اعرض تغذية RSS

طارق يسن الطاهر

دراسة مقارنة في رثاء الولد

قيم هذه التدوينة
دراسة مقارنة بين قصيدتين
تنوعت أغراض الشعر العربي القديم ، ما بين مدح وفخر وهجاء ورثاء ، ويعتبر الرثاء من أهم أغراض الشعر ،ود برع فيه العرب ؛إذ قيل للأعرابي : ما بال مراثيكم أصدق ما تقولون ؟ قال : لأننا نقول وأكبادنا تتقطع .
فقد القريب أو الحبيب أمر محزن ، فكيف إن كان المفقود ابنا ، فلذة من فلذات الأكباد ، فقد قيل للأعرابي ما تقول في موت الولد؟ قال :صدع في الفؤاد لا ينجبر أبدا.
نتناول في هذا المقال موازنة بين نصين في الرثاء وتحديدا في رثاء الولد، النص الأول لابن الرومي والثاني لنحمد عمر توفيق .
تباينت رؤية كلا الشاعرين لفقد الولد ، فكان القبول و الرضا عند محمد عمر توفيق ؛ إذ يراه قضاء وقدرا مسطرا منذ الأزل:
تاريخها المسطور من أحرف قد مزجت من كل حي بدم
وعند ابن الرومي يظهر الجزع والحزن والتسخط:
توخى حمام ا لموت أوسط صبيتي فلله كيف اختار واسطة العقد

يخاطب ابن الرومي –في قصيدته-عينيه:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي فجودا فقد أودى نظيركما عندي
ويرى أن البكاء يريحه قليلا ، لكنه لا يجدي ،ويشبه ابنه بعينيه، لكن محمد عمر توفيق يخاطب ابنه المتوفى:
أحسنت يا بني فالحياة التي فارقته موارة بالألم
فكرة ابن الرومي أن الموت أدى إلى شدة معاناته ؛ لأنه طوى ابنه ، وجعله بعيدا رغم قربه:
طواه الردى عني فأضحى مزاره بعيدا على قرب قريبا على بعد
ويرى أن المنايا أنجزت وعيدها بأخذ ابنه ، الآمال أخلفت الآمال ذلك؟
أما محمد عمر توفيق؛ فيرى أن الموت راحة لابنه ، رغم أنه معاناة للأب ، ويرى أن الموت خير لابنه ؛ لأنه رحمة عليه ، لأنه ما ظلم وما جنى:
فإنه الرحمة في عقله على وليد ما جنى وما ظلم
برز الحزن بشدة لدى ابن الرومي ، ووصل به إلى درجة العجب ، كيف تحمّل قلبه ذلك الحزن :
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
أما محمد عمر توفيق ، فقد نظر نظرة واقعية ؛إذ وجد في الموت راحة لابنه.
أكثر ابن الرومي من ذكر الموت ومرادفاته :المنايا ، حمام الموت ، الردى، وذكر محمد عمر توفيق : الآجال ، الموت.
اشترك الشاعران في إيراد كلمة واحدة وهي "طواه" عند ابن الرومي ، و" طوتك" عند محمد عمر توفيق.
الصور الشعرية كثيرة في النصين ، وهي أكثر لدى ابن الرومي ، ومن أمثلة ذلك :
تشبيهه لابنه بعينيه ، والاستعارة في "طواه الردى" و"أنجزت فيه المنايا وعيدها"
أما من نماذج الصور لدى محمد عمر توفيق تشبيهه الموت بالرحمة ، والاستعارة في " طوتك" ، والتشبيه في البيت الرابع:
ما أسعد السالم منها إذا مر مر بها كالطيف أو كالنغم
ورد الطباق لدى ابن الرومي في "بعيدا ، قريبا" ، " بُعد ، قُرب" ، " أنجزت ،خلفت"،"وعيدها ، وعددها " ؛مما أدى إلى إبراز المعنى ووضوحه ، كما ورد الجناس "تساقطُ ، تساقطَ".
أما الطباق عند محمد عمر ،فقد حشده في البيت الأخير :"رضا ، قلى" ، "وصل ، هجر " ،"لا ، نعم".
كثر استخدام الأسلوب الخبري ،وكان ذلك مناسبا ؛ لأنه يخبر عن المشاعر وعاطفة الحزن لفقد الولد ، ومن نماذج الخبر عند ابن الرومي:" ألح عليه النزف"، "توخى حمام الموت""طواه الردى"...
ومن الخبر عند لدى محمد عمر توفيق:"وودت لو أسرعت" ، "لكنها الآجال موصدة"، "فإنه الرحمة " ، وأتى الإنشاء غير الطلبي "التعجب" في قوله : ما أسعد السالم!
مما سبق نجد أنهما نصان تناول غرضا واحدا، وهو رثاء الولد ، اختلفت رؤيتهما لفقد الولد ، ما بين جزع وحزن وتسخط لدى ابن الرومي ،وقبول ورضا محمد عمر توفيق الذي يرى أن ابنه انتقل من دار موارة بالألم- كما قال-إلى دار البقاء والخلود.
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شكراً لك أستاذي .. دراسة قيمة
    لا أدري هل وضعي للمقارنة صحيح .. سئل أحد العلماء : كيف ننظر لموقف الرسول عندما سالت دموعه لموت ابنه ابراهيم صلوات ربي تغشى أباه وموقف ابن عياض رضي الله عنه لما مات ابنه علي ؟فقال أن موقف الرسول أجل لإنها الرحمة الأبوية
    وابن الرومي لما اشتهر به من تشاؤم ربما كان سببا في رؤية الشكوى والتذمر ... ولكن تبقى رحمة الأبوة على فقد فلذة الكبد سببا رئيسيا مع اختلاف المواقف والتعبير عنها ." مجرد رأي"
    دمـتَ أستاذي ..
    رأيك محل تقدير وإعجاب
    جزاك الله خيرا على قراءة مقالي والرد عليه
    بورك المداد أستاذ طارق، أسطرٌ دقيقةٌ رقيقةٌ أنيقة..
    راق لي هذا التأمل للتشابه والاختلاف بين نصين جريحين.. وودت لو تكرمتم بذكر المزيد من أبيات الميمية الساكنة، التي وجدتها قريبة الروح من رائية أبي الحسن التهامي خاصة في تهنئة الصغير بمغادرة الدنيا إلى دار خير منها ..
    دمت والإبداع أستاذنا..
    شكرا أستاذة أحاول أن على القراءة والإطراء
    سأورد النص لاحقا إن شاء الله.
    هذا هو النص الآخر للشاعر محمد عمر توفيق:

    [GASIDA="type=1 color=#0000FF width="100%" border="none" font="bold large Arial" bkimage="""]
    أحسنت يا بني فالحياة التي * فارقتها موارة بالألم
    الشر والجور وعصف الأسى* والليل والهم وبرح النقم
    تاريخها المسطور من أحرف* قد مزجت من كل حي بدم
    ما أسعد السالم منها إذا *مر بها مكالطيف أو كالنغم
    وودت لو أسرعت ما سرني* لو أن لي بذاك حمر النعم
    لكنها الآجال موصودة* الويل للمحكوم لا مَن حكم
    فإن يكن موتك جورا على* قلب أب قد كتوى واضطرم
    فإنه الرحمة في عقله *على وليد ما جنى أو ظلم
    طوتك عن دنيا رضاها قِلى* ووصلها هجر ولاها نعم[/GASIDA]
    بارك الله فيكم أستاذ طارق, كثيرا ما تفتح أسطركم آفاقا, وتثير تساؤلات..
    النص الميمي ساكن الروي وهذا يتوافق مع ما أراه من عجز وقلة حيلة وانعدام دافعية في القوافي المقيدة..
    وجميل منكم هذا الالتفات لنصين من عصرين مختلفين يجمعهما أنين واحد..
    لكني أحتاج أستاذنا إلى فهم المقصود هنا فأخشى أنه -على فهمي- أشد سخطا من ابن الرومي عفا الله عنا وعنهم:
    فإن يكن موتك جورا على
    قلب أب قد كتوى واضطرم
    فإنه الرحمة في عقله
    على وليد ما جنى أو ظلم

    ودامت مدونتكم منهلا عذبا مزدحما..
    حدثها [ARG:5 UNDEFINED] 01-04-2011 في 10:47 AM
    شكرا أختي الكريمة
    أشكرك على المتابعة وإرهاق عينيك وإضاعة زمنك في قراءة أنا أعلم أنها ليست ذات بال ، وأدرك عجزها عن الإيفاء بالمطلوب.
    لكن وقد تابعتِ وعلقتِ واستفسرتِ ، فلك الشكر ، وسأرد بما فهمت من البيتين:
    أرى أن الشاعر يستمر في الجدلية المعروفة بين العقل والقلب ، فرؤية قلب الشاعر لموت ابنه حزن وأسى واضطرام ، أما بعقله فيرى أن موت ابنه راحة ورحمة لطفل لم يجني ولم يظلم.
    لعلي أكون قد أوضحت ،ولم أزد المسألة تعقيدا.
    ولك الشكر مجددا
    ما عساي أقول عن الغرب وعلاقته بالشرق ما عساي أقول والحق أبلج لا يعتامه خفاء ,إن الغرب ما قطع يوما صلته بالشرق فهو يعلم كل شيءعنه وبإمكانك القول إن الشرق صناعة غربية على حد قول البروفيسور إدوارد سعيد في كتابه الإستشراق إن الغرب صنع شرقا مغربنا بإيعاز كبير من مستشرقيه الذين كانت دوافعهم خالية من كونها تبحث عن العلم والمعرفة أحبتي إن المستشرقين كتبوا عنا أدبا مزيفا أدبا مخياليا أدبا يصورنا بهائم ولذا إخوتي دافعوا عن شرقكم وأجعلوه مشرقنا لامغربنا بالسرد المضاد بالسرد الذي يبرز مكانتكم و يكبت حاسدكم والسلام عليكم