مما تقرر في أخبار الوحي الصادق أن لا جُرْمَ يَسْقُطُ بالتقادم ، فإما القصاص في الأولى فالحد كفارة لصاحبه ، على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ حق لمن ظُلِمَ فالجاني وإن حُدَّ فَثَمَّ حق للمظلوم يَسْتَوْفِيهِ بَيْنَ يدي الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : "يَجِيءُ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِرَأْسِ صَاحِبِهِ يَقُولُ: رَبِّ سَلْ هَذَا لِمَ قَتَلَنِي؟" ، فذلك من الذنب العظيم فلا ذَنْبَ بَعْدَ الشرك يَعْدِلُ القتل ، كَمَا قَدْ أَبَانَ السياق في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) ، فكان من التَّعَاطُفِ ما يَجْرِي مَجْرَى التَّدَرُّجِ من الأعلى إلى الأدنى ، فمن الشرك إلى القتل إلى الزِّنَى ، وهو ما يواطئ مقاصد الشرع التي عُلِمَتْ بالاستقراء لفروع الشريعة فَحِفْظُ الدين أولا وَحِفْظُ النفس ثانيا وحفظ النسل ثالثا ، وليس ثَمَّ في الأولى إلا القصاص أو الدية أو عفو أولياء الدم فذلك حق البشر ، وثم آخر بَيْنَ يدي الله ، جل وعلا ، فإن المقتول لم يَزَلْ حقه في عنق القاتل وأنى لمقتول أن يَعْفُوَ بَيْنَ يدي الحسيب ، جل وعلا ، وحسنات القاتل غنيمة فإن لم يكن له منها حظ فَيُحَمَّلُ من أوزار المقتول ما به يخف الحمل ، فالأصل في حقوق البشر المشاحة فلا تسقط بِالتَّقَادُمِ وإن أسقطها الوضع الحادث ، وأعظمها حق القتل ، فلا يسقط وإن بالعفو أو الدية التي تسقط الحق في الدنيا فَثَمَّ حَقُّ من قُتِلَ بين يدي الله ، جل وعلا ، ولعل ذلك ما حمل ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن يفتي أن لا توبة لقاتل ، فلا يلزم منها الخلد الدائم ، فلا توبة له تُنْجِيهِ من العذاب فيكون من وعيده ما استحق النَّفَاذَ ، فَيُلْحَقُ بالشرك من هذا الوجه وإن كان وعيد الشرك مؤبدا ووعيد القتل مؤقتا ما لم يكن ثم سبب آخر يجعله مؤبدا فيكون من الوصف ما يَزِيدُ كالقتل على قاعدة دين يُبْغِضُ بها القاتلُ المقتولَ لأجل ما تحمل من الدين والرسالة أو يكون قتله على حد الاستباحة ، فلا تقبل توبته أبدا على ما قد قال ابن عباس ، فإثم المقتول قد أنيط بِجِيدِهِ فلا يسلم من العقاب وإن لم يخلد في العذاب خلاف المشرك فَتَوْبَتُهُ لا تقبل أبدا وهو ، مع ذلك يخلد في العذاب أبدا ، فالتأبيد في حقه من كلا الوجهين ، خلاف التأبيد في حق القاتل ، فالتأبيد في رَدِّ تَوْبَتِهِ لا في دخول النار والمكث فيها أحقابا طويلة يَصْدُقُ فيها اسم الخلد في قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ، فهو مما احتمل فاشترك ، فهو مشترك بين المكث الدائم والمكث الطويل ولكلٍّ وجهه من التعليل .
وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما تَتَعَيَّنُ الفتوى به فِي الأعصار التي يكثر فيها القتل فالفتنة عامة بل ثم من يرى القتل فضيلة ، فَيُفَاخِرُ بما سفك من الدم ظلما وعدوانا إذ به يحسم مادة الشر من البلاد وإن سفك ما سفك من دماء العباد ، فضلا أن يحتمل من الغل للوحي والدين ما يجعله يَتَوَسَّعُ في القتل والتنكيل ، فيكون التغليظ في الفتوى سدا لذرائع القتل وقد كَثُرَتْ فَقَدْ صارت بأمر السلطان والأصل فيه أن يحفظ الحقوق والدماء فصار أول من يغتصب الحقوق ويسفك الدم المعصوم .
وهو ما استعمله ابن عباس في مواضع إذ أَفْتَى من يُرِيدُ القتل ولم يقتل أن لا توبة له ، وأفتى من قتل أن باب التوبة لم يغلق ، وإن كان للنفس في أحيان حظ أن تَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا بَيْنَ يَدَي ربها ، جل وعلا ، فهي تدعو على القاتل ألا يُسَدَّدَ لتوبة وإن كان ذلك جائزا فلا يوصد الداعي باب الرحمة إذ وسعت كل ذنب إلا الشرك ، ولكنه يتأول الجلال في حق من أجرم ، فيدعو دعاء نوح في قومه ، ودعاء الكليم في فرعون وآله أن : (اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) .
فقد تسقط التوبة ما بين القاتل وَرَبِّهِ ، جل وعلا ، فيسقط حق الله ، جل وعلا ، بالتوبة ، ولا يسقط حق العبد ، فحق الأول ، تبارك وتعالى ، تجري فيه المسامحة ، وأما حق الثاني فهو على المشاحة ، فالإنسان إذ خلق فقيرا فلا يَغْفِرُ هَضْمَ حقه إذ به تحصل الكفاية فيحتمل من الثأر ما به يَشْفِي الصدرَ وَيُذْهِبُ الغيظَ وإن وَجَبَ أن يَتَحَرَّى العدلَ فلا يَرُدَّ الظلم بِنَظِيرِهِ ولا يجاوز الحد المشروع في القِصَاصِ إن حصل له من السلطان ما به الاستيفاء ، فإن عفا فذلك حقه الخاص ، وثم حق عام وهو ما اصطلح في الأصول أنه حق الرب المعبود ، جل وعلا ، فذلك ما يدخله العفو بالتوبة ما لا يدخل الحق الخاص فَثَمَّ في التوبة منه والحل شرط يَزِيدُ وهو عفو صاحبه من غير إكراه ولا إلجاء .
والحق العام ، وهو من حق الله ، جل وعلا ، لا يسقط في مواضع كما في بعض الجنايات العظمى التي تَعُمُّ بِهَا البلوى كجناية الزنا وهي الثالثة في الآية : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) ، والخبر : "أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ مَالَكَ» ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ قَالَ؟ قَالَ: «أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»" ، فلا تسقط أبدا وإن أسقط الزوج أو الولي حقه فلا اعتبار بإسقاطه إذ ليس الحق حَقَّهُ لِيَعْفُوَ ويصفح ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، كاشف عن قيمة حاكمة فارقة بَيْنَ التشريع السماوي المنزَّل ونظيره الأرضي المحدَث ، فإن الأرضي يأرز إلى عقل يقدس الإنسان فَلَهُ في الكون سيادة مطلقة فلا تُزْهَقُ روحه أبدا ، وإن استحق ذلك بالقصاص العادل ، فَثَمَّ أَنَانِيَّةٌ وَفَرْدَانِيَّةٌ تَغْلِبُ على الإنسان إذا خالف عن وحي السماء ، فصارت لذاته ورغائبه هي الغاية ، فهو يَضَعُ من الأحكام ما به يحفظ حياته وإن أجرم فَتَعَدَّى على غيره بِالْقَتْلِ أو تَعَدَّى على الحق العام بما يوجب الحد درءا لعدوانه ، وأما الشرع المنزَّل فإن نظره في المصلحة العامة إذا تعارضت مع نظيرتها الخاصة ، فلا ينطلق من نظرية أَنَانِيَّةٍ بل يجمع من المصالح ما استطاع ، خاصة أو عامة ، ولا يُرَجِّحُ المصلحة العامة إلا إذا تَعَذَّرَ الجمع مع فتح الذرائع ما استطاع لحقن الدماء ولو بالشبهات التي تُدْرَءُ بِهَا الحدود فَثَمَّ تَشَوُّفٌ وَنَظَرٌ في حفظ النفس إلا إن تعارض حفظها مع المقصد الأول من مقاصد التشريع ، وهو حفظ الدين ، وحفظه : حفظ الحق العام كما الحال في جناية الزنا ، فلا تسقط بإسقاط ولي ولا زوج ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، محل نظر أدق ، فَثَمَّ من فساد الأحوال في أمور الحكم والسلطان ما صار به القصاص ذريعة لِقَتْلِ النَّاسِ بلا بَيِّنَةٍ إِسْرَافًا وعدوانا بَاعِثُهُ حظ النفس في استئصال الخصم ، مع ما يكون من تعاظم الثارات إذ يكثر القتل فيكون لكلٍّ من حظ النفس ما به يَرُومُ القصاص ولو استوفاه بِيَدِهِ إذ لا سلطان يعدل فَيَقْتَصُّ له من الخصم ، بل قد صار السلطان هو الخصم فهو يَحُضُّ جنده على القتل ويكون من الفتنة ما يبلغ في أحيان حد الاحتراب داخل الجماعة ، فقد صارت على أنحاء متخالفة ولكلٍّ من الثأر ما يَرُومُ استيفاؤه ، فلا يُوقِظُ الفتنة وقد نامت إلا ملعون وذلك السلطان الجائر الذي يُحَرِّشُ بَيْنَ الناس ويجعلهم على شيع ، كما صنع فرعون ، ويغري بينهم العداوة والبعضاء فلا يقر له سلطان إلا بذلك فَلَوِ اسْتَبْصَرَ الناس واجتمعوا على كلمة سواء ، ولو كلمة عدل باعثها من الأرض ، لكان هلاكه المعَجَّل فكيف لو اجتمعوا على كلمة سواء هي وحي السماء ؟! .
فكان من إفساد السلطان الجائر في الأرض ونسبة ذلك إلى الشرع أو الوضع المحدث بذريعة القصاص العادل الذي صار في أحيان كثيرة قتلا في الطرقات بلا قضاءٍ ولو صورة بلا حقيقة ! ، فأسرف مَنْ أسرف مِنْ أئمة الجور ، أسرف في القتل وتذرع بإقامة العدل وربما نسب ذلك إلى الشرع ولو على استحياء ، فلا تَنْفَكُّ عداوته للوحي تظهر ولو في موضع قصاص فلا يغادر أن يكون عرفا أو عادة في الأمصار الدنيا التي تغلب فيها الجهالة ! ، فلم تَتَطَوَّرْ بَعْدُ وَتَرْقَ إلى حضارة الأمصار العليا ! ، فَثَمَّ انهزام ووهن يدل على استفال في الهمة وسفه في الفكرة وبغضاء لا تَنْفَكُّ تَبْدُو من الْفِيهِ الكريه في كل مشهد ، فهو جار على عادة وعرف يَرَى القتل هو القصاص العدل ، وذلك من الحق الذي يُرَادُ به الباطل بما تَقَدَّمَ من إغراء العداوة والبغضاء حفظا لسلطانه مع نَبَزْ الوحي أنه مادة عنف وقتل يضطر إليها إرضاء لأولياء المقتول ! .
فَلَمْ يكن ما يصنع غَيْرَةً على الدين فهو من ألد خصومه ، وإنما تذرع به من طرف خفي فلم يَنْسِبْ ما يقارف من القتل ظلما وعدوانا بذريعة القصاص ، لم يَنْسِبْهُ إلى الوحي في مقام التعظيم لشعائر الدين ولو زورا ، وإنما نسبه إلى عادة وعرف يَلْمِزُهُمَا من طرف خفي أنهما بَقَايَا تخلف ورجوع خلاف ما حصل للأمم التي سلكت جادة الحضارة والتقدم ! .

بل ثَمَّ فِي القتل ، وهو محل الشاهد الأول ، ثَمَّ فيه حق عام لله ، جل وعلا ، لا يسقط في مواضع ، كما قرر أهل الشأن ، فيذكر ابن فرحون المالكي رحمه الله أن الحاكم له أَنْ يُعَزِّرَ الجاني في جرائم الحق الخاص كالقتل ، فَلَهُ أن يُعَزِّرَهُ وإن عَفَا أولياء الحق ، فَلَهُ ذلك صيانة للحق العام ، فلا يخلو القتل من حق عام وإن رجح فيه الحق الخاص فالحاكم له أن يُعَزِّرَ ولو بالقتل ، وإن عفا أولياء الحق ، إذا كان الجاني ممن فحش جُرْمُهُ وَعَظُمَ شَرُّهُ فلا يندفع إلا بالتعزير وإن قتلا ، فإن تاب صِدْقًا فالتوبة تَنْفَعُ في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا إذ اجتهد الحاكم مع تجرده من الأهواء والحظوظ والخصومة مع الجاني ، إذ اجتهد فَتَرَجَّحَ عنده التَّعْزِيرُ حَسْمًا لمادة الشر فَيَجْرِي ذلك مجرى الدفع للصائل إن على الأديان أو على الأبدان ، فَثَمَّ جرائم عظمى تجاوز حد القتل والتحريض فضلا عن الشَّمَاتَةِ وَالتَّشَفِّي فهما مَئِنَّةٌ من لؤم الأصل فضلا عن جناية الفعل ، فلا تسقط بالتقادم وإن في الوضع المحدَث ! ، فضلا أن هذا الاصطلاح ، كما تقدم ، مما يعاب في الجملة ، فإن سقوط الجرم بلا توبة فيكون من تَقَادُمِ العهد ما به يكون العفو ! ، فإن ذلك مَئِنَّةٌ من انحراف عظيم في المرجع الذي يصدر عنه القاضي أو المشرِّع ، فمرجعه مرجع لا ينظر بعين الاعتبار في دور أخرى تجاوز هذه الدار ، فَأَسْقَطَ من الحق ما لا يَسْقُطُ ، فلا التفات له إلى برزخ أو دار حساب وجزاء تُسْتَوْفَى فِيهَا الصغائر قبل الكبائر ، فـ : (وُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فَضَجُّوا ، كما يقول أهل الشأن ، بالصغائر قبل الكبائر ، فلا شيء منها قد سقط بالتقادم ، فكان من الإطناب بِتِكْرَارِ النفي في قوله تعالى : (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) ، فضلا عن التعاطف الذي استغرق شطري القسمة في باب الجناية : الصغائر والكبائر ، فَثَمَّ من العموم ما استغرق من وجوه ، فَثَمَّ نكرات "صغيرة" و "كبيرة" وردت في سياق الاستفهام : (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ) ، استفهام الحسرة والندم وذلك مما يعظم به الوعيد والزجر ، وَبِهِ يُشْفَى صدر المظلوم بَيْنَ يدي المعبود ، جل وعلا ، إذ يَرَى من عقوبة الظالم ما به تُسْتَوْفَى الحقوق فلا تسقط بالتقادم ! ، فَكَمْ من جنايات قد طُوِيَتْ صُحُفُهَا فَلَمْ تُسْتَوْفَ في الأولى ، وإن في الظاهر ، فلم يُطِقْ أهلُ الحق استيفاءَه فسقط التكليف بالعجز إذ لم يطيقوا ، وإلا فالأصل أن يَسْعَى أهل الحق في استيفائه وإلا أثموا إن قدروا فَقَعَدُوا لا سيما في الحقوق العامة ، فالبلوى بها تَعُمُّ ، فإن لم يطيقوا فَثَمَّ من العقوبات الكونية الناجزة ما به تكون الآية والعبرة في ضنك العيش وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد وخاتمة الشر والفضيحة على ملإ الدنيا ولفضيحة الساعة أدهى وأمر .
فَثَمَّ قَدْرٌ لم يستوف ، فلا بد من دار أخرى فيها استيفاء الحق إن في البرزخ من عذاب لا يدركه الحس الظاهر فإن للدور أحكاما تَتَغَايَرُ ، أو في الآخرة والعذاب فيها أعظم سواء كانت الجناية مما يَنْقُضُ أصل الدين الجامع كالشرك أو يَنْقُضُ كمال الدين الواجب كالقتل والزِّنَى ، وهما ، كما تقدم ، أفحش الذنوب بعد الشرك بالرب المعبود ، جل وعلا ، فلا تغادر صحف الأعمال صغيرة ولا كبيرة ، فلا يسقط منها شيء بِالتَّقَادُمِ فَمَا أُثْبِتَ فِيهَا فلا يُمْحَى إلا بالتوبة التي استوفت شرائطها لا سيما في مظالم البشر مع أن مِنْهَا ما يؤاخذ فاعله وإن عَفَا المظلوم صيانة للحق العام كما تقدم من كلام ابن فرحون ، فما أُثْبِتَ فلا يُمْحَى ، وإن في الجملة ، لا سيما إن مات صاحبه بلا توبة كما في سياق الكهف ، وهي من الآي المكي ، والغالب على الجمع المخاطب آنذاك أنه من أهل الجحود والكفران ، فَوَقَعَ في أعظم الذنب من الشرك فإن لم يَتُبْ وَمَاتَ على الكفر ، فالذنب قد أُحْكِمَ في صحف الأعمال وهو ما لا يَغْفِرُهُ رَبُّ الأرض والسماء ، جل وعلا ، فهو أعظم الذنب وأكبر الكبائر فيدخل ، أيضا ، في حد العموم المستغرِق في قوله تعالى : (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، عموم قد استفيد ، من وجوه ، فَثَمَّ نكرات في سياق الاستفهام ، استفهام الحسرة والندم ، وَثَمَّ نَفْيٌ قد تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الفعل "يغادر" في قوله تعالى : (لَا يُغَادِرُ) ، فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، وإسناد الفعل إلى الكتاب ، كتاب الأعمال الذي حفظت فيه الأقوال والأفعال ، وإن تُرُوكًا فَالتَّرْكُ فِعْلٌ في صحيح المذهب كما يقول بَعْضُ النظار وهو يحكي مذهب مالك ، رحمه الله ، فَالتَّرْكُ وإن كان سَلْبًا ، فَيَقْبِضُ التارك لسانه ويده ، فهو فعل في ذاته وفعل باعتبار لازمه لما جبلت عليه النفوس من الحياة والحس والحركة وباعثها الإرادة اختيارا لا الحركة اضطرارا فذلك ما يستوي فيه الإنسان والحيوان بل والأجرام الجامدة التي لا حياة فيها فهي تَتَحَرَّكَ على سَنَنٍ في الكون قد أُحْكِمَ ولا إرادة لها بداهة فهي مما سخر اضطرارا ، فالنفوس إذ جُبِلَتْ على ما تَقَدَّمَ من اختيار باعثه إرادة ترجح بين الفعل والترك ، وَمَنْشَؤُهَا ، لو تدبر الناظر ، العلم الذي به يحصل التصور الأول ، فالحكم فَرْعٌ عليه ، فالإرادة ، وهي حكم تَرْجِيحٍ بَيْنَ الفعلِ وَالتَّرْكِ فترجح أحدهما تارة وترجح الآخر أخرى ، هذه الإرادة مما يصدر عن العلم ، فَثَمَّ صورة منه في الجنان عنها تصدر الأركان في الحركة أو السكون ، فِي الْفِعْلِ أو في التَّرْكِ ، فالنفوس إذ جُبِلَتْ على ذلك فهي لا بد فاعلة ، فلا تقنع بِالتَّرْكِ ، وإن كان فعلا في نفسه ، فهو فعل كف ، فلا بد أن يشتغل المحل بضده إن كان واحدا أو ضد من أضداده إن كان دائرا ، كمن لا يتكلم بِقَبيِحٍ فذلك كف فلا بد أن يشتغل المحل بضده وهو الكلام الطيب ، وإن سكت فهو يَتَكَلَّمُ بالقلم إذ يكتب ، أو يتكلم ولو بصورة منطق باطن عنه يصدر المنطق الظاهر فإن لم يُعْمِلِ الفكرة في خَيْرٍ فَيُقِيمَ على الخواطر حرسا شديدا وشهبا تَقْمَعُ وسواس الشيطان ، فإن لم يُعْمِلِ الفكرة في خير فهي مما يَنْشَعِبُ فَيَتَفَلَّتُ فلا يطيق له حدا فَيَنْصَرِفُ إلى أخرى في الشر إلا أن يَسْتَيْقِظَ فَيُرَاجِعَ وَيُبَادِرَ بالاستعاذة والكف ، وَيَشْغَلَ المحل بأخرى نافعة إن في الدين أو في الدنيا ، فالمحل ، كما تقدم ، لا يجتزئ بالكف والسلب بل لا بد من فِعْلٍ وإيجاب لما تَقَدَّمَ من ماهية النفس التي جُبِلَتْ على الحس والحركة الاختيارية فَبَاعِثُهَا الإرادة ، وهي مناط التكليف ، إذ بها يكون الترجيح إن في الفعل أو في الترك ، فتحتمل الضدين قبل الشروع في العمل ، فَقَدْ هُدِيَتِ النجدين ، فـ : (هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ، فإذا شرعت في أحدهما اشتغل المحل به فلا يقبل ضده ، فالمحل الواحد لا يستغرق حَالَّيْنِ من نَفْسِ الجهة في نَفْسِ الوقت ، فإذا اتحدت الجهة فلم تَنْفَكَّ ، فالمحل الواحد لا يحتمل اثنين ، فالإرادة هي المرجِّح من خارج ، وهي ، من وجه آخر ، مما لا يخرج عن إرادة الخالق ، جل وعلا ، فإرادة المخلوق مخلوقة غير خالقة بالنظر في معنى الخلق الأول من لا شيء ، وإلا فهي تخلق خلق التصوير لِمَا مادته قد وُجِدَتْ فلا يخلقها العبد من عدم وإنما يصورها إذ يُحَوِّلُهَا من صورة إلى أخرى سواء أَتَغَيَّرَتِ الماهية فاستحالت من عين إلى أخرى بحرق أو نحوه ، أم لم تَتَغَيَّرْ فاقتصر الخلق على تَغْيِيرِ الصورة وحدها ، كما أن إرادة الخالق خالقة غير مخلوقة ، فاطرد القياس وانعكس ، على وجه يُوَاطِئُ قِيَاسَ العقل الصريح فضلا عن نص النقل الصحيح ، فإن وصف الخالق غير مخلوق سواء أكان وصف الخلق أم غيره فذلك أصل في الباب يستغرق أوصاف الذات والفعل ، المعنى والخبر ، ووصف المخلوق في المقابل مخلوق .
فاستغرق الكتاب ، كتاب الإحصاء في قوله تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) ، إذ دلالة "أل" فيه دلالة العهد الخاص ، فليس ، بداهة ، كتاب التشريع ، فاستغرق كتاب الإحصاء الأشياء كلها ، أقوالا وأعمالا ، أفعالا وَتُرُوكًا ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، عموم استفيد من تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يغادر" ، فلا شيء منها يسقط بالتقادم ، فَمَا وقع فَكَانَ تأويلَ العلم الأول المحيط ، وعلم التقدير في لوح المقادير ، فتلك علوم الغيب ، فَمَا وقع منها في الشهادة فكان من العلم المسطور في كتاب الأعمال ، فَثَمَّ محل أول وهو العلم المحيط ، علم الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، وَثَمَّ محل ثان وهو لوح المقادير ، وثم ثالث وهو الشهادة ، وثم رابع وهو كتاب الحفظة ، فما وَقَعَ فلا يُرْفَعُ ، بداهة ، فلا يُنْسَخُ وإن نُسِخَ أَثَرُهُ بالتوبة إذا استوفت شرائطها لا سيما إن كانت الجناية في حق إنسان فَخُلُقُ الشح فيه غالب فلا يَتْرُكَ حقه إلا إلى أعظم منه ، فقد يكون من الترغيب بجزاء العفو عن قدرة لا عجز ، فلا يصدق في عاجز أنه يعفو ، فذلك ما لا يُتَصَوَّرُ فضلا أن يقع ، فإنه إن وَجَدَ إلى الثأر في الأولى سبيلا فهو يسلكه حتى يقدر فإن قدر جاز في هذه الحال أن يُقَالَ إنه قد قدر فَعَفَا ، فشرط العفو المقدرة وإلا كان عجزا فصاحبه قد احتمل في قلبه ثأرا إن لم يطق استيفاءه في الأولى فهو عند الله ، جل وعلا ، في صحائف الأعمال قد أُثْبِتَ فَلَمْ يُنْسَخْ إذ لم يَعْفُ صاحبه ، فلا تعفوا آثاره فهي مما أحكم في كتاب الأعمال ، فلا يُنْسَخُ ولا يَسْقُطُ بالتقادم ، فإن سقط منه شيء فهو مِمَّا يَقْتَصِرُ على بعض الكبائر التي لا يَتَعَدَّى جُرْمُهَا إلى غير الفاعل ، فلا تكون شركا أو كفرا ينقض أصل الإيمان الجامع فذلك ما لا يغفره الرب الخالق ، جل وعلا ، فإن كانت سواها وكان من لُزُومِهَا الفاعلَ فلا يَتَعَدَّى ضررها إلى غيره ، فصاحبها تحت المشيئة فقد يحصل من الفضل ما يَنْسَخُ آثارها من العقاب وإن ذُكِّرَ صاحبُها فقد أُثْبِتَتْ في الكتاب فَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا من التوبة في الأولى ما يمحوها ، وإن تَقَدَّمَهَا ما يمنع نفاذ آثارها من الوعيد فلم يُمْحَ سطرها في كتاب الأعمال ، فقد يكون من البلاء أو العذاب المعَجَّل في القبر ما يمحو آثارها وذلك ، أيضا ، مما خص بجنايات تَعَدَّى فيها الضرر فَثَمَّ حق لبشر لا يسقط بالتقادم ما لم يَعْفُ وهو حي شاهد عَفْوَ الاختيار فلا إكراه ، عفو القادر فلا عجز ، فإن لم يكن فهو يَسْتَوْفِي حقه بين يدي الله ، جل وعلا ، من حسنات خصمه فإن فَنِيَتْ أو لم تكن ابتداء فَهُوَ كافر سواء أكان ذلك أصلا أم نفاقا أم ردة طَرَأَتْ باقتراف ما يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع لا سيما إن كان الناقض هو عين المظلَمة ، محل النزاع ، كأن يقتل مؤمنا بُغْضًا لدينه وما يحتمل من الحق وما يَنْتَسِبُ إليه من الوحي ، ولو في الجملة ، فلم يُبْغِضْ شخصَه ابتداء فهو كآحاد الشخوص في الخارج ، ولم يكن بُغْضُهُ له لدنيا قد تَنَازَعَا عليها ، بل كان بغضه لأجل ما إليه يَنْتَسِبُ من الوحي فلو بَدَّلَ نِسْبَتَهُ لانقلب بُغْضُهُ حُبًّا ! ، فكان سبب النقض ، نقض الأصل الجامع ، هو عين المظلمة ، محل التَّنَازُعِ بين يدي الرب العدل ، جل وعلا ، فإن فَنِيَتِ الحسنات أو لم تكن ابتداء فالمظلوم يَسْتَوْفِي ما فاته في الدار الأولى فَيَحْتَمِلُ الظالم من سيئاته ما به يَنْحَطُّ في النار دَرَكَةً ، سواء أكانت نار التطهير وهي نار العصاة من الموحدين مِمَّنَ ثَبَتَ لهم أصل يصح وإن لم يَسْتَوْفُوا الكمال الواجب فمعهم من أصل الإيمان الأول ما به النجاة ولو انتهاء إن لم يكن ثَمَّ من مانع النفاذ ما يحول دونه ابتداء ، فالظالم إذا فَنِيَتْ حسناته أو لم تكن ابتداء فهو من الجنس المارق ، فالظالم إذا كانت تلك حاله فهو يحتمل من سيئات المظلوم ما به يَنْحَطُّ دركة سواء أكانت في نار التطهير أم في نار الخلد الَّتِي لا يطهر داخلها أبدا فخبث الكفر والشرك كَنَجَسِ الكلب فهو ذاتي لا يفارق صاحبه وإن تَعَاطَى من أسباب التَّطَهُّرِ ما تَعَاطَى ! ، فكان من سطر الجرائم في صحائف الأعمال ما استغرق فلم يغادر منها شيئا ، فذلك ، كما تقدم ، العموم الذي استفيد من تسلط الاستفهام على النكرات ، صغيرة وكبيرة ، فَبِهِمَا استيفاء القسمة في الخارج ، فالعصيان ، لو تدبر الناظر ، جنس عام تَنْدَرِجُ تحته أنواع ، فمنها النوع الصغير ونظيره الكبير ، وتحت كُلٍّ من الآحاد ما يَتَفَاوَتُ حكمه تَبَعًا لِتَفَاوُتِ وصفِه ، فالصغائر في الجملة لا تجاوز حد القدح في الكمال الواجب على وجه تكفره الطاعات إلا إن تكاثرت الصغائر فهي كأعواد الحطب الصغار فهي أول ما تَنْشَبُ بِهِ النار ، فتجتمع على صاحبها فتهلكه كما في الخبر الصحيح : "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ" ، وفيه من التشبيه ما يجري مجرى التمثيل إذ استعيرت صورة في الحس قد ائْتَلَفَتْ من أجزاء ، أجزاء الحطب الصغار إذ اجتمعت فأحرقت ما لا تحرق إذا افْتَرَقَتْ ، فاستعيرت هذه الصورة في الحس لأخرى في المعنى فكذا صغائر الذنب إذا اجتمعت فاجتماعها ، لو تدبر الناظر ، يَزِيدُ فِي حَدِّهَا فَتَبْلُغُ حَدَّ الكبيرة الناقضة لكمال الدين الواجب فلا يُكَفِّرُهَا آنذاك إلا التوبة فلا يجزئ فيها ما يجزئ في جِنْسِ الصغائر من الطاعات المكفِّرة ، فضلا أن تقترن باستباحة أو تهكم فذلك ما يجعلها سَبَبًا في نقض الأصل ، أصل الدين الجامع ، ولو لم يقارفها صاحبها ، فالاستباحة أو الاستهزاء ، كما تقدم مرارا ، مما يَنْقُضُ الأصل بِنَفْسِهِ فهو من نواقض الإيمان ولو لم يباشر صاحبه الفعل أو التَّرْكَ ، واجتماع الصغائر حتى تصبح كبائر يشبه ، من وجه ، ما قال أهل الشأن في البدع الصغرى ، فَثَمَّ منها ما يجتمع فَيَبْلُغُ حَدَّ البدعة الكبرى ، فالإحداث في الجزئيات العلمية والعملية إذا كَثُرَتْ آحاده في الخارج ، فَثَمَّ من اجتماعها ما يَبْلُغُ بِهَا حد البدعة الكلية ، وإن كانت آحادها في الخارج من البدع الجزئية فحصل باجتماع الأجزاء ما به اكتمل كُلٌّ في الخارج فَلَوْلَا اجتماعها ما حصل ، كما أنه لولا اجتماع الأعواد الصغيرة ما كانت النار المحرقة ، فالتشبيه في الخبر آنف الذكر يجري في البدع والمحدثات كما في سائر الذنوب .
فكان من العموم في آية الكهف : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، كان من العموم ما استغرق الصغائر ، ابتداء ، ثُمَّ الكبائر ، وكان من تكرار النفي ما به تَوْكِيدُ المعنى إذ الإطناب في المبنى مَئِنَّةٌ من آخر يضاهيه في المعنى ، وكان من طباق الإيجاب ما استوفى شطري القسمة ، وذلك آكد في تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِه فِي سِيَاقِ الذَّمِّ والوعيد ، وكان من عموم الكبائر ما يجري مجرى الجنس العام بالنظر فيما تحته ، فإن منها ما يقدح في أصل الدين الجامع كفرا أو نفاقا أو ردة ، ومنها ما يقدح في كماله الواجب على وجه يجاوز به الصغيرة المجردة فالطاعة تُكَفِّرُهَا خلاف الكبيرة سواء ائْتَلَفَتْ من صغائر اجتمعت أم كانت ابتداء من جنس الكبائر ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما لا يسقط بالتقادم ، على التفصيل آنف الذكر ، فذلك ما به يستدرك على نظرية قد اشتهرت في الوضع المحدَث ، إذ مازت جرائم من أخرى ، فَمِنْهَا ما يسقط بالتَّقَادُمِ فَيُمْحَى ولو بلا توبة ! ، ومنها ما لا يسقط بالتقادم ، فذلك نظر الواضع للحكم الأرضي المحدث إذ لا يَنْبَعِثُ في فكرته من الوحي الذي يجاوز هذه الدار إلى دور أخرى في الغيب ، فلا يَنْبَعِثُ إلا من فكرة لا تجاوز هذه الدار فهي منتهى نظره القاصر ، وذلك ما به امتازت مراجع التشريع : وحيا يجاوز العقل فهو يحكم فيه من خارج على وجه استغرق الكليات والجزئيات جميعا ، فَثَمَّ من أطر الأحكام الكلية وطرائق الاستنباط الجزئية ما به الكفاية لمن تَدَبَّرَ ونظر ، فَهُدِيَ وَسُدِّدَ أن يلازم الطريقة المثلى ، فامتازت مراجع التشريع : وحيا يجاوز ، وآخر لا يجاوز فهو من الأرض قد حَدَثَ فَلَمْ يَسْلَمْ من بَوَاعِثِهَا حظوظا وأهواء فَبَاعِثُهَا الافتقار إلى الأسباب فالحاجة والفاقة جزء من ماهية الخلق فلا تفارقه إذ تمازجه ممازجة الماء لأي مائع يجانسه كاللبن ، فلا يميزهما أحد إذ اخْتَلَطَا على وجه تَعَذَّرَ فيه الفصل ، فكذلك الحاجة والفقر فهي تمازج اللحم والعظم والعصب والدماء وسائر الأجزاء ، أجزاء الماهية المحسوسة أو نظيرتها المعقولة فذلك باعث التشريع المحدَث في الأرض فلا يجاوزها فَعِنْدَهُ من الجرائم ما يسقط بالتَّقَادُمِ إذ لا يجاوز نظره هذه الدار ، وإن زعم أنه يؤمن بالآخرة ، فلسان الحال يكذب دعوى اللسان فضلا أن تَبْلُغَ به الحال حد الاستهزاء والتهكم فَيَسْخَرَ من الغيب الآخر فَيَمْرُقَ من الدين الجامع ، فَيُسْقِطُ ما يشاء بالتقادم ، بل ما لا يُسْقِطُهُ مما سُطِرَ في كتبه فهو يسقطه بلسان الحال بَغْيًا وتجبرا في الأرض ، فلا يؤاخذ من يسفك ويقتل بل له في أحيان يُحَرِّضُ على وجه يستبيح به ما قد عُصِمَ من الحرمات وذلك من أعظم الجنايات لا سيما إن كان باعثه كَرَاهِيَةَ الحق المنزَّل فَيَسْتَبِيحُ من حرمات أتباعه ما به يَتَأَوَّلُ بُغْضَه لما انْتَسَبُوا إليه من الوحي ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، قَدْرٌ يزيد يبلغ به حد المروق من الدين .

فكان من العموم ما استغرق ، كما تقدم ، الكبائر والصغائر جميعا ، فَثَمَّ عموم قد استغرق من وجوه : عموم النكرات إذ وردت في سياق الاستفهام ، في قوله تعالى : (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) ، وعموم المعنى إذ دخل النفي على المصدر الكامن في الفعل "يغادر" ، وعموم النكرات إذ وردت في سياق النفي في قوله تعالى : (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، فضلا عن تكرار النفي فهو من زيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، وثم من القصر بأقوى الأساليب : النفي والاستثناء ما به ، أيضا ، زيادة في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو إسناد الفعل إلى الكتاب أن يجري ، من وجه ، مجرى المجاز في الإسناد ، عند من يثبت المجاز في الشرع واللسان ، فإن من لا يغادر هو الملَك الحافظ الذي يكتب ، ومن وَرَائِهِ الرب الخالق الذي يحصي ، فذلك من وصف فعله ، فـ : (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ، فكان من المقابلة بين الإحصاء والنسيان ، وهو ما اصطلح أنه الطباق إيجابا ، كان منه ما به استبان القدر الفارق بين الخالق العليم ، جل وعلا ، فأحاط بكل شيء علما إذ أحصاه أزلا ، والمخلوق الذي لا يحصي فهو ينسى ويضل وتصيبه الآفة نسيانا وذهولا وتغيرا واختلاطا ..... إلخ .
فالله ، جل وعلا ، لا يغادر بعلمه المحيط وما سطر في لوح التقدير ، والملَك لا يغادر إذ يكتب ما كان من تأويل الغيب المقدور في الشاهد الموجود ، وقد يقال ، من وجه ، ألا مجاز ، إذ النِّسَبُ جَمِيعًا تَصِحُّ عَلَى حَدِّ الحقيقةِ ، فلا يغادر الكتاب بما سُطِرَ فيه فهو شاهد ، ولا يغادر الملَك بما سطر في الكتاب فهو ثان ، ولا يغادر الرب العليم الحكيم ، جل وعلا ، بما قد علم أولا علم الإحاطة التي استغرقت الكليات والجزئيات جميعا ، الكونية والشرعية ، وبما قد سطر في لوح التقدير ثانيا ، فهو ، جل وعلا ، على كل شيء شهيد ، وهو الذي خلق الملَك وخلق الكتاب الذي يحمل وخلق القلم الذي به يسطر أفعال العباد ، فنسبة الكتاب إليه في قوله تعالى : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) ، تحتمل ، فتحتمل نسبة الوصف إلى الموصوف إذا صرف الكتب إلى العلم يجمع في الكتاب ، فهو من علم التقدير الأول فما سطر فهو تأويله في الشهادة وبه أنيط العلم الثاني ، علم الإحصاء أو علم الانكشاف والظهور الذي يواطئ ما تَقَدَّمَ في الغيب ، وتحتمل النسبة في "كتابنا" ، من وجه آخر ، نسبة المخلوق إلى الخالق بالنظر في ماهية الكتاب في الخارج ، فهو كتاب يدرك العقل معناه وإن حار في ماهيته كما يحار في ماهية الملَك الذي يمسكه والقلم الذي يُخَطُّ به فعل العبد .
فصحت النسب جميعا في العامل "يغادر" إذ الجهة قد انفكت ، فلا تعارض ولا تناقض فصح حملها جميعا على الحقيقة وهو شاهد لمن جوز العموم في دلالة اللفظ المشترك إذ احتمل وجوها وصح حمله عليها جميعا في نفس الآن إذ الجهة ، كما تقدم ، قد انفكت ، وذلك أولى من قصره على جهة واحدة ، إذ تَعَدُّدُ الجهاتِ في الإسناد وما تَقْتَضِيهِ من تَعَدُّدِ المعاني على وجه يصح فَلِكُلِّ جهةٍ منها وجه من المعنى يسوغ ، فذلك مما يُثْرِي السياق إذ يجتمع في اللفظ الواحد من المعاني الصحيحة ما به تزيد الدلالة وتعظم الفائدة .
فكان من وضع الكتاب ابتداء ، في قوله تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) ، ما قد حذف فاعله للعلم به ، بداهة ، فهو الرب ، جل وعلا ، إذ يضع كتاب الإحصاء ويضع ميزان العدل الذي به تأويل ما قد أنزل من الوحي آمرا ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، فكان من تأويله المحكم في الآخرة ما به تمام الحكم باستيفاء ما لم يستوف من المظالم في دار التكليف ، فذلك من وَصْفِ الله ، جل وعلا ، وَصْفَ الفعل وهو ما حُدَّ ماضيا وَلَمَّا يأت زمانه بعد إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فالله ، جل وعلا ، هو الذي يضعه في الآخرة ، كما قد وضع ميزان العدل في الأولى آمرا بالعدل وناهيا عن ضده من الطغيان ، فـ : (السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) ، فكان من النص على العلة وهي منع الطغيان ومجاوزة الحد إِنْ في المعقول أو في المحسوس ، كان من النص على العلة ما زاد الحكم بَيَانًا وَفِقْهًا ، ولا يخلو الميزان إذ دخلت عليه "أل" أن يستغرق ميزان الحس ، فـ : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) ، وميزان المعنى بما يكون من الحكم بالعدل ، فـ : (إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، فكان من الوضع ، وضع الميزان في الأولى ووضع الكتاب في الآخرة ، كان من الوضع ما يجري مجرى الصفات الفعلية فهو مما قَدُمَ نَوْعُهُ وحدثت آحاده فيحدث منها ، جل وعلا ، ما شاء كيف شاء متى شاء ، على وجه يواطئ قياس القدرة والحكمة ، وثم دلالة عهد خاص في "الكتاب" ، فهو ، كما تقدم ، كتاب الأعمال إحصاء قد استغرق ، فـ : (تَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) ، فانتقل من الماضوية إلى المضارعة استحضارا لصورة لَمَّا تَقَعْ بعد فذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده في سياق الذم والوعيد ، وَثَمَّ دلالة عموم أخرى في "المجرمين" ، إذ دلالة "أل" دلالة العموم المستغرِق ، ولا تخلو من دلالة وصل به يناط الحكم إناطة المعلول بعلته ، إذ أنيط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة على تأويل المجرمين أنهم : الذين أجرموا ، وذلك عموم قد استغرق كل مجرم ، فثم دلالة تغليب في الجمع المذكر ، فضلا عن إطلاق العامل فاستغرق من أجرم الإجرام الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، والإجرام الأصغر الناقض لكماله الواجب فلكلٍّ حظ من الإشفاق مما سُطِرَ في لوح الإحصاء الجامع فكل يشفق بقدر جنايته ، فلا يستوي إجرام الكافر وإجرام العاصي ، وكان من تقديم الصغيرة على الكبيرة ما به التنويه بإحكام الكتب فقد استغرق ما دق ، فضلا عن تنويه آخر بعظم الصغائر إذا اجتمعت فهي مما يهلك إذ هي مظنة الغفلة والنسيان فَتَكْثُرُ على صاحبها فتورده النيران ، وبعده كان العطف على حد الاحتراز أن ينسب الظلم إلى الله ، جل وعلا ، إذ أحصى عليهم القول والعمل ، فـ : (وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) ، فعموم "ما" ، لو تدبر الناظر ، قد جاوز ما قد يتبادر من دلا لة العمل ، عمل الجوارح ، فاستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، الفعل والترك ، على وجه استغرق سائر محال الاختيار وأحواله فمن خلقه وقدره ابتداء قد
علم ما هو منه كائن من خير أو شر ، ظهر أو بطن ، وبعده كان الختام نفيا به تنزيه الرب السلام القدوس ، جل وعلا ، فـ : (لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فكان من العموم ما استغرق إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فلا يظلم ، أي ظلم ، فضلا عن آخر قد استغرق جميع الآحاد ، فتلك دلالة النكرة "أحدا" في سياق النفي ، وكان من إيراد اسم الرب ، جل وعلا ، ما يزيد في المعنى فمن رَبَّ وَتَعَاهَدَ بالنعم والعطايا فهو أبعد من الظلم ، وكان من نفي النقص في هذا الباب الجليل ، باب الأسماء والأحكام ، ما لا يحصل الثناء إلا بإثبات كمال ضده فلا يظلم إذ اتصف بكمال العدل ، وهو ما يوجب الثناء عليه بالحمد والمجد فلا يخلو الخبر من إنشاء يأمر بالمدح ، كما أن الخبر وهو ، في الجملة ، وعيد ، مما يدل بدلالة اللزوم على إنشاء النهي عما يَسْتَجْلِبُ الوعيدَ من مقارفة الصغائر أو الكبائر .

والله أعلى وأعلم .