ومن قوله تعالى : (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، فكان من الأمر ما قد عَمَّ فاستغرق أجناس التقوى ، فضلا عن آخر يجري مجرى التغليب بالنظر في الجمع المذكر الذي خوطب بالأمر أن : (اتَّقُوا النَّارَ) ، فهو يستغرق كل أَحَدٍ صَحَّ تَوَجُّهُ خطاب التكليف إليه ، ذكرا أو أنثى ، لقرينة العموم في خطاب الوحي تكليفا بالتصديق والامتثال ، وثم عموم آخر دلت عليه "أل" في "النار" ، فاتقوا دُورَ العذابِ كُلِّهَا ، من حفرة القبر فهي نار يُعَذَّبُ بِهَا الكافر أو العاصي ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا بِقَدْرِ ما اقْتَرَفَ مِنْ جِنَايَةٍ ، وإن كان عذاب الكافر واجبا وعذاب العاصي جائزا ، فقد يَعْفُو الله ، جل وعلا ، بمانع من موانع النَّفَاذِ ، فَيَتَقَدَّمُ فِي دار العمل ما به تَكْفِيرُ الذنب من ابتلاء أو كفارة بحد أو تَعْزِيرٍ ...... إلخ ، وقد يَعْفُو ، جل وعلا ، ابتداء ، فَيَرْتَفِعُ من عذاب الحفرة ما قد شاء رب العزة ، فهو الرحيم الذي يَرْحَمُ مَنْ آمن وَلَوْ عصى فإن آخذ فَعَدْلًا وإن عَفَا فَفَضْلًا ، فالعصاة من الموحدين بَيْنَ العدل والفضل ، إِذِ العذاب في حقهم جائز ، خلاف ما يكون من عذاب الكافر ، وذلك جنس عام يستغرق الكافر ابتداء ، والمنافق الذي يُظْهِرُ ما لا يُبْطِنُ ، فيكون من أحكام الإيمان في الظاهر مَا يجري على من أظهر دَعْوَاهُ إلا أن يَظْهَرَ من حالِه أو مَقَالِه ما به يَظْهَرُ كُفْرُهُ الباطن فَيُلْحَقُ به في أحكام الدنيا ، بل قد يكون حظه من العقوبة أشد ، كما أن حظه منها في الآخرة أشد ، فـ : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ، فيكون حكمه في الدنيا حكم المرتد ، وعقوبته في الشرع أشد ، فالكافر ابتداء له من الذمة في أحيان ما ليس للمرتد فلا ذمة له إلا أن يرجع فإن أظهر الكفر أخرى فقد لعب وَاسْتَهْزَأَ فَهُوَ ، على قول ، زنديق لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ في أحكام الدنيا ، فَلَوِ ادَّعَى الرجوع إلى الإيمان فَصَدَقَ في دعواه فذلك ما لا يمنع إنفاذ الحكم وإن كان في هذه الحال حدا لا ردة ، فصورة الحكم واحدة ، وهي القتل ، وماهيته تختلف ، فالقتل حدا له أحكام تغاير عن أحكام القتل تعزيرا ، وأحكام القتل ردة ، فالمقتول المحدود أو المعزَّر تجري عليه أحكام الإسلام ، وأما المقتول ردة فلا تجري عليه ، على تفصيل في ذلك ، فالعذاب في حق العصاة من الموحدين جائز ، فإما أن يجري عدلا ، وإما أن يَمْتَنِعَ فَضْلًا ، وأما العذاب في حق الجنس الكافر ، الكافر الأصلي أو المنافق أو المرتد ، الحربي أو المعاهد أو المستأمن أو الذمي ، وإن كان للمعاهد والمستأمن والذمي في أحكام الدنيا ما يخالف عن المحارب ، فالعذاب في حق كل أولئك في دار الجزاء ، العذاب في حقهم واجب فذلك وعيد لا يَتَخَلَّفُ ، فَيَعُمُّ نَارَ الحفرة ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ، وأما العصاة فقد يكون من عذابهم في النار ، نار الحفرة في البرزخ ، أو نار العصاة يوم الجزاء ، قد يكون من عذابهم ما به تطهيرهم ، وقد يمتنع إذا كان الفضل ، فكان من الأمر أن : (اتَّقُوا النَّارَ) ، فدلالة "أل" في "النار" ، دلالة تحتمل ، فهي مئنة من عموم يستغرق أجناس النار جميعا ، نار الحفرة في البرزخ ، ونار العذاب في الآخرة سواء أكانت نار العصاة أم نار الكفار على اختلاف دَرَكَاتِهَا ، وأسفلها دَرَكَةُ المنافق ، فجاء النص عليها خاصة ، فـ : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ، فكان من الناسخ "إِنَّ" ما به تَوْكِيدُ المعنى ، فضلا عن اسمية الجملة ، ولا تخلو الظرفية في الْجَارِّ "في" من دلالة استغراق ، فظرف العذاب يَسْتَغْرِقُ أعيانهم ، ولا يخلو الوصف ، وصف "الأسفل" ، أن يَزِيدَ في النِّكَايَةِ ، فهو العذاب الأشد ، وهو ما يُرَجِّحُ في "أل" في "النَّارِ" دلالة العهد الخاص ، فهي نار الخلد ، ودلالة "من" دلالة التبعيض إذ الدرك الأسفل بعض النار فهو دركة من دركاتها ، وبعده كان النفي على حد التأبيد وإن لم تكن "لن" نصا فيه إلا أنها قد اكتسبت هذا الوجه من دلالة السياق وذلك آكد في الوعيد فَهُمْ في العذاب وهو ما يحتمل حال أطلق أن يكون ثَمَّ نَصِيرٌ يُغِيثُ فجاء الخبر يَنْفِي على حد التأبيد إمعانا في النكاية فضلا عن عموم اسْتُفِيدَ من تَسَلُّطِ النَّفْيِ على النكرة "نصيرا" ، فلا نصير لهم يُنْجِيهِم من النار وذلك ما يرجح في "أل" في "النار" دلالة العهد الخاص ، دلالة النار الأبدية .
فدلالة "أل" في "النَّارِ" في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا النَّارَ) ، دلالة أعم ، فهي تستغرق سائر أجناس النار ، نار العصاة من الموحدين ، ونار الكفار المخلَّدين ، فكان الأمر الذي عَمَّ من وجوه ، فَعُمُومِ التَّقْوَى بالنظر في محال التكليف ، الباطن والظاهر ، وعموم التَّقْوَى بالنظر في أحوال التكليف ، الاعتقاد والقول والعمل ، وعموم التغليب الذي يجاوز حد الضمير المذكر ، ضمير الجمع في "اتقوا" ، وعموم "أل" في "النار" ، فهي تستغرق دور العذاب جميعا ، وإن رجح السياق ، من وجه آخر ، الاقتصار على نار الخلد بقرينة : "الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" ، فكان من الإطناب بالوصف الذي حُدَّ حَدَّ الموصول في قوله تعالى : (الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، كان منه قرينة رجحت نار الخلد دُونَ غَيْرِهَا فهي النار التي أُعِّدَتْ للكافرين ، وذلك ، إن صح ، فهو يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فَذُكِرَتْ نار الخلد مثالا لعام يستغرق سائر أجناس النار ، فلا يستقيم القول إن الأمر يقتصر على نار الخلد ، فَاتَّقُوهَا دون ما سواها من دور العذاب ، فلا يطيق أحد مَسَّ النار ، ولو نَارَ العصاة من الموحدين ، فالتقوى وإن خُصَّتْ في هذا السياق بالوصف "التي أعدت للكافرين" ، فذلك من التخصيص المتصل ، التخصيص بالوصف المشتق ، وصف الكافرين ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، فذلك مثال مشهور متداول في كتب الأصول ، مثال التخصيص بالوصف المشتق "فاسق" ، فَيَدُلُّ بالمفهوم على ضده ، فَاقْبَلُوا خَبَرَ العدلِ بلا تَبَيُّنٍ إلا إن قام دليل يُرَجِّحُ التَّوَقُّفَ فَيَجْرِي مجرى القرينة من خارج فهي ما يُرَجِّحُ طَرَفًا على آخر ، ولو كان الراجح ابتداء من المرجوح ، فإن التوقف في قبول خبر العدل ، هذا التوقف مرجوح بادي الرأي ، فخبره يجب قبوله إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ من خارج تُصَيِّرُ المرجوحَ رَاجِحًا ، فَتُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِي قَبُولِ خَبَرِهِ حَتَّى يَسْتَبِينَ الناظر ، فيكون من العلل القادحة المانعة من قبول الخبر ما يخفى ويدق فهو يستوجب النظر أصحيح هو يوجب رد الخبر أم وَهْمٌ لا يُعْتَبَرُ ، فكذلك الشأن في التَّقْيِيدِ بالوصفِ في قوله تعالى : (الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، فَمَناَطُ الوصفِ المقيِّدِ هو معنى الكفر الذي اشتق منه اسم "الكافرين" ، فيجري ذلك ، لو تدبر الناظر ، مجرى الغالب فلا مفهوم له ، فلا يقال إن تأويل الأمر أن : اتَّقُوا نارَ الكفار ، لا يقال إن تأويله : اتقوا النار التي أعدت للكافرين ولا تَتَّقُوا غَيْرَهَا مِنَ النَّارِ الَّتِي أعدت للعصاة من الموحدين ! ، فذلك ما لا يُتَصَوَّرُ ، بداهة ، فالتقييد بذكر الكافر ، من هذا الوجه ، إما أن يحمل على الغالب ، كما تقدم ، أو يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فَذُكِرَ مِثَالًا على عام يستغرق سائر أجناس النار ، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن "أل" في "النار" عامة ولو بالنظر في قَيْدِ "أعدت للكافرين" ، فدلالة "أل" في "الكافرين" ، وإن انصرفت ، بادي الرأي ، إلى دلالة الاستغراق ، استغراق وجوه المعنى فتحمل على الكفر الأكبر الناقض للأصل ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل في باب الأسماء والأحكام ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وهو مثال قياسي في هذا الباب ، فدلالة "أل" مئنة من عموم استغرق وجوه المعنى ، واستغرق آحاد المدخول من أعيان الكافرين في الخارج ، فإن انصرفت ، بادي الرأي إلى ذلك ، إلا أنها قد تحمل على إطلاق آخر يستغرق جميع الكافرين ، من كان كفره أصغر يقدح في كمال الدين الواجب فَنَارُهُ هِيَ نار العصاة من الموحدين ، فَتَأْوِيلُ السياقِ على هذا الوجه : وَاتَّقُوا نار العصاة من الموحدين التي أعدت للكافرين الكفر الأصغر الذي يثبت بِاقْتِرَافِ كَبَائِرَ لا تَقْدَحُ في أصل الإيمان وإن قَدَحَتْ في كماله الواجب ، فاستغرقت "أل" في "الكافرين" ، استغرقت جميع الكافرين ، من كان كفره أصغر يقدح في الكمال الواجب ، ومن كان كفره أكبر يقدح في الأصل الجامع ، فتأويل الكلام على هذا الوجه : وَاتَّقُوا نَارَ الخلد التي أُعِدَّتْ للكافرين الكفر الأكبر الناقض لأصل الإيمان ، فاحتمل السياق كلا الوجهين ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، دلالة عموم يستغرق لا عهد خاص يَقْتَصِرُ على نار دون أخرى ، ودلالة "أل" في "الكافرين" ، أيضا ، دلالة عموم يستغرق سائر أجناس الكافرين ، الكافر كفرا أكبر ، والكافر كفرا أصغر فهو من عصاة الموحدين وإن كان من أكابرهم فلا يطلق على الذنب ، وإن لم يقدح في الأصل ، لا يطلق عليه أنه كفر إلا إذا كان من الكبائر وإن لم يكن من الجنس الأكبر ، فالكبائر ، أيضا ، جنس عام تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ آحاد ، فَمِنْهَا كبائر تقدح في كمال الدين الواجب فصاحبها مُتَوَعَّدٌ على حد الجواز بِنَارِ العصاة من الموحدين ، وَمِنْهَا كبائر تَقْدَحُ في أصل الدين الجامع فصاحبها مُتَوَعَّدٌ على حد الإيجاب بِنَارِ الخلد .
فاستغرقت "أل" في "النار" ، واستغرقت "أل" في "الكافرين" على وجهين من التأويل تَقَدَّمَا ، فلا تعارض بَيْنَهُمَا ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الوعيد المؤقت بِنَارِ التطهير لعصاة الموحدين تُخَالِفُ عن جهة الوعيد المؤبد بِنَارِ الخلد للكافرين ، وذلك ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فاللفظ واحد وقد دل على وجهين ، فاجتمع فيه من الدلالة ما تَعَدَّدَ وهو واحد في نفسه وذلك مما يحسن اعتباره إذ به إِثْرَاءُ المعنى بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة على لَفْظٍ واحد ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من عموم يستغرق أَنْوَاعَ التقوى ، فَاتَّقُوا أسبابَ النَّارِ ، فلا يخلو السياق من تقدير ، فيجري مجرى الحذف إيجازا ، إذ حُذِفَ المضافُ وَأُقِيمَ المضاف إليه مقامه ، فتقدير الكلام : واتقوا أسباب النار ، ثم كان الحذف ، حذف المضاف ، فصار السياق : واتقوا النار ، فاتقوا أسبابها ، وذلك ، أيضا ، عموم يستغرق ، فاتقوا أسبابها من المعاصي والكبائر ووعيدها الوعيد المؤقت ما لم تقترن بإباحة أو تَهَكُّمٍ ، واتقوا أسبابها من القوادح والنواقض ووعيدها الوعيد المؤبد ، ولا يخلو العموم أن يستغرق ، من وجه آخر ، أن يستغرق تقوى الله ، جل وعلا ، فهو من أَعَدَّ هذه النار ، فَحَذْفُ الفاعلِ في قوله تعالى : (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) يجري مجرى ما تَقَدَّمَ من الإيجاز بالحذف للعلم بالمحذوف بَدَاهَةً ، فَمَنْ أَعَدَّهَا فَهُوَ الله ، جل وعلا ، إذ خَلَقَهَا ، وذلك مما يَسْتَأْنِسُ به من يَقُولُ إن الجنة والنار قد خُلِقَتَا ، ولو بالنظر في الأصل ، جنس الدار نعيما أو عذابا ، فلا تَحْدُثَانِ يومَ الحشر كما قال بعض المحدِثة من أرباب المقالات المحدَثة ، فَزَعَمُوا أَنَّ خَلْقَهُمَا قبل الحساب عَبَثٌ ، وذلك قياس باطل قد اطَّرَدَ في مقالهم ولو كان مقال تعطيل فمنشأ باطلهم ما كان من قياس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق ، إن في الذات أو في الاسم أو في الوصف أو في الفعل أو في الحكم ، وذلك ، كما أُثِرَ عن بعض المحققين ، أصل الشرك في هذا الْعَالَمِ أن يُقَاسَ الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق جفاء ، أو يقاس المخلوق على الخالق غلوا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يجاوز القياس في الإلهيات إلى آخر في الشرعيات فلا يكون الحكم بالوضع المحدَث إلا وقد غلا المتحاكِم فيمن إليه يَتَحَاكَمُ من طواغيت الخلق ، فقد غلا في حكمه المحدَث فألحقه بالكتاب المنزَل فذلك التشبيه بَلْ وَزَادَ فَقَدَّمَ الوضعَ على الوحيِ ، وجفا ، من وجه آخر ، في الكتاب العزيز فَقَاسَهُ على الأدنى من حكم البشر ، فذلك التعطيل ، فلا يخلو تَعْطِيلٌ من تشبيه ، ولا يخلو تشبيه من تعطيل ، فذلك أمر يجاوز الإلهيات إلى الشرعيات ، فلا يكون تعطيل في باب الإلهيات ، كما في الآي محل الشاهد ، فإعداد الجنة والنار من وصف الفعل فهو خَلْقٌ لهما وَتَهْيِئَةٌ بالقدرة على وجه يُوَاطِئُ قِيَاسَ الحكمة أن يُعَدَّ لِكُلِّ طاعةٍ من النَّعِيمِ ما يُوَاطِئُهَا ، وَلِكُلِّ ذَنْبٍ من العذاب ما يُوَاطِئُهُ ، فلا يكون تَعْطِيلٌ في باب الإلهيات إلا وقد تَقَدَّمَهُ تشبيه بذات المخلوق أو اسمه أو وصفه ، فيحصل منه لَوَازِمُ بَاطِلٍ تَشْمَئِزُّ مِنْهَا النَّفْسُ بِمَا رُكِزَ فِيهَا من فطرة التوحيد ، فهي تسارع إلى نَفْيِهَا ، وذلك حق ، ولكنها تجاوز الحد فَتَنْفِي الأصل ، وذلك باطل ، وذلك أصل يطرد في كل تعطيل في الإلهيات ، ولا يكون في المقابل تمثيل إلا وقد اقترن به التعطيل ، فتمثيل المخلوق بالخالق إن في الإلهيات أو في الشرعيات تعطيل لكمال الخالق ، جل وعلا ، إن في الأسماء أو في الصفات فِي باب الإلهيات أو في الأحكام في باب الشرعيات ، فَمَا عُطِّلَ الشرع المنزَّل وذلك الجفاء إلا باستبدال الوضع المحدَث به وذلك الغلو ، فكان من القياس الفاسد الذي عُطِّلَ به وصف الخالق ، جل وعلا ، أن قِيسَ على وصف المخلوق فصار إِعْدَادُ الدُّورِ ، ثَوَابًا وَعِقَابًا ، قَبْلَ الحسابِ عَبَثًا ، قياسا على حال المخلوق ، فذلك من القياس الفاسد إذ هو قِيَاسٌ مَعَ الفارق ، أي فَارِقٍ بَيْنَ الخالق ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما في حد ، والمخلوق في آخر ، فضلا أن ذلك لا يخلو من حكمة ، فإن من خلق الدُّورِ قبل الحساب ما به الوعد أو الوعيد ، ولا يخلوان من حدوث وَتَجَدُّدٍ فإن خَلْقَهُمَا وِإِعْدَادَهُمَا إِنَّمَا يَثْبُتُ بالنظر في الجنس وأما الآحاد فلا زَالَ الله ، جل وعلا ، يُحْدِثُ مِنْهَا بالقدرة والحكمة ما يُوَاطِئُ القولة أو الفعلة ، كما في الخبر : "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ أَوْ بُنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" .
فَأُعِدَّتِ النَّارُ إذ أَعَدَّهَا الله ، جل وعلا ، ولا تخلو اللام في "للكافرين" من دلالة الاستحقاق والاختصاص وذلك آكد في الذم والوعيد وهو ما يجري مجرى التحذير ، ولا يخلو السياق ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من دلالة مفهوم ، فاتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين وذلك الطرد ، واطلبوا الجنة التي أُعِدَّتْ للمؤمنين وذلك العكس ، وهو ما ورد النطق به في موضع آخر ، فـ : (سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، فاطرد السياق وانعكس على وجه يُوَاطِئُ القياس الصريح أن يدور الحكم مع علته وجودا وعدما .
فاستغرق الأمر في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا النَّارَ) ، استغرق النار ، وَمَنْ خَلَقَهَا على تأويل : واتقوا مَنْ خَلَقَ هذه النار ، واستغرق ، أيضا ، يوم الحساب والجزاء إذ يكون تأويل الوعيد بما يكون من إنفاذه ، فاتقوا اليوم الذي فيه إنفاذ الوعيد بالنار التي أُعِدَّتْ للكافرين ، وهو ما نص عليه الوحي في موضع آخر ، من آي البقرة ، أن اتقوا يوم الرجعة ، فـ : (اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، فكان من تَنْكِيرِ اليوم ما يجري مجرى المجمَل الذي أُبِينَ عنه بالوصف : (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) ، فهو من الوصف بالجملة على ما قَرَّرَ أهل الشأن إذ الجمل بَعْدَ النَّكِرَاتِ صِفَاتٌ ، فَثَمَّ إطناب في الوصف أن حُدَّ حَدَّ الجملة ، فَزِيَادَةُ المبنى ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، مئنة من أخرى تُضَاهِيهَا في المعنى ، ولا يخلو الحذف ، حذف الفاعل في "ترجعون" ، لا يخلو أن يكون مِنْ حَذْفِ ما قَدْ عُلِمَ ، بداهة ، فالمرجِع هو الله ، جل وعلا ، والمرجِع إليه وحده فتلك دلالة الانتهاء ، انتهاء الغاية في قوله تعالى : (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) ، وبعده كان العطف على حد التراخي في قوله تعالى : (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) ، فَبَعْدَ البعث والرجوع يكون الحساب والتوفية وهو ما حُذِفَ فاعله ، أيضا ، فقد علم بداهة أنه الله ، جل وعلا ، فهو من يبعث ومن يحاسب فَيُوَفِّي ، فَحُذِفَ الفاعلُ في هذا الموضع ، أيضا ، وذلك من حسن التلاؤم بَيْنَ أجزاءِ الكلام ، وَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، التفات من المخاطب في : (وَاتَّقُوا) ، إلى الغائب في قوله تعالى : (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، فلو اطرد الخطاب في شطر الآية الثاني لقيل ، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم يوفيكم ما كسبتم وأنتم لا تظلمون ، فكان الالتفات من الجمع المخاطب وهو جمع خاص ولو بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، كان الالتفات منه إلى عَامٍّ قَطْعًا للاحتمال ، ولو وَهْمًا مرجوحا ، فَالتَّوْفِيَةُ تكون لجميع الخلق إن إحسانا لمن أحسن أو إساءة لمن أساء ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فلا تَقْتَصِرُ على الجمع المخاطب صَدْرَ الآية ، وإن كان هذا الخطاب في نفسه مِمَّا يَعُمُّ ، فَثَمَّ جهة أخرى تغايره ، جهة العموم في خطاب التكليف فهو الأصل الذي يستصحب في آي التنزيل إلا أن ترد قرينة تُرَجِّحُ الخصوص ، ولا قَرِينَةَ هُنَا ، فَوَجَبَ البقاءُ على الأصل استصحابا ، فالخطاب يعم ابتداء ولو تَوَجَّهَ أَوَّلَ ما تَوَجَّهَ إلى جمع مخصوص وهو الجيل الأول الذي خوطب بالوحي ، ولا يخلو العموم في "كل نفس" ، لا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون من العموم المخصوص بالعقل ، فهو من العام الذي يُرَادُ به خاص ، فَاقْتَصَرَ على النُّفُوسِ التي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا التكليف من الجن والإنس ، فخرجت نَفْسُ الخالق ، جل وعلا ، فهو من يحاسب وَيُوَفِّي ، وخرجت نُفُوسُ الملائكة إذ لم تُخَاطَبْ بالتكليف ابتلاء فهي تعبد وتطيع اضطرارا ، وخرجت نفوس الحيوان فلا تخاطب بالتكليف ، وإن كان من تَوْفِيَتِهَا ما كسبت ما به تقرير العدل ، فـ : "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تُقَادَ الشَّاةُ الْجَلْحَاءُ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ، فإذا كان العدل واجبا بين آحاد العجماوات قصاصا به استيفاء الحقوق والمظالم ، فكيف بمظالم البشر من القتل والجرح وسائر الجنايات لا سيما ما عم مِنْهَا فكان الظالم ذا ولاية قد عمت بها الْبَلْوَى فظلمُه قَدْ جاوز فَوَجَدَ شؤمه كل مِمَّنِ ابْتُلِيَ بحكومته ، فضلا أن تزيد الجناية فيكون من ظلمِه ما به يقدح في أصل الديانة ولو زعم الإصلاح والتجديد ، فذلك الظلم الأكبر الذي لا ظلم بعده ، فَظَلَمَ الناس في أديانهم فضلا عن ظلمِه في المعاش ، فهو أولى أن يحاسب ويجازى فَيُوَفَّى ما اقْتَرَفَ من الجنايات العظمى ، فهو أولى بذلك من شاة نطحت أخرى ، فذلك من قياس الأولى ، وهو ما يَعُمُّ الرأس والذيل ، فَيَعُمُّ الطاغوت وَكُلَّ من ظاهره ولو بالكلمة ولو مال إليه بقلبه فَعَلَيْهِ كِفْلٌ مما سفك من الدم ، وعليه وزر مما عَطَّلَ وَهَتَكَ من أستار الشرع ، وهو له تَبَعٌ في الحكم إذ يقدمه الطاغوتُ يوم العرض فَيُورِدُهُ النَّارَ كما قد أَوْرَدَ فرعون قَوْمَهُ ، فَيَعُمُّ كل طاغوت هو رأس في الصورة وإن كان ذيلا لغيره ، فهو ، لو تَدَبَّرَ الناظر ذنب في الباطل فَلَيْتَهُ كان فيه رأسا بل قد جمع السوأتين ! ، فكان من القصاص من الرأس والذيل وآحادِ من تَبَعِ وَظَاهَرَ من الجند المخذول الذي دخل في حزب الطاغوت ، فـ : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) ، فاستغرق العقاب بُنْيَانَ الظلمِ كله من رأسه إلى أساسه ، فالجيمع في العذاب مشتركون ، و : (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، على أنحاء ، فَثَمَّ عذاب بَأَيْدِي المؤمنين إذا بَذَلُوا من أسباب المدافعة ما قد شُرِعَ ، إن بالحجة والبرهان في ساحة الجدال ، أو السيف والسنان في ساحة الجلاد على وجه يستوجب الحكمة في الفعل والترك ، في إِعْمَالِ الجمالِ في مواضعه والجلال في نظائره ، وَثَمَّ عذاب يُرِيهِ الله ، جل وعلا ، في الظالم آية وعبرة بما يكون من عذاب في نفسه وأهله وولده وَمَحْقٍ لِبَرَكَةِ ماله وسائر متاعه وما يكون من سوء ختامه ، وثم عذاب يكون يوم الدين إذا أُجِّلَ فكان من الحكمة أن يُوَفَّاهُ جملة فذلك ، لو فَقِهَ ، أشد في النكاية ، فَوَدَّ لو عَايَنَهُ ، ود لَوْ عُجِّلَ له في الأولى فَعَذَابُهَا أخف ، فكان من التأجيل إلى يوم الحساب والتوفية ما لولاه لفسدت العقول فأصابتها السفسطة فالآخرة ، لو تدبر الناظر ، ضرورة في النقل والعقل جميعا وهي من رحمات الله ، جل وعلا ، التي أقام عليها من الأدلة النقلية والعقلية والحسية ما يوجب اليقين بها بل إنكارها ذريعة اليأس بما يكون من ظلم يجتهد المظلوم في دفعه فذلك واجب وقته ، فإن عجز فَثَمَّ دار أخرى فيها يَسْتَوْفِي حسابه فَلَوْ لم تكن لقنطت النفوس وَجُنَّتِ العقول فالحمد لله ، جل وعلا ، أن جعل بعد هذه الدار آخرى تُوَفَّى فِيهَا النفوس ما عملت فلا تظلم ، ويكون من استيفاء الحقوق ما به شفاء الصدور ، وذلك من بدائه النظر والاستدلال ، وبعده كان القيد بالحال : (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، فبه الاحتراز فلا يُظْلَمُ أحد شيئا من عمله ، فـ : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، وقد حُذِفَ الفاعل في سياق البقرة أيضا ، في قوله تعالى : (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، حُذِفَ للعلم به ، بداهة ، فهو الله ، جل وعلا ، فلا يظلمهم شيئا ، وهو ما أبان عنه الوحي في موضع آخر من آيه ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن نَفْيَ الفاعل يستغرق ، فلا يظلمهم الله ، جل وعلا ، ولا يظلمهم غيره ممن يَسْتَوْفِي منهم حقه قصاصا قد أُجِّلَ لِيَوْمِ الفصل ، فكانت التَّقْوَى من يوم الرجعة ، وكانت التقوى في موضع آخر من يوم : (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) ، فكان من الإطناب في هذا السياق بالجملة "لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا" ، فهي مما أبان عن إجمال النكرة "يوما" ، وَثَمَّ ، كما يقول أهل الشأن ، ثَمَّ حذف للرابط بين جملة الصفة والموصوف وهو ما يقدر بالظرف "في" ، فتأويل الكلام : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا فيه ، فذلك مما يجري مجرى الإيجاز بالحذف ، وكان من الاستغراق لأجزاء القسمة ما استوفى فلا جزاء ولا شفاعة ولا عدل ولا نصرة ، فذلك آكد في الوعيد والتحذير .

والله أعلى وأعلم .