اعرض تغذية RSS

طارق يسن الطاهر

النيل بين التجاني وجماع

قيم هذه التدوينة
دراسة مقارنة بين قصيدتين
القصيدة الأولى :
قصيدة التجاني يوسف بشير
"في محراب النيل"
أَنتَ يا نَيل يا سَليل الفَراديس
نَبيل مُوَفق في مَسابك
ملء أَوفاضك الجَلال فَمَرحى
بِالجَلال المَفيض مِن أَنسابك
حَضَنتك الأَملاك في جَنة الخُ
لد وَرقت عَلى وَضيء عبابك
وَأَمدت عَلَيك أَجنِحَة خَضرا
ء وَأَضفَت ثِيابَها في رِحابك
فَتَحدرت في الزَمان وَأَفرَغَت
عَلى الشَرق جَنة مِن رِضابك
بَينَ أَحضانك العراض وَفي كَف
يك تاريخه وَتَحت ثِيابك
مخرتك القُرون تَشمر عَن سا
ق بَعيد الخطى قَوي السَنابك
يَتوثبن في الضِفاف خِفافاً
ثُمَ يَركضنَ في مَمَر شِعابك
عَجب أَنتَ صاعِداً في مَراقي
ك لِعُمري أَو هابِطاً في اِنصِبابك
مجتلى قُوة وَمَسرَح أَفكا
ر وَمَجلى عَجيبة كُل ما بِكَ
كَم نَبيل بِمَجد ماضيكَ مَأخو
ذ وَكَم ساجد عَلى اَعتابك
عَفَروا نَضرة الجِباه بِبرا
ق سَنى مِن لُؤلؤي تُرابك
سَجداً ذاهِلين لا رَوعة الت
اج وَلا زَهو إِمرة خَلف بابك
وَاِستَفاقوا يا نَيل مِنكَ لِنغ
ام شَجى مِن آلهي ربابك
وَصَقيل في صَفحة الماء فَضف
اض نَدي ممصر مِن أَهابك
وَحُروف رَيّانة في اِسمك الن
يل وَنَعمى مَوفورة في جَنابك
فَكَأن القُلوب مِما اِستَمَدَت
مِنكَ سَكرى مَسحورة مِن شَرابك
أَيُّها النيل في القُلوب سَلام الخُل
د وَقف عَلى نَضير شَبابك
أَنتَ في مَسلَك الدِماء وَفي لا
نفاس تَجري مُدَوياً في اِنسيابك
إِن نَسينا إِلَيك في عزة الوا
ثق راضين وَفرة عَن نِصابك
أَو رَفَلنا في عَدوتيك مَد
لين عَلى أُمة بِما في كِتابك
أَو عَبدَنا فيكَ الجَلال فَلَما
نَقض حَق الزِياد عَن محرابك
أَو نعمنا بِكَ الزَمان فَلم نَب
ل بَلاء الجُدود في صَون غابك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
القصيدة الثانية :
قصيدة إدريس جماع
"رحلة النيل"

النيلُ من نشوة الصهباءِ سَلْسلُهُ
وساكنو النيلِ سُمّار ونُدْمانُ
وخفقةُ الموجِ أشجانٌ تُجاوبها
من القلوب التفاتاتٌ وأشجان
كلُّ الحياةِ ربيعٌ مشرق نَضِرٌ
في جانبيه وكلُّ العمرِ رَيْعان
تمشي الأصائلُ في واديه حالمةً
يحفّها موكبٌ بالعطر ريّان
وللخمائل شدوٌ في جوانبهِ
له صدىً في رحاب النفسِ رنّان
إذا العنادلُ حيّا النيلَ صادحُها
والليلُ ساجٍ، فصمتُ الليلِ آذان
حتى إذا ابتسم الفجرُ النضيرُ لها
وباكرتْه أهازيجٌ وألحان
تحدّر النورُ من آفاقه طَرِباً
واستقبلتْه الروابي وَهْو نشوان

****
تدافع النيلُ من علياء ربوتهِ
يحدو ركابَ الليالي وَهْوَ عجلان
ما ملَّ طُولَ السُّرى يوماً وقد دُفنِتْ
على المدارج أزمانٌ وأزمان
ينساب من ربوة عذراءَ ضاحكةٍ
في كلّ مغنًى بها للسحر إيوان
حيث الطبيعةُ في شرخ الصِّبا ولها
من المفاتن أترابٌ وأقران
وِشاحُها الشَّفقُ الزاهي وملعبُها
سهلٌ نضيرٌ وآكامٌ وقيعان
وربَّ وادٍ كساه النورُ ليس لهُ
غيرُ الأوابدِ سُمّارٌ وجيران
وربّ سهلٍ من الماء استقرَّ بهِ
من وافد الطيرِ أسرابٌ وَوُحْدان
ترى الكواكبَ في زرقاء صفحتهِ
ليلاً إذا انطبقتْ للزهر أجفان

****
وفي حِمى جبل الرجّافِ مُختلَبٌ
للناظرين وللأهوال ميدان
إذا صحا الجبلُ المرهوبُ رِيعَ لهُ
قلبُ الثرى وبدتْ للذعر ألوان
فالوحشُ ما بين مذهولٍ يُصفّدهُ
يأسٌ وآخرُ يعدو وَهْوَ حيران
ماذا دهى جبلَ الرجّافِ فاصطرعتْ
في جوفه حُرَقٌ وارتجّ صَوّان
هل ثار حين رأى قيداً يكبّلُهُ
على الثرى فتمشّتْ فيه نِيران

****
والنيلُ مُندفِعٌ كاللحن أرسلَهُ
من المزامير إحساسٌ ووجدان
حتى إذا أبصر «الخرطومَ» مُونقةً
وخالجتْه اهتزازاتٌ وأشجان
وردّد الموجُ في الشطّين أغنيةً
فيها اصطفاقٌ وآهات وحرمان
وعربد الأزرقُ الدفّاق وامتزجا
روحاً كما مزج الصهباءَ نشوان
وظلَّ يضرب في الصحراء مُنْسرباً
وحولَه من سكون الرملِ طُوفان
سارٍ على البِيد لم يأبه لوحشتها
وقد ثوتْ تحت سترِ الليلِ أكوان
والغيمُ مَدَّ على الآفاق أجنحةً
ونام في الشطّ أحقافٌ وغُدران
والليلُ في وحشة الصحراءِ صومعةٌ
مَهيبةٌ وتلالُ البيدِ رهبان

****
إذا الجنادلُ قامتْ دون مسربهِ
أرغى وأزبد فيها وَهْوَ غضبان
ونشّرَ الهولَ في الآفاق مُحتدِماً
جمَّ الهياجِ كأنّ الماءَ بركان
وحوَّل الصخرَ ذَرّاً في مساربهِ
فبات وَهْو على الشطّين كُثبان
عزيمةُ النيلِ تُفني الصخرَ فورتُها
فكيف إن مسّه بالضيم إنسان
وانساب يحلم في وادٍ يُظلّلهُ
نخلٌ تهدّل في الشطّين فَيْنان
بادي المهابةِ شمّاخٌ بمفرقهِ
كأنما هو للعلياء عنوان








ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
النيل بين التجاني وجماع
دراسة مقارنة بين قصيدتين
ذلك النهر الخالد ، الذي يشق الأراضي السودانية من أقصاها إلى أقصاها ، ينبع النيل الأزرق من بحيرة تانا في إثيوبيا ، وينبع الأبيض من بحيرة فكتوريا في يوغندا ، يأتي الأزرق معربدا دفاقا، والأبيض يمضي هادئا منسابا ، فيلتقيان في الخرطوم عند مقرن النيلين ، ليتحدا في مسار واحد ، واسم واحد - هو النيل – نحو مصر.
أتناول في هذه الدراسة مقارنة بين قصيدتين لشاعرين سودانيَيْن عظيمين، اتحد غرض القصيدتين ، فكلا القصيدتين تتحدث عن النيل .
الشاعر التجاني يوسف بشير ، يلقب بشاعر الجمال والروح والوجدان ، ولد في أم درمان 1912 وهو من رواد شعر الرومانسية الصوفية المتجددة، مات وهو شاب . ورغم أنه عاش فترة قصيرة – 25 عاما فقط -إلا أنه لفت الأنظار، فاهتمت به الصحف والمجلات وخاصة «مجلة أبولو » ، جمع شعره في ديوان بعنوان :"إشراقة".
الشاعر الآخر هو الشاعر الرقيق إدريس محمد جماع ،ولد في الخرطوم بحري في العام 1922م
حفظ القرآن الكريم بمسقط رأسه، في الكُتَّاب، ثم التحق بالمدرسة الأولية، ومنها إلى مدرسة أم درمان الوسطى، ثم التحق بكلية المعلمين ببخت الرضا عام 1946، ثم هاجر إلى مصر عام 1947 والتحق بمعهد المعلمين بالزيتون، ثم بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة عام 1951 وحصل على الليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، له ديوان "لحظات باقية"
قصيدة التجاني بعنوان "في محراب النيل" ، وقصيدة جماع بعنوان "رحلة النيل" ، من خلال ملاحظة العنوانين يستطيع القارئ بيان مجرى كل قصيدة منهما .
يبدأ التجاني قصيدته بخطاب النيل ؛ بضمير المتكلم المنفصل : أنت ، فيقول:
أﻧﺖ ﻳﺎ ﻧﻴﻞ ﻳﺎ ﺳﻠﻴﻞ ﺍﻟﻔﺮﺍﺩﻳﺲ ﻧﺒﻴﻞ ﻣﻮﻓﻖ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺑﻚ
ويتخذ من حرف الكاف - وهو كاف الخطاب، وليست كافا أصلية -قافية لقصيدته ، ويلتزمها في جميع الأبيات ؛إذن جرّد من النيل شخصا ليخاطبه.
أما جماع فتعامل مع النيل بالخبر والوصف ،وليس بالخطاب ، حين بدأ قصيدته:
النيلُ من نشوة الصهباءِ سَلْسلُهُ وساكنو النيلِ سُمّار ونُدْمانُ
أشار التجاني في مطلع قصيدته لقدسية النيل، وكونه من أنهار الجنة النابعة من سدرة المنتهى ، وما ذاك على التجاني بغريب، وهو ذو النشأة الدينية ، فالنيل عنده سليل الفراديس ، استنادا للحديث النبوي الشريف ، الذي رواه الشيخان عن مالك بن صعصعة - واللفظ لمسلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار. قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.
قال النووي في شرح مسلم: يخرج من أصلها، والمراد: أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبيناً في صحيح البخاري وغيره.
في وصف النيل تجد أن جماعا ميّز بين النيلين ، فيقول عن الأزرق :
وعربد الأزرقُ الدفّاق وامتزجا روحاً كما مزج الصهباءَ نشوان
فالأزرق فعلا معربد ودفاق وهائج لأنه يتحدر من مرتفعات إثيوبيا حاملا 80% من المياه التي تشكل لاحقا نهر النيل .
وعن الابيض الهادئ الذي يسير في سهول ممتدة دون اندفاع:
وربّ سهلٍ من الماء استقرَّ بهِ من وافد الطيرِ أسرابٌ وَوُحْدان

أما التجاني فقد وصف النيل عموما ، ولم يميز بين أزرقه وأبيضه :
ﻭﺍﺳﺘﻔﺎﻗﻮﺍ ﻳﺎ ﻧﻴﻞ ﻣﻨﻚ ﻟﻨﻐﺎﻡ ﺷﺠﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻲ ﺭﺑﺎﺑﻚ

طغت على قصيدة التجاني الألفاظ الدينية ،وذلك كما أسلفت بتأثير نشأته ، ويبدأ ذلك منذ العنوان: في محراب النيل ، ثم كلمات مثل : سجدا ، الفراديس ، الجلال ، عبدنا ...
تتميز قصيدة التجاني بالعمق الفلسفي الذي يصبغ معظم قصائده ، في حين يكون الوضوح الطابع العام لقصيدة جماع. فكان كلاهما في موضعه موفقا ، وفي سياقه جميلا.
اتفق الشاعران في بيان أهمية النيل للإنسان السوداني وكونه عصب الحياة وشريانها له ،وبيّنا أهميته في المعيشة والرمزية والقدسية.
يقول التجاني:
ﻓﺘﺤﺪﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻭﺃﻓﺮﻏﺖ ﻋﻠﻰﺍﻟﺸﺮﻕ ﺟﻨﺔ ﻣﻦ ﺭﺿﺎﺑﻚ

ويقول جماع:
كلُّ الحياةِ ربيعٌ مشرق نَضِرٌ في جانبيه وكلُّ العمرِ رَيْعان

تنبض القصيدتان بالحركة الدؤوب، ولا عجب، فهما يصفان النيل ، ذلك النهر المنساب الذي لا يكف عن الحركة ، ولا يهدأ عن التدفق، فمن الألفاظ التي تجسد الحركة عند التجاني :
فتحدرت ، يتوثبن ،مسابك ، انصبابك، انسيابك ...
لكنها تكثر لدى جماع ، وذاك منطقي ؛ لأن قصيدته تصف النيل في رحلته، ومنها :
عربد ، خفقة ، تمشي ، التفاتات ، تحدّر ، يعدو ...
ومن عجب اتفاق الشاعرين على التأثير النفسي للنيل على الإنسان ؛ إذ يجعله نشوان سكران :
التجاني :
ﻓﻜأﻥّ ﺍﻟﻘﻠوﺐ ﻣما ﺍﺳﺘﻤﺪﺕ منك ﺳﻜﺮﻯ ﻣﺴﺤﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺷﺮﺍﺑﻚ
في حين يقول جماع:
النيلُ من نشوة الصهباءِ سَلْسلُهُ وساكنو النيلِ سُمّار ونُدْمانُ

في رؤية التجاني الفلسفية للنيل يجعله ممتزجا بالزمان متأثرا به :
ﻓﺘﺤﺪﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻭﺃﻓﺮﻏﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺟﻨﺔ ﻣﻦ ﺭﺿﺎﺑﻚ
وكذلك قوله:
ﻣﺨﺮﺗﻚ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ ﺗﺸﻤﺮ ﻋﻦ ﺳﺎ ﻕ ﺑﻌﻴﺪ ﺍﻟﺨﻄﻰ ﻗﻮﻱّ ﺍﻟﺴﻨﺎﺑﻚ
ولأن جماع يصف رحلة النيل فقد اصطحب في قصيدته جميع الظاهر التي يمكن أن تجاور النيل : الطير ، الآكام، سهل ، قيعان ، الجنادل، الصخر، كثبان ، وادٍ ...
وهذا ما لم نجده لدى التجاني لاختلاف زاوية الرؤية لدى كل من الشاعرين .

تزخر القصيدتان بالصور الجمالية والأخيلة ، ومن ذلك لدى التجاني قوله :
التشخيص في مطلع القصيدة أنت ... نبيل موفق ،
والطباق الإيجابي بين كلمتي: صاعدا ، هابطا ؛ مما يقوي المعنى
ثم تكرار "كم " الخبرية التي توحي بالكثرة ، في قوله:
كم نبيل بمجد ماضيك مأخو ذ وكم ساجد على أعتابك
ومن أجمل الصور قوله:
عفروا نضرة الجباه ببرا ق سنى من لؤلؤي ترابك
وغيرها كثير
وعجت قصيدة جماع بتلك الصور وذاك الخيال ، ومن ذلك:
صحا الجبل ، قلب الثرى ، النيل مندفع كاللحن ، الليل صومعة ، الموج أغنية، تمشي الأصائل...
تبدو قصيدة جماع لوحة زاهية أبدعها رسام لم يترك عنصرا من عناصر الطبيعة إلا ضمّنه فيها ، وتبدو قصيدة التجاني لحنا صوفيا عذبا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
طارق يسن الطاهر
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات

    كلام رائع تسلم ايدك ابدعت بارك الله يك استاذ طارق