المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الحال المؤولة (المحكية)



الدكتور ضياء الدين الجماس
04-02-2019, 03:00 PM
الحالُ المؤوّلة (المَحكيّة)

للحال المؤولة "أو: المحكية" صورتان، لا بد لكل منهما من قرينة تدل على حكايتها .
الصورة الأولى: الزمن الماضي المؤول بالحال،
وهو الذي يكون فيه معنى المضارع قد تحقق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أن يذكر الفعل بصيغة الماضي، ولكنه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال الماضية التي ترشد إليها القرينة وفي هذه الصورة التي يكون فيها زمن المضارع حالا ماضية ولكنها مؤولة -يجب رفعه، ومن أمثلة الحال الماضية المؤولة أن يقول أحدنا اليوم
"هذا زهير الشاعر الجاهلي، يراجع قصيدته حتى تجود بعد حول في مراجعتها؛ فيذيعها، ولذا تسمى قصائده: "الحوليات" ... ". فمعنى المضارع -وهو الجودة بعد الحول- أمر فات حقا قبل النطق بكلمة: "حتى" وبجملتها. كفوات المراجعة. وزمن الأمرين في حقيقته ماض، ولكن التحدث عنهما بصورة المضارع -قصد به حكاية ما مضى، وإرجاع ما فات، على تخيل أنه يقع الآن -في وقت الكلام- أو على تخيل أن المتكلم قد ترك زمانه الذي يعيش فيه، ورجع إلى الزمن السالف الذي يتحقق فيه المعنى أمامه ساعة النطق، وكأنه من أهل ذلك العصر القديم. ووجود الرفع هنا يعتبر الدليل على الحكاية، وعلى ما يترتب عليها من أثر معنوي. ويسمى هذا الاتجاه: "حكاية الحال الماضية"، أي: إعادة حالة سبقت وحادثة وقعت، وترديد قصتها وقت الكلام، وكأنها تحصل أول مرة ساعة النطق بها، مع أنها -في حقيقة الأمر- قد حصلت من قبل، وانتهى أمرها قبل ترديدها. وهذه الصورة الغالبة في الحكاية.
والغرض من "حكاية الحال الماضية" هو الإشعار بأهمية القصة، وبصحة ما تضمنته من معنى قبل "حتى" وبعدها؛ لادعاء أنها تقع الآن -في وقت الكلام- وأن ما بعد "حتى" مسبب عما قبلها، وغاية له، فيثور الشوق إلى سماعها ويمتزج السامع بجوها.
ومن الأمثلة أيضا: "انظر إلى الفراعين يبنون قبورهم في حياتهم منحوته في الصخر الأصم حتى تستريح نفوسهم لصلابتها وقوتها، وربما أخفوها حتى يأمنون الأيدي العابثة بها ... " فزمن بناء القبور قد انتهى وانقضى، وكذلك الاستراحة، والإخفاء، والأمن ... فكان المناسب ذكر هذه المعاني بصيغة الماضي لا المضارع، ولكن جيء بالمضارع على سبيل "حكاية الحال الماضية"؛ ليكون من وراء ذلك توجيه الأنظار إلى القصة الهامة العجيبة، وأنها صحيحة؛ كأنها تقع الآن أمامنا ساعة التكلم بما يلابسها من غرائب؛ وكأن المتكلم يطلب إلى السامع التنبه إلى ما يحيط بها، وأن يستعيد صورتها كاملة ويعيش -ساعة سماعها- في جو يشابه الجو الحقيقي الذي ولدت فيه أول أمرها، دون الاكتفاء بالسماع المجرد. أو يريد منه أن ينتقل بخياله إلى العصر الحقيقي الذي وجدت فيه، ليشاهد وقت الكلام نشأتها، وتحققها هناك. فالتعبير عن القصة الماضية بصيغة المضارع و"الحال المحكية" يجعل القصة الماضية بمنزلة ما يحصل أمامنا الآن، أو يجعلنا بمنزلة من تقدم بهم الزمان فشاهدوها في وقتها الحقيقي السالف. والأمران على سبيل التخيل المحض، ولهذا يعتبر زمن المضارع حاليا تأويلا، لا حقيقة، ويجب رفعه مراعاة لهذه الحالية التأويلية. ولا بد في حكاية الحالة هذه من قرينة تدل على الحكاية.

والصورة الثانية: حكاية الحالة المستقبلية التي لم تقع بعد،-وهي صورة أقل استعمالا من الأولى- ويراد في التعبير عنها بما يدل على أنها تقع الساعة، وتحصل الآن "أي: وقت الكلام" مع أنها لم تقع ولم تتحقق قبل الكلام، ولا في أثنائه.
والغرض منها: إفادة القطع بمجيئها، وأنها آتية لا محالة، فهي بمنزلة ما وقع وتحقق، أو يقع ويتحقق في أثناء الكلام. ولا بد في هذه الحكاية من قرينة تدل عليها. ومن أمثلتها قول أحدهم: "ويل للمشرك يوم القيامة، إني أراه الآن يتلفت حتى يجد الشفيع ولا شفيع يومئذ، ويصرخ حتى يُسمع النصير، ولا نصير".
النحو الوافي – عباس حسن بتصرف بسيط