اعرض تغذية RSS

طارق يسن الطاهر

العيون : انواعها وأجزاؤها وتأثيراتها

قيم هذه التدوينة
العيون: أنواعها وتأثيرها
العين في اللغة تطلق على عدة معان ، وهذا ما يسمى في علم اللغة بالمشترك اللفظي ، فهي عضو البصر المعروف، والجاسوس، وينبوع الماء، وكبير القوم وشريفهم ،و ذات الشيء ونفسه ،والنفيس من كل شيء، وغيرها من المعاني ،حسب المعجم الوسيط.
وتجمع عين على: عيون وأعين، ومن العجيب والمدهش في القرآن أنه قصرَ جمع "عين" على "أعين" حين يقصد العين عضو البصر "فإنك بأعيننا" الطور 48 "...سحروا أعين الناس.." الأعراف 116 ،" أم لهم أعين يبصرون بها " الأعراف 195 وغيرها من الآيات .
و جمع "عين" على "عيون" حال الحديث عن ينبوع الماء "وفجرنا الأرض عيونا" القمر 12 و"فجرنا فيها من العيون" يسن 34
نالت العين حظا وافرا من التناول في الشعر العربي، قديمه وحديثه ، وكانت أكثر أعضاء جسم الإنسان حظا في تناول الشعراء.
تتمتع العين بمقدرة فائقة على ترجمة مشاعر صاحبها من فرح وحزن ومرض وألم وخوف وغير ذلك.
تعددت الأسماء لأنواع العين، فمنها :
-النجلاء :بمعني العين الواسعة
-الحوراء وهي العين التي اشتدّ بياضُ بياضها ،وسوادُ سوادها واستدارت حدقتُها، ورقَّت جفونُها .
-الشهلاء: وهي الَّتي في عَيْنها شُهْلة. وهي العين التي يمتزج سوادها بحمرة.
-الدعجاء : وهي العين شديدة السواد ،وشديدة البياض مع اتساع في المقلة
ومن ذلك الحور العِين ، عِين جمع عَيناء ، وهي من اتسعت عينها وحسنت .

تتكون العين فيزيائيا من عدد من الأعضاء منها : الملتحمة. القرنية . القزحية ،البؤبؤ....
ولكنها عند الشعراء كلٌّ متكامل، لا يفرّقون بين جزء من أجزائها وآخر ، يُعجَبون بها كتلة واحدة، ويصفونها جسما واحدا .
وقد أطلق العرب بعض الأسماء المتعددة على بعض أجزاء العيون منها :
٭ اللحظ: وهو مؤخرة العين الذي يلي الصدغ .
٭ المآقي ، وهو طرف العين الذي يلي الأنف وهو مخرج الدمع ومجراه.
٭ المحجر: وهو فجوة العين
وغير ذلك ...
وقد يطلق الشاعر الجزء ويريد الكل، فقد يتحدث عن المآقي ،وهو لا يقصد جزءا ،وإنما يقصد العين كلها .
وتخرج النظرة من أحد أجزاء العين ، ولها تأثيرها ، كما ورد في شعر النصح والإرشاد:
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
و العبــد ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسـر مقلته ما ضـر مهجـته لا مـرحبا بسرور عاد بالضـرر
فقد اشتملت تلك الأبيات الثلاثة على : نظرة – مقلة – عين - أعين
برع كثير من الشعراء في وصف العين قديما وحديثا ، وتميزوا في بيان أثرها وقدرتها، وكان مما قيل قديما :
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا

وهذا الشاعر علي بن الجهم ،حينما قدم من البادية ،ومدح الخليفة العباسي المتوكل قائلا :
أنت كالكلب في حفاظك للود و كالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو، لا عدمناك دلوًا من كبار الدلا، كبيرَ الذَّنوبِ
" الذَّنوب " بفتح الذال هو الدلو الكبير فيه ماء.
فزجره جُلاس الخليفة، لكن الخليفة كان حصيفا، فعلم -بكياسته- أن الرجل جاء من بيئة أوفى من فيها الكلب، وأشجع من فيها التيس ، لذا أجلسه في قصر ،وحوله من دواعي الجمال ما أثر في ذائقته الشعرية، فجادت قريحته بـ :
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمرًا عَلى جَمــــــرِ
بدأ علي بن الجهم قصيدته بوصف العيون " عيون المها" .


وهنا العاشق عمر بن أبي ربيعة الذي جعل العين تقوم مقام اللسان :
أشارت بطرف العين خشية أهلها إشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم
ومنهم من وصف العين بأنها ناعسة :
يا ناعس الطرف لا ذقت الهوى أبداً أسهرتَ مضناك في حفظ الهوى فنَمِ
وقريب من العين الناعسة تأتي العين الفاترة، وهذا محمد سعيد العباسي في "عهد جيرون" وهي من أجمل قصائد الشعر السوداني بل العربي:
أفديه فاتر ألحاظ وتل له "أفديه" حين سعى نحوى يفدينـــــــــــي
يقول لي وهو يحكى البرق مبتسما يا "أنت" يا "ذا" وعمدا لا يسميني
كما تحدث السياب عن العينين في وصف رائع ،حين قال :
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحر
أو شُرفتانِ راح ينأى عنهما القمر
عيناكِ حين تبسِمان تورِقُ الكُروم
وترقصُ الأضواء كالأقمارِ في نهر
يرجُّه المجداف وهنًا ساعة السَّحر
كأنما تنبضُ في غوريهما النّجوم
أنشودة المطر
مطر.. مطر.. مطر.

ويقول إيليا أبو ماضي :
لَيتَ الَّذي خَلَقَ العُيونَ السودا خَلَقَ القُلوبَ الخافِقاتِ حَديدا
لَولا نَواعِسُها وَلَولا سِحرُها ما وَدَّ مالِكُ قَلبِهِ لَو صيــــــــدا

وهنا شوقي حين يطمس على لسانه ، ويجعل الحوار عبر العينين:
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيني في لغة الهوى عيناك

ويتناول الأمير عبدالله الفيصل العيون وتأثيرها حين يقول :
ما كنت أومن بالعيون وسحرها حتى دهتني بالهوى عيناك

وتناول شعرنا السوداني - فصيحه وعاميه- العيون بكل تفاصيلها ،وتأثيراتها ،وأدوارها ، فمنهم من أهدى عينيه –بحدقها- لوطنه؛ تعبيرا عن حبه له :
حدق العيون ليك يا وطن
أصبح مقر وأصبح سكن .
وها هو محمد سعد دياب يسمي ديوانا له "عيناك والجرح القديم " وقد حمل قصيدة بالاسم نفسه يقول فيها:
وكنت أحدّث عنك الدوالي
وكنت أحدث عنك النهارا
أحدثها عن عيون تتوهُ
بِهِنّ الأماسي وتمشي سكارى
ثم يقول:
أحبك ما كان عندي خيار
وهل عند عينيك ألقى خيارا؟
وها هو الحسِين الحسن يخشى على خبر حبه من الانتشار ؛فخبّأه وأخفاه ودثره بنور عينيه ، ورغم ذلك ذاع وعم القرى والحضر:
حبيبة عمري.. تفشى الخبر وذاع وعمّ.. القرى والحضر
وكنت أقمت.. عليه الحصونَ وخبّأتُه من فضولِ البشرْ
صنعت له من فؤادي المهام ووسدته كبدي المنفطر
ومن نور عيني نسجت الدثار ووشيته بنفيس الدرر
وقد كنت أعلمُ أن العيونَ تقول الكثير المثير الخَطِر

وهنا صلاح أحمد إبراهيم في رائعته" يا مريا "يتحدث عن الأهداب ، وهي تجاور العيون :
ليت لي إزْميل فدياس وروحاً عبقرية وأمامى تل مرمر
لنحتُّ الفتنة الهوجاء في نفس مقاييســــك تمثالاً مُكبر
وجعلت الشعر كالشلال : بعضٌُ يلزم الكتف وبعضٌ يتبعثر
وعلى الأهداب ليلاً لا يُفسَّر وعلى الخدين نوراً يتكسر

ثم يناجي العيون :
يا عيوناً كالينابيعِ صفاء ... ونداوة
من شعراء السودان الذين كتبوا بالعامية ،وغُنيت لهم كثير من القصائد من اشتهر بلقب شاعر العيون ؛ لأنه كتب عددا كبيرا من القصائد في العيون ، حتى مُنِح عضوية فخرية في نقابة أطباء العيون ، وهو الشاعر عبدالله النجيب:
عيونك كانوا في عيوني
يصدوني
وينادوني
أخاف لو قلت حبّوني
وأقول إمكن يحبوني
ويعزوني
ويصافوني
عيونك كانوا في عيوني.
وهو القائل:
صدّقت العيون وكلام المحنة
هناني بحنانو لما عليّ حنّ
قال لي كلمة طيبة
كانت منو حلوة
وهذا محمد بادي ساخرا ، وهو يصف بنات البندر ويخاطب أمه :
عيونن واسعة تبلع مية زي ولدك
تشرّك للموحد والضلالي
وهنا يصف الأعين بأنها نُجْل "واسعة"
ومن أجمل قصائد العامية السودانية التي تناولت العيون :
في عيونك ضجة الشوق والهواجس
وريحة الموج البنحلم فيهو بي جية النوارس
وقد جعل شاعرنا لغة العيون كلام بل أحلى الكلام:
أحلى الكلام لغة العيون


والآخر حين شبه لون محبوبته بالذهب ،وشبه عينيها بعيني الغزال:
آه من صفارو العسجدي
وعينو المتل عين الجدي

لكن ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح :
لِمَ أفاضَ الشعراء في التغزل بالعيون ،وأكثروا من وصفِها، دون سائر الأعضاء التي لا يقل بعضها تأثيرا ولا جمالا ؟
وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال أرى أن ذلك يعود لعدة أسباب ، منها:
-العين عضو متاح للشاعر حال احتشام المرأة واستتارها فلا يرى غيره.
-العين أول عضو يقع في ناظري الشاعر؛ لذا يكون له التأثير الانطباعي الأول
-العين لها القدرة-كما أسلفت- على التعبير عما يجيش بالنفس الإنسانية من مشاعر .

يجب-هنا- أن أشير إلى مفهوم له صلة بالعين وهو :خائنة الأعين:
ومعناها : النظرة المُريبة أو المختلَسة، وتعني أيضا استراق النظر، قال تعالى : {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }غافر 19


وقد ورد في الحديث النبوي الشريف عن قصة إسلام عبدالله بن أبي السرح بعد ردته :
لما دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ الناسَ إلى البيعةِ ، جاء به عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى أوقفَه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال : يا نبيَّ اللهِ بايعْ عبدَ اللهِ ، فرفع رأسَه فنظر إليه ثلاثًا كلُّ ذلك يأبى ، فبايعه بعدَ ثلاثٍ ، ثم أقبل على أصحابِه فقال : أمَا كان منكم رجلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا حينَ رآني كففت يدي عن مبايعتِه فيقتلَه ، فقالوا : ما ندري يا رسولَ اللهِ ما في نفسِك، ألا أومأت إلينا بعينِك ، قال : إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائنةُ الأعينِ.
وذاك لأن عبدالله بن أبي السرح أسلم ثم كفر ، قبل أن يسلم في القصة أعلاه ، وكان من كُتَّاب الوحي، وكان يروِّج لدى الكفار أنه كان يضيف -أثناء كتابته القرآن- كلمات ليست منه .
وللعيون ألوان متعددة منها الأزرق والبني والعسلي والرمادي والأخضر ...؛ ذلك لأن الجزء الملون من العين الذي يسمى القزحية، يحتوي على صبغة لونية تحدد لون العينين .
العيون الزرقاء: لها مستوى منخفض من الصبغة الموجودة في القزحية
العيون البنية: هو لون العين الأكثر شيوعا ، والبنية الداكنة قريبة من السواد، لكن لا يوجد اللون الأسود الكامل الصافي.
العيون الرمادية: قد يطلق على العيون الرمادية اللون “الأزرق” ابتداء ، ، وقد يختلف هذا اللون من اللون الرمادي إلى اللون الأزرق إلى اللون الأخضر بسبب عوامل متعددة.
العيون الخضراء: اللون الأخضر هو لون العين الأقل شيوعًا،
العيون العسلية: تتكون في الغالب من ظلال من اللون البني والأخضر.
في العامية السودانية يقولون أخضر للون الأسود ،يقولونها لمن لونه أسود أو قريب منه ، ولعل لذلك مرجعا ؛ ففي القرآن" مدهامتان" الرحمن 64 ، بمعنى شديدة الخضرة ،ومائلة للسواد.
ويقولون كذلك أزرق لمن مال لونه للسواد ،وورد في القرآن " ونحشر المجرمين يومئذ زرقا" طه 102 زرقا؛ لتغير ألوانهم وعيونهم من شدة الهول .
للعينين أهمية كبرى في الحياة، وفقدها –بالعمى- مؤلم جدا وتتعقد معه حياة صاحبها ، وصبرُ الإنسان على العمى أمرٌ صعب ؛ لذا عظُم أجره ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ قالَ: إذا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ منهما الجَنَّةَ ، يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ) صحيح البخاري.
هكذا كان لذلك العضو كل ذلك التأثير ،وذلك الجمال، وتلك الأهمية ، تنوعت أسماؤها وتعددت أجزاؤها ،وتباينت تأثيراتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طارق يسن الطاهر- الطائف - يونيو 2020
الكلمات الدلالية: لا شيء تعديل الكلمات الدلالية
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات