نفياً "عاماً" لهذا كله، فإنما مجراه في الكلام هذا. ولو قال: ما كان مثلك أحداً، أو ما كان زيد أحداً كان ناقضاً؛ لأنه قد علم أنه لا يكون زيد ولا مثله إلا من الناس. ولو قلت ما كان مثلك اليوم أحد فإنه يكون أن لا يكون في اليوم إنسان على حاله، إلا أن تقول: ما كان زيد أحداً، أي من الأحدين. وما كان مثلك أحد على وجه تصغيره، فتصير كأنك قلت: ما ضرب زيد أحداً وما قتل مثلك أحداً.


والتقديم والتأخير في هذا بمنزلته في المعرفة وما ذكرت لك من الفعل. وحسنت النكرة "ههنا" في هذا الباب لأنك لم تجعل الأعرف في موضع الأنكر، وهما متكافئان كما تكافأت المعرفتان، ولأن المخاطب قد يحتاج إلى علم ما ذكرت لك وقد عرف من تعنى بذلك كمعرفتك.
وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت فيها مستقراً ولم تجعله على قولك فيها زيد قائم، أجريت الصفة على الاسم. فإن جعلته على قولك فيها زيد قائم "نصبت"، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن. وإذا أردت أن يكون مستقراً تكتفي به فكلما قدمته كان أحسن، لأنه إذا كان عاملاً في شيء قدمته كما تقدم أظن وأحسب، وإذا ألغيت أخرته كما تؤخرهما، لأنهما ليسا يعملان شيئاً.
والتقديم ههنا والتأخير "فيما يكون ظرفاً أو يكون اسماً، في العناية والاهتمام، مثله فيما ذكرت لك في باب الفاعل والمفعول. وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير" والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، فمن ذلك قوله عز وجل: "ولم يكن له كفواً أحد". وأهل الجفاء من العرب يقولون: ولم يكن كفواً له أحد، كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرة. وقال الشاعر: لتقربن قربـاً جـلـذياً ما دام فيهن فصل حيا
فقد دجا الليل فهيا هيا

المكي
23-01-2006, 09:20 PM
(17)
ما أجري مجرى ليس في بعض المواضع
بلغة أهل الحجاز، ثم يصير إلى أصله وذلك الحرف "ما". تقول: ما عبد الله أخاك، وما زيد منطلقاً.
وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أما وهل، أي لا يعلمونها في شيء وهو القياس، لأنه ليس بفعل وليس ما كليس، ولا يكون فيها إضمار.
وأما أهل الحجاز فيشبهونها بليس إذ كان معناها كمعناها، كما شبهوا بها لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين، تضمر فيها مرفوعاً وتنصب الحين لأنه مفعول به، ولم تمكن تمكنها ولم تستعمل إلا مضمراً فيها، لأنها ليس كليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، تقول لست "ولست" وليسوا، وعبد الله ليس ذاهباً، فتبنى على المبتدأ وتضمر فيه، ولا يكون هذا في لات لا تقول: عبد الله لات منطلقاً، ولا قومك لاتوا منطلقين.
ونظير لات في أنه لا يكون إلا مضمراً فيه: ليس ولا يكون في الاستثنار، إذا قلت أتوني ليس زيداً ولا يكون بشراً.
وزعموا أن بعضهم قرأ: "ولات حين مناص " وهي قليلة، كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك القيسي: من فر عن نيرانهـا فأنا ابن قيس لا براح
جعلها بمنزلة ليس، فهي بمنزلة لات في هذا الموضع في الرفع.
ولا يجاوز بها هذا الحين رفعت أو نصبت، ولا تمكن في الكلام كتمكن ليس، وإنما هي مع الحين كما أن لدن إنما ينصب بها مع غدوة، وكما أن التاء لا تجر في القسم ولا في غيره إلا في الله، إذا قلت تالله لأفعلن.
ومثل ذلك قوله عز وجل: "ما هذا بشراً " في لغة أهل الحجاز. وبنو تميم يرفعونها إلا من درى كيف هي في المصحف. فإذا قلت: ما منطلق عبد الله، أو ما مسئ من أعتب، رفعت. ولا يجوز أن يكون مقدماً مثله مؤخراً، كما أنه لا يجوز أن تقول: إن أخوك عبد الله على حد قولك: إن عبد الله أخوك، لأنها ليست بفعل، وإنما جعلت بمنزلته فكما لم تتصرف إن كالفعل كذلك لم يجز فيها كل ما يجوز فيه ولم تقو قوته فكذلك ما.
وتقول: ما زيد إلا منطلق، تستوي فيه اللغتان. ومثله قوله عز وجل: "ما أنتم إلا بشر مثلنا " لما تقو ما حيث نقضت معنى ليس كما لو تقو حين قدمت الخبر. فمعنى ليس النفي كما أن معنى كان الواجب، وكل واحد منهما، يعني وكان وليس، إذا جردته فهذا معناه. فإن قلت ما كان، أدخلت عليها ما ينفى به. فإن قلت ليس زيد إلا ذاهباً أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي. فلم تقو ما في باب قلب المعنى كما لم تقو في تقديم الخبر.
وزعموا أن بعضهم قال، وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتـهـم إذ هم قريش وإذا ما مثلهم بشر
وهذا لا يكاد يعرف، كما أن "لات حين مناص" كذلك. ورب شيء هكذا، وهو كقول بعضهم: هذه ملحفة جديدة، في القلة.
وتقول: ما عبد الله خارجاً ولا معن ذاهب، ترفعه على أن لا تشرك الاسم الآخر في ما ولكن تبتدئه، كما تقول: ما كان عبد الله منطلقاً ولا زيد ذاهب، إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن. وكذلك ليس. وإن شئت جعلتها لا التي يكون فيها الاشتراك فتنصب كما تقوم في كان: ما كان زيد ذاهباً ولا عمرو منطلقاً. وذلك قولك: ليس زيد ذاهباً ولا أخوك منطلقاً، وكذلك ما زيد ذاهباً ولا معن خارجاً.
وليس قولهم لا يكون في ما إلا الرفع بشيء، لأنهم يحتجون بأنك لا تستطيع أن تقول ولا ليس ولا ما، فأنت تقول ليس زيد ولا أخوه ذاهبين وما عمرو ولا خالد منطلقين، فتشركه مع الأول في ليس وفي ما. فما يجوز في كان، إلا أنك إن حملته على الأول أو ابتدأت فالمعنى أنك تنفي شيئاً غير كائن في حال حديثك. وكان "الابتداء" في كان أوضح، لأن المعنى يكون على ما مضى وعلى ما هو الآن. وليس يمتنع أن يراد به الأول كما أردت في كان.
ومثل ذلك قولك إن زيداً ظريف وعمرو وعمراً، فالمعنى في الحديث واحد وما يراد من الإعمال مختلف "في كان وليس وما".
وتقول: ما زيد كريماً ولا عاقلاً أبوه، تجعله كأنه للأول بمنزلة كريم لأنه ملتبس به، إذا قلت أبوه تجريه عليه كما أجريت عليه الكريم، لأنك لو قلت: ما زيد عاقلاً أبوه نصبت وكان كلاماً.
وتقول: ما زيد ذاهباً ولا عاقل عمرو، لأنك لو قلت ما زيد عاقلاً عمرو لم يكن كلاماً، لأنه ليس من سببه، فترفعه على الابتداء والقطع من الأول، كأنك قلت: وما عاقل عمرو. ولو جعلته من سببه لكان فيه له إضمار كالهاء في الأب ونحوها، ولم يجز نصبه على ما، لأنك لو ذكرت ما ثم قدمت الخبر لم يكن إلا رفعاً. وإن شئت قلت: ما زيد ذهباً ولا كريم أخوه، إن ابتدأته ولم تجعله على ما، كما فعلت ذلك حين بدأت بالاسم.
ولكن ليس وكان يجوز فيهما النصب وإن قدمت الخبر ولم يكن ملتبساً لأنك لو ذكرتهما كان الخبر فيهما مقدماً مثله مؤخراً، وذلك قولك: ما كان زيد ذاهباً ولا قائماً عمرو.
وتقول ما زيد ذاهباً ولا محسن زيد، الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت ما زيد منطلقاً زيد لم يكن حد الكلام، وكان ههنا ضعيفاً، ولم يكن كقولك ما زيد منطلقاً هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره وإنما ينبغي لك أن تضمره. ألا ترى أنك لو قلت ما زيد منطلقاً أبو زيد لم يكن كقولك ما زيد منطلقاً أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار، فلما كان هذا كذلك أجري مجرى الأجنبي واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفاً فيه. وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سواد ابن عدي: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقـيرا
فأعاد الإظهار. وقال الجعدي: إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهـرا
والرفع الوجه. وقال الفرزدق: لعمرك ما معن بتارك حقه ولا منسئ معن ولا متيسر
وإذا قلت: ما زيد منطلقاً أبو عمرو، وأبو عمرو أبوه، لم يجز، لأنك لم تعرفه به ولم تذكر له إضماراً ولا إظهاراً فيه، فهذا لا يجوز لأنك لم نجعل له فيه سبباً.
وتقول: ما أبو زينب ذاهباً ولا مقيمة أمها ترفع، لأنك لو قلت: ما أبو زينب مقيمةً أمها لم يجز، لأنها ليست من سببه وإنما عملت ما فيه لا في زينب. ومن ذلك قول الشاعر، وهو الأعور الشني: هون عليك فإن الأمـور بكف الإله مقـاديرهـا
فليس بآتيك مـنـهـيهـا ولا قاصر عنك مأمورها
لأنه جعل المأمور من سبب الأمور ولم يجعله من سبب المذكر وهو المنهي. وقد جره قوم فجعلوه المأمور للمنهي، والمنهى هو الأمور لأنه من الأمور وهو بعضها، فأجراه وأنثه كما قال جرير: إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
ومثل ذلك قول الشاعر، النابغة الجعدي: فليس بمعروف لنا أن نردهـا صحاحاً ولا مستنكر أن تعقرا
كأنه قال: ليس بمعروف لنا ردها صحاحاً ولا مستنكر عقرها، والعقر ليس للرد. وقد يجوز أن يجر ويحمله على الرد ويؤنث لأنه من الخيل، كما قال ذو الرمة: مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها من الرياح الـنـواسـم
كأنه قال: تسفهتها الرياح، وكأنه قال: ليس بآتيتك منهيها وليس بمعروفةٍ ردها، حين كان من الخيل والخيل مؤنثة فأنث.

ومثل هذا قوله تعالى جده: "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، أجرى الأول على لفظ الواحد والآخر على المعنى. هذا مثله في أنه تكلم به مذكراً ثم أنث، كما جمع ههنا، وهو في قوله ليس بآتيتك منهيها، كأنه قال: ليس بآتيتك الأمور. وفي ليس بمعرفة ردها، كأنه قال: ليس بمعرفة خيلنا صحاحاً.
وإن شئت نصبت فقلت: ولا مستنكراً أن تعقرا ولا قاصراً عنك مأمورها، على قولك: ليس زيد ذاهباً ولا عمرو ومنطلقاً، أو ولا منطلقاً عمرو.
وتقول: ما كل سوداء تمرةً ولا بيضاء شحمة، وإن شئت نصبت شحمةً. وبيضاء في موضع جر، كأنك أظهرت كل فقلت ولا كل بيضاءً. قال الشاعر أبو داود: أكل امرئٍ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نـارا
فاستغنيت عن تثنية كل لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب. وجاز كما جاز في قولك: ما مثل عبد الله يقول ذاك ولا أخيه، وإن شئت قلت: ولا مثل أخيه. فكما جاز في جمع الخبر كذلك يجوز في تفريقه. وتفريقه أن تقول: ما مثل عبد الله يقول ذاك ولا أخيه يكره ذاك. ومثل ذلك ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك. فلما جاز في هذا جاز في ذلك.

المكي
23-01-2006, 09:21 PM
(18)
ما يجري على الموضع لا على الاسم الذي قبله
وذلك قولك: ليس زيد بجبان ولا بخيلاً، وما زيد بأخيك ولا صاحبك. والوجه فيه الجر لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين، وليس ينقض إجراؤه عليك المعنى. وأن يكون آخره على أوله أولى، ليكون حالهما في الباء سواءً كحالهما في غير الباء، مع قربه منه.
وقد حملهم قرب الجوار على أن جروا: هذا جحر ضبٍ خربٍ، ونحوه، فكيف ما يصح معناه.
ومما جاء من الشعر في الإجراء على الموضع قول عقيبة الأسدي: معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يخل بالمعنى ولم يحتج إليها وكان نصباً. ألا ترى أنهم يقولون حسبك هذا وبحسبك هذا، فلم تغير الباء معنى. وجرى هذا مجراه قبل أن تدخل الباء، لأن بحسبك في موضع ابتداءٍ. ومثل ذلك قول لبيد: فإن لم تجد من دون عدنان والداً ودون معدٍ فلتزعك العـواذل
والجر الوجه.
ولو قلت: ما زيد على قومنا ولا عندنا كان النصب ليس غير، لأنه لا يجوز حمله على على. ألا ترى أنك لو قلت: ولا على عندنا لم يكن، لأن عندنا لا تستعمل إلا ظرفاً، وإنما أزدت أن تخبر أنه ليس عندكم.
وتقول: أخذتنا بالجود وفوقه، لأنه ليس من كلامهم وبفوقه.
ومثل ودون معدٍ قول الشاعر، وهو كعب بن جعيل: ألا حي ندماني عمير بن عامر إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
وقال العجاج: كشحا طوى من بلد مختاراً من يأسه اليائس أو حذارا
وتقول: ما زيد كعمرو ولا شبيهاً به، وما عمرو كخالدٍ ولا مفلحاً، النصب في هذا جيد، لأنك إنما تريد ما هو مثل فلان ولا مفلحاً. هذا وجه الكلام. فإن أردت أن تقول ولا بمنزلة من يشبهه جررت، وذلك قولك ما أنت كزيد ولا شبيهٍ به، فإنما أردت ولا كشبيهٍ به.
وإذا قلت ما أنت بزيد ولا قريباً منه فإنه ليس ههنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجئ بها، وأنت إذا ذكرت الكاف تمثل. وتكون قريباً ههنا إن شئت ظرفاً. فإن لم تجعل قريباً ظرفاً جاز فيه الجر على الباء والنصب على الموضع.

المكي
23-01-2006, 09:22 PM
(19)
الإضمار في ليس وكان كالإضمار في إن
إذا قلت: إنه من يأتينا نأته، وإنه أمة الله ذاهبة.
فمن ذلك قول بعض العرب: ليس خلق الله مثله. فلولا أن فيه إضماراً لم يجز أن تذكر الفعل ولم تعمله في اسم، ولكن فيه الإضمار مثل ما في إنه.
وسوف نبين حال هذا في الإضمار وكيف هو إن شاء الله. قال الشاعر، وهو حميد الأرقط: فأصبحوا والنوى عالي معرسهم وليس كل النوى تلقى المساكين
فلو كان كل على ليس ولا إضمار فيه لم يكن إلا الرفع في كل، ولكنه انتصب على تلقى. ولا يجوز أن تحمل المساكين على ليس وقد قدمت فجعلت الذي يعمل فيه الفعل الآخر يلي الأول، وهذا لا يحسن. لو قلت كانت زيداً الحمى تأخذ أو تأخذ الحمى لم يجز، وكان قبيحاً.
ومثل ذلك في الإضمار قول بعض الشعراء، العجير، سمعناه ممن يوثق بعربيته:

إذا مت كان الناس صنفان: شامت وآخر مثن بالذي كنت أصـنـع
أضمر فيها. وقال بعضهم: كان أنت خير منه كأنه قال إنه أنت خير منه. ومثله: كاد تزيغ قلوب فريق منهم، وجاز هذا التفسير لأن معناه كادت قلوب فريق منهم تزيغ، كما قلت: ما كان الطيب إلا المسك على إعمال ما كان الأمر الطيب إلا المسك، فجاز هذا إذ كان معناه ما الطيب إلا المسك.
وقال هشام أخو ذي الرمة: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبـذول
ولا يجوز ذا في ما في لغة أهل الحجاز؛ لأنه لا يكون فيه إضمار.
ولا يجوز أن تقول: ما زيداً عبد الله إضماراً، وما زيداً أنا قاتلاً، لأنه لا يستقيم كما لم يستقيم في كان وليس، أن تقدم ما يعمل فيه الآخر. فإن رفعت الخبر حسن حمله على اللغة التميمية، كما قلت: أما زيداً فأنا ضاربٌ، كأنك لم تذكر أما وكأنك لم تذكر ما، وكأنك قلت: زيداً أنا ضاربٌ.
وقال مزاحم العقيلي: وقالوا تعرفها المنازل من منـى وما كل من وافى منى أنا عارف
وقال بعضهم: وما كل من وافى منى أنا عارف
لزم اللغة الحجازية فرفع، كأنه قال: ليس عبد الله أنا عارف، فأضمر الهاء في عارف. وكان الوجه عارفه حيث لم يعمل عارف في كل، وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير، لأنهم قد يدعون هذه الهاء في كلامهم وفي الشعر كثيراً، وذلك ليس في شيء من كلامهم ولا يكاد يكون في شعر. وسترى ذلك إن شاء الله.

المكي
23-01-2006, 09:23 PM
(20)
ما يعمل عمل الفعل ولم يجر مجرى الفعل
ولم يتمكن تمكنه
وذلك قولك ما أحسن عبد الله. زعم الخليل أنه بمنزلة قولك:شيء أحسن عبد الله، ودخله معنى التعجب. وهذا تمثيل ولم يتكلم به.
ولا يجوز أن تقدم عبد الله وتؤخر ما ولا تزيل شيئاً عن موضعه، ولا تقول فيه ما يحسن، ولا شيئاً مما يكون في الأفعال سوى هذا.
وبناؤه أبداً من فعل وفعل وفعل وأفعل، هذا؛ لأنهم لم يريدوا أن يتصرف، فجعلوا له مثالاً واحداً يجري عليه، فشبه هذا بما ليس من الفعل نحو لات وما. وإن كان من حسن وكرم وأعطى، كما قالوا أجدل فجعلوه اسماً وإن كان من الجدل وأجري مجرى أفكل.
ونظير جعلهم ما وحدها اسماً قول العرب: إني مما أن أصنع، أي من الأمر أن أصنع، فجعل ما وحدها اسماً.
ومثل ذلك غسلته غسلاً نعماً، أي نعم الغسل.
وتقول: ما كان أحسن زيداً، فتذكر كان لتدل أنه فيما مضى.

المكي
24-01-2006, 01:13 AM
ما يختار فيه النصب وليس قبله منصوب
بني على الفعل، وهو باب الاستفهام وذلك أن من الحروف حروفاً لا يذكر بعدها إلا الفعل ولا يكون الذي يليها غيره، مظهراً أو مضمراً.
فما لا يليه الفعل إلا مظهراً: قد، وسوف، ولما، ونحوهن. فإن اضطر شاعر فقدم الاسم وقد أوقع الفعل على شيء من سببه لم يكن حد الإعراب إلا النصب، وذلك نحو لم زيدا أضربه، "إذا اضطر شاعر فقدم لم يكن إلا النصب في زيد ليس غير، ولو كان في شعر"، لأنه يضمر الفعل إذا كان ليس مما يليه الاسم، كما فعلوا ذلك في مواضع ستراها إن شاء الله.
وأما ما يجوز فيه الفعل مضمراً ومظهراً، مقدماً ومؤخراً، ولا يستقيم أن يبتدأ بعده الأسماء، فهلا ولولا ولوما وألا، لو قلت: هلا زيداً ضربت ولولا زيداً ضربت وألا زيداً قتلت جاز. ولو قلت: ألا زيداً وهلا زيداً على إضمار الفعل ولا تذكره جاز. وإنما جاز ذلك لأن فيه معنى التحضيض والأمر، فجاز فيه ما يجوز في ذلك.
ولو قلت: سوف زيدا أضرب لم يحسن، أو قد زيدا لقيت لم يحسن، لأنها إنما وضعت للأفعال، إلا أنه جاز في تلك الأحرف التأخير والإضمار، لما فابتدءوا بعدها الأسماء والأصل غير ذلك، ألا ترى أنهم يقولون: هل زيد منطلق، وهل زيد في الدار، "وكيف زيد آخذ". فإن قلت: هل زيداً رأيت وهل زيد ذهب قبح ولم يجز إلا في الشعر، لأنه لما اجتمع الاسم والفعل حملوه على الأصل فإن اضطر شاعر فقدم الاسم نصب كما كنت فاعلاً ذلك بقد ونحوها. وهو في هذه أحسن، لأنه يبتدأ بعدها الأسماء. وإنما فعلوا ذلك بالاستفهام لأنه كالأمر في أنه غير واجب، وأنه يريد "به" من المخاطب أمراً لم يستقر عند السائل. ألا ترى أن جوابه جزم فلهذا اختير النصب وكرهوا تقديم الاسم، لأنها حروف ضارعت بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابها كجوابه وقد يصير معنى حديثها إليه. وهي غير واجبة كالجزاء، فقبح تقديم الاسم "لهذا". ألا ترى أنك إذا قلت: أين عبد الله آته، فكأنك قلت: حيثما يكن آته.
وأما الألف فتقديم الاسم فيها قبل الفعل جائز كما جاز ذلك في هلا، "وذلك" لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول "عنه" إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره. وإنما تركوا الألف في من، ومتى، وهل، وهنحوهن حيث أمنوا الالتباس، ألا ترى أنك تدخلهاعلى من إذا تمت بصلتها، كقول الله عز وجل: "أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي أمناً يوم القيامة ". وتقول: أم هل، فإنما هي بمنزلة قد، ولكنهم تركوا الألف استغناء، إذ كان هذا "الكلام" لا يقع إلا في الاستفهام. وسوف تراه إن شاء الله متبينا أيضاً. فهي ههنا بمنزلة إن في باب الجزاء، فجاز تقديم الاسم فيها، كما جاز في قولك: إن شاء الله أمكنني من فلان فعلت "كذا وكذا". ويختار فيها النصب، لأنك تضمر الفعل فيها، لأن الفعل أولى إذا اجتمع هو والاسم. وكذلك كنت فاعلاً في إن، لأنها إنما هي للفعل. وسترى بيان ذلك إن شاء الله.
فالألف إذا كان معها فعل، بمنزلة لولا وهلا، إلا أنك إن شئت رفعت فيها، وهو في الألف أمثل منه في متى ونحوها، لأنه ق صار فيها مع أنك تبتدي بعدها الأسماء أنك تقدم الاسم قبل الفعل، والرفع فيها على الجواز.
ولا يجوز ذلك في هلا ولولا، لأنه لا يبتدأ بعدهما الأسماء. وليس جواز الرفع في الألف مثل جواز الرفع في ضربت زيدا وعمراً كلمته، لأنه ليس هاهنا حرف هو بالفعل أولى، وإنما اختير هذا على الجواز، وليكون معنى واحداً، فهذا أقوى. والذي يشبهه من حروف الاستفهام الألف."واعلم أ، حروف الاستفهام كلها يقبح أن يصير بعدها الاسم إذا كان الفعل بعد الاسم: لو قلت: هل زيد قام وأين زيد ضربته، لم يجز إلا في الشعر، فإذا جاء في الشعر نصبته، إلا الألف فإنه يجوز فيها الرفع والنصب، لأن الألف قد يبتدأ بعدها الاسم. فإن جئت في سائر حروف الاستفهام باسم وبعد ذلك الاسم اسم من فعل نحو ضارب، جاز في الكلام، ولا يجوز فيه النصب إلا في الشعر، لو قلت: هل زيد أنا ضاربه لكان جيدا في الكلام، لأن ضارباً اسم وإن كان في معنى الفعل. ويجوز النصب في الشعر ".

المكي
24-01-2006, 01:15 AM
ما ينصب في الألف
تقول: أعبد الله ضربته، وأزيداً مررت به، وأعمرا قتلت أخاه، وأعمراً اشتريت له ثوباً. ففي كل هذا قد أضمرت بين الألف والاسم فعلاً هذا تفسيره، كما فعلت ذلك فيما نصبته في هذه الأحرف في غير الاستفهام. قال جرير: أثعلبة الفوارس أم رياحـاً عدلت بهم طهية والخشابا
فإذا أوقعت عليه "الفعل" أو على شيء من سببه نصبته، وتفسيره ههنا هو التفسير الذي فسر في الابتداء: أنك تضمر فعلاً هذا تفسيره. إلا أن النصب هو الذي يختار ههنا، وهو حد الكلام. وأما الانتصاب ثم وها هنا فمن وجه واحد. ومثل ذلك أعبد الله كنت مثله، لأن كنت فعل والمثل مضاف إليه وهو منصوب. ومثله أزيداً لست مثله، لأنه فعل، فصار بمنزلة قولك أزيداً لقيت أخاه. وهو قول الخليل.
ومثل ذلك: ما أدرى أزيداً مررت به أم عمراً، وما أبالي أعبد الله لقيت أخاه أم عمرا، لأنه حرف الاستفهام، وهي تلك الألف التي في قولك أزيداً لقيته أم عمراً.
وتقول: أعبد الله ضرب أخوه زيداً، لا يكون إلا الرفع، لأن الذي من سبب عبد الله "مرفوع" فاعل، والذي ليس من سببه مفعول، فيرتفع إذا ارتفع الذي من سببه، كما ينتصب إذا انتصب، ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب، فإنما جعل هذا المظهر بينا ما هو مثله. فإن جعلت زيداً الفاعل قلت: أعبد الله ضرب أخاه زيد.
وتقول: أعبد الله ضرب أخوه غلامه إذا جعلت الغلام في موضع زيد حين قلت أعبد الله ضرب أخوه زيداً، فيصير هذا تفسيراً لشيء رفع عبد الله لأنه يكون موقعاً الفعل بما يكون من سببه كما يوقعه بما ليس من سببه، كأنه قال في التمثيل وإن كان لا يتكلم به: أعبد الله أهان غلامه أو عاقب غلامه، أو صار في هذه الحال "عند السائل وإن لم يكن" ثم فسر.
وإن جعلت الغلام في موضع زيد حين رفعت زيداً نصبت فقلت: أعبد الله ضرب أخاه غلامه، كأنه جعله تفسيراً لفعل غلامه أوقعه عليه، لأنه قد يوقع الفعل عليه ما هو من سببه كما يوقعه هو على ما هو من سببه، وذلك قولك: أعبد الله ضرب أباه، وأعبد الله ضربه أبوه، فجرى مجرى أعبد الله هو ضرب زيداً، وأعبد ضربه زيد، كأنه في التمثيل تفسير لقوله: أعبد الله أهان أباه غلامه، وأعبد الله ضرب أخاه غلامه. ولا عليك أقدمت الأخ أم أخرته، أم قدمت الغلام أم أخرته، أيهما ما جعلته كزيد مفعولاً فالأول رفع. وإن جعلته كزيد فاعلاً فالأول نصب.
وتقول: آلسوط ضرب به زيد، وهو كقولك: آلسوط ضربت به. وكذلك آلخوان أكل اللحم عليه، و"كذلك" أزيداً سميت به أو سمي به عمرو، لأن هذا في موضع نصب، وإنما تعتبره أنك لو قلت: آلسوط ضربت فكان هذا كلاماً، أو آلخوان أكلت، لم يكن إلا نصباً، "كما أنك لو قلت: أزيداً مررت فكان كلاماً لم يكن إلا نصباً". فمن ثم جعل هذا الفعل الذي لا يظهر تفسيره تفسير ما ينصب.
فاعتبر ما أشكل عليك من هذا بذا. فإن قلت: أزيد ذهب به أو أزيد انطلق به، لم يكن إلا رفعاً، لأنك لو لم تقل "به" فكان كلاماً لم يكن إلا رفعاً، كما قلت: أزيد ذهب أخوه، لأنك لو قلت: أزيد ذهب لم يكن إلا رفعاً.
وتقول: أزيداً ضربت أخاه، لأنك لو ألقيت الأخ قلت: أزيداً ضربت. فاعتبر هذا بهذا، ثم أجعل كل واحد جئت به تفسير "ما هو" مثله.
واليوم والظروف بمنزلة زيد وعبد الله، إذا لم يكن ظروفاً، وذلك "قولك": أيوم الجمعة ينطلق فيه عبد الله، كقولك: أعمراً تكلم فيه عبد الله، وأيوم الجمعة ينطلق فيه، كقولك: أزيد يذهب به.وتقول: أأنت عبد الله ضربته، تجريه هاهنا مجرى أنا زيد ضربته، لأن الذي يلي حرف الاستفهام أنت ثم ابتدأت هذا وليس قبله حرف استفهام ولا شيء هو بالفعل وتقديمه أولى. إلا أنك إن شئت نصبته كما تنصب زيداً ضربته، فهو عربي جيد، وأمره "ها" هنا على قولك: زيد ضربته.
فإن قلت: أكل يوم زيداً تضربه فهو نصب، كقولك: أزيداً تضربه كل يوم، لأن الظرف لا يفصل في قولك: ما اليوم زيد ذاهباً، وإن اليوم عمراً منطلق، فلا يحجز هاهنا كما لا يحجز ثمة.
وتقول: أعبد الله أخوه تضربه، كما تقول: أأنت زيد ضربته، لأن الاسم هاهنا بمنزلة مبتدأ ليس قبله شيء. وإن نصبته على قولك: زيدا تضربه قلت: أزيداً أخاه تضربه، لأنك نصبت الذي من سببه بفعل هذا تفسيره.
ومن "قال: زيدا ضربته" قال: أزيداً أخاه تضربه، فإنما نصب زيداً لأن ألف الاستفهام وقعت عليه، والذي من سببه منصوب. وقد يجوز الرفع في أعبد الله مررت به، على ما ذكرت لك، وأعبد الله ضربت أخاه. "وأما قولك: أزيدا مررتبه فبمنزلة قولك: أزيدا ضربته". والرفع في هذا أقوى منه في أعبد الله ضربته، وهو أيضاً قد يجوز إذا جاز هذا كما كان "ذلك فيما" قبله من الابتداء، وما جاء بعد ما بني على الفعل. وذلك أنه ابتدأ عبد الله وجعل الفعل في موضع المبني عليه، فكأنه قال: أعبد الله أخوك. فمن زعم أنه إذا قال: ازيداً مررت به إنما ينصبه بهذا الفعل فهو ينبغي له أن يجره، لأنه لا يصل إلا بحرف إضافة.
وإذا أعملت العرب شيئاً مضمراً لم يخرج عن عمله مظهراً في الجر والنصب والرفع؛ تقول: وبلد، تريد: ورب بلد. وتقول: زيدا تريد: عليك زيدا. وتقول: الهلال، تريد: هذا الهلال، فكله يعمل عمله مظهراً.
ومما يقبح بعده ابتداء الأسماء ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصباً في القياس: إذا، وحيث. تقول: إذا عب الله تلقاه فأكرمه، وحيث زيدا تجده فأكرمه؛ لأنهما يكونان في معنى حروف المجازاة. ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل. لو قلت: اجلس حيث زيد جلس وإذا زيد يجلس كان أقبح من قولك: إذا جلس زيد وإذا يجلس، وحيث "يجلس، وحيث" جلس. والرفع بعدهما جائز، لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدهما فتقول: اجلس حيث عبد الله جالس، واجلس إذا عبد الله جلس.
ولإذا مواضع آخر يحسن ابتداء الاسم بعدها فيه. تقول: نظرت فإذا زيد يضربه عمرو، لأنك لو قلت: نظرت فإذا زيد يذهب، لحسن. وأما إذ فيحسن ابتداء الاسم بعدها. تقول: جئت إذ عبد الله قائم، و "جئت" إذ عبد الله يقوم، إلا أنها في فعل قبيحة، نحو قولك: جئت إذ عبد الله قام. ولكن "إذ" إنما يقع في الكلام الواجب، فاجتمع فيها هذا وأنك تبتدئ الاسم بعدها، فحسن الرفع.
ومما ينتصب أوله لأن آخره ملتبس بالأول، قوله: أزيداً ضربت عمراً وأخاه، وأزيدا ضربت رجلا يحبه، وأزيدا ضربت جاريتين يحبهما، فإنما نصبت الأول لأن الآخر ملتبس به، إذ كانت صفته ملتبسة به. وإذا أردت أن تعلم التباسه به فأدخله في الباب الذي تقدم فيه الصفة، فما حسن تقديم صفته فهو ملتبس بالأول، وما لا يحسن فليس ملتبسا به. ألا ترى أنك تقول: مررت برجل منطلقة جاريتان يحبهما، ومررت برجل منطلق زيد وأخوه؛ لأنك لما أشركت بينهما في الفعل صار زيد ملتبسا بالأخ فالتبس برجل، ولو قلت: أزيدا ضربت عمرا وضربت أخاه لم يكن كلاما، لأن عمرا ليس فيه من سبب الأول شيء ولا ملتبسا به. ألا ترى أنك لو قلت: مررت برجل قائم عمرو وقائم أخوه لم يجز، لأن أحدهما ملتبس بالأول والآخر ليس ملتبساً.

المكي
24-01-2006, 01:16 AM
ما جرى في الاستفهام..
من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل كما يجري في غيره مجرى الفعل وذلك قولك: أزيداً أنت ضاربه، وأزيدا أنت ضارب له، وأعمراً أنت مكرم أخاه، وأزيدا أنت نازل عليه. كأنك قلت: أنت ضارب، وأنت مكرم، وأنت نازل، كما كان ذلك في الفعل، لأنه يجري مجراه ويعمل في المعرفة كلها والنكرة، مقدماً ومؤخراً، ومظهراً ومضمراً.
وكذلك: آلدار أنت نازل فيها.


وتقول: أعمراً أنت واجد عليه، وأخالدا أنت عالم به، وأزيدا أنت راغب فيه، لأنك لو ألقيت عليه وبه وفيه مما ها هنا لتعتبر، لم يكن ليكون إلا مما ينتصب، كأنه قال: أعبد الله أنت ترغب فيه، وأعبد الله أنت تعلم به، وأعبد الله أنت تجد عليه، فإنما استفهمته عن علمه به ورغبته فيه في حال مسألتك.
ولو قال: آلدار أنت نازل فيها، فجعل نازلاً اسماً رفع، كأنه قال: آلدار أنت رجل فيها.
ولو قال: أزيد أنت ضاربه فجعله بمنزلة قولك: "أزيداً" أنت أخوه جاز. ومثل ذلك في النصب: أزيدا أنت محبوس عليه، وأزيداً أنت مكابر عليه. وإن لم يرد به الفعل وأراد به وجه الاسم رفع.
وكذلك جميع هذا، فمفعول مثل يفعل، وفاعل مثل يفعل.
ومما يجري مجرى فاعل من أسماء الفاعلين فواعل، أجروه مجرى فاعله حيث كانوا جمعوه وكسروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلين وفاعلات. فمن ذلك قولهم: هن حواج بيت الله. وقال أبو كبير الهذلي: مما حملن به وهن عـواقـد حبك النطاق فعاش غير مهبل
وقال العجاج: أوالفا مكة من ورق الحمى
وقد جعل بعضهم فعالاً بمنزلة فواعل، فقالوا: قطان مكة، وسكان البلد الحرام، لأنه جمع كفواعل.
وأجروا اسم الفاعل، إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر، مجراه إذا كان على بناء فاعل، لأنه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلا أنه يريد أن يحدث عن المبالغة. فما هو الأصل الذي عليه أكثر هذا المعنى: فعول، وفعال ومفعال، وفعل. وقد جاء: فعيل كرحيم وعليم وقدير وسميع وبصير، يجوز فيهن ما جاز في فاعل من التقديم والتأخير، والإضمار والإظهار. لو قلت: هذا ضروب رؤوس الرجال وسوق الإبل، على: وضروب سوق الإبل جاز، كما تقول: "هذا" ضارب زيد وعمرا، تضمر وضارب عمرا.
ومما جاز فيه مقدماً ومؤخراً على نحو ما جاء في فاعل، قول ذي الرمة: هجوم عليها نفسـه غـير أنـه متى يرم في عينيه بالشبح ينهض
وقال أبو ذؤيب الهذلي: قلى دينه واهتاج للشوق إنـهـا على الشوق إخوان العزاء هيوج
وقال القلاخ: أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا
وسمعنا من يقول: "أما العسل فأنا شراب". وقال: بكيت أخا اللأواء يحمـد يومـه كريم، رؤوس الدارعين ضروب
وقال أبو طالب بن عبد المطلب: ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زاداً فـإنـك عـاقـر
وقد جاء في فعل وليس في كثرة ذلك، قال، وهو عمرو بن أحمر: أو مسحل شنج عضادة سمحج بسراته ندب لهـا وكـلـوم
وقل: "إنه لمنحار بوائكها".
وفعل أقل من فعيل بكثير.
وأجروه حين بنوه للجمع كما أجرى في الواحد ليكون كفواعل حين أجري مثل فاعل، من ذلك قول طرفة: ثم زادوا أنهم في قومهم غفر ذنبهم غير فجـر
ومما جاء على فعل قوله: حذر أمورا لا تخاف وآمن ما ليس منجيه من الأقدار
ومن هذا الباب قول رؤبة: برأس دماغ رؤوس العز
ومنه قول ساعدة بن جوية: حتى شآها كليل موهنا عمل باتت طراباً وبات الليل لم ينم
وقال الكميت: شم مهاوين أبدان الجزور مخـا ميص العشيات لا خور ولا قزم
ومنه قدير وعليم ورحيم، لأنه يريد المبالغة "في الفعل".
وليس "هذا" بمنزلة قولك حسن وجه الأخ، لأن هذا لا يقلب ولا يضمر، وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام أو نكرة، ولا تعني به أنك أوقعت فعلاً سلف منك إلى أحد.
ولا يحسن أن تفصل بينهما فتقول: هو كريم فيها حسب الأب.
ومما أجري مجرى الفعل من المصادر قول الشاعر: يمرون بالدهنا خفافاً عـيابـهـم ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلاً زريق المال ندل الثعالـب
كأنه قال: أندل. وقال المرار الأسدي: أعلاقة أم الوليد بـعـد مـا أفنان رأسك كالثغام المخلس
وقال: بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المـقـيل
وتقول: أعبد الله أنت رسول له ورسوله، لأنك لا تريد بفعول ههنا ما تريد به في ضروب، لأنك لا تريد أن توقع منه فعلاً عليه، فإنما هو بمنزلة "قولك": أعبد الله أنت عجوز له. وتقول: أعبد الله أنت له عديل وأعبد الله أنت له جليس، لأنك لا تريد به مبالغة في فعل، ولم تقل: مجالس فيكون كفاعل، فإنما هذا اسم بمنزلة قولك: أزيد أنت وصيف له أو غلام له. وكذلك: آلبصرة أنت عليها أمير.
فأما الأصل الأكثر الذي جرى مجرى الفعل في من الأسماء ففاعل. وإنما جاز في التي بنيت للمبالغة لأنها بنيت للفاعل من لفظه والمعنى واحد، وليست بالأبنية التي هي في الأصل أن تجرى مجرى الفعل، يدلك على ذلك أنها قليلة. فإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل فإنما هي بمنزلة غلام وعبد، لأن الاسم على فعل يفعل فاعل، وعلى فعل يفعل مفعول. فإذا لم يكن واحد منهما ولا الذي لمبالغة الفاعل لم يكن فيه إلا الرفع.
وتقول: أكل يوم أنت فيه أمير، ترفعه لأنه ليس بفاعل، وقد خرج "كل" من أن يكون ظرفاً، فصار بمنزلة عبد الله ألا ترى أنك إذا قلت: أكل يوم ينطلق فيه، صار كقولك: أزيد يذهب به ولو جاز أن تنصب كل يوم وأنت تريد بالأمير الاسم لقلت: أعبد الله عليه ثوب لأنك تقول: أكل يوم لك ثوب، فيكون نصباً. فإن قلت: أكل يوم لك فيه ثوب فنصبت، وقد جعلته خارجاً من أن يكون ظرفاً، فإنه ينبغي أن تنصب: أعبد الله عليه ثوب. وهذا لا يكون، لأن الظرف هنا لم ينصبه فعل، إنما عليه ظرف للثوب، وكذلك فيه.

المكي
24-01-2006, 01:17 AM
الأفعال التي تستعمل وتلغى
فهي ظننت، وحسبت، وخلت، وأريت ورأيت، وزعمت، وما يتصرف من أفعالهن.
فإذا جاءت مستعملة فهي بمنزلة رأيت وضربت وأعطيت في الإعمال والبناء على الأول، في الخبر والاستفهام وفي كل شيء. وذلك قولك: أظن زيداً منطلقاً، وأظن عمراً ذاهباً، وزيداً أظن أخاك، وعمراً زعمت أباك.
وتقول: زيد أظنه ذاهباً. ومن قال: عبد الله ضربته نصب "فقال": عبد الله أظنه ذاهباً.
وتقول: أظن عمراً منطلقاً وبكراً أظنه خارجاً، كما قلت: ضربت زيداً وعمراً كلمه، وإن شئت رفعت على الرفع في هذا.
فإن ألغيت قلت: عبد الله أظن ذاهب، وهذا إخال أخوك، وفيها أرى أبوك. وكلما أردت الإلغاء فالتأخير أقوى. وكل عربي "جيد".
وقال اللعين يهجو العجاج: أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعـدنـي وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
أنشدناه يونس مرفوعاً عنهم. وإنما كان التأخير أقوى لأنه "إنما" يجيء بالشك بعدما يمضي كلامه على اليقين، أو بعدما ما بتبدئ وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك، كما تقول: عبد الله صاحب ذاك بلغني، وكما قال: من يقول ذاك تدري، فأخر ما لم يعمل فيأوله كلامه. وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مضى كلامه على اليقين، وفيما يدري.
فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخر، كما قال: زيداً رأيت، ورأيت زيداً.
وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت، وذلك قولك: زيداً أخاك أظن، فهذا ضعيف كما يضعف زيداً قائماً ضربت؛ لأن الحد أن يكون الفعل مبتدا إذا عمل.
ومما جاء في الشعر معملاً في زعمت زعمت قول أبي ذؤيب: فإن تزعميني كنت أجل فيكـم فإني شربت الحلم بعدك بالجهل
وقال النابغة الجعدي: عددت قشيراً إذ عددت فلم أسـأ بذاك ولم أزعمك عن ذاك معزلا
وتقول: أين ترى عبد الله قائماً، وهل ترى زيداً ذاهباً، لأن هل وأين كأنك لم تذكرهما، لأن ما بعدهما ابتداء، كأنك قلت: أترى زيداً ذاهباً، وأتظن عمراً منطلقاً.
فإن قلت: أين، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة "فيها" إذا استغنى بها الابتداء، قلت: أين ترى زيد، وأين ترى زيداً.
واعلم أن "قلت" إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكى بها، وإنما تحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً، نحو قلت: زيد منطلق لأنه يحسن أن تقول: زيد منطلق، ولا تدخل "قلت". وما لم يكن هكذا أسقط القول عنه.
وتقول: قال زيد إن عمراً خير الناس. وتصديق ذلك قوله جل ثناؤه: "وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك"، ولولا ذلك لقال: "إن "الله"".

المكي
24-01-2006, 01:18 AM
من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعاً
لأنك تبتدئه لتنبه المخاطب، ثم تستفهم بعد ذلك وذلك قولك: زيد كم مرة رأيته، وعبد الله هل لقيته، وعمرو هلا لقيته، وكذلك سائر حروف الاستفهام؛ فالعامل فيه الابتداء، كما أنك لو قلت: أرأيت زيداً هل لقيته، كان علمت هو العامل، فكذلك هذا. فما بعد المبتدأ من هذا الكلام في موضع خبره.
فإن قلت: زيد كم مرة رأيت، فهو ضعيف، إلا أن تدخل الهاء، كما ضعف في قوله: "كله لم أصنع".
ولا يجوز أن تقول: زيداً هل رأيت، إلا أن تردي معنى الهاء مع ضعفه فترفع، لأنك قد فصلت بين المبتدأ وبين الفعل، فصار الاسم مبتدأ والفعل بعد حرف الاستفهام. ولو حسن هذا أو جاز لقلت: "قد علمت زيد كم ضرب، ولقلت: أرأيت زيد كم مرة ضرب على الفعل الآخر. فكما لا تجد بداً من إعمال الفعل "الأول" كذلك لا تجد بداً من إعمال الابتداء، لأنك إنما تجيء بالاستفهام بعدما تفرغ من الابتداء. ولو أرادوا الإعمال لما ابتدءوا بالاسم، ألا ترى أنك تقول: زيد هذا أعمرو ضربه أم بشر، ولا تقول: عمراً أضربت. فكما لا يجوز هذا لا يجوز ذلك. فحرف الاستفهام لا يفصل به بين العامل والمعمول، ثم يكون على حاله إذا جاءت الألف أولاً، وإنما يدخل على الخبر.
ومما لا يكون إلا رفعاً قولك: أأخواك اللذان رأيت؛ لأن رأيت صلة للذين وبه يتم اسماً، فكأنك قلت: أأخواك صاحبانا. ولو كان شيء من هذا ينصب شيئاً في الاستفهام لقلت في الخبر: زيداً الذي رأيت، فنصبت كما تقول: زيداً رأيت.
وإذا كان الفعل في موضع الصفة فهو كذلك، وذلك قولك: أزيد أنت رجل تضربه، وأكل يوم ثوب تلبسه. فإذا كان وصفاً فأحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه ليس بموضع إعمال، ولكنه يجوز فيه كما جاز في الوصل، لأنه في موضع ما يكون من الاسم. ولم تكن لتقول: أزيداً أنت رجل تضربه، وأنت إذا جعلته وصفاً للمفعول لم تنصبه، لأنه ليس بمبني على الفعل، ولكن الفعل في موضع الوصف كما كان في موضع الخبر.
فمن ذلك قول الشاعر: أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه
وقال زيد الخير: أفي كل عام مأتم تبعـثـونـه على محمر ثوبتموه وما رضا
وقال جرير فيما ليس فيه الهاء: أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
وقال آخر: فما أدري أغيرهـم تـنـاء وطول العهد أم مال أصابوا
ومما لا يكون فيه إلا الرفع قوله: أعبد الله أنت الضاربه؛ لأنك إنما تريد معنى أنت الذي ضربه. وهذا لا يجري مجرى يفعل. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ما زيداً أنا الضارب ولا زيداً أنت الضارب، "وإنما تقول: الضارب زيداً، على مثل قولك الحسن وجهاً". ألا ترى أنك لا تقول: أنت المائة الواهب كما تقول: أنت زيداً ضارب.
وتقول: هذا ضارب كما ترى، فيجيء على معنى هذا يضرب وهو يعمل في حال حديثك، وتقول: هذا ضارب فيجيء على مغنى هذا سيضرب. وإذا قلت: هذا الضارب فإنما تعرفه على معنى الذي ضرب فلا يكون إلا رفعاً، كما أنك لو قلت: أزيد أنت ضاربه إذا لم ترد بضاربه الفعل وصار معرفة "رفعت"، فكذلك هذا الذي لا يجيء إلا على هذا المعنى فإنما يكون بمنزلة الفعل نكرة.
وأصل وقوع الفعل صفة للنكرة، كما لا يكون الاسم كالفعل إلا نكرة. ألا ترى أنك لو قلت: أكل يوم زيداً تضربه لم يكن إلا نصباً، لأنه ليس بوصف. فإذا كان وصفاً فليس بمبني عليه الأول، كما أنه لا يكون الاسم مبنياً عليه في الخبر، فلا يكون ضارب بمنزلة يفعل وتفعل إلا نكرة.
وتقول: أذكر أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى، كأنه قال: أذكر نتاجها أحب إليك أم أنثى. فأن تلد اسم، وتلد به يتم الاسم كما يتم الذي بالفعل، فلا عمل له "هنا" كما ليس يكون لصلة الذي عمل.
وتقول: أزيد أني ضربه عمرو أمثل أم بشر، كأنه قال: أزيد ضرب عمرو إياه أمثل أم بشر، فالمصدر مبتدأ وأمثل مبني عليه، ولم ينزل منزلة يفعل، فكأنه قال: أزيد ضاربه خير أم بشر. وذلك لأنك ابتدأته وبنيت عليه فجعلته اسماً، ولم يلتبس زيد بالفعل إذ كان صلة له، كما لم يلتبس به الضاربه حين قلت: زيد أنت الضاربه، إلا أن الضاربه في معنى الذي ضربه، والفعل تمام هذه الأسماء، "فالفعل لا يلتبس بالأول إذا كان هكذا".

المكي
24-01-2006, 01:18 AM
وتقول: أأن تلد ناقتك ذكراً أحب إليك أم أنثى، لأنك حملته على الفعل الذي هو صلة أن، فصار في صلته، فصار كقولك: الذي رأيت أخاه زيد. ولا يجوز أن تبتدئ بالأخ قبل الذي وتعمل فيه رأيت "أخاه زيد". فكذلك لا يجوز النصب في قولك: أذكر أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى. وذلك أنك لو قلت: أخاه الذي رأيت زيد لم يجز، وأنت تريد: الذي رأيت أخاه زيد.
ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعاً "قولك": أعبد الله أنت أكرم عليه أم زيد، وأعبد الله أنت له أصدق أم بشر، كأنك قلت: أعبد الله أنت أخوه أم بشر، لأن أفعل ليس بفعل، ولا اسم يجري مجرى الفعل، وإنما هو بمنزلة حسن وشديد ونحو ذلك. ومثله: أعبد الله أنت له خير أم بشر.
وتقول: أزيد أنت له أشد ضرباً أم عمرو، فإنما انتصاب الضرب كانتصاب زيد في قولك: ما أحسن زيداً، وانتصاب وجه في قولك: حسن وجه الأخ. فالمصدر هنا كغيره من الأسماء، كقولك: أزيد أنت له أطلق وجهاً أم فلان. وليس له سبيل إلى الإعمال، وليس له وجه في ذلك.
ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعاً قولك: أعبد الله إن تره تضربه، وكذلك إن طرحت الهاء مع قبحه فقلت: أبعد الله إن تر تضرب، فليس للآخر سبيل على الاسم، لأنه مجزوم، وهو جواب الفعل الأول، وليس للفعل الأول سبيل، لأنه مع إن بمنزلة قولك: أعبد الله حين يأتيني أضرب فليس لعبد الله في يأتيني حظ، لأنه بمنزلة قولك: أعبد الله يوم الجمعة أضرب. ومثل ذلك: زيد حين أضرب يأتيني؛ لأن المعتمد على زيد آخر الكلام وهو يأتيني. وكذلك إذا قلت: زيداً إذا أتاني أضرب، وإنما هو بمنزلة حين.
فإن لم تجزم الآخر نصبت، وذلك قولك: أزيداً إن رأيت تضرب. وأحسنه أن تدخل في رأيت الهاء، لأنه غير مستعمل، فصارت حروف الجزاء في هذا بمنزلة قولك: زيد كم مرة رأيته. فإذا قلت: إن تر زيداً تضرب، فليس إلا هذا، صار بمنزلة قولك: حين ترى زيداً يأتيك، لأنه صار في موضع المضمر حين قلت: زيد حين تضربه يكون كذا وكذا. ولو جاز أن تجعل زيداً مبتدأ على هذا الفعل لقلت: القتال زيداً حين تأتي، تريد القتال حين تأتي زيداً.
وتقول في الخبر وغيره: إن زيداً تره تضرب، تنصب زيداً، لأن الفعل أن يلي إن أولي، كما كان ذلك في حروف الاستفهام، وهي أبعد من الرفع لأنه لا يبنى فيها الاسم على مبتدأ.
وإنما أجازوا تقديم الاسم في إن لأنها أم الجزاء ولا تزول عنه، فصار ذلك فيها كما صار في ألف الاستفهام ما لم يجز في الحروف الأخر.
وقال النمر بن تولب: لا تجزعي إن منفساً أهلكتـه وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وإن اضطر شاعر فأجري إذا مجرى إن فجازى بها قال: أزيد إذا تر تضرب، إن جعل تضرب جواباً. وإن رفعها نصب، لأنه لم يجعلها جواباً. وترفع الجواب حين يذهب الجزم من الأول في اللفظ. والاسم ههنا مبتدأ إذا جزمت، نحو قولهم: أيهم يأتك تضرب، إذا جزمت، لأنك جئت بتضرب مجزوماً بعد أن عمل الابتداء في أيهم ولا سبيل له عليه. وكذلك هذا حيث جئت به مجزوماً بعد أن عمل فيه الابتداء. وأما الفعل الأول فصار مع ما قبله بمنزلة حين وسائر الظروف.
وإن قلت: زيد إذا يأتيني أضرب، تريد معنى الهاء ولا تريد زيداً أضرب إذا يأتيني، ولكنك تضع أضرب ههنا مثل أضرب إذا جزمت وإن لم يكن مجزوماً؛ لأن المعنى معنى المجازاة في قولك: أزيد إن يأتك أضرب ولا تريد به أضرب زيداً، فيكون على أول الكلام، كما لم ترد بهذا أول الكلام، رفعت. وكذلك حين، إذا قلت: أزيد حين يأتيك تضرب.
وإنما رفعت الأول في هذا كله لأنك جعلت تضرب وأضرب جواباً، فصار كأنه من صلته إذ كان من تمامه، ولم يرجع إلى الأول. وإنما ترده إلى الأول فيمن قال: إن تأتني آتيك، وهو قبيح وإنما يجوز في الشعر.
وإذا قلت: أزيد إن يأتك تضرب فليس تكون الهاء إلا لزيد، ويكون الفعل الآخر جواباً للأول. ويدلك على أنها لا تكون إلا لزيد أنك لو قلت: أزيد إن تأتك أمة الله تضربها لم يجز، لأنك ابتدأ زيداً ولا بد من خبر، ولا يكون ما بعده خبراً له حتى يكون فيه ضميره.

المكي
24-01-2006, 01:19 AM
وإذا قلت: زيداً لم أضرب، أو زيداً لن أضرب، لم يكن فيه إلا النصب، لأنك لم توقع بعد لم ولن شيئاً يجوز لك أن تقدمه قبلهما فيكون على غير حاله بعدهما "كما كان ذلك في الجزاء". ولن أضرب نفي لقوله: سأضرب، كما أن "لا تضرب نفي لقوله: اضرب"، ولم أضرب نفي لضربت.
وتقول: كل رجل يأتيك فاضرب، "نصب" لأن يأتيك ههنا صفة، فكأنك قلت: كل رجل صالح اضرب.
فإن قلت: أيهم جاءك فاضرب، رفعته لأنه جعل جاءك في موضع الخبر، وذلك لأن قوله: فاضرب في موضع الجواب، وأي من حروف المجازاة وكل رجل ليست من حروف المجازاة. ومثله: زيد إن أتاك فاضرب، إلا أن تريد أول الكلام، فتنصب ويكون على حد قولك: زيداً إن أتاك تضرب، وأيهم يأتك تضرب، إذا كان بمنزلة الذي.
وتقول: زيداً إذا أتاك فاضرب. فإن وضعته في موضع زيد عن يأتك تضرب رفعت، فارفع إذا كانت تضرب جواباً ليأتك، وكذلك حين. والنصب في زيد أحسن إذا كانت الهاء يضعف تركها ويقبح.
فأعمله في الأول، وليس هذا في القياس لأنها تكون بمنزلة حين، وإذا وحين لا يكون واحداً منهما خبراً لزيد. ألا ترى أنك لا تقول: زيد حين يأتيني؛ لأن حين لا تكون ظرفاً لزيد.
وتقول: الحر حين تأتيني، فيكون ظرفاً، لما فيه من معنى الفعل. وجميع ظروف الزمان لا تكون ظروفاً للجثث.
فإن قلت: زيداً يوم الجمعة أضرب، لم يكن فيه إلا النصب، لأنه ليس ههنا معنى جزاء، ولا يجوز الرفع إلا على قوله: كله لم أصنع
ألا ترى أنك لو قلت: زيد يوم الجمعة فأنا أضربه لم يكن، "ولو قلت: زيد إذا جاءني فأنا أضربه كان جيداً". فهذا يدلك على أنه يكون على غير قوله زيداً أضرب حين يأتيك.

المكي
24-01-2006, 01:20 AM
الأمر والنهي
والأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبنى عليه الفعل ويبنى على الفعل، كما اختير ذلك في باب الاستفهام؛ لأن الأمر والنهي إنما هما للفعل، كما أن حروف الاستفهام بالفعل أولى، وكان الأصل فيها أن يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فهكذا الأمر والنهي، لأنهما لا يقعان إلا بالفعل، مظهراً أو مضمراً.
وهما أقوى في هذا من الاستفهام؛ لأن حروف الاستفهام قد يستفهم بها وليس بعدها إلا الأسماء نحو قولك: أزيد أخوك، ومتى زيد منطلق، وهل عمرو ظريف. والأمر والنهي لا يكونان إلا بفعل، وذلك قولك: زيداً اضربه، وعمراً امرر به، وخالداً اضرب أباه، وزيداً اشتر له ثوباً. ومثل ذلك: أما زيداً فاقتله، وأما عمراً فاشتر له ثوباً، وأما خالداً فلا تشتم أباه، وأما بكراً فلا تمرر به. ومنه: زيداً ليضربه عمرو، وبشراً ليقتل أباه بكر، لأنه أمر للغائب بمنزلة افعل للمخاطب.
وقد يكون في الأمر والنهي أن يبنى الفعل على الاسم، وذلك قولك: عبد الله اضربه، ابتدأت عبد الله فرفعته بالابتداء، ونبهت المخاطب له لتعرفه باسمه، ثم بنيت الفعل عليه كما فعلت ذلك في الخبر. ومثل ذلك: أما زيد فاقتله. فإذا قلت: زيد فاضربه، لم يستقم أن تحمله على الابتداء. ألا ترى أنك لو قلت: زيد فمنطلق لم يستقم، فهو دليل على أنه لا يجوز أن يكون مبتدأ. فإن شئت نصبته على شيء هذا تفسيره، كما كان ذلك في الاستفهام، وإن شئت على عليك، كأنك قلت: عليك زيداً فاقتله.
وقد يحسن ويستقيم أن تقول: عبد الله فاضربه، إذا كان مبيناً على مبتدأ مظهر أو مضمر. فأما في المظهر فقولك: هذا زيد فاضربه، وإن شئت لم تظهر "هذا" ويعمل كعمله إذا أظهرته، وذلك قولك: الهلال والله فانظر إليه، كأنك قلت: هذا الهلال، ثم جئت بالأمر.
ومما يدلك على حسن الفاء ههنا أنك لو قلت: هذا زيد فحسن جميل، كان "كلاماً" جيداً. ومن ذلك قول الشاعر: وقائلة خولان فانكح فتاتـهـم وأكرومة الحيين خلو كما هيا
هكذا سمع من العرب تنشده.
وتقول: هذا الرجل فاضربه، إذا جعلته وصفاً ولم تجعله خبراً. وكذلك: هذا زيد فاضربه، إذا كان معطوفاً على "هذا" أو بدلاً.

المكي
24-01-2006, 01:20 AM
وتقول: اللذين يأتيانك فاضربهما، تنصبه كما تنصب زيداً، وإن شئت رفعته على أن يكون مبنياً على مظهر أو مضمر. وإن شئت كان مبتدأ، لأنه يستقيم أن تجعل خبره من غير الأفعال بالفاء. ألا ترى أنك لو قلت: الذي يأتيني فله درهم، والذي يأتيني فمكرم محموم، كان حسناً. ولو قلت: زيد فله درهم لم يجز. وإنما جاز ذلك لأن قوله: الذي يأتيني فله درهم، في معنى الجزاء، فدخلت الفاء في خبره كما تدخل في خبر الجزاء.
ومن ذلك قوله عز وجل: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
ومن ذلك قولهم: كل رجل يأتيك فهو صالح، وكل رجل جاء فله درهمان؛ لأن معنى الحديث الجزاء.
وأما قول عدي بن زيد: أرواح مـودع أم بـكـور أنت فانظر لأي ذاك تصير
فإنه على أن يكون في الذي يرفع على حالة المنصوب في النصب. يعني أن الذي من سببه مرفوع فترفعه بفعل هذا يفسره، كما كان المنصوب ما هو من سببه ينتصب، فيكون ما سقط على سببيه تفسيره في الذي ينصب على أنه شيء هذا تفسيره. يقول: ترفع "أنت" على فعل مضمر، لأن الذي من سببه مرفوع، وهو الاسم المضمر الذي في انظر.
وقد يجوز "أن يكون" أنت على قوله: أنت الهالك، كما يقال: إذا ذكر إنسان لشيء، قال الناس: زيد. وقال الناس: أنت. ولا يكون على أن تضمر هذا، لأنك لا تشير للمخاطب إلى نفسه ولا تحتاج إلى ذلك وإنما تشير له إلى غيره. ألا ترى أنك لو أشرت له إلى شخصه فقلت: هذا أنت، لم يستقم.
ويجوز هذا أيضاً على قولك: شاهداك، أي ما ثبت لك شاهداك. قال الله تعالى جده: "طاعة وقول معروف ". فهو مثله. فإما أن يكون أضمر الاسم وجعل هذا خبره كأنه قال: أمرى طاعة "وقول معروف"، أو يكون أضمر الخبر فقال: طاعة وقول معروف أمثل.
واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي، وإنما قيل: "دعاء" لأنه استعظم أن يقال: أمر أو نهي. وذلك قولك: اللهم زيداً فاغفر ذنبه، وزيداً فأصلح شأنه، وعمراً ليجزه الله خيراً. وتقول: زيداً قطع الله يده، وزيداً أمر الله عليه العيش، لأن "معناه معنى" زيداً ليقطع الله يده.
وقال أبو الأسود الدؤلي: أميران كانا آخياني كلاهمـا فكلاً جزاه الله عني بما فعل
ويجوز فيه من الرفع ما جاز في الأمر والنهي، ويقبح فيه ما يقبح في الأمر والنهي.
وتقول: أما زيداً فجدعاً له، وأما عمراً فسقياً له؛ لأنك لو أظهرت الذي انتصب عليه سقياً وجدعاً لنصبت زيداً وعمراً، فإضماره بمنزلة إظهاره، كما تقول: أما زيداً فضرباً.
وتقول: أما زيد فسلام عليه، وأما الكافر فلعنة الله عليه؛ لأن هذا ارتفع بالابتداء.
وأما قوله عز وجل: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ". وقوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "، فإن هذا لم يبن على الفعل، ولكنه جاء على مثل قوله تعالى: "مثل الجنة التي وعد المتقون ". ثم قال بعد: "فيها أنهار من ماء"، فيها كذا وكذا. فغنما وضع المثل للحديث الذي بعده، فذكر أخباراً وأحاديث، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة، أو مما يقص عليهكم مثل الجنة، فهو محمول على هذا الإضمار "ونحوه". والله تعالى أعلم.
وكذلك "الزانية والزاني"، "كأنه" لما قال جل ثناؤه: "سورة أنزلناها فرضناها ". قال: في الفرائض الزانية والزاني، "أو الزانية والزاني في الفرائض". ثم قال: فاجلدوا، فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع، كما قال: وقائلة: خولان، فانكح فتاتهم
فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر. وكذلك: "والسارق والسارقة" "كأنه قال: و" فيما فرض عليكم "السارق والسارقة، أو السارق والسارقة فيما فرض عليكم". فإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث. ويحمل على نحو من هذا "ومثل ذلك": "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ".
وقد يجري هذا في زيد وعمرو على هذا الحد، إذا كنت تخبر "بأشياء" أو توصي. ثم تقول: زيد، فيمن أوصي به فاحسن إليه وأكرمه.
وقد قرأ أناس: "والسارق والسارقة " و "الزانية والزاني "، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة. ولكن أبت العامة إلا القراءة بالرفع.
وإنما كان الوجه في الأمر والنهي النصب لأن حد الكلام تقديم الفعل، وهو فيه أوجب، إذ كان ذلك يكون في ألف الاستفهام، لأنهما لا يكونان إلا بفعل.

المكي
24-01-2006, 01:21 AM
وقبح تقديم الاسم في سائر الحروف، لأنها حروف تحدث قبل الفعل. وقد يصير معنى حديثهن إلى الجزاء، والجزاء لا يكون إلا خبراً، وقد يكون فيهن الجزاء في الخبر، وهي غير واجبة كحروف الجزاء فأجريت مجراها. والأمر ليس يحدث له حرف سوى الفعل، فيضارع حروف الجزاء، فيقبح حذف الفعل منه كما يقبح حذف الفعل بعد حروف الجزاء. وإنما يقبح حذف الفعل وإضماره بعد حروف الاستفهام لمضارعتها حروف الجزاء.
وإنما قلت: زيداً اضربه، واضربه مشغولة بالهاء، لأن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالفعل، فلا يستغنى عن الإضمار إن لم يظهر.
باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام و حروف الأمر والنهي وهي حروف النفي، شبهوها بحروف الاستفهام حيث قدم الاسم قبل الفعل، لأنهن غير واجبات، كما أن الألف وحروف الجزاء غير واجبة، وكما أن الأمر والنهي غير واجبين.
وسهل تقديم الأسماء فيها لأنها نفي لواجب، وليست كحروف الاستفهام والجزاء، وإنما هي مضارعة، وإنما تجيء لخلاف قوله: قد كان.
وذلك قولك: ما زيداً ضربته ولا زيداً قتلته، وما عمراً لقيت أباه ولا عمراً مررت به ولا بشراً اشتريت له ثوباً. وكذلك إذا قلت: ما زيداً أنا ضاربه، إذا لم تجعله اسماً معروفاً. قال هدبة بن الخشرم العذري: فلا ذا جلال هبنه لـجـلالـه ولا ذاع ضياع هن يتركن للفقر
وقال زهير: لا الدار غيرها بعدي الأنيس ولا بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم
وقال جرير: فلا حسباً فخرت به لتـيم ولا جداً إذا ازدحم الجدود
وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى إذ كان يكون في ألف الاستفهام، لأنهن نفي واجب يبتدأ بعدهن ويبنى على المبتدأ بعدهن، ولم يبلغن أن يكن مثل ما شبهن به.
فإن جعلت "ما" بمنزلة ليس في لغة أهل الحجاز لم يكن إلا الرفع، لأنك تجيء بالفعل بعد أن يعمل فيه ما هو بمنزلة فعل يرفع، كأنك قلت: ليس زيد ضربته.
وقد أنشد بعضهم هذا البيت رفعاً، "قول مزاحم العقيلي": وقالوا تعرفها المنازل من منـى وما كل من وافي منى أنا عارف
فإن شئت حملته على ليس، وإن شئت حملته على "كله لم أصنع ". فهذا أبعد الوجهين.
وقد زعم بعضهم أن ليس تجعل كما، وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد. قال حميد الأرقط: فأصبحوا والنوى عالي معرسهم وليس كل النوى يلقي المساكين
وقال هشام أخو ذي الرمة: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبـذول
هذا كله سمع من العرب. والوجه والحد أن تحمله على أن في ليس إضماراً وهذا مبتدأ، كقوله: إنه أمة الله ذاهبة. إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيب إلا المسك، وما كان الطيب إلا المسك.
فإن قلت: ما أنا زيد لقيته، رفعت إلا في قول من نصب زيداً لقيته لأنك قد فصلت كما فصلت في قولك: أنت زيد لقيته. "وإن كانت ما التي هي بمنزلة ليس، فكذلك، كأنك قلت: لست زيد لقيته"، لأنك شغلت الفعل "بأنا"، وهذا مبتدأ بعد اسم، وهذا الكلام في موضع خبره، وهو فيه أقوى لأنه عامل في الاسم الذي بعده. وألف الاستفهام، وما في لغة بني تميم، يفصلن فلا يعملن. فإذا اجتمع أنك تفصل وتعمل الحرف فهو أقوى. وكذلك: إني زيد لقيته، وأنا عمرو ضربته، وليتني عبد الله مررت به، لأنه إنما هو اسم مبتدأ "ثم ابتدئ بعده"، أو اسم قد عمل فيه عامل ثم ابتدئ بعده الكلام في موضع خبره.
فأما قوله عز وجل: "إنا كل شيء خلقناه بقدر "، فإنما هو على قوله: زيداً ضربته، وهو عربي كثير. وقد قرأ بعضهم: "وأما ثمود فهديناهم"، إلا أن القراءة لا تخالف؛ لأن القراءة السنة.
وتقول: كنت عبد الله لقيته، لأنه ليس من الحروف التي ينصب ما بعدها كحروف الاستفهام وحروف الجزاء ولا ما شبه بها، وليس بفعل ذكرته ليعمل في شيء فينصبه أو يرفعه، ثم يضم إلى الكلام الأول الاسم بما يشرك "به"، كقولك: زيداً ضربت وعمراً مررت به، ولكنه شيء عمل في الاسم، ثم وضعت هذا في موضع خبره، مانعاً له أن ينصب، كقولك: كان عبد الله أبوه منطلق. ولو قلت: كنت أخاك وزيداً مررت به نصبت، لأنه قد أنفذ إلى مفعول ونصب ثم ضممت إليه اسماً وفعلاً.

المكي
24-01-2006, 01:22 AM
وإذا قلت: كنت زيد مررت به، فقد صار هذا في موضع أخاك ومنع الفعل أن يعمل.
وكذلك: حسبتني عبد الله مررت به، لأن هذا المضمر المنصوب بمنزلة المرفوع في كنت؛ لأنه يحتاج إلى الخبر كاحتياج الاسم في كنت، وكاحتياج المبتدأ، فإنما هذا في موضع خبره، كما كان في موضع خبر كان، فإنما أراد أن يقول: كنت هذه حالي، وحسبتني هذه حالي، كما قال: لقيت عبد الله وزيد يضربه عمرو، فإنما قال: لقيت عبد الله وزيد هذه حاله، ولم يعطفه على الحديث الأول ليكون في مثل معناه، ولم يرد أن يقول: فعلت وفعل، وكذلك لم يرده في الأول. ألا ترى أنه لم ينفذ الفعل في كنت إلى المفعول الذي به يستغنى الكلام كاستغناء كنت بمفعوله. فإنما هذه في موضع الإخبار، وبها يستغنى الكلام.
وإذا قلت: زيداً ضربت وعمراً مررت به، فليس الثاني في موضع خبر، ولا تريد أن يستغنى به شيء لا يتم غلا به، فإنما حاله كحال الأول "في أنه مفعول"، وهذا "الثاني" لا يمنع الأول مفعوله أن ينصبه لأنه ليس في موضع خبره، فكيف يختار فيه النصب، وقد حال بينه وبين مفعوله، وكان في موضعه، إلا أن تنصبه على قولك: زيداً ضربته.
ومثل ذلك: قد علمت لعبد الله تضربه، فدخول اللام يدلك أنه إنما أراد به ما أراد إذا لم يكن قبله شيء، لأنها ليست مما يضم به الشيء إلى الشيء كحروف الاشتراك، فكذلك ترك الواو في الأول هو كدخول اللام هنا. وإن شاء نصب، كما قال الشاعر، وهو المرار الأسدي: فلو أنها إياك عضتك مـثـلـهـا جررت على ما شئت نحراً وكلكلا

المكي
24-01-2006, 01:44 PM
من الفعل
يبدل فيه الآخر من الأول ويجرى على الاسم
كما يجرى أجمعون على الاسم، وينصب بالفعل لأنه مفعول
فالبدل أن تقول: ضرب عبد الله ظهره وبطنه، وضرب زيد الظهر والبطن، وقلب عمرو ظهره وبطنه، ومطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنا السهل والجبل. ون شئت كان على الاسم بمنزلة أجمعين توكيدا.
وإن شئت نصبت، تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل، وقلب زيد ظهره وبطنه. فالمعنى أنهم مطروا في السهل والجبل، وقلب على الظهر والبطن. ولكنهم أجازوا هذا، كما أجازوا "قولهم": دخلت البيت، وإنما معناه دخلت في البيت. والعامل فيه الفعل، وليس المنتصب ههنا بمنزلة الظرف؛ لأنك لو قلت: "قلب" هو ظهره وبطنه وأنت تعني على ظهره لم يجز.
ولم يجيزوه في غير السهل والجبل، والظهر والبطن، كما لم يجز دخلت عبد الله، فجاز هذا في هذا وحده، كما لم يجز حذف حرف الجر إلا في الأماكن، في مثل: دخلت البيت. واختصت بهذا، كما أن لدن مع غدوة لها حال ليست في غيرها من الأسماء، وكما أن عسى لها في قولهم: "عسى الغوير أبؤساً " حال لا تكون في سائر الأشياء.

المكي
24-01-2006, 01:45 PM
ونظير هذا أيضاً في أنهم حذفوا حرف الجر ليس إلا، قولهم: نبئت زيداً قال ذاك، إنما يريد عن زيد، إلا أن معنى الأول معنى الأماكن.
وزعم الخليل رحمه الله أنهم يقولون: مطرنا الزرع والضرع.
وإن شئت رفعت على البدل وعلى أن تصيره بمنزلة أجمعين تأكيداً.
فإن قلت: ضرب زيد اليد والرجل، جاز "على" أن يكون بدلا، وأن يكون توكيدا. وإن نصبته لم يحسن؛ لأن الفعل إنما أنفذ في هذه الأسماء خاصة إلى المنصوب إذا حذفت منه حرف الجر، إلا أن تسمع العرب تقول في غيره، وقد سمعناهم يقولون: مطرتهم ظهراً وبطناً.

المكي
24-01-2006, 01:46 PM
وتقول: مطر قومك الليل والنهار، على الظرف وعلى الوجه الآخر. وإن شئت رفعته على سعة الكلام، كما قال: صيد عليه الليل والنهار، وهو نهاره صائم وليله قائم، وكما قال جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بـنـائم
فكأنه في كل هذا جعل الليل بعض الاسم. وقال آخر: أما النهار ففي قـيد وسـلـسـلة والليل في قعر منحوت من الساج
فكأنه جعل النهار في قيد والليل في بطن منحوت، أو جعله الاسم أو بعضه.
وإن شئت قلت: ضرب عبد الله ظهره، ومطر قومك سهلهم، على قولك: رأيت القوم أكثرهم، ورأيت عمراً شخصه، كما قال: فكأنه لهق السراة كأنه ما حاجبيه معين بسواد
"يريد: كأن حاجبيه، فأبدل حاجبيه من الهاء التي في كأنه، وما زائدة".
وقال الجعدي: ملك الخورنق والسدير وداته ما بين حمير أهلهـا وأوال
"يريد: ما بين أهل حمير، فأبدل الأهل من حمير".
ومثل ذلك قولهم: صرفت وجوهها أولها. و "مثله": ما لي بهم علم أمرهم.
وأما قول جرير:
مشق الهواجر لحمهن مع السرى حتى ذهبن كلا كلاً وصـدورا
فإنما هو على قوله: ذهب قدماً، وذهب أخراً.
وقال عمرو بن عمار النهدي: طويل متل العنق أشرف كاهـلاً أشق رحيب الجوف معتدل الجرم
كأنه قال: ذهب صعداً، فإنما خبر أن الذهاب كان على هذه الحال.
ومثله: "قول رجل من عمان": إذا أكلت سمكاً وفـرضـاً ذهبت طولاً وذهبت عرضا
فإنما شبه هذا الضرب من المصادر.
وليس هذا مثل قول عامر بن الطفيل: فلأبغينكم قناً وعـوارضـاً ولأقبلن الخيل لابة ضرغد
لأن قناً وعوارض مكانان، وإنما يريد: بقناً وعوارض، ولكن الشاعر شبهه بدخلت البيت، وقلب زيد الظهر والبطن.

المكي
24-01-2006, 01:47 PM
من
اسم الفاعل "الذي" جرى مجرى الفعل المضارع
في المفعول في المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في يفعل كان نكرة منوناً وذلك قولك: هذا ضارب زيداً غداً. فمعنا وعمله مثل هذا يضرب زيداً "غداً". فإذا حدثت عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك. وتقول: هذا ضارب عبد الله الساعة، فمعناه وعمله مثل "هذا" يضرب زيداً الساعة. وكان "زيد" ضارباً أباك، فإنما تحدث أيضاً عن اتصال فعل في حال وقوعه. وكان موافقاً زيداً، فمعناه وعمله كقولك: كان يضرب أباك، ويوافق زيداً. فهذا جرى مجرى الفعل المضارع في العمل والمعنى منوناً.

المكي
24-01-2006, 01:48 PM
ومما جاء في الشعر: منوناً "من هذا الباب قوله ": إني بحبلك واصل حبلي وبريش نبلك رائش نبلي
وقال "عمر" بن أبي ربيعة: ومن مالي عينيه من شـيء غـيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
وقال زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كـان جـائيا
وقال الأخوص الرياحي: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعباً إلا ببين غرابـهـا
واعلم أن العرب يستخفون فيحذفون التنوين والنون، ولا يتغير من المعنى، ولا يجعله معرفة. فمن ذلك "قوله عز وجل": "كل نفس ذائقة الموت " و "إنا مرسلو الناقة " و "لو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم " و "غير محلى الصيد ". فالمعنى معنى " ولا آمين البيت الحرام ".
"و" يزيد هذا عندك بياناً قوله تعالى جده: "هدياً بالغ الكعبة " و "عارض ممطرنا ". فلو لم يكن هذا في معنى النكرة والتنوين لم توصف به النكرة.

المكي
24-01-2006, 01:49 PM
ومما جاء في الشعر غير منون قول الفرزدق: أتاني على القعساء عادل وطبه برجلي لئيم واست عبد تعادله
يريد: عادلاً وطبه. وقال الزبرقان بن بدر: مستحقبي حلق الماذي يحفزه بالمشرفي وغاب فوقه حصد
وقال السليك بن السلكة: تراها من يبيس الماء شهباً مخالظ درة منها غـرار
"يريد: عرف الخيل".
ومما يزيد هذا الباب إيضاحاً "أنه" على معنى المنون قول النابغة: احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثـمـد
"فوصف به النكرة". وقال المرار الأسدي: سل الهموم بكل معطي رأسه ناج مخالط صهبة متعـيس
فهو على المعنى لا على الأصل، والأصل التنوين؛ لأن هذا الموضع لا يقع فيه معرفة. ولو كان الأصل ههنا ترك التنوين لما دخله التنوين ولا كان ذلك نكرة، وذلك أنه لا يجري مجرى المضارع فيما ذكرت لك.
وزعم عيسى أن بعض العرب ينشد هذا البيت، "لأبي الأسود الدؤلي": فألفيته غير مستعـب ولا ذاكر الله إلا قليلا
لم يحذف التنوين استخفافاً ليعاقب المجرور، ولكنه حذفه لالتقاء الساكنين، "كما قال: رمى القوم". وهذا اضطرار، وهو مشبه بذلك الذي ذكرت "لك".
وتقول في هذا الباب: هذا ضارب زيد وعمرو، إذا أشركت بين الآخر والأول في الجار؛ لأنه ليس في العربية شيء يعمل في حرف فيمتنع أن يشرك بينه وبين مثله. وإن شئت نصبت على المعنى وتضمر له ناصباً، فتقول: هذا ضارب زيد وعمراً، كأنه قال: ويضرب عمراً، أو وضارب عمراً.

المكي
24-01-2006, 01:50 PM
ومما جاء على المعنى قول جرير: جئني بمثل بني بدر لقومـهـم أو مثل أسرة منظور بن سيار
وقال كعب بن جعيل "التغلبي": أعني بخوار العنان تـخـالـه إذا راح يردى بالمدجج أحردا
وأبيض مصقول السطام مهنداً وذا حلق من نسج داود مسردا
فحمله على المعنى، كأنه قال: وأعطني أبيض مصقول السطام، وقال: هات مثل أسرة منظور "بن سيار".
والنصب في الأول أقوى وأحسن، لأنك أدخلت الجر على الحرف الناصب ولم تجيء ههنا إلا بما أصله الجر ولم تدخله على ناصب ولا رافع. وهو على ذلك عربي جيد. والجر أجود. وقال "رجل من قيس عيلان": بينا نحن نطلبـه أتـانـا معلق وفضة وزناد راع
وزعم عيسى أنهم ينشدون هذا البيت: هل أنت باعث دينار لحاجـتـنـا أو عبد رب أخا عون بن مخراق
فإذا أخبر أن الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين البتة، لأنه إنما أجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكل واحد منهما داخل على صاحبه، فلما أراد سوى ذلك المعنى جرى مجرى الأسماء التي من غير ذلك الفعل، لأنه إنما شبه بما ضارعه من الفعل كما شبه به في الإعراب. وذلك قولك: هذا ضارب عبد الله وأخيه. وجه الكلام وحده الجر، لأنه ليس موضعاً للتنوين. وكذلك قولك: هذا ضارب زيد فيها وأخيه، وهذا قاتل عمرو أمس وعبد الله، وهذا ضارب عبد الله ضرباً شديداً وعمرو.

المكي
24-01-2006, 01:50 PM
ولو قلت: هذا ضارب عبد الله وزيداً، جاز على إضمار فعل، أي وضرب زيداً. وإنما جاز هذا الإضمار لأن معنى الحديث في قولك هذا ضارب زيد: هذا ضرب زيداً، وإن كان لا يعمل عمله، فحمل على المعنى، كما قال جل ثناؤه: "ولحم طير مما يشتهون. وحور عين " لما كان المعنى في الحديث على قوله: لهم فيها، حمله على شيء لا ينقض الأول في المعنى. وقد قرأه الحسن. ومثله قول الشاعر: يهدي الخميس نجاداً في مطالعها إما المصاع وإما ضربة رغب
حمله على شيء لو كان عليه الأول لم ينقض المعنى.

المكي
24-01-2006, 01:51 PM
ومثله قول كعب بن زهير: فلم يجـد إلا مـنـاخ مـطـية تجافى بها زور نبيل وكلـكـل
ومفحصها عنها الحصى بجرانها ومثنى نواج لم يخنهن مفصـل
ومسر ظماء واترتهن بعـدمـا مضت هجعة من آخر الليل ذبل
كأنه قال: وثم سمر "ظماء". وقال: بادت وغير آيهن مع البلى إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج أما سواء قذالـه فبدا وغير ساره المعزاء
لأن قوله "إلا رواكد" هي في معنى الحديث: بها رواكد، فحمله على شيء لو كان عليه الأول لن ينقض الحديث. والجر في هذا أقوى، يعني هذا ضارب زيد وعمرو وعمراً بالنصب. وقد فعل لأنه اسم وإن كان قد جرى مجرى الفعل بعينه. والنصب في الفصل أقوى، إذا قلت: هذا ضارب زيد فيها وعمراً، وكلما طال الكلام كان أقوى؛ وذلك أنك لا تفصل بين الجار وبين ما يعمل فيه، فكذلك صار هذا أقوى.
فمن ذلك قوله جل ثناؤه: "وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ".

المكي
24-01-2006, 01:53 PM
وكذلك إن جئت باسم الفاعل الذي تعدى فعله إلى مفعولين وذلك قولك: هذا معطى زيد درهما وعمرو، إذا لم تجره على الدرهم، والنصب على ما نصبت عليه ما قبله. وتقول: هذا معطى زيد وعبد الله. والنصب إذا ذكرت الدرهم أقوى، لأنك "قد" فصلت بينهما.

المكي
24-01-2006, 01:54 PM
وإن لم ترد بالاسم الذي يتعدى فعله إلى مفعولين أن يكون الفعل قد وقع أجريته مجرى الفعل الذي يتعدى إلى مفعول في التنوين وترك التنوين وأنت تريد معناه، و "في" النصب والجر وجميع أحواله، فإذا نونت فقلت: هذا معط زيداً درهماً لا تبالي أيهما قدمت، لأنه يعمل عمل الفعل. وإن لم تنون لم يجز هذا معطي درهماً زيد، لأنك لا تفصل بين الجار والمجرور، لأنه داخل في الاسم فإذا نونت انفصل كانفصاله في الفعل. فلا يجوز إلا "في قوله" هذا معطى زيداً، كما قال تعالى جده: "فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ".

المكي
24-01-2006, 01:56 PM
جرى مجرى الفاعل الذي يتعداه فعله
إلى مفعولين في اللفظ لا في المعنى
وذلك قولك: يا سارق الليل أهل الدار
"و" تقول على هذا الحد: سرقت الليل أهل الدار، فتجري الليلة على الفعل في سعة الكلام، كما قال: صيد عليه يومان، وولد له ستون عاماً. فاللفظ يجري على قوله: هذا معطى زيد درهماً، والمعنى إنما هو في الليلة، وصيد عليه في اليومين، غير أنهم أوقعوا الفعل عليه لسعة الكلام.

المكي
24-01-2006, 01:56 PM
وكذلك لو قلت: هذا مخرج اليوم الدرهم وصائد اليوم الوحش.
ومثل ما أجري مجرى هذا في سعة الكلام والاستخفاف قوله عز وجل: "بل مكر الليل والنهار". فالليل والنهار لا يمكران، ولكن المكر فيهما.
فإن نونت فقلت: يا سارقاً الليلة أهل الدار، كان حد الكلام أن يكون أهل الدار على سارق منصوباً، ويكون الليلة ظرفاً، لأن هذا موضع انفصال. وإن شئت أجريته على الفعل على سعة الكلام.

المكي
24-01-2006, 01:57 PM
ولا يجوز: يا سارق الليلة أهل الدار إلا في شعر، كراهية أن يفصلوا بين الجار والمجرور. فإذا كان منوناً فهو بمنزلة الفعل الناصب، تكون الأسماء فيه منفصلة. قال الشاعر، وهو الشماخ: رب ابن عم لسليمى مشمـعـل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
"هذا على: يا سارق الليلة أهل الدار". وقال الأخطل: وكرار خلف المحجرين وجواده إذا لم يحام دون أنثى حليلـهـا
فإن قلت: كرار وطباخ، صار بمنزلة طبخت وكررت، تجريها مجرى السارق حين نونت، على سعة الكلام.

المكي
24-01-2006, 01:57 PM
وقال "رجل من بني عامر": ويوم شهدناه سليماً وعـامـراً قليل سوى الطعن النهال نوافله
"وكما قال: ثماني حجج حججتهن بيت الله".
ومما جاء في الشعر قد فصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن قميئة.
لما رأت ساتسدما استعبرت لله در اليوم من لامـهـا
وقال أبو حية النميري: كما خط الكتاب بكف يوماً يهودي يقـارب أو يزيل
وهذا لا يكون فيه إلا هذا، لأنه ليس في معنى فعل ولا اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل.

أبو ذكرى
24-01-2006, 02:01 PM
أخي المكي

تهنئة خاصة أبثها إليك وشعور بالغبطة لما تتمتع به من عزيمة واجتهاد.

وحتى ننتفع بعلمك أخي، أقترح عليك أن تدون قراءاتك للكتاب على شكل فوائد توجزها في جمل قصيرة.

فالملاحظ أن المقالات الطويلة لا تقرأ إلا نادرا.

وفقك الله.

المكي
24-01-2006, 02:12 PM
أشكرك أخي (أبو ذكرى) وفقني الله وإياك

المكي
26-01-2006, 12:52 AM
ومما جاء مفصولاً بينه وبين المجرور قول الأعشى: ولا نقاتل بـالـعـص ي ولا نرامي بالحجاره
إلا عـلالة أو بـــدا هة قارح نهد الجزاره
وقال ذو الرمة: كأن أصوات من إيغالهن بـنـا أواخر الميس أصوات الفراريج
فهذا قبيح.

المكي
26-01-2006, 12:53 AM
صار الفاعل فيه بمنزلة
الذي فعل في المعنى، وما يعمل فيه
وذلك قولك: هذا الضارب زيداً، فصار في معنى "هذا" الذي ضرب زيداً، وعمل عمله، لأن الألف واللام منعتا الإضافة وصارتا بمنزلة التنوين. وكذلك: هذا الضارب الرجل، وهو وجه الكلام.

المكي
26-01-2006, 12:54 AM
وقد قال قوم من العرب ترضى عربيتهم: هذا الضارب الرجل، شبهوه بالحسن الوجه، وإن كان ليس مثله في المعنى ولا في أحواله إلا أنه اسم، وقد يجر كما يجر وينصب أيضاً كما ينصب،

المكي
26-01-2006, 12:55 AM
وقد يشبهون الشيء بالشيء وليس مثله في جميع أحواله، وسترى ذلك في كلامهم كثيراً. وقال المرار الأسدي: أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعا
سمعناه ممن يرويه عن العبر، وأجرى بشراً على مجرى المجرور، لأنه جعله بمنزلة ما يكف منه التنوين.

المكي
26-01-2006, 12:56 AM
من المصادر جرى مجرى الفعل المضارع
في عمله ومعناه
وذلك قولك: عجبت من ضرب زيدا، "فمعناه أنه يضرب زيداً. وتقول: عجبت من ضرب زيداً" بكر، ومن ضرب زيد عمراً، إذا كان هو الفاعل، كأنه قال: عجبت من أنه يضرب زيد عمراً، ويضرب عمراً زيد.

المكي
26-01-2006, 12:56 AM
وإنما خالف هذا الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع في أن فيه فاعلاً ومفعولاً، لأنك إذا قلت: هذا ضارب فقد جئت بالفاعل وذكرته، وإذا قلت: عجبت من ضرب فإنك لم تذكر الفاعل، فالمصدر ليس بالفاعل وإن كان فيه دليل على الفاعل، "فلذلك احتجت فيه إلى فاعل ومفعول ولم تحتج حين قلت: هذا ضارب زيداً إلى فاعل ظاهر، لأن المضمر في ضارب هو الفاعل".

المكي
26-01-2006, 12:57 AM
فمما جاء من هذا قوله عز وجل: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيماً ذا مقربة ". وقال: فلولا رجاء النصر منك ورهبة عقابك قد صاروا لنا كالموارد

المكي
26-01-2006, 12:58 AM
الصفة المشبهة بالفاعل فيما عملت فيه
ولم تقوم أن تعمل عمل الفاعل لأنها ليست في معنى الفعل المضارع، فإنما شبهت بالفاعل فيما عملت فيه. وما تعمل فيه معلوم، إنما تعمل فيما كان من سببها معرفاً بالألف واللام أو نكرة، لا تجاوز هذا؛ لأنه ليس بفعل ولا اسم هو في معناه.

المكي
26-01-2006, 12:59 AM
والإضافة فيه أحسن وأكثر، لأنه ليس كما جرى مجرى الفعل ولا في معناه، فكان أحسن عندهم أن يتباعد منه في اللفظ، كما أنه ليس مثله في المعنى وفي قوته في الأشياء.

المكي
26-01-2006, 01:01 AM
استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى
لاتساعهم في الكلام، والإيجاز والاختصار فمن ذلك أن تقول على قول السائل: كم صيد عليه؟ وكم غير ظرف لما ذكرت لك من الاتساع والإيجاز، فتقول: صيد عليه يومان. وإنما المعنى صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع واختصر. ولذلك أيضاً وضع السائل كم غير ظرف.

المكي
26-01-2006, 01:02 AM
ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى جده: "واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " إنما يريد: أهل القرية، فاختصر، وعمل الفعل في القرية كم كان عاملاً في الأهل لو كان هاهنا.

المكي
26-01-2006, 01:03 AM
وقوع الأسماء ظروفاً
وتصحيح اللفظ على المعنى
فمن ذلك قولك: متى يسار عليه؟ وهو يجعله ظرفاً. فيقول: اليوم أو غداً، أو بعد غد أو يوم الجمعة. وتقول: متى سير عليه؟ فيقول: أمس أو أول من أمس، فيكون ظرفاً، على أنه كان السير في ساعة دون سائر ساعات اليوم، أو حين دون سائر أحيان اليوم. ويكون أيضاً على أنه يكون السير في اليوم كله، لأنك قد تقول: سير عليه في اليوم ويسار عليه في يوم الجمعة، والسير كان فيه كله.

المكي
26-01-2006, 01:04 AM
وقد تقول: سير عليه اليوم، فترفع وأنت تعني في بعضه، كما تقول في سعة الكلام: الليلة الهلال، وإنما الهلال في بعض الليلة، وإنما أراد الليلة ليلة الهلال، ولكنه اتسع وأوجز

المكي
26-01-2006, 01:04 AM
ما يكون فيه المصدر حيناً لسعة الكلام
والاختصار
وذلك قولك: متى سير عليه؟ فيقول الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلانس، وصلاة العصر. فإنما هو: زمن مقدم الحاج، وحين خفوق النجم، ولكنه على سعة الكلام والاختصار.

المكي
26-01-2006, 01:05 AM
وإن قال: كم سير عليه، فكذلك وإن رفعته أجمع كان عربياً كثيراص. وينتصب على أن تجعل كم ظرفاً. وليس هذا في سعة الكلام والاختصار بأبعد من: صيد عليه يومان، وولد له ستون عاماً.

المكي
26-01-2006, 01:06 AM
ما يكون من المصادر مفعولاً
فيرتفع كما ينتصب إذا شغلت الفعل به، وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره.
وإنما يجيء ذلك على أن تبين أي فعل فعلت أو توكيداً.

المكي
26-01-2006, 01:07 AM
ما يكون من المصادر مفعولاً
فيرتفع كما ينتصب إذا شغلت الفعل به، وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره.
وإنما يجيء ذلك على أن تبين أي فعل فعلت أو توكيداً.

المكي
26-01-2006, 01:07 AM
فمن ذلك قولك على قول السائل: أي سير سير عليه؟ فتقول: سير عليه سير شديد، وضرب به ضربٌ ضعيفٌ. فأجريته مفعولاً، والفعل له.

المكي
26-01-2006, 01:08 AM
فإن قلت: ضرب به ضرباً ضعيفاً، فقد شغلت الفعل بغيره عنه. ومثله: سير عليه سيراً شديداً. وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تذكر الصفة، تقول: سير عليه سيرٌ وضرب به ضربٌ، كأنك قلت: سير عليه ضربٌ من السير، أو سير عليه شيء من السير.

المكي
26-01-2006, 01:09 AM
وكذلك جميع المصادر ترتفع على أفعالها إذا لم تشغل الفعل بغيرها.

المكي
26-01-2006, 02:00 PM
ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل
الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره
لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلا مبتدأً لا يعمل فيه شيء قبله، لأن ألف الاستفهام تمنعه من ذلك.
وهو قولك: قد علمت أعبد الله ثم أم زيد، وقد عرفت أبو من زيد، وقد عرفت أيهم أبوه، وأما ترى أي برقٍ ها هنا. فهذا في موضع مفعول، كما أنك إذا قلت: عبد الله هلرأيته، فهذا الكلام في موضع المبنى على المبتدأ الذي يعمل فيه فيرفعه.

المكي
26-01-2006, 02:01 PM
ومثل ذلك: ليت شعري أعبد الله ثم أم زيد، وليت شعري هل رأيته، فهذا في موضع خبر ليت. فإنما أدخلت هذه الأشياء على قولك: أزيد ثم أم عمرو وأيهم أبوك، لما احتجت إليه من المعاني. وسنذكر ذلك في باب التسوية.

المكي
26-01-2006, 02:02 PM
من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء
لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث
وموضعها من الكلام الأمر والنهي، فمنها ما يتعدى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما لا يتعدى المأمور، ومنها ما يتعدى المنهي إلى منهي عنه، ومنها ما لا يتعدى المنهي.

المكي
26-01-2006, 02:02 PM
أما ما يتعدى فقولك: رويد زيداً، فإنما هو اسم لقولك: أرود زيداً. ومنها هلم زيداً، إنما تريد هات زيداً. ومنها قول العرب: حيهل الثريد. وزعم أبو الخطاب أن بعض العرب يقول: حيهل الصلاة، فهذا اسم ائت الصلاة، أي ائتوا الثريد وأتوا الصلاة.

المكي
26-01-2006, 02:03 PM
ومنه قوله: تراكها من إبل تراكها
فهذا اسم لقوله له: اتركها.

المكي
26-01-2006, 02:03 PM
وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي إلى مأمور به ولا إلى منهى عنه، فنحو قولك: مه مه، وصه صه، وآه وإيه، وما أشبه ذلك.

المكي
26-01-2006, 02:04 PM
واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر، وذلك أنها أسماء، وليست على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك، ولكن المأمور والمنهي مضمران في النية. وإنما كان من أصل هذا في الأمر والنهي وكانا أولى به، لأنهما لا يكونان إلا بفعل، فكان الموضع الذي لا يكون إلا فعلاً أغلب عليه.

المكي
26-01-2006, 02:04 PM
وهي أسماء الفعل، وأجريت مجرى ما فيه الألف واللام، نحو: النجاء، لئلا يخالف لفظ ما بعدها لفظ ما بعد الأمر والنهي. ولم تصرف تصرف المصادر، لأنها ليست بمصادر، وإنما سمي بها الأمر والنهي، فعملت عملهما ولم تجاوز، فهي تقوم مقام فعلهما.

المكي
26-01-2006, 02:05 PM
متصرف رويد
تقول: رويد زيداً، وإنما تريد أرود زيداً.
قال الهذلي: رويد عليا جد ما ثدى أمهم إلينا ولكن بغضهم متماين
وسمعنا من العرب من يقول: والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر. يريد: أرود الشعر، كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر.

المكي
26-01-2006, 02:06 PM
ويكون رويد أيضاً صفةً، كقولك: ساروا سيراً رويداً. ويقولون أيضاً: ساروا رويداً، فيحذفون السير ويجعلونه حالاً به وصف كلامه، واجتزأ بما في صدر حديثه من قول ساروا، عن ذكر السير.

المكي
26-01-2006, 02:06 PM
ومن ذلك قول العرب: ضعه رويداً، أي وضعاً رويداً. ومن ذلك قولك للرجل تراه يعالج شيئاً: رويداً، إنما تريد: علاجاً رويداً. فهذا على وجه الحال إلا أن يظهر الموصوف فيكون على الحال وعلى غير الحال.

المكي
26-01-2006, 02:07 PM
واعلم أن رويداً تلحقها الكاف وهي في موضع افعل، وذلك كقولك: رويدك زيداً، ورويد كم زيداً. وهذه الكاف التي لحقت رويداً إنما لحقت لتبين المخاطب المخصوص، لأن رويد تقع للواحد والجميع، والذكر والأنثى، فإنما أدخل الكاف حين خاف التباس من يعني بمن لا يعنى، وإنما حذفها في الأول استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني غيره.

المكي
26-01-2006, 02:08 PM
من
الفعل سمي الفعل فيه بأسماء مضافة
ليست من أمثلة الفعل الحادث، ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التي كانت للفعل، نحو رويد وحيهل، ومجراهن واحد وموضعهن من الكلام الأمر والنهي إذا كانت للمخاطب المأمور والمنهي.

المكي
26-01-2006, 02:09 PM
وإنما استوت هي ورويد وما أشبه رويد كما استوى المفرد والمضاف إذا كانا اسمين، نحو عبد الله وزيد، مجراهما في العربية سواء

المكي
26-01-2006, 02:10 PM
ومنها ما يتعدى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما يتعدى المنهي إلى المنهي عنه، ومنها ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي.
فأما ما يتعدى المأمور إلى مأمور به فهو قولك: عليك زيداً، ودونك زيداً، وعندك زيداً، تأمره به. حدثنا بذلك أبو الخطاب.
وأما ما تعدى المنهي إلى منهي عنه فقولك: حذرك زيداً، وحذارك زيداً، سمعناهما من العرب.

المكي
26-01-2006, 02:11 PM
ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل
المستعمل إظهاره إذا علمت أن الرجل مستغن عن لفظك بالفعل
وذلك قولك: زيداً، وعمراً، ورأسه. وذلك أنك رأيت رجلاً يضرب أو يشتم أو يقتل، فاكتفيت بما هو فيه من عمله أن تلفظ له بعمله فقلت: زيداً، أي أوقع عملك بزيدٍ. أو رأيت رجلاً يقول: أضرب شر الناس، فقلت: زيداً. أو رأيت رجلاً يحدث حديثاً فقطعه فقلت: حديثك. أو قدم رجل من سفر فقلت: حديثك. استغنيت عن الفعل بعلمه أنه مستخبرٌ، فعلى هذا يجوز هذا وما أشبهه.
وأما النهي فإنه التحذير، كقولك: الأسد الأسد، والجدار الجدار، والصبي الصبي، وإنما نهيته أن يقرب الجدار المخوف المائل، أو يقرب الأسد، أو يوطئ الصبي.

المكي
26-01-2006, 02:12 PM
وإن شاء أظهر في هذه الأشياء ما أضمر من الفعل، فقال: اضرب زيداً، وأشتم عمراً، ولا توطئ الصبي، وأحذر الجدار، ولا تقرب الأسد. ومنه أيضاً قوله: الطريق الطريق، إن شاء قال: خل الطريق، أو تنح عن الطريق. قال جرير: خل الطريق لمن يبني المنـار بـه وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر

المكي
26-01-2006, 02:13 PM
ولا يجوز أن تضمر تنح عن الطريق، لأن الجار لا يضمر، وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل، فصار كأنه شيء من الاسم لأنه معاقب للتنوين، ولكنك إن أضمرت أضمرت ما هو في معناه مما يصل بغير حرف إضافةٍ، كما فعلت فيما مضى.

المكي
26-01-2006, 02:13 PM
ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره
في غير الأمر والنهي
وذلك قولك، إذا رأيت رجلاً متوجهاً وجهة الحاج، قاصداً في هيئة الحاج، فقلت: مكة ورب الكعبة. حيث زكنت أنه يريد مكة، كأنك قلت: يريد مكة والله.

المكي
26-01-2006, 02:14 PM
ويجوز أن تقول: مكة والله، على قولك: أراد مكة والله، كأنك أخبرت بهذه الصفة عنه أنه كان فيها أمس، فقلت: مكة والله، أي أراد مكة إذ ذاك.
ومن ذلك قوله عز وجل: "بل ملة إبراهيم حنيفاً "، أي بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، كأنه قيل لهم: اتبعوا، حين قيل لهم: "كونوا هوداً أو نصارى".

المكي
26-01-2006, 02:15 PM
أو رأيت رجلاً يسدد سهماً قبل القرطاس فقلت: القرطاس والله، أي يصيب القرطاس. وإذا سمعت وقع السهم في القرطاس قلت: القرطاس والله، أي أصاب القرطاس.

المكي
26-01-2006, 02:15 PM
ولو رأيت ناساً ينظرون الهلال وأنت منهم بعيد فكبروا لقلت: الهلال ورب الكعبة، أي أبصروا الهلال. أو رأيت ضرباً فقلت على وجه التفاؤل: عبد الله، أي يقع بعبد الله أو بعبد الله يكون.

المكي
26-01-2006, 02:16 PM
ومثل ذلك أن ترىرجلاً يريد أن يوقع فعلاً، أو رأيته في حال رجل قد أوقع فعلاً، أو أخبرت عنه بفعل، فتقول: زيداً. تريد: اضرب زيداً، أو أتضرب زيداً.

المكي
26-01-2006, 02:16 PM
ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرفٍ
وذلك قولك: "الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌ"، و"المرء مقتول بما قتل به إن خنجراً فخنجرٌ وإن سيفاً فسيفٌ".

المكي
26-01-2006, 02:17 PM
وإن شئت أظهرت الفعل فقلت: إن كان خنجراً فخنجر وإن كان شراً فشرٌ. ومن العرب من يقول: إن خنجراً فخنجراً، وإن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، كأنه قال: إن كان الذي عمل خيراً جزى خيراً، وإن كان شراً جزي شراً. وإن كان الذي قتل به خنجراً كان الذي يقتل به خنجراً.

المكي
26-01-2006, 02:17 PM
والرفع أكثر وأحسن في الآخر؛ لأنك إذا أدخلت الفاء في جواب الجزاء استأنفت ما بعدها وحسن أن تقع بعدها الأسماء.

المكي
26-01-2006, 02:18 PM
وإنما أجازوا النصب حيث كان النصب فيما هو جوابه، لأنه يجزم كما يجزم، ولأنه لا يستقيم واحد منهما إلا بالآخر، فشبهوا الجواب بخبر الابتداء وإن لم يكن مثله في كل حالةٍ، كما يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله ولا قريباً منه. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى

المكي
26-01-2006, 02:19 PM
هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير وذلك قولك إذا كنت تحذر: إياك. كأنك قلت: إياك بح، وإياك باعد، وإياك اتق، وما أشبه ذا. ومن ذلك أن تقول: نفسك يا فلان، أي اتق نفسك، إلا أن هذا لا يجوز فيه إظهار ما أضمرت، ولكن ذكرته لأمثل لك ما لا يظهر إضماره.

المكي
26-01-2006, 02:20 PM
ومن ذلك أيضاً قولك: إياك والأسد، وإياي والشر، كأنه قال: إياك فاتقين والأسد، وكأنه قال: إياي لأتقين والشر. فإياك متقى والأسد والشر متقيان، فكلاهما مفعول ومفعول منه.