اعرض تغذية RSS

بَحْرُ الرَّمَل

من صفحات الذاكرة ...

قيم هذه التدوينة
لم يكن ذلك الصباح كغيره من السابقات , فهو اليوم الأخير الذي ستلتقي به حواسي الخمس بمحيط ألفته على مدار أشهر خلت .
استيقظت باكرا قبيل ميلاد السابعة إلا ربعا ورحت أعد نفسي للمضي ؛ خرجت لأرى الحافلة التي ستقلني للمرة الأخيرة وهي تدنو إلى حيث اعتدت الوقوف في الصباحات الباكرة أرقبها بصمت شتائي أثير على قلبي رغم أن الشتاء جاء شحيحا إلا من البرد والزكام , ولكنه الشتاء الذي طالما عزف ألحانه في مهجتي .
صعدت الحافلة وألقيت التحية على سائقها ؛ ذاك الذمي النحيل الذي لا يقل برودا عن كومة الحديد التي يسوسها , كان جلوسي المعتاد في المقعد الأمامي إلى جانبه إقامة جبرية , فالصحب الراكبين كن بالكامل من السيدات ,وما كنت أدري أكان جلوسي – الطبيعي – في هذه العزلة المؤقتة تكريما لي كوني الذكر الوحيد في هذا المد الأنوثي أم هو نفي وإبعاد واستبداد العدد ؟!
على أي حال ما كان هذا الاستفهام العقيم لينشط إلا في لحيظات , فالصمت والذهول وآية الكرسي رفاق الدرب إلى المدرسة الوادعة في رحب الريف حيث نقصدها تاركين مدينة تغفو في حضن الشتاء .
مضت الحافلة تخب على الدرب وتوالى صعود الراكبين أو الراكبات بالأحرى !
وبعد أن مشت على نصف ساعة من أعمارنا وصلنا مقصدنا لنكون شهود عيان على احتضار السابعة في دقائقها العشر الأخيرة .
كان الوصول متمردا على تقاليده هذه المرة ؛ حيث كانت الحافلة تسلمنا لصفعات ريح الشمال عند باب المدرسة , لكنها هذه المرة لفظتنا على الطريق الإسفلتي بعد أن تظاهر السائق بإن الجادة التربية كانت مغلقة .
في مسيرتي القصيرة نحو المدرسة أطلقت العنان لعيني تلتهمان المكان الملتحف بصمت الصباح ، فربما لن تجود الأيام بفرصة أخرى تسرحان بها في هذا الفضاء الريفي الزاهي رغم أنف الشتاء .
مر على دراجته وألقى تحيته التي طالما حاول أن يجعلها صرف عربية فصحى , فكنت أمنحه ابتسامة صادقة فلكنته الكردية واضحة في سلامه العربي إنه مدرس الجغرافية الذي حارت لغتي أتمنحه لقب شيخ أم كهل ولكن نفسي لم تتوان عن منحه قدرا كبيرا من الاحترام والإجلال , ففي تضاريس ذلك الوجه الأسمر تستطيع أن تقرأ ما تشاء عن قصة كفاح الإنسان وكده في رحلة هي بين المهد واللحد .
بدا اليوم طبيعيا في أوله , ولكن هيهات !
فقد تبسم الرحيل بلؤم عن ناب الوداع , وبدأت سحب الكآبة توشح الفضاء من حولي حتى الحروف والكلمات التي تولد في الدروس بدت لناظري يتيمة تنوح . ربما هي سكرات الفراق !
المكان الوحيد الذي لم يسجل تغيرا كان غرفة المدرسين , صخب وثرثرة لا طائل منها .
اعتدت قضاء معظم فترات الاستراحة بين الطلاب في الساحة هربا من دخان سجائر (مربي الأجيال ) وقررت أن أظل مخلصا لعادتي هذه حتى في يومي الأخير .
كان الألم بعود ليصفعني كلما أبصرت العيون الريفية البسطة ترمقني بنظراتها البسيطة الودودة وقد تحلق أصحابها من حولي , لطالما أحببت تلك العيون التي يسكنها ائتلاف الصبا وفضول الريف , ولطالما حاولت أن أزرع في تلك العيون عشق الكلمات عل الرؤوس التي لم تتنسم جنون (الحضارة) تعيد للكلام المكفن بغبار النسيان بعضا من ألقه الغابر .
ودقت ساعة الرحيل توسلت بصدق غير مسبوق للبارئ أن يهبني قدرة الصمود في وجه عاصفة الحزن التي بدأت تثير فتنة البكاء , أعن كبريائي يا رباه !
لا أدري كيف ومتى وجدت نفسي في الحافلة العائدة من حيث حذفها الصباح وقد أظلم ذلك الجزء من العالم في رأسي وبقي صداه يتردد في ذاكرتي بوخزات الحسرة والألم .
دفنت رأسي في وسادتي وأطلقت سراح عبراتي على الدموع تغسل بعضا من غصة الوداع .


ابتسامة المكلوم بعد أن تعافى أطلقتها وأنا أستعرض ما تجود به الذاكرة , هاجها الحدث الجديد في حياتي
الآن بعد سنة أمضيتها على ضفة الخليج أعود من جديد رسولا للعربية في أرض الشآم , تحسست ورقة التعيين في جيبي واطمأن لها البال وفي الخاطر أسئلة عن الوجوه التي سيكشف لي القدر ملامحها عما قريب .
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات

    رائع ..لقد أسرتنا أستاذي بأسلوب يمكن أن يطلق عليه " السهل الممتنع"
    أسلوب لا يستطيع القارئ إلا أن يتم القراءة للنهاية..
    دمت مبدعا ً
    بحرُ الرمل
    كُنتَ هُنــا، هل رحلتَ وتركتَ المتلهفين!
    نعم، قد أسرتنا بأسلوبك الماتع .
    حدثها [ARG:5 UNDEFINED] 06-03-2011 في 10:35 AM
    يا له من يوم أخير!
    والله جعلتننا نعيش الحدث
    أدام الله إبداعك
    شكراً على هذه الكلمات الجميلة والمبدعة بوركت
    كم هو رائع الإبداع

    شكرا لك
    أسلوب قوي الأثر، بليغ الهبارة والمعنى، بارك الله لك.
    أسلوب قوي الأثر، بليغ العبارة والمعنى، بارك الله لك.

    أعتذر عن الخطأ غير المقصود.