اعرض تغذية RSS

طارق يسن الطاهر

التدين الشكلي

قيم هذه التدوينة
التدين الشكلي : مفهومه ومظاهره وأضراره
التدين: مأخوذ من الدين، والدين: هو التسليم والطاعة والتذلل والخضوع والعبودية لله ، وعلى هذا فإن التدين -تدين المسلم- بمعناه الاصطلاحي يتمثل أولاً بالتسليم لله عز وجل، والتذلل له سبحانه، والخضوع والطاعة والامتثال. وجماع ذلك كله: العبودية لله سبحانه.
ويكون الإنسان متدينا إذا التزم بتعاليم دينه الذي يدين به فعلا وقولا ، والتدين له جانبان : شأنه شأن كثير من الأشياء ،فله مظهر ومخبر ، وله جوهر وشكل .
الأصل في طبيعة الأشياء أن تنطلق من الجوهر للمظهر ، من المخبر للشكل.
التدين الشكلي يبدأ من الشكل ويقف عنده ، وينطلق من المظهر ولا يتعداه؛ لذا هو يمضي عكس طبيعة الأشياء.
لو ضربنا مثلا بالبيضة ؛ فكسرها من الداخل فيه حياة للصوص، وكسرها من الخارج يعني انتهاء الحياة.
لو بدأ الإنسان الذي سلك طريق التدين من داخله لانعكس ذلك على مظهره لا محالة.
ثمة مشاهد متعددة تمر بنا يوميا تؤكد انتشار ظاهرة التدين الشكلي التي نبذها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القصة التي أوردها الحكيم الترمذي : أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد.
استفحلت ظاهرة التدين الشكلي في عصرنا بكثرة واستشرت ؛ إذ شاهدت أحدهم يدخل المسجد ومعه أبوه المسن الذي يمشي مستعينا بعكازتين ، جاء هذا الابن وأجلس أباه في صف خلفي ،ومضى هو منطلقا للصف الأول ، رغبة في الحصول على أجر من صلى في الصف الأول ، فقد أدرك صاحبنا فضل الصلاة في الصف الأول، ونسي فضل رعاية والده ومتابعته والصلاة بجواره.
وأستحضر هنا من التراث قصة الأخوين اللذين بات أحدهما قائما يصلي لله في حين بات الآخر يداعب أمه ويلاطفها ويضاحكها ويرى أن أجره ليس بأقل من أجر أخيه القائم المصلي .
يهتمون بالنوافل ويضيعون الفروض ، يقيمون الليل ويضيعون صلاة الفجر، يبكون في صلاة التراويح ولا يعطون الناس حقوقهم ، يحرصون على صلاة الجماعة ، لكنها لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر. يقصرون ثيابهم ولا يقصرون ألسنتهم عن أعراض الناس ، يحرص أحدهم- وهوصائم- على عدم ابتلاع جرعة ماء أثناء المضمضة ، ولا يتورع عن ابتلاع حقوق الناس.
التقينا أمام باب المسجد أنا وأحدهم ، ولم يسلم عليّ ، ولكنه حرص على قول دعاء دخول المسجد بصوت عال، لو كان يعرف الدين الحقيقي وليس التدين الشكلي ، لسلم عليّ لأنه كان سيدري فضل السلام من قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) صحيح مسلم
تقام البرامج الدينية ،ويُستدعى لها المشايخ للحديث عن عدد ركعات صلاة التراويح، وعدد الآيات التي تُقرأ فيها ، ألا يعلم هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الناس على صلاة التراويح أصلا ، فهي ليست فرضا يستوجب الفتوى.
للتدين الشكلي أضرار عظيمة وبالغة ؛ لأن المظاهر خداعة ، وإن الناس يثقون في صاحب المظهر الملتزم والسمت المنضبط ، ومن ذلك:
تقام الصلاة وتجد الناس يبحثون عن صاحب اللحية ليقدموه إمامًا عليهم ، وربما يكون لا يحسن قراءة القرآن الكريم ، وقد لا يجيد إقامة أركان الصلاة ، وربما يكون من الحاضرين مَن هو مِن حفظة كتاب الله وأفضلهم قراءة لكنه لا يقدم لأن مظهره لم يرشحه.
ومن الأضرار أيضا أن الآباء يمنحون أصحاب التدين اشكلي ثقتهم ؛ حيث يسلمونهم أبناءهم لتعليمهم أو لتحفيظهم، وبعده يكتشف الآباء أن هؤلاء لم يكونوا ثقة لحفظ الأمانة ولرعاية الأطفال بل انتهكوا حرماتهم ولوثوا أعراضهم.
إذن فليمضِ الإنسان حسب التسلسل المنطقي للفطرة السليمة وينهج وفق مقتضى طبيعة الأشياء ، فلننطلق من الداخل لنصل للخارج بسلام ،ولنبدأ من الجوهر لنصل إلى المظهر بأمان.
وليدرك هؤلاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُم ْ ) رواه مسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طارق يسن الطاهر
الطائف
9 رمضان 1440هـ
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات