ومن قوله تعالى : (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) ، فَثَمَّ نَهْيٌ أُنِيطَ بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو التكذيب ، فلا يخلو الاسم المشتق "مكذِّب" أن يدل على العلة إذ اشتق من معنى التكذيب ، فالتكذيب وصف يستوجب النهي عن طاعة مَنْ قام به ، فدلالة "أل" ، من وجه ، دلالة البيان لجنس المدخول ، ودلالة العموم الذي استغرق ، ودلالة الوصل إذ دخلت على اسم مشتق ، فأنيط الحكم : حكم النهي ، أنيط بوصف التكذيب ، ولا يخلو من زيادة في المعنى إذ زيد في مَبْنَاهُ تضعيف العين في "كَذَّبَ" الرباعي مضعف العين وإن كان ذلك قياس اللسان في اشتقاق اسم الفاعل من الرباعي المضعف كمؤدِّب من أَدَّبَ ، ومحرِّك من حَرَّكَ ، ومقسِّم من قَسَّمَ ... إلخ ، إلا أنه لا يخلو في كل حال أن يكون مئنة من زيادة في مبناه بالتضعيف آنف الذكر تضعيف عين الفعل ، فهو آكد في الدلالة من الكاذب ، فالمكذِّب لا يخلو من دلالة التقصد وإن ذُمَّ الكاذب ، من وجه ، إلا أن اسمه مما يقبل القسمة في الخارج فَيُطْلَقُ على من خالف عن الحق وإن سهوا يُطْلَقُ عليه أنه كاذب إذ أخبر بخلاف الحق ، فالكذب يطلق على الخطأ في لغة الحجازيين ، فاحتمل القصد المذموم والسهو الذي عُفِيَ عنه ما لم يكن تَقْصِيرًا في التحمل والأداء فذلك ما يلحقه بالجنس المذموم ، كما في الحديث المشهور : "مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" ، وأما التكذيب في المقابل ، تكذيب المكذِّب فدلالة التقصد فيه أظهر فلا يحتمل إلا الجنس المذموم ، وهو ما قد أطلق في الآية فانصرف إلى الجنس الأكبر الناقض للأصل ، أصل الدين الجامع ، فَثَمَّ من الكفر ما هو تَكْذِيبٌ ، وَثَمَّ منه ما هو أكبر ينقض الأصل ، فإن التكذيب فيه والرد لما قَدْ عُلِمَ ضرورة فمن أنكره فقد كَفَرَ إذ لا يَفْتَقِرُ إلى نظر واستدلال فلا عذر فيه بجهل أو شبهة ، فلا يعذر إلا المريض الذي جُنَّ فَاخْتَلَّ عقله فلا اعتبار بقوله أو فعله في باب الشرع وإن اعتبر في باب الوضع فَمَا يُتْلِفُ المجنون فهو من المضمون ، فمن كَذَّبَ بِالْمُتَوَاتِرِ فهو مارق ، فالمتواتر العلمي أو العملي أو ما قد علم ضرورةً الإجماعُ على حكمه إيجابا أو تحريما ، كل أولئك مما لا عذر فيه بجهل ، على تفصيل في هذا الباب ، إذ اختلاف الدور مئنة من اختلاف الحكم في باب الأسماء والأحكام وما يلحق بها من الأعذار وموانع إطلاق الألقاب ، فلا تستوي دار إسلام ورسالة ودار أخرى قد درست فيها آثار الديانة سواء أكان ذلك الأصل فيها أم الطارئ ، فالعبرة بظهور العلم واشتهار نصوصه وحصول العلم الذي به قيام الحجة على وجه يَنْفِي الجهل ويقطع العذر ، فيجري ذلك ، أيضا ، مجرى الشرط أو السبب ، فهو العلة الجالبة للحكم طردا وعكسا ، فمتى حصل العلم الضروري فلا عذر ، ومتى درست آثاره فالعذر يعتبر على وجه لا يُفْضِي إلى التساهل في هذا الباب فيكون من مادة الإرجاء ما يُفْسِدُ التصور إذ يُخْرِجُ الأعمال من حد الإيمان فذلك ما يُفْضِي ، ولو باللازم ، إلى إبطال باب النواقض كله ، القولية والعملية ، إذ قد صار الإيمان معنى واحدا لا يجاوز التصديق الباطن ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، سبب في الإفراط والتفريط ، فمن غلا في هذا الباب فقد جعل الإيمان اسما واحدا يستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله ، فَغَلَا في الحكم إذ نَفَى الإيمان بفوات واجب أو اقتراف محرم ، وإن لم يكن ثم نص أن هذا الترك لواجب بعينه أو الفعل لمحرم بعينه ، وإن لم يكن ثم نص ، أنه ناقض بنفسه ، فَغَلَا من غلا فَسَوَّى بَيْنَ ما تركه أو فعله يقدح في كمال الإيمان الواجب وما تركه أو فعله يقدح في أصل الإيمان الجامع ، فصير الجميع جنسا واحدا وهو الجنس الناقض للأصل ، وَثَمَّ ، في المقابل ، من فَرَّطَ وَجَفَا فجعل الإيمان اسما واحدا قد اقتصر على التصديق المجرد الذي يضاهي ، ولو باللازم ، معنى العرفان ، فإذا حصل له من المعرفة صورة مجردة فقد حصل له من الإيمان ما يوجب العصمة وإن قارف ما قارف من نواقض الملة .
فالتكذيب ، كما تقدم ، جنس عام يستغرق ، فَثَمَّ تكذيب أكبر ينقض أصل الدين الجامع ، وهو إنكار ما تَوَاتَرَ من الآي أو الخبر أو الإجماع أو ما قد جرى مجرى التَّوَاتُرِ في بَابِ العملِ فَهُوَ من شعار الدين الذي يعلمه كل أحد عِلْمَ الضرورةِ سواء أكان من القول أم من العمل فلا يعذر من أنكره ، فهو كَمَنْ أَنْكَرَ البدائه الضرورية في العقل فهي مقدمات في الاستدلال قد أجمع عليها سائر العقلاء إلا من جحد فلا عذر أو سفسط فَعَقْلُهُ قد فَسَدَ فارتفع عنه قلم التكليف إذ فسد محله فسادا به الرخصة في الباب على تفصيل في ذلك فَلَيْسَ كل زوالٍ للعقل يَرْفَعُ الحكم ، فلا يَرْفَعُ حكمَ الوضع ، كقيم ما أتلف ، ولا يَرْفَعُ بَعْضَ أحكام الشرع كَزَكَاةِ ماله إذا جُنَّ أو اختلط إذ الزكاة مما اجتمع فيه وصف الشرع فهو عبادة ، ووصف الوضع فهو حق مقدَّر يجب إخراجه إِذَا وُجَدَ السبب وهو ملك النصاب وَوُجِدَ الشرط وهو حولان الحول ، وَانْتَفَى المانع من دَيْنٍ أو نحوه ، فليس من الموانع زوال العقل إذ الحق المقدَّر يخرجه صاحبه أصالةً أو يخرجه عنه وليه نِيَابَةً ، ولا يَرْفَعُ زوالُ العقل جملةَ أحكام أخرى إذا أدخل سبب الزوال على نَفْسِهِ كمن تَعَاطَى المسكر مختارا بلا ضرورة تلجئ ، فإذا ذهب عقله فَثَمَّ حد أول هو محل إجماع وهو حد الشراب إذ باشره وعقله حاضر لم يَزُلْ ، وثم آخر هو محل الخلاف إذا قارف من الجناية وهو سكران ، فمنه ، لو تدبر الناظر ، ما اتفق عليه فلا خلاف ، كمن سكر وأتلف مالا فهو له ضامن إذ المال مما يعوض ، ومنه ما هو محل خلاف إذا سرق أو زنى أو قتل أيقام عليه الحد ثانيا بعد حد الشراب أولا أم أن زوال عقله إذا سكر يَرْفَعُ ما بعده ، فثم من قال إن الحد يقتصر على الأول فإذا زال عقله فلا تكليف ، فاطرد الحكم عنده وانعكس إذ أناط التكليف بالعقل مطلقا دون نظر في سبب الزوال أهو مما يطرأ فلا يطيق رده كالعوارض السماوية أم هو مما أدخله على نفسه اضطرار كمن شرب المسكر وقد خشي الهلكة فسكر أو شرب مكرها أم هو مما أدخله على نفسه مختارا فتلك وجوه القسمة ، فَسَوَّى بَيْنَ الجميع ، فمتى ذهب العقل فلا تكليف ، وإن زال باختياره ، فلا يحد إلا حَدَّ الشرب إذ شرب وعقله حاضر ، وثم من فرق فالأول والثاني لا اعتبار فيهما لقوله أو فعله بعد زوال عقله إلا ما كان من أحكام الوضع كقيم ما أتلف أو دية ما قطع أو سفك ، وحال الإكراه قد اختصت بحكم زائد فإن المكرِه هو من يحتمل الدية ، إذ هو السبب في زوال العقل ، وإن كان المباشِر أولى بالضمان فذلك إنما يصح إذا كان كامل الأهلية ، فالإكراه قد أفسد إرادته ، فإطلاق المباشر عليه بالنظر في صورة الفعل المجردة لا بالنظر في الباعث فلو اختار ما شرب وما سكر وما سرق بعد سكره أو زَنَى أو سَفَكَ ، فالمباشر حقا هو من أكرهه فهو الأولى بالضمان في هذه الحال ، وأما الثالث وهو من شرب مختارا فسكر فذلك مما يؤاخذ بما صنع بعد سكره لئلا تكون تلك ذريعة إلى استباحة الفواحش مع أمن العقاب إذ يحتج أنه قد سكر فلا يدري ما يفعل ، فكان من قول بعض العلماء ، على خلاف في ذلك ، أنه يحد سدا لذريعة التلاعب في الأحكام ، فَيُحَدُّ حَدَّ الشراب وَحَدَّ ما اقترف من الجناية وهو سكران وإن قتل فإنه يقتل ، إذ قد أدخل السكر على نفسه اختيارا فاستصحبت حال الاختيار لما بعد السكر إذ رضي بمبادئ الأمر من السكر فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ من رَضِيَ بِعَوَاقِبِهِ إذ قارف ما قارف من الجناية بعد زوال عقله .
وأما الكفر ، كفر التكذيب ، فهو مما تسامح فيه الشارع ، جل وعلا ، ما لم يَتَسَامَحْ في حقوق الناس ، فمن شرب مكرها أو مختارا فسكر وهذي وسب الله ، جل وعلا ، أو كذب بآيه أو رسله ..... إلخ من نواقض الإيمان قولا أو عملا مما يَتَمَحَّضُ فيه الحق لله ، جل وعلا ، فمن صنع ذلك فلا يكفر إذ قد غاب عقله ، فلا اعتبار بقوله ما كان الحق حَقَّ الله ، جل وعلا ، إذ مبناه المسامحة خلاف حقوق الخلق فمبناها المشاحة ، فالله ، جل وعلا ، لا يضره أذى ابن آدم وإن تقصد فكيف بمن غاب عقله فلا يدرك ما يقول فحسبه أن يحد إن سكر اختيارا بلا عذر من إكراه أو جهل إن كان ممن نَشَأَ في دار بعيدة لم تظهر فيها أعلام الشريعة فلا يعلم تحريم الخمر أو هو حديث عهد بإسلام في دار حرب فلا يعلم الحكم أيضا .
والشاهد أن التكذيب ، محل الشاهد ، مما يجري مجرى الجنس العام وهو ما انقسم في الخارج ، فَثَمَّ التكذيب الأكبر الذي ينقض الأصل ، كما تقدم من تكذيب المتواتر ، وثم آخر يقدح في كمال الدين الواجب ، كإنكار ما لم يبلغ حد التواتر من خبرِ آحادٍ أو إجماع ظني الدلالة لم يَبْلُغْ من العلم حَدَّ الضرورة ، فَمُنْكِرُ ما يفيد الظن أو العلم النظري الذي يفتقر إلى الاستدلال ، مُنْكِرُهُ لا يكفر بالإجماع إلا إن حصل له من آيات الصحة ما جعله مُتَوَاتِرًا عنده وإن لم يَتَوَاتَرْ عند غَيْرِهِ ، فَالتَّوَاتُرُ منه العام الذي يستغرق كل أحد ، ومنه الخاص الذي يَقْتَصِرُ على أهل الشأن ، فَيَتَوَاتَرُ عندهم ما لا يَتَوَاتَرُ عند غيرهم ، فالحجة الرسالية تَقُومُ عليهم ما لا تَقُومُ على غيرهم ، لا جرم عَظُمَ جرمهم إذ عَظُمَ مكانهم في الناس فهم من تحمل الأخبار والأحكام فناب عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أشرف الوظائف ، وظيفة البلاغ والبيان ، فلا يغتفر في حقهم ما يغتفر في حق الآحاد ، فكان من جناية أحبار السوء ما أثقل كواهلهم بأوزارِ من تبعهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.
والتكذيب مما يجري ، من وجه ، مجرى الجنس العام بالنظر في أسبابه ، فثم تكذيب المعرِض ، وثم تكذيب المنكِر ، وثم تكذيب المستكبِر ، وهو ، من آخر ، مما يجاوز الدلالة العلمية فثم تكذيب بالاعتقاد وآخر بالقول وثالث بالعمل ، فلا يقتصر على ما يَتَبَادَرُ من تكذيب الأخبار باللسان ، فَثَمَّ من الفعل ما يجري مجرى التكذيب بل لسان الحال يحكي في أحيان ما لا يحكيه لسان المقال ، كحال من يَزْعُمُ التصديق أن الشريعة وَحْيٌ قد نَزَلَ ، وهو يعطل أحكامها فيحكم بغيرها ، على تفصيل في حكمه ، وذلك مناط قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة إذ ضاع الحق فيه بَيْنَ غالٍ وجافٍ ، فكان من التكذيب العام الذي يعطل صاحبه الأصل ، فخلافه في تحرير المناط إذ عطل مناط الوحي فاستبدل به غيرَه ، فذلك من التكذيب الأكبر ولو في حكم واحد إذ كَذَّبَ بِنُزُولِهِ وإن زعم التصديق بِلِسَانِهِ ، فتكذيب الفعل في هذه الحال يَنْفِي دعوى التصديق باللسان ، فكيف بمن زاد فَعَطَّلَ الأصل ، فأنكر حجية الوحي ابتداء فجاوز بالتعطيل آحادَ الأحكام الخاصة إلى مناط التشريع العام ، فذلك من التكذيب الأكبر الذي يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع خلاف ما يكون من تكذيبٍ في تحقيق المناط في واقعة مخصوصة فَيَكُونُ المناطُ مناطَ الوحي ويكون تحقيقه تَحْقِيقَ الجور إذ يخالف به عن جهة العدل وإن حكم به فلم يحكم بالوضع ، فذلك التكذيب الأصغر الذي ينقض كمال الدين الواجب إلا إن فعله مستبيحا أو مستخفا فأي عصيان يقارف ، ولو صغيرة ، إن خرج على حد الاستباحة أو الاستهزاء ، فهو ناقض لأصل الإيمان ، وذلك باب يدق ، فهو ، كما تقدم ، بين الزيادة والنقص ، والقول فيه يستوجب العدل في الحكومة فَمَنَاطُ التَّعْيِينِ فيه قدر زائد على مناط الإطلاق فهو يجري مجرى العلة الجالبة للحكم العام فحال تَعَيَّنَ في محل مخصوص ، فَثَمَّ نظر يَزِيدُ إذ العلة لا بد لها من شروط تُسْتَوْفَى وموانع تَنْتَفِي فلا بد من قيام الحجة الرسالية فَقِيَامُهَا أصل في هذا الباب قبل الحكم فِي الأعيان ، وهو ، من وجه آخر ، ما لا يُبْنَى عليه حكم يجاوز العلم من أحكام العمل كإنفاذ حد أو تَفْرِيقٍ بين زوجين أو نحوه ، مِمَّا لا يُبْنَى عليه حكم في العمل إلا إذا قَضَى به قاض وكان من ولاية الشرع والعدل ما به إنفاذ الحكم فالحدود والتَّعَازِيرُ ، في الجملة ، مما لا يقوم به آحاد الناس فهي من وظيفة الولاية الرسالية لا جَرَمَ كان حصولها من أعظم مقاصد الشرع فَبِهَا صيانة الدين وسياسة الدنيا به كما اشتهر في كلام المتقدمين .
فكان من النهي أَنْ : (لَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) مَا قَدْ عَمَّ بالنظر في خطاب التكليف فدلالته أعم من خطاب المواجهة الأول الذي اختص به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول من يُكَلَّفُ به فِعْلًا أو تَرْكًا ، وأول من يُكَلَّفُ به التكليف الزائد الذي استوجبه منصب الرسالة ، فهو أول من يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ، فكان من الخطاب ما قد عم على تقدير : ولا تطيعوا المكذبين ، وهو ما عم ، أيضا ، بالنظر في دلالة التغليب فاستغرق كل محل يعقل إذ حصل فيه سبب التكليف الأول وهو العقل ، وكان من إطلاق لقب المكذِّب ، ما ينصرف ، كما تقدم ، إلى التكذيب الأكبر الناقض لأصل الدين ، إذ هو الأصل في باب الأسماء والأحكام ، فَحَالَ أُطْلِقَ اللقبُ مدحا أو ذما فهو يَنْصَرِفُ إلى المعنى الأكبر الجامع لأجزاء الحقيقة في الخارج ، إلا إن وردت قرينة تُرَجِّحُ دون ذلك ، وسياق الآي ، لو تدبر الناظر ، يُرَجِّحُ الأصل فهو من الآي المكي والغالب عليه خطاب من كَذَّبَ بأصل الرسالة ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن عموم المعنى يُجَوِّزُ دخول غيرهم فلا تطع المكذِّب سواء أكان تكذيبه أكبر أم أصغر ، فليس بأهل أن يُصَدَّقَ أو يُطَاعَ ، وهو ما قد يخص بالعقل فطاعته تجوز في أحيان ، فتجوز إذا أمر بحق ، فالطاعة في المعروف وهو ما يعم كل آمر ، وإن اختص الآمر المصدِّق الذي يعدل في حكومته ويصلح في ولايته فقد حَصَلَ له من أسباب الطاعة ما يزيد على طاعة مارقٍ أو فاجرٍ فطاعته تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فلا يعقد المطيع نِيَّةَ طاعة له كتلك التي يعقدها لعادل مصلح ، فلا يستويان مثلا ، فالمعروف أصل في الطاعة ، وهو ما يستغرق العادل والجائر فلا يطاعان إلا في معروف ، وإن كان من حسن الظن بالأول ما به يعتذر عنه فيما تأول فأخطأ خلاف الثاني فإذا أمر بالشر فذلك دأبه فلا يحسن الظن به ما يحسن بالأول ولا يكون من العذر بالاجتهاد في التأويل ما يكون في حق الأول فذلك مقتضى العقل إذ يحكم فلا يسوي بين مختلفين فلا يستويان مثلا ، وإن كان عنوان المعروف ، كما تقدم ، هو عنوان الطاعة المحكم ، ولا يخلو النهي في الآية أن يجري مجرى الطرد والعكس إذ أنيط ، كما تقدم ، بوصف التكذيب الذي اشتق منه اسم المكذبين ، أو اشتقت من الصلة على تأويل "أل" أنها الموصولة ، فتقدير الكلام في هذه الحال : فلا تطع الذين كذبوا ، أو الذين يكذبون ، فالحكم يستغرق سائر أجزاء الزمان ماضيا وحالا واستقبالا ، فكان من الطرد والعكس ما به يدور الحكم مع العلة وجودا وعدما ، فلا تطع إذا حصل الوصف الجالب للنهي وهو التكذيب فذلك الطرد وأطع إذا لم يحصل الوصف الجالب للنهي ، فيحصل ضده على حد التلازم إذ انتفاء وصف يستلزم إثبات ضده ، فأطع إذا لم يحصل التكذيب وحصل ضده من التصديق ، فلا تطع المكذبين طردا وأطع المصدقين عكسا ، وهو ، كما تقدم ، مما خص في كلتا الحالين بالمعروف فلا تكون الطاعة إلا فيه ، كما في الخبر الصادق : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ، فكان من القصر ما يحمل على الحقيقة وقد حُدَّ بأضعف أساليبه إذ قد بلغ من البداهة ما يجعله ضرورة لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، وكان من اسم الطاعة ما دخلت عليه "أل" فهي ، من وجه ، مما أبان عن حقيقة المدخول فأفادت بَيَانَ الجنس فضلا عن استغراقٍ لوجوه الحقيقة فهي الطاعة التامة فلا تكون إلا في المعروف ، وهو ما دخلت عليه "أل" ، أيضا ، فأفادت بَيَانَ الجنس ، من وجه ، واستغراق آحاده من آخر فهي تَعُمُّ كُلَّ أجناسِ المعروف ما بَطَنَ وما ظَهَرَ ، فيجري ، من وجه ، مجرى الدين الجامع فهو اسم علم في الخارج على مَاهِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ من الاعتقاد والقول والعمل فكذلك المعروف فهو يستغرق الجميع .

ولا يخلو ذكر المكذِّب أن يجري ، من وجه آخر ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، يستغرق أوصاف السوء جميعا فيقاس عليه الكافر والخائن والمفسِد .... إلخ ، فلا تطعهم جميعا .

والله أعلى وأعلم .