اعرض تغذية RSS

أحمد بن يحيى

لماذا أقدم أبا تمام ؟ (في سبع حلقات قصار)

التقييم: الأصوات 6, بمعدل 3.67.
(1)

أقدِّم أبا تمام:

لأنهم قالوا إنه أبعدَ في لفظه وأغرق، وأرعدَ في صنعة البديع وما أبرق؛ حتى غَلِقَتْ عليه في ذلك مغالقُه، وعلقت به معالقه، فكثرت له مزالقه . وهيهات، ما وجدتُ أحسنَ أحاسِنِه إلا عندَه، ولا رأيت كمثله أكرمَ وَفدَه ورِفدَه، وهل كانت الشعراءُ فيه إلا عالةً عليه بعدَه !

وقد نظرتُ في جناسه الذي قال فيه :
وأنجدتمُ من بعدِ إتهـامِ داركـمْ *** فيا دمعُ أنجدني على ساكني نجدِ

فوجدته قد أتهم فيه وأنجد، وتصدَّر له؛ فما صدر عنه فيه غيره ولا أورد! فيا ليت شعري أنّى لمثل الشعراء بمثل هذا؛ ولو أتهموا وأنجدوا، وقرَّبوا وبعَّدوا !

ونظرتُ في طباقاته؛ فما وجدت أخفى عنده ولا أوفى، ولا أصفى لقلب المنافح عنه ولا أشفى ، من قوله :
مها الوحش إلا أنّ هاتا أوانسٌ *** قنا الخط إلا أنَّ تلـك ذوابـلُ

فهل بدا لأحد أن يطابق بين أساميّ الإشارة بأمثال تلك العبارة !

وقوله الآخر المزبرج، مما مثّلوا به على الطباق المدبّج :
تردَّى ثيابَ الموت حُمْراً فما أتـى *** لها الليلُ إلا وهْيَ من سندسٍ خُضْرُ

ولقد وجدت أرباب هذا الفن ما فتئوا لهذا البيت الأخير مصدِّرين، وعليه في نحو بابه مقتصرين .

فإذا جمع التمّامي بين تلك الألوان المختارة ولون الاستعارة، بدت معها ألوان عدّة مبهجة مدبجة، كأنها بأنواع سلاح الفن والفتنة مدجّجة، وكأنما هي الأنوار المنوّرة أو العطايا المقدّرة، في قوله :
وأحسن من نَور تفتحه الصَّبـا *** بياضُ العطايا في سواد المطالب

أو أنها الحياة مولَّدة ًمن الممات، في قوله :
وتنظّري خببَ الرِّكابِ ينصُّهـا *** محيي القريضِ إلى مميت المال


*******************************************
(2)

أقدِّم أبا تمام:
لأنهم قالوا إنه قد خالف النَّهْج، ودرج على غير الدَّرْج؛ فصرف المعاني عن أكثر جهاتها، وترسَّمَ بها رسماً لغير ذواتها .

وهذا لعمري منهم قولٌ يربي في غلوائه، ويكاد يعدل بعذل سجرائه :
قَدْكَ اتئد أربيتَ في الغلواء *** كم تعذلون وأنتمُ سجرائي

وماذا عليهم لو قال كما قال:
أجْدِرْ بجمرةِ لوعةٍ إطفاؤها *** بالدمعِ أنْ تزدادَ طولَ وقود

فصرفَ المعنى ثمَّةَ إلى المفارقة، ولم يوافقهم عليه تمام الموافقة !

وهل كان الدمعُ على كل حال مُعافيا، وللاعجِ الأشواق مداوياً ومشافيا ! بل كم من جوىً تلجلج حرجاً ما بين الجوانح، لم يحطْ به بارحٌ من الدمع فضلاً عن سانح !

هذا ، وما كانت أبكار المعاني يوماً حكراً على أحد، ولو قامت لها مُضَر، أو قعدت بنو أسد !
إنما هي لواقحُ الأفكار وسُقْيا العقول، ما فضل بها زمان إلا ولها من بعدُ فضول وفصول.

على أنّ أبا تمام لم يكن في ذلك إلا مُقاربا، ولطرائق العرب محاذيا ومصاحبا؛ فهل اتصل مشهور قوله في (ماء الملام):
لا تسقني ماءَ الملامِ فإنني *** صَبٌّ قد استعذبتُ ماءَ بكائي

هل اتصل إلا بفصيح القول وبليغ الكلام !

على أنَّ ماء الملام إنما هو شكلٌ من أشكال ماء الدمع، وإن لم يكونا من نفس الرَّكِيَّة وعين النبع !

وقد قال في ذلك جملةٌ من أولي الفضل؛ فآلوا في ذلك إلى الحمد وزادوا على الفضل ، فلله الحمد والمنة والفضل .

*******************************************

(3)

أقدِّمُ أبا تمَّام:

لأنهم قالوا إن البحتريَّ أقومُ بعمود الشعر وألزم، وأدنى إلى طريق السلامة وأسلم؛ فشعره لذلك كثير الماء، غزير الرواء، له حلاوة وطلاوة، وعليه من ديباجة الحسن ملاوة. وليس ذلك لأبي تمام، ولا هو منه بطرف الثمام !

وهذا - والله - منهم حكمٌ جائر، وصرفٌ عن باطن الحقّ بالظاهر، وما ننكر الفضلَ لأبي عبادة؛ وإنه لمستملح اللفظ، قريب الإجادة. ولكنْ، من كان في ذلك أستاذَ من؟ ومن دفع بوصية الشعرلا تُعْدَل بثمن؟ وهل كلُّ متمكِّنٍ كمن هو متمكِّنٌ أمكن!

وقد شهد بذلك أبو عبادة، فما كتم الشهادة؛ فقال قولا يفصح بظاهره عن خبيئه: جيدُه خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه .

وهو قول من القول له ما وراءه، لمن ترك عنه فيالةَ رأيه ومِراءَه؛ فإنَّ مَنْ سلكَ وَفْقاً من النظم قد اتّفق، انتظم له فيه نظامه واتّسق؛ لا سيما إن كان ذا قلب وعي، ولسان لوذعي، كما البحتري !

على أنّ من تنكّب – كأبي تمام – طُرُقَ الإعادة، واختطَّ سُبُلَ الريادة، فهو المقدَّم عندي، وله الحسنى وزيادة.

على أنّ البحتري لم يكن إلا بشِعْرِ شيخه لائذا، وبركنه عائذا، وعليه معوِّلا، وله مؤوِّلا، وبه مستهترا، ومنه مستكثرا؛ فإذا قال أبو تمام :
فإِنْ أنا لَمْ يَحْمَدْكَ عَنِّي صاغِراً *** عَدُوُّكَ فاعْلَمْ أَنَّني غَيْرُ حامِـدِ

قال البحتري :
لَيُواصِلَنّكَ ذكُر شِعْرٍ سائرٍ *** يَرْويه فيكَ لحسِنِه الأعْدَاءُ

وإذا قال :
ونَغْمَةُ مُعْتَفِي جدْوَاهُ أَحْلَى *** على أذُنيْهِ مِنْ نَغَمِ السَّماعِ

قال :
نَشْوانُ يطَربُ للسؤَالِ كأنما *** غَنَّاهُ مالكُ طيئٍ أوْ معبـدُ

وإذا قال :
ومُجَرَّبُونَ سَقَاهُمُ من بَأسِهِ *** فَإذَا لَقُوا فكأَنَّهـم أغْمَـارُ

قال :
مَلِكٌ لهُ في كل يومِ كريهةٍ *** إِقدامُ غِرٍّ واعتزامُ مُجَرِّبِ

وإذا قال :
البيدُ والعِيسُ والليلُ التَّمام معاً *** ثَلاثةٌ أَبداً يُقْـرَنَّ فِـي قَـرَنِ

قال :
اطلُبَا ثالثاً سِـوَاىَ فإِنِّـي *** رَابعُ العِيسِ والدُّجَى والبِيدِ

وإذا قال :
مُتَوَطِّئُو عَقِبَيْكَ فيِ طَلَبِ العُلاَ ***والمْجدِ ثُمَّتَ تَسْتوِي الأَقـدامُ

قال :
حُزْتَ العُلا سَبْقاً وصلَّى ثانياً *** ثم اسْتَوَتْ من بَعْدِه الأَقْـدَامُ

ومثل ذلك أكثر من أن يُذكَر فيُعلَم، وأشهرُ من أن يُنكَر فيُكتَم. والله تعالى أعلى وأعلم .


*******************************************

(4)

أقدِّم أبا تمام:

لأنهم قالوا إنه نَكِدُ المطلَع، رَكِدُ المقطَع، ما لأشعاره عند دَوْحِ النسيبِ من مَربَعٌ ولا مَرْتَع، كأنما هُنَّ في قاعٍ من القفر صفصفٍ بَلْقَع !

وما أُراهم قد عَلِقوا في ذلك إلا بأوهى العلائق؛ وأوهنَ حتى من بيوت الخدارق؛ فتعلّقوا بمثل قوله :
قَدْكَ اتَّئِبْ أَرْبَيْتَ في الغُلَوَاءِ *** كَمْ تعذِلون وأنتمُ سُجَرَائـي

وقوله :
هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبُه *** فعَزْماً فقِدْماً أدركَ السؤلَ طالبُه

وقوله :
تَقِي جَمَحاتي لستُ طوعَ مؤنِّبي *** وليس جَنيبي إنْ عذَلْتِ بِمُصْحِبي

فإنْ أبَوا في ذلك إلا ركوبَ الغَرَر على الغَرَر؛ فما لهم يستشرفون العُرَرَ دون مشارف الغُرَر، ولو أنصفوا لعرفوا، ولو عرفوا لوقفوا، ولو وقفوا لوسعهم قوله :
ما في وقوفكَ ساعةً من باسِ ***نَقضي ذِمام الأربُعِ الأدْرَاسِ

وقوله :
أرامةُ كنتِ مألفَ كلِّ ريـمِ *** لو استمتعتِ بالأنس القديم

وقوله :
عسى وطنٌ يدنو بهم ولعلَّما *** وأنْ تُعْتِبَ الأيامُ فيهم فَرُبَّما

بل لوسعهم ما أجمعَ عليه أهل الحلِّ والعقد، من المقدّمين في ميدان البلاغة والنقد؛ مِنْ أنه صاحبُ أحسن مطلعٍ في الرثاء مولَّد، وذلك قوله :
أَصَمَّ بك الناعي وإنْ كان أسمَعا *** وأصبح مَغْنَى الجودِ بعدكَ بَلْقعا

وقد نظرتُ في قصيدته الأسطورية في فتح عمورية؛ فوجدتها على أحسن ما يكون مطلعا ، وأكمل ما يكون مقطعا . وقد افتتحها الطائي بحد السيف، حتى حزّ بها غلاصم أهل الدجل والزيف، فقال - رحمه الله - :
السيف أصدق أنبـاء مـن الكتـب *** في حده الحد بيـن الجـد واللعـب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في *** متونهـن جـلاء الشـك والريـب
والعلم في شهـب الأرمـاح لامعـة *** بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أيـن النجـوم ومـا *** صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخـرصـا وأحاديـثـا ملـفـقـة *** ليست بنبـع إذا عـدت ولا غـرب


ثم سار فيها متنقِّلاً من فَنَنٍ إلى فنن، ومتوصّلا من حسنٍ إلى أحسن، حتى إذا انتهى إلى قوله :
تدبيـرُ معتصـمٍ باللهِ منتـقـمٍ *** لله مُرْتقـبٍ فـي الله مُرْتَغـبِ
لم يَغزُ قَوماً ولم يَنْهَدْ إلى بلـدٍ *** إلا تقدَّمَهُ جيشٌ مـنَ الرُّعُـبِ
لو لم يَقُدْ جَحْفَلاً يوْمَ الوَغَى لَغَدا *** من نَفْسِه وَحْدَها في جَحفلٍ لَجِبِ


وقوله :
خليفة الله جازى الله سعيـك عـن *** جرثومة الدين والإسلام والحسـب
بَصُرْتَ بالراحةِ الكُبرى فلـم تَرَهـا *** تُنالُ إلا عَلَى جِسْـرٍ مـن التّعَـبِ
إن كانَ بينَ صروفِ الدهرِ من رحمٍ *** مَوْصُولةٍ أو ذِمـامٍ غيـرِ مُنْقَضِـبِ
فبينَ أيامِكَ اللائِـي نُصِـرْتَ بِهـا *** وبين أيـامِ بـدرٍ أقـربُ النَّسَـبِ
أبْقتْ بني الأصفرِ الممراضِ كاسمهمِ *** صفر الوجوه وجلَّتْ أوجه العـر
ب

انتهى في القريض إلى الغاية العلياء، وأصبحت بعده الشعراء في طباقاء عَيَاياءَ !

ونحوٌ من ذلك، ممّا تماسَكَ فيه قصيدُه وتمالَك، قوله في قصة خروج الخرّمي بابَك :
الحقُّ أبلجُ والسيوف عوارِ *** فحَذَارِ من أسدِ العرينِ حذارِ

وهي من أمّات شعره، ومن بُنيَّات فكره .

والله أعلم


يتبع...
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات

    علـــلت فأحسنت التعليل , تبارك الرحمن !

    إنك وإن كنت تلميذ أبي تمام النجيب لأنت معلم أراه يقلب الأوراق على تلاميذه فيقول خلاف ما قرر الأوائل ، مثلا : درسنا " ماء الملام " تصويرا معيبا وأبرزت هنا جماله فبأي القولين علمت تلاميذك عن المعلم الأول؟: )


    كساك الطائي من لغته ومن منطقه فأقنعت وأمتعت ..
    وفقتم ، وهذا الزخم الأدبي الماتع ..

    وهذا التعليل الذي اقتنصتم به من المعاني فرائدها ، ومن الألفاظ بدئعها .

    أشاركك الرأي في شاعرنا الطائي فقد كان ثورة جريئة في عصره
    أبو يحي
    نعم ّ الصفحة صفحتك فهي تزهو بالثراء والبعد المعرفي في الشعر وأهله

    سلم قلمك