ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فكان من التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، واسمية الجملة التي ابتدئت بالاسم الأعظم ، اسم الله ، جل وعلا ، وثم من الاعتراض ما يجري مجرى الثناء بوصف الجلال ، فالعزة والجلال مما ذكر مثالا على جنس أعم ، وهو جنس الجلال ، ولا يخلو ، من آخر ، أن يكون مثالا على الجنس الأعلى ، جنس الثناء ، فمنه الجلال ومنه الجمال ، وقد حُدَّ الاعتراض في هذا السياق حَدَّ الجملة الخبرية ، الجملة الماضوية ، فذلك من وصف الذات الذي ثبت في الأزل فيدخل في حد اسمه ، جل وعلا ، الأول ، فهو أول بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فمن الوصف وصف المعنى ، ومنه ما قام بالذات أزلا ، كصفات العزة والجلال ، فالماضوية تحكي الأزلية ، أزلية الوصف فهو مما اتصف به ، جل وعلا ، أولا بلا ابتداء ، فَلَهُ أولية مطلقة بما امتاز الخالق ، جل وعلا ، من المخلوق ، فإن أولية المخلوق مقيدة وإن كان أول مخلوق فقد سُبِقَ بالعدم ، على خلاف في أول مخلوق أهو العرش أم القلم ، وأما أولية الخالق ، جل وعلا ، فهي الأولية المطلقة في الأزل فلم تُسْبَقِ الأوصاف جميعا إذ تدخل في حد الأولية ، لم تُسْبَقْ بِعَدَمٍ ولا يلحقها فَنَاءٌ فهي تدخل ، من هذا الوجه ، في حَدِّ الآخرية ، ولا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ ، فهي تدخل ، من هذا الوجه ، في حَدِّ السلام والسبوح والقدوس .... إلخ من الأسماء والصفات السالبة لمعنى النقص الذي تَنَزَّهَ عَنْهُ الرَّبُّ الخالق ، جل وعلا ، فذلك فُرْقَانٌ به امتاز وصف الخالق ، جل وعلا ، من وصف المخلوق ، فَحُدَّ الثَّنَاءُ حَدَّ الخبرية الماضوية في "عز وجل" ، ولا يخلو التعاطف ، من وجه آخر ، أن يكون من تعاطف التغاير ، فالعزة تخالف عن الجلال وإن كانا جميعا من جنس واحد ، وهو جنس الجلال الذي يشاطر جنس الجمال قِسْمَةَ الكمالِ المطلق التي اتصف بها الرب المهيمِن ، جل وعلا ، أزلا وأبدا ، أولا وآخرا ، ولا يخلو التعاطف ، من وجه آخر ، أن يكون من عطف العام على الخاص ، فإن الجلال أعم من العزة ، فالعزة والقدرة والقوة ..... إلخ ، كل أولئك مما يدخل في حد الجلال فهو جنسها الأعلى ، فَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، عام لا أعم منه ، وهو وصف الكمال المطلق ، فَتَحْتَهُ عام فَثَمَّ الجمال وَثَمَّ الجلال وكلاهما عام ، وثم الحكمة والرحمة .... إلخ فكلها تدخل في حد الجمال ، وَثَمَّ العزة والقدرة والقوة ...... إلخ ، فكلها تدخل في حد الجلال ، وتحت العام عام آخر فالعزة خاص بالنظر في الجنس الأعلى ، جنس الجلال ، وعام بالنظر في آحاد مِنْهَا عزةُ الشأن وعزةُ القهر ، فهو ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عَزِيزٌ في نفسه لا يُنَالُ باذى ، وهو عزيز قد عَزَّ غيره وَغَلَبَهُ فلا يُقْهَرُ فهو القهار الذي قَهَرَ الكائنات جميعا بقدر التكوين النافذ ، فكان من الخبر : "عز وجل" ، ما يجري مجرى الخبر ، كما تقدم ، فلا يخلو من دلالة ثَنَاءٍ تستغرق ، فلا تقتصر على الماضي بالنظر في الدلالة الاشتقاقية ، وإنما اتسعت الدلالة فهي تستغرق الحاضر والمستقبل لما تَقَدَّمَ من دلالة الأولية والآخرية ، فَثَبَتَ الوصف لله ، جل وعلا ، أبدا ، وذلك ما يستغرق كل وصف وإن وصفَ فعلٍ تحدث آحاده ، فإن نوعه قديم قِدَمَ الذات القدسية ، وما الفعل إلا أَثَرُ الكمالِ المطلق الذي ثبت أزلا ، ولا يخلو الخبر ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى الاستعارة إذ استعير للدعاء ثَنَاءً على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فاعترض بالثناء الذي جمع الدلالة الخبرية والإنشائية جميعا ، فهو خبر أريد لذاته من وجه إذ يحكي ما ثبت من وصف الرب ، جل وعلا ، وهو خبر أريد لغيره إذ يحكي إنشاء الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فاجتمعت فيه الدلالتان : الخبرية والإنشائية ، وذلك ما يشهد من وجه ، لمن جوز دلالة العموم في اللفظ المشترك فذلك خبر أريد به الدلالة الخبرية وهي الأصل ولم يخل أن يدل على أخرى إنشائية ، فاجتمعت فيه الدلالتان ، على وجه يصح بل به زيادةٌ في المعنى تُحْمَدُ فالمصير إليه أولى ، ولا يخلو ذكر العزة والجلال أن يُوَاطِئَ السياق فَبَعْدَهُ كان الْكَتْبُ ، كَتْبُ التكوينِ النافذ ، فإن الله ، جل وعلا ، لم يكتب الفواحش ، بداهة ، كتابة التشريع الحاكم فلا يأمر بالفحشاء أمرَ تكليف ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ، وإن وقعت بأمره أمرَ تكوين ، فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الكتابة النافذة بها يكون الخير والشر معا ، فيدخلان من هذا الوجه في عموم قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، وجهة الكتابة الحاكمة بها الأمر بالخير والنهي عن الشر ، فالشر لا يدخل في إرادة التشريع وإن وقع بإرادة التكوين ، فكان من الكتب ، كتبِ المقادير ، ما حُدَّ حَدَّ الماضوية ، فذلك مما قد علمه الله ، جل وعلا ، أزلا ، ثم كتبه في لوح التقدير ، وهو ما انْقَضَى زمانه ، وإن لم يقع بَعْدُ في الخارج ، فما يكون في الشهادة ثانيا هو تصديق ما يكون في الغيب أولا ، فكان من حظ الزنا ما أجمل ابتداء ، ثم أُبِينَ عنه بذكر أنواعه ، فالزنا ، أيضا ، مما يصدق فيه أنه جنس عام ، فَثَمَّ عموم لا أعم منه وهو الفواحش ، وتحتها أنواع فمنها ما يكون باطنا كالشرك والتكذيب ، وهو أعظم الفواحش وإن لم تظهر آثاره في الخارج ، وإن كان ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما لا يتصور ، فإن ما يحصل في الباطن من المقالات والإرادات لا تنفك آثاره تظهر في الخارج فهي الدليل الشاهد على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، فما الظاهر إلا تأويل ما يقوم بالباطن وإن اجتهد صاحبه ما اجتهد أن يكتم ويتجمل فلا بد أن يُفْضَحَ ولو بَلَحْظَةِ عينٍ أو فَلْتَةِ قولٍ ، كما في قول الرب جل وعلا : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، فلم يطق أولئك أن يستتروا وإن اجتهدوا ما اجتهدوا ، فما تَحْتَمِلُ صدورهم من غل لمن آمن مما لا يطيقون كتمانه ولو تقية ، فلا بد أن يُفْضَحُوا ، فَرُؤْيَةُ أهلِ الحق تَغِيظُهُم ، والعين تحكي من فكرة صاحبها ما لا يحكيه اللسان ، وَثَمَّ فواحش تظهر في القول والعمل ، وفواحش العمل جنس ثان تحته أنواع ، فمنها الزنا ، محل الشاهد ، ولا يخلو ، بالنظر في سياق الخبر ، أن يكون ، أيضا ، من الجنس الذي تندرج تحته آحاد ، فثم زنا العين إذ تَرَى ما قد حُرِّمَ ، وَثَمَّ زنا اللسان إذ يَنْطِقُ بالرفث ، فَذُكِرَا في هذا السياق ذكرَ المثال لعام ، فَثَمَّ جوارح أخرى تقارف الزنا ، كما في سياق آخر ، فـ : "الْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْكَفُّ، وَالْقَدَمُ، وَالْجَسَدُ، وَاللِّسَانُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فالزنا ، من هذا الوجه ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن إطلاق الزنا عليها يجري مجرى الاستعارة إذ أَطْلَقَ المسبَّب وهو الزِّنَا وَأَرَادَ السبب فتلك مبادئ الزنا ، فأطلق المسبَّب إمعانا في التنفير والتحذير إذ يُذِكِّرُ بِعَوَاقِبِ ما قد حَرُمَ من النظرة أو اللفظة أو اللمسة ، فهي زنا باعتبار المقاصد إذ هي الذرائع ، فَسُدَّتِ الذرائع ، فاسم الزنا مما تَسْتَبْشِعُهُ النفوس الشريفة فلا تَقْرَبُهُ بِمُقَارَفَةِ مبادئه ، فهي تَتَأَوَّلُ النهي أن : (لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) ، فكان من النهي ما استغرق إذ أطلق العامل فاستغرق سائر أجناس القربان ، وذلك ما قد أُجْمِلَ فدل عليه السياق ، سياق الخبر آنف الذكر : "زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ" ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى البيان لما أجمل في نص الكتاب ، فجاء الخبر يُبِينُ عن آحاد القربان الذي نَهَى عنه الكتاب ، فَنَهَى عن المبادئ وذلك نَهْيٌ عن الفعل من باب أولى ، وهو ما يقال في الصغائر فهي ذرائع إلى الكبائر فَيُنْهَى عَنْهَا سَدًّا للذريعة ، ويقال في الكبائر فهي ذرائع إلى الكفر فَيُنْهَى ، عنها ، أيضا ، سدا للذريعة ، وما يقال في باب الحكم إذ منه ما هو كفر أصغر إذ يحكم صاحبه بالشرع ويظلمُ في تحقيق المناط فَيُنْهَى عنه سدا لذريعة الجنس الأكبر أن يُعَطَّلَ المناط نفسه ، وأول الكبيرة صغيرة ، وأول الحركة فكرة ، فينهى عن المبادئ سدا لذرائع تُفْضِي إلى النتائج ، فلا تقربوا الزنا فذلك سد الذرائع ، ولا تفعلوا الزنا من باب أولى فذلك نهي عن المقاصد ، فَنُزِّلَتِ الذرائع في باب التحريم مَنْزِلَةَ المقاصد إمعانا في التنفير والتحذير ، وإن لم تكافئها في الدلالة ، فَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، دلالة عهد خاص في الآية فذلك الزنا إيلاجا في فرج محرم فهو صورة الزنا التي تَتَبَادَرُ وهي ما يستوجب الحد خلاف ما يكون من مبادئها فهو محرم يُعَزَّرُ صاحبه ولا يُحَدُّ ، إذ لم يُقَارِفْ عَيْنَ الفعلةِ التي أناطت بها الشرعة الحد جلدا أو رجما ، وبعده كان الاستئناف بالناسخ ، في قوله تعالى : (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) ، فلا يخلو من دلالة التوكيد لِمَا بَعْدَهُ من معنى الفحش وهو ما يزيد في النهي أَنَفَةً أن تُقَارِفَ النفسُ ما قد عُلِمَ ضرورة قُبْحُهُ ، فاسم الفحش مئنة من زيادة تُذَمُّ ، ولا يخلو الاستئناف بالناسخ ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى التعليل ، إذ وَرَدَ بَعْدَ تكليفٍ ، فكان من السؤال ما قد قُدِّرَ في الذهن ، فالسياق قد دل عليه دلالة الاقتضاء ، فما علة النهي عن قربان الزنا ؟ ، فجاء الجواب : لأنه كان فاحشة وساء سبيلا ، فكان من الإطناب ما زاد في الدلالة ، فَثَمَّ التوكيد بالناسخ آنف الذكر ، وثم اسمية الجملة ، وثم زيادة الكينونة الماضية ، فلا تخلو من دلالة الديمومة ، ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي وذلك ما يصح بالنظر في كَتْبِ الشرع الأول الذي يدخل في حَدِّ العلم أزلا وما كان بعده من سطر التقدير في لوح المقادير فلا يقتصر على مقادير الكون بل قد عَمَّ مقادير الشرع إخبارا وإنشاء ، نفيا وإثباتا ، أمرا ونهيا ، كما في النهي محل الشاهد ، فذلك وجه ماضوية في الكينونة المذكورة في الآية ، ولا تخلو من دلالة أعم تستغرق أجزاء الزمان ، حالا واستقبالا فذلك من محكم الشرع الذي لم ينسخ فاتصل زمان التكليف حالا واستقبالا ، فالكينونة الماضية ، من هذا الوجه ، مما نُزِعَتْ دلالته الزمانية ، أو رُفِدَتْ فاستغرقت أجزاء الزمان جميعا : الماضي والحال والاستقبال ، فتجري ، من وجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فناب الماضي عن أجزاء الزمان جميعا واتسعت دلالته بقرينة إحكام الشرع فلا يُنْسَخُ أبدا ، فلم يُبَحِ الزنا في أي شريعة فهو محكم من هذا الوجه فضلا عن الإحكام الأعمِّ الذي استغرق سائر نصوص الشرع ، أخبار وأحكاما ، بِقَبْضِ صاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا نسخ بعد ارتفاع النبوة من الأرض .
ولم يخل الجواب ، جواب التعليل ، في قوله تعالى : (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) ، لم يخل من إطناب فالفعل في نفسه فاحش فذلك الحال وسبيله قد ساء فذلك الاستقبال ، فعاقبته عاقبة السوء في الأولى والآخرة ، فكان الذم بوصف الفحش ، وأطنب بالذم القياسي في قوله تعالى : (وَسَاءَ سَبِيلًا) ، وكل أولئك مما رجح معنى العهد الخاص فهو الفعلة نفسها ، فَنَهَى عن قربانها بِمُقَارَفَةِ وجوه أخرى من الزنا لا حد فِيهَا وإن عُوقِبَ فاعلها عقاب التَّعْزِيرِ زَجْرًا أن يَقَعَ في الفعلة التي نص الشرع على حدها ، ولا يخلو السياق أن يستغرق فتكون "أل" مئنة من بيان لجنس المدخول الذي استغرق ، كما تقدم ، وجوها من الزنا نص عليها الخبر فكلها من الفحش الذي ساء سبيله فعاقبتها مقارفة الفعلة ، فَنَهَى عن مقاربة أسبابها وذرائعها ، فاحتملت "أل" ، من هذا الوجه ، احتملت العهد الخاص ، واحتملت بيانا لجنس تندرج تحته آحاد منها الفعلة فهي زنا الفرج وهي منتهى الأمر ، ومنها المبادئ كزنا العين واللسان واليد فَيُنْهَى عنها سدا للذرائع ، وذلك مما نَزَلَ في مكة إذ أبانت آي التنزيل فيها عن أصول التشريع ، فلم يَنْزِلِ التفصيل بعد ذلك يُبِينُ عن الحدود إلا في المدينة ، كما في آي النور .
وبعد التفصيل بِذِكْرِ المبادئ كان من فعل النفس أن تَشْتَهِيَ ، والفرج أن يصدق أو يكذب ، فهو يصدق بالفعل ، فعل الإيلاج الذي يَتَأَوَّلُ المبادئ ، فـ : "النَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فكان من حكاية الفعل مضارعة تستغرق الحال والاستقبال فذلك من رِكْزِ الفطرة فلا يفارق الجبلة ، وهو ما يرجح في "تَمَنَّى" ، زيادة تاء فصورة الفعل قد تَنْصَرِفُ ابتداء إلى صورة الماضي ، ولكنها مما يجري مجرى المضارعة ، كما في قوله تعالى : (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) ، أي : تَتَلَظَّى .
فَثَمَّ من قرينة العطف ، عطف المضارع "تَشْتَهِي" ما يرجح هذا التأويل ، تأويل "تَمَنَّى" بالفعل "تَتَمَنَّى" ، إذ الأصل في العطف التماثل فيعطف الاسم على نظيره ، والفعل على نظيره ، ويعطف المضارع على نظيره ، كما في هذا السياق ، وهو ما يواطئ اللفظ في رواية أخرى : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، وثالثة : "الْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْكَفُّ، وَالْقَدَمُ، وَالْجَسَدُ، وَاللِّسَانُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فكان من الإطناب في الأبعاض عينا وكفا وقدما ولسانا ...... إلخ ، وكان من الإخبار ما ذكر مرة في : "العين تَزْنِي" ، ثم قُدِّرَ أخرى ، فكان من إيجاز الحذف ، حذف الأخبار في الكف والقدم والجسد واللسان ، على تقدير : والكف يَزْنِي والقدم تَزْنِي ...... إلخ ، فحذفت الأخبار التالية إذ قد دَلَّ عليها الخبر الأول ، فَقُدِّرَ المحذوف المتأخر من جنس المذكور المتقدم وذلك القياس في باب الحذف ، وثَمَّ مضارعة قد استغرقت السياق : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ" ، فكان من حسن التلاؤم بَيْنَ أجزاء الكلام أن تحمل الألفاظ كلها على المضارع ، وهو ما يواطئ القياس إذ يكون النظر والقول والبطش ..... إلخ من مبادئ الزنا فذلك ما يسبق في الوجود وبعده يكون الْبَاعِثُ فِي النَّفْسِ تَمَنِّيًا وَتَشَهِّيًا ، وبعده يكون تصديق الفرج بالفعل أو تكذيبه بِالتَّرْكِ ، فذلك قانون يَسْتَغْرِقُ كُلَّ فعلٍ ، فيكون من مباشرة المبادئ ما يُهَيِّجُ النَّفْسَ وَيُرَغِّبُهَا ، فهي تَشْتَهِي بما جبلت عليه من الدوافع والغَرَائِزِ ، وبعده يكون الفعل أو التَّرْكُ فهو آخر ما يحصل في الخارج ، فالعمل مُنْتَهًى والعلم مَبْدَأٌ ، والفكرة أول كلِّ حركة ، وهو ما يشهد ، من وجه ، لمن جعل الإيمان ، لو سلم أنه التصديق المجرد ، جعله يستغرق القول والعمل ، فالتصديق ، من هذا الوجه ، جنس عام يستغرق تصديق الجنان وتصديق اللسان وتصديق الأركان ، ولا يخلو السياق : "زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ" ، أن يجري مجرى القصر بأجزاء قد عُرِّفَتْ وذلك ما يَزِيدُ المعنى تَقْرِيرًا وتوكيدا ، ولم يخل الخبر في سياق ثالث من إطناب أبان عن وجوه من التصديق منها ما يحمد ومنها ما يذم ، فـ : "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبٌ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنُ زِنْيَتُهَا النَّظَرُ، وَيُصَدِّقُهَا الإِعْرَاضُ، وَاللِّسَانُ زِنْيَتُهُ الْمَنْطِقُ ، وَالْقَلْبُ التَّمَنِّي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا ثَمَّ وَيُكَذِّبُ" ، فكان من الكتب ، كتب التكوين آنف الذكر ، ما قد حُذِفَ فاعله فَبُنِيَ لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه ، فإما أن يجري الحذف مجرى الإيجاز إذ قد علم الفاعل بداهة ، فكاتب التقدير هو الرب القدير الحكيم ، تَبَارَكَ وتعالى ، فلا يقال بالإجمال ، وإما أن يقال إن حذف الفاعل مما أجمل وَبَيَانُهُ ما قد ورد في سياق آخر ، كما تقدم في خبر : "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا" ، فأظهر الفاعل الذي حذفه في قوله : "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبٌ ......." ، وكان من الإطناب بالإخبار بالجملة في "زِنْيَتُهَا النظر" ، وهي مما عُرِّفَ جزآه ، فلا يخلو من قصر يُؤَكِّدُ ، فضلا عن دلالة الهيئة في "زِنْيَتُهَا" ، فهي آكد في تقرير المعنى إذ تبين عن فطِرة جبلت عليها العين ، فلا تسلم من نظرة إلى محرم والإعراض ما يصدقها وينصحها فتسلم من آثار الجناية إذ إعراضها يجب ما قبله من نظرة ، فذلك معنى الصدق الذي يحمد خلاف ما يكون من تصديق الفرج بفعلة الإيلاج لما تقدم من زنا النظرة واللفظة .
فَيُصَدِّقُ العين وينصحها الإعراضُ وغض البصر ، وذلك التصديق المحمود إذ تُعْرِضُ العين عن المحرَّم فَتَصْدُقُ وَتَنْصَحُ ، ومن ثَمَّ جاءت مادة الصدق في نفس السياق مئنة من آخر يذم وهو تصديق الفرج ما يكون من مبادئ الزنا في العين وثوران شهوته في النفس ، فجاءت المادة ، مادة التصديق ، جاءت مرتين في سياق واحد محمودة تارة ومذمومة أخرى وذلك ما قد يجري مجرى الأضداد فاستعملت في معنى تارة واستعملت في ضده أخرى ، والقرينة في كل موضع هي ما قد أَبَانَ عن مراد المتكلم فيجري ذلك مجرى التأويل الصريح استنادا إلى قَرِينَةِ السياق الصحيحة .

والله أعلى وأعلم .