اعرض تغذية RSS

مدونة محمد التويجري

حادثة الأحد

قيم هذه التدوينة
اقتباس المشاركة الأصلية كتبها مهاجر اعرض المشاركة
حادثة يذكرها المؤرخون في بيان جملة من أسباب احتلال بريطانيا لمصر ، وهي مشاجرة وقعت يوم : 11/6/1882 م ، بين تاجر مالطي نصراني ، وصاحب عربة نقل مصري ، وتطور الأمر من خناقة ، كما يقال عندنا في مصر ، إلى فتنة ! ، بعد مقتل التاجر المالطي ، فثار له النصارى المسلحون فقتلوا : 140 مسلما في مقابل 57 نصرانيا ، إن لم تخني الذاكرة ، فاتخذتها بريطانيا ذريعة إلى التدخل في الشأن المصري الداخلي ، بلغة زماننا المهذبة ! ، فقد احتلت مصر بأكملها بسبب خناقة ! ، أو هكذا صور الأمر فما هي إلا ذريعة لا أكثر ، لاستباحة ديار المسلمين بحجة حماية حقوق الأقليات المضطهدة التي رحبت بالاحتلال ، بل ورحبت به الطائفة الأرثوذكسية ، مع التباين الكامل في النحلة بين الإنجليز البروتستانت ، والمصريين الأرثوذكس ، وفي أحد الأديرة كما يذكر بعض الفضلاء صورة لصلاة شكر أقامها نصارى مصر احتفاء باحتلال بريطانيا للوطن ! ، فقد مكن لهم الإنجليز كعادة الاحتلال في تقريب كل كافر ومارق ، فتقريب الأقليات الدينية والمذهبية سمة ظاهرة في مسلك المحتلين ، فبه يتم ضرب النسيج الاجتماعي للدولة المحتلة ، بقطع كل رابطة بين طوائف المجتمع ، فيستعمل التباين الديني أو المذهبي لتمزيق المجتمع ، فلدى الأقليات استعداد فطري لحمل فيروس الفتنة ، بتربصهم الدائم الدوائر بالمسلمين مع أنهم بشهادة كل منصف يحظون دائما بتسامح يصل إلى حد التساهل ، وتاريخ النصارى في مصر ، وتاريخ يهود في الدولة العثمانية على ذلك خير شاهد ، فقد تساهل بنو عثمان حتى كانت دسائس يهود سببا رئيسا في تقويض أركان الخلافة عن طريق الجمعيات السرية ، وتساهل المصريون فكان النصارى مع المحتل الفرنسي مع تباين النحلة ، أيضا ، بل والعداء الشديد بين الأرثوذكس والكاثوليك وهو عداء تاريخي في كل جبهات المواجهة وآخرها جبهة البلقان ومع ذلك نسي القوم الآن كل الخلافات في حملتهم على الإسلام ! ، فحظي الجنرال يعقوب والميليشيا التابعة له بتقدير القيادة الفرنسية ، ثم حظي النصارى بعد ذلك بتقريب المحتل الإنجليزي ، وقد فعلت إنجلترا الشيء نفسه في الهند فقربت أصحاب النحل الباطلة لضرب الإسلام من الداخل وسلطت الهندوس على المسلمين لضرب الإسلام من الخارج ، وكذلك فعلت فرنسا بتقريب النصارى والنصيرية في الشام ، فأقامت لهم الإمارات والممالك لتفتيت وحدة الشام ، وأخيرا فعلت أمريكا في بلاد الأفغان بتقريب التحالف الشمالي ، وفي العراق بتقريب أذناب الاحتلال ، وكلهم على مذهب أهل البدعة ، والسيناريو تقريبا واحد ، وهو ما يفسر سر الحملة الضارية الآن لاستغلال حادث الإسكندرية خارجيا بتدويل الأزمة فيتكلم البابا الكاثوليكي الذي يكفر الأرثوذكس ، والأرثوذكس يكفرونه ، كما يذكر بعض المفكرين في معرض التعجب من تلك الحمية الباباوية ! ، يتكلم منافحا عن نصارى مصر بالتزامن مع حملة نالت من بعض كنائس النصارى في العراق ، ليبدو الأمر وكأنه مخطط إسلامي محكم لتصفية الوجود النصراني بكل نحله في الشرق ، فذلك مما يستنفر الهمم لشن حملة صليبية جديدة لحماية الأقليات المهددة بالتصفية ، فأين كان أولئك من حملة تصفية النصارى الأرثوذكس والكاثوليك من الصرب والكروات للوجود الإسلامي في البلقان ، وهل اقتصر الصرب على تفجير مسجد واحد ؟! ، وأين كان أولئك من حملة تصفية الروس الأرثوذكس للوجود الإسلامي في القفقاز ، لا سيما الشيشان ، وأكثر من ربع شعبها قد قتل ؟! . وهل قتل آحاد في تفجير فردي يوازي قتل مئات الآلاف برسم الاستئصال الجماعي ؟! ، فما للغرب كيف يحكم ؟! .

الواقع يشهد بأن هذه الحادثة ، لو ثبت ضلوع المسلمين فيها ، فهم الخاسر الأكبر ، والنصارى هم الرابح الأعظم بل والوحيد تقريبا ، بالاشتراك مع يهود الذين يزكون نار الفتنة لضمان ضعف الدول المحيطة بهم فلا بقاء لهم بظهور قوة مجاورة ولو لم تكن على الجادة الشرعية ، الواقع يشهد بأنه لا مصلحة شرعية في هذه الحادثة من أي وجه ، حتى بحساب المصالح المادية ، فضلا عن الحكم الشرعي والمصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة :
استنفرت الدولة أجهزتها السياسية والتنفيذية بل والشعبية حتى وصل الأمر إلى الجامعات بل وإلى فريق كرة القدم الوطني الذي ارتدى الشارة السمراء حدادا على ضحايا المجزرة ! ، وذلك من جنس ارتداء الغرناطيين للشارة يوم مرور جثمان ملك قشتالة الذي سمح له السلطان بالمرور وقد مات أثناء محاولة احتلال ثغر أندلسي ، أظنه الجزيرة الخضراء أو مضيق جبل طارق إن لم تخني الذاكرة ، وهو الذي يربط العدوة الأندلسية بالعدوة المغربية ، فكانت مكافأته على محاولة عزل غرناطة تمهيدا لافتراسها : إظهار الحداد العام على هلاكه ! ، وقال أحد كبار السفهاء من الفنانين بأنه على كل مصري أن يرفع علما أسود اللون على بيته حدادا على الضحايا ! ، وأهين شيخ الأزهر فلم يزد على أن قال بأنه يعذر إخوانه من النصارى ، بل ووصل الأمر إلى انتقاده بناء المساجد بجوار الكنائس فذلك مما يستفز مشاعر إخوة الوطن ! ، وقبله قال شيخ الأزهر السابق بأنه يؤيد إقامة مسجد وكنيسة في كل شارع فذلك مئنة من التلاحم الوثيق بين عنصري الأمة : 94 % لا حقوق لهم تقريبا فذلك الجناح الأول ، و : 6 % لهم كل الحقوق تقريبا مع أنهم في نظر الغرب مضطهدون مهددون بالاستئصال بسيف الإرهاب الإسلامي فذلك الجناح الثاني ! .

واستنفرت قوات الأمن الباسلة ! لحماية الكنائس في عيد النصارى الشرقيين : نحو 70 ألف عنصر ! ، بل وزحفت الجموع المسلمة لتصلي مع النصارى ! ، هكذا قيل ، وهو معنى مجازي بطبيعة الحال فقد أراد المسلمون أن يكونوا دروعا بشرية تحمي النصارى في أعيادهم ! ، ولعله أحد المكاسب فربما صار عرفا عاما في كل عيد نصراني ! ، بل وعرضت جماعة إسلامية معروفة تجنيد شبابها ليكونوا دروعا بشرية تحمي الكنائس في العيد ، وتلك مداهنة باردة لا تعدو أن تكون محاولة لتحقيق مكسب سياسي في الشارع المصري باصطناع يد عند النصارى الذين يخطب ودهم الآن كافة شرائح الشعب المصري في انكسار وذلة تثير الدهشة وتدل على مدى ضعفنا في أنفسنا ، وجهلنا بأحكام شرعنا فضلا عن ضعف الدولة المدنية المزعومة التي سارعت كالعادة إلى إجراءات الترضية ، فأطلق سراح آخر فوج من مقاتلي موقعة العمرانية ! ، وعقدت المجالس النيابية جلسات عاجلة زايد فيها من زايد ، كالنكرة الذي يتزعم حزب التجمع ذي التوجهات الشيوعية ، والذي أرجع أسباب الاحتقان الطائفي برمته إلى بطء الموافقة على بناء الكنائس ! ، وهي التي تقام في أحياء إسلامية خالصة إمعانا في استفزاز المسلمين وفتنتهم في الدين ! ، وعقد الحزب الحاكم جلسات لبحث إنشاء لجنة تعنى بالقضاء على الطائفية ورشح لرئاستها ابتداء : الدكتور محمد سليم العوا ، ولكن الموافقة لم تأت بطبيعة الحال من رئيس الكنيسة : فخامة الرئيس شنودة ! ، لمواقف الدكتور العوا الأخيرة ، مع التحفظ على منهجه الفكري عموما ، ولكنه في مسألة فضح مخططات النصارى ذو أثر بارز ، فقد نوه بمسألة التسليح ، كما نوه الدكتور زغلول النجار قبل ذلك بمسألة التنصير واحتجاز المتنصرين وتهريبهم إلى الخارج ....... إلخ ، فكان جزاؤه ، أيضا ، الإقصاء بتقليص مقاله في جريدة الأهرام ، فكل من يخرج عن حدود الأدب مع الكنيسة ، ولا مفهوم له إلا الخضوع الكامل والمداهنة الباردة ، كل من يخرج عن تلك الحدود فمصيره الإقصاء وشن الحملات بإلصاق تهم التحريض على الطائفية ! ، وأما تكديس الأسلحة وتنصير شباب المسلمين وتهريبهم إلى الخارج فليس سببا في إيقاظ الفتنة ! .

وقبل هذه الحادثة ظهرت على استحياء ! مطالب بتفتيش الكنائس وإخضاعها لرقابة الدولة المسكينة ! ، فهل يجرؤ أحد الآن على المطالبة بذلك ، الدولة الآن جندت مؤسساتها لحراسة الكنائس لا لتفتيشها وإطلاق المأسورين فيها وضبط الأسلحة المكدسة في الأديرة ، وهل يذكر أحد الآن الأخت كاميليا شحاتة وأخواتها ، فك الله أسرهن ، وقد أثيرت القضية على نحو جيد شحن المسلمين إيمانيا ، بل وكثيرا من النصارى ، ولو إنسانيا ، فظهر الانشقاق في الصف النصراني وظهرت بوادر أزمة حقيقية لشنودة أمام شعبه لما تزايدت المطالبة بظهورها لتثبت أو تنفي إسلامها في مقابل إصراره على عدم ظهورها ، وتشجع كثير من النصارى على إشهار إسلامهم ، وتوالت الوقفات لتأييد الأخوات وتذكير المسلمين بالقضية لئلا تنسى ، فهل بقي شيء من ذلك ؟! ، لقد جاءت الحادثة طوق نجاة لشنودة نجح به في حشد الصف النصراني برسم التعصب وإظهار البطولة إلى حد ضرب الوزراء علقة ساخنة صارت مثار تندر وتعجب في نفس الوقت ! ، وهي الرد على إهانة شنودة في الفترة الماضية فكانت فرصة مواتية لرد الصفعة فرفض الاعتذار بطبيعة الحال ، وهي ، أيضا ، تدل على مدى الترهل والتقزم الذي وصلت إليه الدولة المدنية المزعومة ، ومدى التمدد الذي غيبت سكرته عقل شنودة وعقول كثير من أتباعه ، فإظهار البطولة في مثل هذه الأزمات يرفع من أسهم صاحبها ولو كان أجبن الناس ، فباب المزايدات الآن مفتوح على مصراعيه ، وهو ما يجعل الناظر لا يستبعد أن يكون شنودة نفسه هو المدبر ! ، فهو المستفيد الأول ، وإن لم يظهر إلى الآن أي دليل معتبر على ذلك .

وأما أهل العلم فقد نددوا بالحادثة ، وهذا حق ، وفات كثيرا منهم ، اختيارا أو اضطرارا ! ، أن يشيروا إلى أسبابها الحقيقية من تطرف النصارى وقياداتهم ، فلا يحسن النظر إلى زاوية واحدة دون بقية الزوايا ، والأداء يشبه إلى حد كبير الأداء في أزمة الأخت كاميليا شحاته فهو دون المأمول ممن ينتظر الناس كلامهم حال الفتن والنوازل .

ومرة أخرى في معرض التنويه بأول الكلام : لقد احتلت بريطانيا مصر بسبب مشاجرة ، فهل يسير الاتحاد الأوروبي وأمريكا على نفس الطريق ، ولو بالتدخل السافر في شئون مصر المترهلة حاليا ، وتكون الذريعة : تفجيرا فهو أعظم وقعا من مجرد مشاجرة ؟! .

سلم الله مصر وديار المسلمين من شر الفتن .

والله أعلى وأعلم .
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
أحاديث المهاجر

التعليقات

    كل ما ذكرته أخ محمد لا شيء مما سيأتي، إذ ربما يدعو الحكام العرب وبعض العلماء المسلمين إلى التنصر حتى نثبت( لإخواننا) أننا طيبون ولا نؤذي ذبابة.
    {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120 اشكرك علي هذا المقال الجميل يا اخ محمد وجزاك الله خيرا