ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، فكان من النداء ما قد عم ، فتلك دلالة "أل" في "الناس" فهي مَئِنَّةٌ مِنَ العمومِ الذي اسْتَغْرَقَ ، وهو ما يشهد للأصل في خطاب الرسالة ، وخطاب الأحكام ، فالأصل فيها العموم ، فهي رسالة الرحمة العامة التي استغرقت العالمين جميعا فلئن كان الآي مدنيا والأصل فيه أن يخاطب الجمع المؤمن فهو الغالب على الجمع المخاطَب ، فإنه لا يخلو من عموم يستغرق جماعة التكليف العامة مؤمنها وكافرها ، ذكرها وأنثاها ، صغيرها وكبيرها ، شاهدها وغائبها ، موجودها ومعدومها ، فكان من الخطاب الأعم ما اطَّرَدَ في القرآن الْمَكِيِّ ، ولا يخلو منه القرآن المدني ، كما في هذا الموضع ، فهو خلاف الأصل المطرد في القرآن المدني ، فالخطاب العام فيه لا يخالف عن الخطاب الخاص فإن جماعة المؤمنين من الناس ، فيدخلون في الخطاب خاصا بعد عام ، وكذلك الشأن في خطاب من آمَنَ فالاقتصار عليه لا يخرج غيرهم ، فإن ذكرهم من هذا الوجه يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فخطاب المؤمن يستغرق غيره فَيَجْرِي مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فخطابه أصل وخطاب غيره تَبَعٌ ، وَيُرَشِّحُ الخطابَ العام في هذا الموضع أنه خطاب بالأصل ، أصل الرسالة ، فقد جاءت بالحق المنزَّل الذي عم التكليف به كل أحد ، فجاء النداء الذي يشحذ الذهن ولا يخلو كسائر مواضع النداء في الكتاب العزيز ، لا يخلو من دلالة التعظيم للمنادِي وهو الله ، جل وعلا ، فَثَمَّ تَغَايُرٌ في الجهة ، فجهة النداء من الله ، جل وعلا ، جهة علو مطلق فَتَوَجَّهَ الخطاب من الأعلى إلى الأدنى ، فَثَمَّ نداء لا يخلو من معنى البعد ، فالبعيد الأعلى يُنَادِي والبعيد الأدنى يُنَادَى ، وثم أمر وتكليف فَتَوَجَّهَ من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر نافذٌ يفيد الإيجاب والفرض ، فلا يخلو النداء من جهات تَغَايَرَتْ فلا تَعَارُضَ ولا تَنَاقُضَ إذ الجهة قد انفكت ، كما تقدم ، وكان من المنادَى الذي بُنِيَ على الضم "أيُ" ما يجري مجرى الوصلة فَبِهَ يَتَوَسَّلُ الناظر إلى ما بَعْدَهُ ، وهو البدل أو عطف البيان "الناس" فهو محل التكليف ، فَلَيْسَ المحلُّ وصلة لَفْظٍ تَجْرِي مجرى المجمل الذي يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، فهي مِمَّا يُمَهِّدُ لِمَا بَعْدَهُ ، فليست محل الخطاب ، وإنما يجري ذكرها مجرى المجمل الذي يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، فالإطناب ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الإطناب بالبدل أو عطف البيان فهو من اسمه يُبِينُ عَمَّا تَقَدَّمَهُ من مجمل ، فأطنب بالمبيِّن بعد المجمَل ، فالبيان قد يكون بالبدل وقد يكون بالخاص بعد عام ، وقد يكون بالمقيِّد بعد المطلَق وقد يكون بالناسخ بعد المنسوخ ، وقد يكون بِزِيَادَةٍ على الأصل لا تَنْسَخُ ولا تُخَصِّصُ ، فهي زيادة لا تخالف عَنِ الأصل ، فكان من النداء ما اسْتَنْهَضَ النفوسَ واستحضر الفهوم ، وكان من المنادى المجمل الذي بُنِيَ عَلَى الضم "أَيُّ" ، كان منه ما تَوَسَّلَ به الناظر إلى مناط الحكم ، وهو النداء ، فمناط الحكم هو عطف البيان أو البدل ، فأنيط الحكم باسم الناس ، وهو عنوان عام يستغرق كل عاقل صَحَّ تكليفه فَإِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الخطاب ، فأنيط الحكم باسم الناس وهو اسم جامد ، ولا يخلو من دلالة اشتقاق على وجه ، فاشتق من مادة النوس وهو الحركة وذلك معنى مطلق يجرده الذهن فَيَجْرِي مَجْرَى الجنس العام المستغرِق ، وتحته أنواع فالحركة حركة جامد كالأجرام إذ تَتَحَرَّكُ في أفلاكها ، فهي تسبح في مدار محكم بِسَنَنٍ في الكون مُتْقَنٍ على وجه يحكي آي ربوبية آفاقية ، فتلك آيات نُكِّرَ لَفْظُهَا صدرَ الآية : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ، فلا يخلو التنكير من معنى التعظيم ، فهي آية عظيمة ، ولا تخلو من معنى الرعاية والتعاهد ، فتلك دلالة اللام في "لهم" مئنة من الاختصاص فخصهم الخالق ، جل وعلا ، بقدر زائد بهم امتازوا من سائر الأجناس فَرَكَزَ فِيهِم قُوَّةَ الاعتبار في محل التَّعَقُّلِ وَالتَّدَبُّرِ ، فهي آية لهم دون غيرهم إذ يطيقون من الاعتبار ما لا يطيقه أي كائن ، لا جرم كان خطابهم بالتكليف دون غيرهم ، وذلك مئنة من الحكمة الرَّبَّانِيَّةِ أن تَوَجَّهَ خطاب التكليف إلى مَنْ يطيق إذ رُكِزَ فِيهِ من قوة التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ ما به يدرك المعنى ، معنى الخبر والحكم ، فكان من الآية ما به الاعتبار بحركة الأجرام الجامدة في أفلاكها على سنن محكم ، وَثَمَّ حركة الحي فَمِنْهَا حركة المضطرِّ ، فلا إرادة ولا اختيار كما الحال في حياة النبات وما دق من أجناس الحيوان ، وما لا يُطِيقُ كَائِنٌ أن يُحْكِمَهُ ولو عاقلا يدرك ، كحركة الدم في العروق والمعي والأحشاء ، وثم حركة اختيار تصدر عن إرادة سواء أكانت عليا كحركة العاقل الناطق أم دنيا كحركة الحيوان الأعجم إذ تحركه غرائز الجوع والشبق وبها حفظ الجسد والنوع ، وثم حركة اختيار باعثها التكوين ، وثم أخرى باعثها التشريع ، فمناط التكليف في آية النساء ، حركة الاختيار الإرادي في الأمر والنهي الشرعي ، فذلك نوس أخص ، ولا يخلو أن يستغرق من يعقل من الإنس والجن والملَك ، فخرج الملَك إذ لا يكلف فهو يعبد الله ، جل وعلا ، العبودية الاضطرارية ، فليس مناط ابتلاء ، كالإنس والجن ، فنوسهم نوس الاختيار فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ، فكان بَيْنَهُمَا من التَّدَافُعِ ما استخرجت به المقادير وبها ، لو تدبر الناظر ، ثَنَاءٌ محكم على الرب الحكيم المهيمِن الذي أَتْقَنَ كُلَّ شيءٍ ، فَأَتْقَنَ الشرع آيا يَتَنَزَّلُ ، وَأَتْقَنَ الخلق أَعْيَانًا وَأْحَوَالًا تَتَغَيَّرُ ، فكان من نداء الناس في الآي المدني ما رَفَدَ العموم في خطاب التكليف الشرعي ، ولا يخلو السياق من إجمال ، فَثَمَّ الوصل الذي بُنِيَ على الضم في "أَيُّهَا" ، وثم الهاء إذ تُنَبِّهُ المخاطب ، وبعده كان البيان بالبدل فاسم الناس الذي عَمَّ كل أحد ، هو مناط النداء ، سواء أقيل إنه اسم جامد أم اسم مشتق ، وبعد النداء الذي اسْتَرْعَى الأذهان كان الخبر الذي صُدِّرَ بالتحقيق في قوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فتلك دلالة "قد" إذ دخلت على العامل الماضي "جاءكم" ، ولا يخلو التنكير في "بُرْهَانٌ" أن يسلك جادة التعظيم فهو بُرْهَانٌ عظيم قد جاء بالدليل الذي صح ، والاستدلال الذي صرح ، فليس كما يزعم خصومه بَيَانًا بلا برهان ، بل قد أقام من بَرَاهِينِ الاعتبار والقياس والنظر إن في آي التكوين أو نظائرها من آي التشريع ، فَأَحْكَمَ مِنْهَا ما به الحجة تُقَامُ ، فهي المحجة التي استبانت لكلِّ ذي نظرٍ يَتَجَرَّدُ في الخصومة وَيَعْدِلُ في الحكومة فَيَسْتَقْرِئُ آي التَّنْزِيلِ ولا يَجْتَزِئُ بِبَعْضٍ ، بل يضم الآي بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ ، فما أُجْمِلَ في موضع أُبِينَ عنه في آخر ، وما كان دعوى في محلٍّ فَالْبَيِّنَةُ في آخر ، فكان من البرهان ما عَظُمَ ، وَعِظَمُهُ ، من وجه آخر ، من عِظَمِ من صدر عنه ، فابتدئت الغاية من اسم الرُّبُوبِيَّةِ العامة التي استغرقت آحاد الجنس المعرَّفِ ، آحاد الناس ، فتلك دلالة الضمير المجموع ، ومرجعه اسم الناس الذي تَقَدَّمَ ، ولا يخلو عنوان الربوبية من دلالة العناية والتعاهد ، فكان من الرحمة ما عَظُمَ ، رحمة الرسالة فهي من رب حكيم عليم قد علم من الحال والمآل ما به أَنْزَلَ البرهان : (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ، فكان من القيد بالحال "بِعِلْمِهِ" ما امتاز به حكم السماء من حكم الأرض ، فحكم السماء حكم يقين وعدل ، وحكم الأرض لا يخلو من الشك والجور وإن تَحَرَّى ما تَحَرَّى فَقَدْ جُبِلَ على كسر لا يجبره إلا الوحي ، فالنقل الصحيح ، كما يقول بعض المحققين ، رائد العقل الصريح فلا تَعَارُضَ ، وذلك أصل في بابه ، فَأُسْنِدَ المجيء إلى الْبُرْهَانِ فلا يخلو الإسناد من استعارة فقد جاء به الرب ، جل وعلا ، إذ أَنْزَلَهُ ، وجاء به روح القدس إذ أَلْقَاهُ في روع الرسول الأرضي وجاء به النبي المكلَّم إذ بَلَّغَ ما قد نَزَلَ عليه وَبَيَّنَ ، وهو ما أبان عنه الشطر الثاني : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، فَأَسْنَدَ الْإِنْزَالَ إلى ضمير الجمع ، ضمير الفاعلين ، فذلك إسناد الحقيقة ، فإن مَنْ أَنْزَلَهُ هو مَنْ علمه أَوَّلًا وسطره في لَوْحِ التَّقْدِيرِ وَتَكَلَّمَ به على ما بالجلال والعظمة يَلِيقُ فلا يَحُدُّ عَقْلُ البشرِ له كَيْفًا أو مَاهِيَّةً ، وإن أدرك معناه الذي يجرده الذهن ، وذلك أصل في هذ الباب الجليل ، باب الإلهيات من الأسماء والصفات ، فذلك ما به اسْتَبَانَ الفاعلُ في قوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : قد جئناكم بالبرهان ، وهو ما أبان عنه الوحي في سياق آخر ، فـ : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) ، فكان من التوكيد قياسا في اللسان ما زاد في الدلالة ، فَثَمَّ لام دخلت على جواب قسم مقدر ، فدليله ما قد تأخر من لام الابتداء المخصوصة الداخلة على الجواب في قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) ، فَدَلَّ ما تأخر على ما تَقَدَّمَ ، وهو ، كما ذُكِرَ مِرَارًا ، مما يخالف عن الأصل في باب الحذف والتقدير ، أن يدل المتقدم على المتأخر ، فلا يخلو ضده من جواز في اللسان وإن لم يكن الأصل المطرد فكلاهما يجوز ، وإن رجح أحدهما الآخر ، فكان من دلالة اللام ، لام الجواب ، وهي لام الابتداء ، كان منها ما يُبِينُ عن شطر من السياق قد حذف ، وهو شطر الْقَسَمِ الأول ، وهو ما يقدر قياسا بالواو ، واو القسم ، واسم الله الأعظم فذلك ما اطرد في باب القسم وإن جاز غيره ، كما في قوله تعالى : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) ، وكما في قسم إبليس بوصف رب العالمين ، جل وعلا ، وصف العزة ، فـ : (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فأقسم بالعزة وهي من معادن الجلال النافذ ، ومنه ما كان من إغواء إبليس ، فـ : (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فلا تخلو الباء ، من وجه ، أن تكون باء القسم على تقدير : رب بإغوائك لي ، فأقسم بوصف الإغواء ، وهو من وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة النافذة ، فمعنى الجلال فيه يظهر ، ولا يخلو من حكمة فلا ظلم كما قد يَتَبَادَرُ فإنما أغواه الرب الجليل الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أن علم من فَسَادِ المحل ما لا يقبل آثار الهدى ، فَوَضَعَ في المحل من مادة الإغواء ما به يَلِيقُ ، وَبِذَا الحكمة تَقْضِي ، فكان من الفعل ما قد تَعَدَّى بالهمز ، وهو فعل جلال وقدرة ولا يخلو ، كما تقدم ، من جمال وحكمة ، فكان من خلق إبليس وفساد محله وإغوائه بما به امتحن أن يسجد فكان من إبائه واستكباره أن يُطْرَدَ ويكون خصما لآدم فَأُهْبِطَا إلى دار ابتلاء وَنَقْصٍ ، وكان من التدافع بَيْنَهُمَا ما لأجله أُنْزِلَ الوحي ، فكان من إغواء إبليس لبني آدم ما قد ذُمَّ فهو سبب في الهلاك ، فالإغواء ، من هذا الوجه ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فَثَمَّ إغواء الخالق ، جل وعلا ، وهو من وصف فعله فلا يخلو من إجمال يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ إذ يختلف الحكم باختلاف الجهة ، فَثَمَّ جهة مدح وهي إغواء من يستحق الإغواء ، فذلك العدل وهو لازم الحكمة أن يوضع الشيء في المحل الذي يلائم فهو يقبل آثاره فَلَوْ وُضِعَ الخير في إبليس وهو معدن الشر وأصله لَجَافَى ذلك عن سنن الحكمة ، فهي تَقْضِي أن يوضع فيه ما يلائم ذاته الخبيثة ، وثم ، في المقابل ، جهة ذم ، وهي إغواء من سلك الجادة ، فيجتهد الْمُغْوِي أن يصرفه عن الحق بشبهة أو شهوة ، فذلك ما قد تَنَزَّهَ عنه الخالق ، جل وعلا ، فكان إغواؤه لإبليس آيةَ عدلٍ وحكمة فضلا عما استخرج بها من الخير العظيم بما كان من تدافع آدم وَبَنِيهِ وإبليس وقبيله ، فَثَمَّ إغواءٌ أَقْسَمَ بِهِ إبليس وهو إغواء الله ، جل وعلا ، له ، وذلك وإن كان من العدل المحمود إلا أنه مما احتمل فَمَعْنَى الثناء والمدح فيه لم يَتَمَحَّضْ لا جرم لم يجز أن يشتق منه اسم لله ، جل وعلا ، ولو على القول بجواز ذلك ، إذ المعنى ، كما تقدم ، يحتمل ، فصح أن يُخْبَرَ به عن الله ، جل وعلا ، في موضع المدح المقيَّد بما كان من إغواء إبليس فامتنع عن السجود وناجز المعبود ، جل وعلا ، بقياس فاسد ، فـ : (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) ، ففسد اعتباره إذ خالف عن النص المحكم أن : (قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، فخوطب معهم تَغْلِيبًا ، فكان أن امتنع واستكبر ، فـ : (سَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ، وكان من الرحمة أن حذر ، جل وعلا ، فـ : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وأرشد إلى الهدى الذي به السلامة من إبليس وقبيله ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، فهو بُرْهَانُ الهدى وَنُورُ البيان ، وهو على قانون محكم في اللسان إن في الذكر أو في الحذف ، كما تَقَدَّمَ ، من تقدير القسم صدر الكلام في قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) ، فلا يخلو تقديره من إحكام يواطئ دلالة العقل الصريح إذ يجري مجرى الدعوى ، ولكلِّ دعوى من الدليل ما يشهد ، فكانت اللام شاهد الصدق على تقدير القسم صدر القول في قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) ، فالأصل في دعوى الحذف العدمُ ، فاستصحاب الأصل يَمْنَعُهَا ، فيقتصر الناظر على المذكور ، فإن ادعى صاحب دعوى من الحذف ما يخالف عن الأصل فلا تقبل دعواه إلا بدليل ، فكان من لام الجواب في "لَقَدْ" ما شهد فهو البينة التي احْتَمَلَهَا المدعي ، فاللام المذكورة دليل القسم المحذوف الذي قُدِّرَ على أصل آخر قد اشتهر فهو الغالب ، فالواو أم الباب في أدوات القسم ، واسم الله ، جل وعلا ، وهو الاسم الأعظم الذي استجمع أوصاف الكمال جميعا ، جلالا وجمالا ، اسم الله ، جل وعلا ، هو أم الباب في المقسَم به ، فهو أعظم موجود فقياس العقل أن يُقْسَمَ به ابتداء إذ لا يخلو القسم من شهادة معظَّم فلا يقسم المقسِم إلا بعظيم عنده ، فلا أعظم من الله ، جل وعلا ، لا جرم كان النهي في حق الخلق أن يُقْسِمَ أحد بما سوى الله ، جل وعلا ، إذ لا يخلو الفعل من غلو في المخلوق ، ولا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بجفاء في الخالق ، جل وعلا ، وذلك أمر يطرد ، فكلما زاد الغلو في المخلوق كان من ضده جفاءً في الخالق ، جل وعلا ، فحسمت مادة الغلو بالنهي أن يقسم المخلوق بغير الخالق ، جل وعلا ، وذلك من سد الذرائع إلى نَتَائِجَ مقبوحة ، فإن من غلا في هذا الباب فقد أشرك الشرك الأصغر الناقض لأصل الدين ولا يخلو أن يجاوز الحد فَيُعَظِّمَ المخلوقَ ما لا يُعَظِّمَ الخالق ، تبارك وتعالى ، فَيُقَارِفَ من الشرك الأكبر ما به الأصل يُنْقَضُ فهو الذنب العظيم الذي يُهْلِكُ فلا نجاة منه وإن شَفَعَ مَنْ شَفَعَ ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ شفاعة في مشرك تَنْفَعُ ، لكانت شفاعة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عمه ، فلم تَنْفَعْ إلا التخفيف ولم تنسخ ما كان من التخليد ، أو شفاعة الخليل عليه السلام في أبيه ، فكان من الأصل في هذا الباب ، باب القسم ألا يكون إلا بالله ، جل وعلا ، ذاتا أو اسما أو وصفا أو فعلا أو حكما ، فالأصل اسم الله الأعظم الذي استجمع كمال الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، ولا يخلو أن يصح بما سواه من الأسماء ، الحسنى المطلقة أو الحسنة المقيدة بالإضافة أو نحوه ، والصفات ، جلالا أو جمالا ، والأفعال ، خلقا ورزقا وتدبيرا ، والأحكام كونا أو شرعا فالإقسام بها إقسام بالكلمات الرَّبَّانِيَّةِ والإلهية ، كلمات التكوين النافذة وكلمات التشريع الحاكمة ، فذلك أصل في قسم المخلوق ، وأما الخالق ، جل وعلا ، وهو أعظم موجود ، فيقسم بما شاء من أجناس المخلوق ولا يخلو قسمه أن يُعَظِّمَ ما به قد أقسم على وجه لا يُجَوِّزُ ، بداهة ، أن يقسم به مخلوق ، فالمخلوق في قيد التكليف ، والرب ، جل وعلا ، قدير حكيم لا يحده تكليف ، فهو الذي أنزله فلا يقاس عليه قياس الشمول أو التمثيل ، ولا يستنبط العقل له شِرْعَةً كَشِرْعَةِ الخلق كما قد وقع من مشبهة الأفعال من نُفَاةِ القدر فأعظم شبهتهم أن قاسوا الله ، جل وعلا ، على خلقه في باب الأفعال ، فكانوا المشبِّهَةَ في هذا الباب وإن عطلوا في باب الإلهيات ! ، فلا يخلو صنيعهم من تَنَاقُضٍ باعثه الهوى فهو أصل مذهبهم فكان العقل مجردا من الوحي هو رائد استدلالهم فلا يخلو من هوى ونقص ، فَتَتَنَازَعُهُ الآراء وَتَتَجَاذَبُهُ الأذواق والرغائب فَيَتَكَلَّفُ لأجلها من الحجج ما وَهَى ، فهو المتشابه الذي يَرُدُّ به ما أُحْكِمَ من الحق المنزَّل الذي جاء به الرب ، جل وعلا ، كما تقدم من قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) ، فكان من القسم ما قدر صدر الكلام فهو نص في بابه ، باب التعظيم للمقسَم به وباب التوكيد للمقسَم عليه ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من جُمَلَ تَوْكِيدٍ ، فلام الجواب إذ دخلت عليه فهي لام ابتداء تَزِيدُ في المعنى إذ زِيدَتْ في المبنى ، فضلا عن دلالة التَّنْبِيهِ فلا يخلو تصدير الكلام بها أن يجري مجرى الاستفتاح ، فَبِهِ تُشْحَذُ الأذهان ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من توكيد التحقيق إذ دخلت "قد" على العامل الماضي "جئناكم" وهو ما أسند إلى ضمير الجمع مئنة من التعظيم ، فجاء ، جل وعلا ، بالحق المحكم ، وهو ما تَغَايَرَتْ وجوه الإسناد فيه على وجه لا تَعَارُضَ فيه ولا تَنَاقُضَ ، فَأُسْنِدَ إلى الله ، جل وعلا ، تارة ، كما تقدم من قوله تعالى : (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) ، وأسند إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخرى ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فكان من خطاب الناس ما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وهو خطاب عام يحسن في مواضع الرسالة إذ قد عمت بِرَحْمَتِهَا الخلق جميعا ، وكان من التحقيق ما رَفَدَ المعنى ، وكان من بلاغ الرسالة ما أُسْنِدَ فيه الفعل إلى صاحبها فهو من بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، كما أن الله ، جل وعلا ، هو من تكلم وَأَنْزَلَ ، فيشبه ذلك ، من وجه ، تغاير وجوه الوصف في الكلام ، فهو كلام الله ، جل وعلا ، إذ هو وصفه القديم الذي قام بذاته وكان من آحاده المحدَثَةِ ما به تَدْبِيرُ الكون وتكليف الشرع ، وهو كلام الروح القدس ، عليه السلام ، إذ به قد نَزَلَ ، فـ : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ، وهو كلام الرسول الأرضي الذي بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، فـ : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) ، فلا اختلاف ولا تَعَارُضَ بل الوجوه يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فجاء الوحي بالحق الذي عَمَّ فَاسْتَغْرَقَ ، فجاء بالصدق والعدل في نَفْسِ الأمر فَلَمْ يكن دعوى بلا دليل بل قد شُفِعَ بآيات الاعتبار والنظر إن في الكون أو في الشرع فهي معادن حق محكم لمن تجرد من الحظ والهوى ، فكان من الخلق والتدبير ، وكان من الصدق والعدل ، وَكَانَ من الإحكام والإتقان إِنْ فِي سَبْكِ الكونِ وَإِجْرَائِهِ على سَنَنِ القدرة والحكمة ، أو سبك الشرع وَإِجْرَائِهِ على سنن الصدق والعدل ، كان من ذلك ما جاوز حد الدليل البياني المجرد فكان من الدليل البرهاني المحقق ما صَدَّقَ الألفاظ ، فذلك ، كما تقدم ، بُرْهَانٌ عظيم من الرب الحميد المجيد ، جل وعلا ، فَرُبُوبِيَّتُهُ قد عمت ، فكانت الإضافة إلى الضمير المجموع في "ربكم" في قوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، كانت نَصًّا في الباب ، فعمت ربوبيته الآحاد في الخارج ، وعمت ، من وجه آخر ، أوصاف الاسم من الخلق والرزق والتدبير وما أَنْزَلَ من محكم التنزيل فلا يخلو التشريع من وصف الربوبية ، ربوبية الْمَنْحِ بما جاء به من رحمات الهدى ، وربوبية القهر بما أوجب من تكليف ، فَكَانَ من بُرْهَانِ الكتاب ما جاء به رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، وكان من إِنْزَالِ النور ما عظم ، فلا يخلو إسناد العامل "أَنْزَلْنَا" في قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، لا يخلو إسناده إلى ضمير الفاعلين من دلالة التعظيم ، ولا يخلو تَنْكِيرُ النُّورِ أن يسلك ، أيضا ، جادة التعظيم ، وهو ما أطنب في وصفه فَهُوَ المبين ، فَبَانَ في نفسه فهو محكم الدلالة ، وأبان وأرشد ، فذلك مِمَّا يجري مجرى البرهان آنف الذكر إذ يدل على المطلوب ، فلا يخلو وصف الإبانة أن يَرْفِدَ وصف البرهان ، وبعده كان التقسيم الذي يُبِينُ عن أجزاء القسمة في العقل ، ولا يخلو من دلالة الشرط ، فـ : (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، فكان من الإطناب في الشرط إيمانا هو أصل ما بعده ، فلا يصح قول ولا عمل إلا وقد صح الأصل الجامع ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الموصول "الذين" فلا يخلو من إطناب بالمجمل الذي أبانت عنه الصلة "آمنوا بالله" ، فكان من الإجمال ما به النظر قد تَهَيَّأَ ، وكان من الْبَيَانِ ما به الناظر قد اكْتَفَى ، وكان من اسم الإيمان ، أصل الاشتقاق ما دخل في حيز الشرط ، فلا يخلو من دلالة التعليل ، وكان من الإطناب ما يجري مجرى الشرط المركب الذي ائْتَلَفَ من أكثر من معنى : الإيمان وبعده الاعتصام بالكتاب ، فالضمير في "بِهِ" في قوله تعالى : (وَاعْتَصَمُوا بِهِ) ، الضمير ، من هذا الوجه ، يَرْجِعُ إلى مذكور أبعد ، وذلك ما له الوحي يشهد في مواضع أخرى إذ أناط الاعتصام بالوحي المنزَّل ، كما في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فذلك حبل الوحي المحكم فإضافته إلى اسم الله ، جل وعلا ، من إضافة الوصف إلى الموصوف ، فهو حبل متين قد أُحْكِمَ وَبِهِ النجاة في سائر وجوه الاختلاف نظرا وحكما ، علما وعملا ، فاستغرق بدلالة الإضافة جميع أحكام الديانة ، وبعده كان الجواب الذي دخلت عليه السين استقبالا قد قَرُبَ في قوله تعالى : (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) ، فذلك من التعجيل بالبشرى ، وقد تقدمته الفاء في "فَسَيُدْخِلُهُمْ" على حد الإيجاب فهي فاء الربط التي يُسْتَصْلَحُ بِهَا اللفظ ، ولا تخلو من دلالة التعليل فما تَقَدَّمَهَا من إيمان واعتصام سبب في دخول الرحمة والفضل ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب وذلك ، أيضا ، من التعجيل ، التعجيل بالبشرى وهو ما يحمل الناظر أن يصدق وَيَمْتَثِلَ ، فلا يخلو الخبر من دلالة الإنشاء أَنْ : آمِنُوا بالله واعتصموا بكتابه ، وهو النور المبين ، فهو الهادي في الأولى ، كما الآخرة فالله ، جل وعلا ، يهدي من سلك جادته في الأولى يهديه سواء الصراط في الآخرة ، فَيَنْجُو من نار الجحيم ويجاوز إلى جِنَانِ المليك ، جل وعلا ، فالجزاء من جنس العمل ، فمن سلك الصراط في الأولى تصديقا وامتثالا ، سلك الله ، جل وعلا ، به رحمة وفضلا صراطَ النجاة يوم الحشر ، وهو ، تبارك وتعالى ، صاحب الرحمة والفضل ابتداء فهو الذي هداه جادة الحق في الأولى فَعَرَّفَهَا وَبَيَّنَهَا وألزم من اصطفى جادة الهدى ، وهو ما يجاوز هدى البيان والإرشاد فهو يحصل لمن آمن وامتثل ومن كفر وعصى ، فَثَمَّ هدى أخص ، وهو هدى التوفيق والإلهام فلا يحصل إلا لِلْمُؤْمِنِ الْمُمْتَثِلِ ، فذلك موضع الفضل والامتنان ، فكان من الجواب ما أطنب في البشرى : (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ) ، ففي رحمة الجنان سيدخلهم فهي منه إذ ابتدئت غايتها منه ابتداء المخلوق من الخالق فهو الذي قدرها وأوجدها ثم خاطبها ، فـ : "إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي" ، فهي من رحماته المخلوقة وهي من آثار رحمته التي قامت بذاته فهي وصفُ جماله فليست من الجنس المخلوق بداهة ، وفي فضل عظيم منه ، فَحُذِفَ المتعلق "منه" في قوله تعالى : (وَفَضْلٍ) لدلالة ما تقدم من متعلق الرحمة في قوله تعالى : (فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ) ، وذلك ما يجري مجرى المشهور المطرد في باب الحذف ، فالأصل ، فيه ، كما تقدم ، أن يدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، ومن ثم كان تَقْدِيرُ الضمير استئنافا يقطع الكلام عما قبله في قوله تعالى : (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، كما قدره بعض المحققين ، فتقدير الكلام : وهو يهديهم إليه ، وقد يقال ، من وجه ، إن ذلك مما يدخل في حيز الجواب ، فهو من مزيد الفضل والعطاء فرحمة وفضل وهداية على وجه لا يوجب التقدير لمحذوف فالسياق قد استقام ابتداء والأصل عدم الحذف فلا يصار إليه إلا إذا تعذر حمل الكلام على السياق المذكور ، ولا يخلو السياق من دلالة اشتراك إذ اختلفت الغاية في "إليه" ، فَلَوْ رَجَعَ الضمير إلى أقرب مذكور من الفضل والرحمة فهدايتهم في الآخرة ، وإذا رجع الضمير إلى النور المبين ، قرآن الوحي المحكم ، في قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، فهدايتهم في الأولى أن يُصَدِّقُوا وَيَمْتَثِلُوا ، ولو تدبر الناظر ، ما وجد اختلافا ، بل ثم تلازم بين الوجهين فإن هدايتهم في الأولى إلى التنزيل : بَيَانًا وإرشادا عاما ، وتوفيقا وإلهاما خاصا ، هدايتهم إليه في الأولى ذريعة إلى هدايتهم يوم الدين صراط رب العالمين ، جل وعلا ، وكذلك الشأن في التقييد بالصراط ، فلا يخلو ، من وجه ، أن يجري مجرى التقييد بالحال ، كما ذكر بعض المحققين ، فإنه يحتمل الدين المحكم الذي يَعْتَنِقُهُ المؤمن في الدنيا ، ويحتمل الصراط الذي يجاوزه المؤمن في الآخرة ، فلا تعارض في هذا الموضع ، أيضا ، إذ سلوك الصراط في الأولى ، تصديقا وامتثالا ، ذريعة إلى سلوكه في الآخرة ، فيهديهم إليه دينا قد استقام ، فـ : (يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، فوصفه بالاستقامة قد استغرق ، فاستقام خبره على جادة الصدق فلا يكذب ولو سهوا ، واستقام حكمه على جادة العدل فلا يظلم ولو سهوا ، وإنما يكون الكذب والظلم من أهل التعطيل والتأويل ممن اجتهد في حَمْلِ ألفاظه أن تُوَاطِئَ ما يهوى من نظر محدَث في الخبريات وحكم محدَث في الحكميات وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، مما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة إذ جفا من جفا في الإلهيات فعطل الأسماء والصفات ، وجفا من جفا في الشرعيات فعطل الفروض والأحكام ، واستبدل ما أحدث من حكم الوضع الجائر الذي يصدر عن هوى الناظر وذوقه فباعثه حظ نفس قد افتقرت إلى رياسة أو رياشة ، استبدله بِمَا أُحْكِمَ من الوحي المنزَّل الذي صدر من رب حميد مجيد ، عليم حكيم ، رءوف رحيم قد أنزل من رحمات الشرع ما به يبلغ الناظر رحمة الثواب الخالد في جنان الرحمن ، جل وعلا ، فَهُدِيَ رحمة الوحي تصديقا وامتثالا وَأُدْخِلَ رحمة الجنة فَضْلًا وامتنانا ، فكان من عظيم الرحمة ما به صلاح الحال والمآل ، سعادة في الأولى ونجاة في الآخرة ، فكان من عظيم الهوى والخذلان وهو ما يقدح في أصل الإيمان أَنِ استبدلَ من استبدلَ من أصحاب الأهواء ما اقترحوا من الوضع الجائر بما نَزَلَ من الشرع العادل بل وعظمت جناية من حمل العلم مسائل بلا ورع ، أسفارا بلا أفهام ، فهو حبر السوء الذي ضرب له المثل بالحمار وإن كان خيرا منه إذ لم يعقل ما يحمل فليس من القبيل الذي يُكَلَّفُ ! ، فكان من جناية الحبر إذا ساء قصده وعمله فانحط إلى دركة الخيانة العظمى أَنْ خان أعظم أمانة ، أمانة الدين ، فَسَكَتَ وهو يَعْلَمُ رغبا أو رهبا ، وَتَزَلَّفَ إلى طاغوت قد استعلى فجاوز الحد إذ عطل الوحي وَبَدَّلَ الشرع وقال بِلِسَانِ حالٍ يُبِينُ ما لا يُبِينُ لسان المقال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، وسلك بأتباعه جادة الغواية وإن زعم أنه يغار على أحكام الديانة فيخاف الفساد في الأرض ، فهو يَنْبِزُ حامل الرسالة بما به قد تَلَبَّسَ ، فـ : (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، ويظهر النصح وهو أكبر غاش وَيَتَحَكَّمُ في الرأي إذ استخف قومه ، فـ : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) .

فكان من دلالة الخبر إذ حُدَّ حَدَّ الشرط في قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) ، كان من دلالته أن يَزِيدَ إنشاءً يَأْمُرُ بالمشروط من الإيمان والاعتصام فَآمِنُوا وَاعْتَصِمُوا تَدْخُلُوا في الفضل والرحمة ، فذلك الطرد ، ولا تكفروا وتختلفوا فلا يكون الوحي معتصَمَكم الأوحد ، فلا تكفروا وتختلفوا فذلك سبب الحرمان من الفضل والرحمة ، ولا يخلو السياق من إيجاز إذ التقسيم صدر الآية ، فتلك دلالة "أما" ، التقسيم لا يستوفى إلا باستيفاء شطريه فذكر الأول وأضمر الثاني ، وهو حال مَنْ كَفَرَ ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : وأما من كفر واختلف فليس له حظ من الرحمة أو الفضل أو الهداية ، وهو ما يفيد ، أيضا ، إنشاء النهي في موضع الذم ، فلا تكفروا ولا تختلفوا ، كما أن الشرط يفيد إنشاء الأمر في موضع المدح أن آمِنُوا وَاعْتَصِمُوا ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه به إحكام الدليل فهو يُوَاطِئُ قِيَاسَ العقل الصريح وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل في هذا الباب ، فلا يعارض نقل صحيح عقلا صريحا لا في جليل ولا في دقيق .

والله أعلى وأعلم .