اعرض تغذية RSS

طارق يسن الطاهر

وقفات مع أبي الطيب المتنبي

قيم هذه التدوينة
هو شاعر ملأ الدنيا وشغل الناس بشهادة معاصريه ،وما زال إلي الآن حديث المجالس الأدبية ،ولا يُحاط بأبي الطيب في مقال صحفي ،ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
سأتناول في هذا المقال جوانب من حياة أبي الطيب وشعره بإشارات سريعة ووقفات مقتضبة.
هو أحمد بن الحسين كنيته أبي الطيب ولقبه المتنبي/ مدحه البردوني قائلا:
من تلظي لموعه يكاد يعمى يكاد من شهرة اسمه لا يسمى
تطرق في قصائده لكل أغراض الشعر المعروفة لكن بنسب متفاوتة فكان حظ بعضها مثل المدح والفخر أكثر من الغزل والرثاء.
من صفاته الشخصية الاعتداد بنفسه:
فدع كل صوت غير صوتي فأنني أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
كما كان معتدا بشعره :
أنا الذي نظر الأعمى إلي أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
طموحا ذا نفس تواقة:
إذا غامرت في أمر مروم فلا تقنع بما دون النجوم
ولكن شابَ تلك الصفات الحسنة حبُّه للمال ،وطمعه في الولاية ،يقول مخاطبا كافورا:
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية فجودك يكسوني وشغلك يسلب

مدح سيف الدولة وكافورا وأبا شجاع وغيرهم، ولكنه مدحٌ في كثير منه مبطن بفخره بنفسه، كان صادقا إلي حد كبير في مدح سيف الدولة:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
وقال:
فان تكن الأيام أبصرن فعله فقد علّم الأيام كيف تصول
لكن مدحه لكافور كان ردة فعل لإقصاء سيف الدولة له، إذا لم يكن يحبه وحين يمعن القارئ في مدحه لكافور تجده يهزأ به بشكل مباشر حينا ،وغير مباشر أحيانا.
وما طربي لما رأيتك بدعه فقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
هنا يجعل كافورا – وهو حاكم مصر- يجعله أضحوكة يجلب الطرب والضحك.
نال حظوة لدى سيف الدولة ،أثارت الغيرة من جلسائه من الشعراء الذين بزهم المتنبي وتفوق عليهم ،ولم يترك لهم مكانا لدي الأمير، فكادوا له ووشوا لدى الأمير الذي كان يعرف قدراته ويستمتع بمدحه.
هو شاعر ذو حكمه تسير بها الركبان ، عربي أصيل ذو ثقافة ومعرفة ودراية باللغة وآدابها فهو القائل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
كان متحدثا بلسان الإنسانية لذا كتب لشعره الصيرورة والبقاء، يقول اليازجي :
"المتنبي ينطق بألسنة الحدثان ويتكلم بخاطر كل إنسان "
وله من الأبيات ما صار حكمة يتمثل بها الناس:
وما الحسن في وجه الفتى شرف له إذا لم يكن في فعله والخلائق
ومنها:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول
ومنها أمثال في شطر بيت مثل:
مصائب قوم عند قوم فوائد
أنا الغريق فما خوف من البلل

أما اللقب الذي التصق به -أعني لقب المتنبي- فقد تناوله عدد من الدارسين وذكروا عدة أسباب أرجحها :أن الرجل أن لم يدّعِ النبوة ،وإنما لُقّب بالمتنبي لأنه شبه نفسه ببعض الأنبياء -عليهم السلام- الذين عانوا مع أقوامهم ،كما عانى هو مع قومه كيدا ومكرا وإلحاقا للأذى :
ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
كرّس كل قدراته اللغوية وحشد كل طاقته الإبداعية في هجاء كافور؛ لأنه لم يحبه أصلا كما ذكرنا آنفا:
ما كنت أحسبني أحيا إلي زمن يسيء لي فيه عبد وهو محمود
جوعان يأكل من زادي ويمسكني حتي يقال عظيم القدر مقصود
ومنه :
من أية الطرق يأتي نحوك الكرم أين المحاجم يا كافور والجلم
يتجاوز هجاؤه كافوا ويتسع ويشمل أهل مصر لأنهم رضوا بمثل كافور حاكما:
سادات كل أناس من نفوسهمو وسادة المسلمين الأعبد القزم
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

مما يميز أبا الطيب توافق بعض شعره إلي حد التطابق مع حكم أرسطو ونورد هنا جانبا من حكم أرسطو، وما يطابقها في المعني من حكم المتنبي أوردها الحاتمي في الرسالة الحاتمية:
- يقول أرسطو :إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها
ويقول المتنبي: إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
- يقول أرسطو :علل الأفهام أشد من علل الأجسام
يقول المتنبي : يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول
- يقول أرسطو: الجبن ذلة كامنة في نفس الحيوان ، فإذا خلا بنفسه أظهر شجاعة.
يطابقه المتنبي بقوله:
إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
• هنا تبرز مسألة نقدية وهي هل يدخل ذلك في باب السرقات الأدبية؟
في محاولة للإجابة أقول:لا؛لأن المعاني مطروحة علي الطريق كما قال الجاحظ ،وهي متاحه للجميع، فالمتنبي لم يلتق أرسطو، ولم يقرأ له ،فالرجل ثقافته عربية أصيلة،وحكمه كما يقول جوزف الهاشم في كتابه "أبو الطيب المتنبي شاعر الطموح والعنفوان"-جاءت بغالبها نتيجة شعوره النفساني وملاحظاته وتجاربه"
والأمر المهم إن لقاء اثنين فكريا لا يعني بالضرورة أن المتأخر أخذ من المتقدم ، فقد حدث تطابق بين شعراء كثر ومنهم شاعران في الجاهلية تطابقت كلماتهما في بيتين ما عدا كلمة واحدة :
امرؤ القيس يقول:
وقوفا بها صحبي علىّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ويقول طرفة:
وقوفا بها صحبي علىّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد

نال المتنبي - لجمال شعره وسلامة لغته- حظّا من الدراسة فكثرت فيه المصنفات التي درست ديوانه ليس من العرب فقط ،ولكن من المستشرقين أيضا فقد كان لهم دور كبير في التعريف بشعره وترجمة بعضه الي لغات الغرب مثل المستشرق قوليوس ورايسك وبلاشير في كتابه"شاعر عربي من القرن الرابع للهجرة"
بقي القول إن المتنبي أبرز شاعر في العربية بشهادة محبيه ومبغضيه وأكثرهم إثارة للجدل في شعره ،وتبقي معانيه وكلماته عالقة في النفس الإنسانية وفي العقل الجمعي للأمة العربية والإنسانية إلي ما شاء الله.
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات