من المواضع التي يبحث فيها أهل الشأن أصلا من أصول الأحكام ، وهو شرع من تقدم ، منها ما قال صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ أَوْ ذَكَرَ" ، وفي رواية تزيد : "«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، ثُمَّ تَلَا: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}" ، وهي محل الشاهد ، إذ استدل بخطاب الله ، جل وعلا ، للكليم عليه السلام ، كما في سياق الآي في طه ، فكان من عارض النوم أو النسيان ما أخرج الصلاة عن وقتها فشرع القضاء إذا ذكرها فَتَنَبَّهَ واستيقظ ، وذلك ، أيضا ، محل خلاف هل يجب القضاء بالأمر الأول أو يجب بأمر جديد ، كما في هذا الخبر ، إذ كان ثم أمر بالصلاة إذا ذكر أو استيقظ ، فلم يكل الإيجاب ، إيجاب القضاء ، إلى أمر الأداء الأول ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين كما يحكي بعض الأصوليين ، ويشهد له ما نص عليه التنزيل في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فدلالة اللام في "لذكري" دلالة التأقيت ، فمتى ذكرها صلاها ، ولا مفهوم له ، بداهة ، فلا يقال إن الأمر يسقط إذا لم يذكر فلا تصلها إذا لم تذكرها ! ، بل ما يسقط هو الإثم إذا نام أو نسي ما لم تبلغ به الحال حد التفريط فيكثر ذلك حتى يصير عادة فهو الأصل ! ، فكان من خطاب الكليم عليه السلام ما ورد في شرع تقدم فحكاه شرعنا ولم يعقب ، وتلك صورة الخلاف في شرع من تقدم ، وإن زال الخلاف في هذا الموضع ، فإن من خالف قد اشترط أن يَرِدَ في شرعنا فلم يقتصر على حكايته مع سلامته من المعارض ، بل اشترط وروده في شرعنا ، وذلك ما قد ورد في هذا الموضع كما تقدم من قول صاحب الشرع المنزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»" ، وخطاب الكليم ، عليه السلام ، خطاب الواحد وهو ما يدل على خطاب الجميع بقرينة ما تقدم مرارا من العموم في خطاب التكليف فهو الأصل حتى يرد الدليل القاصر فلا يجاوز الخطاب حد المواجَهِ دون من سواه ، فكان من دائرة الاستدلال ما اتَّسَعَ ، فاستغرق بني إسرائيل قومَ موسى عليه السلام فإنما خوطب بالتوراة شرعةً لهم ومنها ما كان من أمره بالصلاة ، فتجب عليه ابتداء وتجب على من وراءه من بني إسرائيل ، فشرعة التوارة عامة من وجه إذ استغرقت بني إسرائيل زمن الكليم عليه السلام وبعده فاستغرقت جميع النبوات الإسرائيلية فشرعتها الشرعة التوراتية ، فهي أصل النبوات في بني إسرائيل ، فهي ، خاصةٌ ، من هذا الوجه ، إذ اقتصرت على بني إسرائيل دون من سواهم ، فكان من بعث المسيح عليه السلام ما نسخ بعضا فلم يخرج عن أصل الحجة التوراتية في الجملة وإن خرج عنها في مواضع التخفيف إذ بعث بالجمال والتيسير بعد ما كان من جلال التوراة فقد جاءت بالتشديد الذي يهذب نفوس القوم ، إذ قد جمعوا الذلة والكبر ، وتلك أخلاق لئيمة ، فصاحبها قد جمع السوأتين ، فهو حال القدرة عزيز متجبر قد أخذته العزة بالإثم فلا يعفو ولا يرحم ، وحال الذلة وضيع منكسر فيذل ويستجدي فلا يطيق الألم إطاقة الحر الذي يصبر فلا يذل لعدوه وينكسر وإن اجتهد اللئيم أن يُذِلَّهَ فهو يجتهد في التضييق عليه ، إذ يَلْتَذُّ بما يكون من انكساره ، فكان من أخلاق الكرام الصبر على الشدائد فلا جزع ولا ذلة وهو ما يستوجب الدخول في جوار ذي الجلال والعزة ، تبارك وتعالى ، ألا يَكِلَهُ إلا من سواه فَيَسْتَحِلَّ منه العدو اللئيم ما به يَتَشَفَّى فلا يطيق الصبر فلا ينكسر إلا أن يصبره الله ، جل وعلا ، فلا يجزع وإلا فما أسرع ما يجزع فينحل عزمه وتنفسخ همته إذا وُكِلَ إلى نفسه ، فيجتهد ألا يضاهي بني إسرائيل فأخلاقهم أخلاق الطغيان في كل عصر ومصر واضرب له المثل بما تأخر من الأعصار وما ضاق من الأمصار التي لا عدل فيها يسع من يسكنها فإن سكت سكت على غيظ فلم يبذل الطاعة إلا وقد طوى السخط في صدره ، فما سكت إلا مضطرا ، ولو وجد السبيل أن ينفذ غيظه لأنفذه ، فأخلاق الطغيان أخلاق عزة وتجبر إذا ملك صاحبها أمرا فهو لئيم مستكبر ، وخلق الكبر في اللئام أظهر ، كما يقول أهل الشأن ، وهو ما يَخْفَى فَيَطْوِيهِ الذليل حالَ العجز فهو من أذل الخلق وأكثرهم ضعة وانكسارا فإذا حكم في غيره نَفَثَ ما صدره من الغيظ والحنق وأظهر ما كان يخفي من لؤم الأصل فيستكبر ويتجبر فلا يُقِرُّ بالخطأ وإن عظم وفحش ، فالكبر يمنعه وإن كان أذل الناس ، فإذا أذله الله ، جل وعلا ، بعد عزة ، وأضعفه بعد قوة لم يطق الصبر فهو يجزع فما أسرع ما ييأس ويقنط فيكون من عاجل العقاب في الأولى ما يصير إليه من ذلة وضعة هي ، لو تدبر الناظر ، الأصل والمنشأ ، فَأُعِيدَ إلى سيرته الأولى ، وكان من شفاء الصدور أن يُرَى ذليلا فليس بعزيز في نفسه إلا عزة الإثم فلو كان كريما لصبر صبر الكرام ، وإن شرع في حق الكريم إذا وجد الألم الشديد ولم يطق أن يترخص كما ترخص عمار ، رضي الله عنه ، وقد وجد من العذاب ما لم يطق ، فالرخصة تباح وإن كانت العزيمة أولى كسرا لقلب من تجبر وطغى ، فالأصل في الكريم أن يصبر فيباشر العزيمة في هذه الحال فإن لم يطق فقد جعل الله ، جل وعلا ، له المخرج بما شرع من الرخصة ، وإن كانت العزيمة في أحيان هي الواجب المعين فلا يخير بَيْنَهَا وبين الرخصة ولو تخييرا بين فاضل ومفضول ، فقد تعينت العزيمة فلا يجزئ غيرها كما لو كان إماما يقتدي به العامة فوجب عليه من العزيمة ما لا يجب على الآحاد ، فمن يُظْهِرُ الحق إذا أخذ الأئمة بالرخصة ؟! ، فكان من أمانة العلم ما زاد في تكليف أهله ، فالرخصة تباح لغيرهم ما لا تباح لهم والأمر بالصبر الكريم يتوجه إليهم ما لا يتوجه إلى غيرهم ، فصبرهم صبر الاختيار رجاء الثواب ، من وجه ، وصيانة للحق ألا يدرس ويندثر ، من آخر ، لا صبر الدواب وهو صبر اللئيم إذ يصبر على المهانة وقد احتمل في صدره من الحنق ما ينفثه حال القدرة فلا يعفو إذا قدر ، ولا يرحم إذا استرحم فما أليق ألا يُرْحَمَ إذا ضعف فاسترحم فيكون العقاب المعجل من جنس ما اقترف ولعقاب الآخرة أدهى وأمر ، فالذليل ذو الأصل اللئيم هو أعز الناس بالإثم إذا قدر ، وهو أسرعهم جزعا واستجداء للرحمة مع مهانة وخسة إذا ضعف فَزَالَ سلطانه وضعفت قوته سواء أكان ذا سلطان عام فالبلوى به تعم ، أم ضاق سلطانه ولو في أهل بيته فمن تحته من زوج أو ولد قد ابْتُلِيَ به فَوَجَدَ من آثار خسته وضعة أصله إفسادا للحال يَتَقَصَّدُهُ ، فلا يسلم منه خاص ولا عام ، وإن كان أكثرُ الناس ابتلاء به من ابتلاه الله ، جل وعلا ، فكانت له عليه ولاية ، فلا يَفْتَأُ يؤذي بالمنة ولا يفتأ ينسب الفضل إلى نفسه ولا يفتأ يتقدم وهو أهل أن يؤخر فما حمله أن يتقدم إلا ما يجد من ضعة ونقص فحقه التأخير إذ ليس من أهل الفضل أو العلم وليس من أهل العطاء والخير ، فهو جاهل لا يعلم مَنُوعٌ لا ينفق لا قَدَمَ سبق له في فضيلة فقدمه أبدا تسبق في الرذيلة ، ولا يُقِرُّ أبدا بخطإ وإن كان أظلم الناس وأجهلهم فلا تجده إلا مستكبرا يستنكف أن يقر بما أخطأ فلسان حاله العصمة ! وهو من أغبى الخلقة ، فَعِزَّةٌ بالإثم وطغيان بما تَوَهَّمَ من الاستغناء بالأسباب ، فإذا ضعف وزال السلطان فهو أذل الناس وأجزعهم فلا يطيق أخلاق الكرام ، وإن صبر فصبر البهائم فلا اختيار لها إذا ضربت وحملت ما لا تطيق ، فكذا اللئيم ، عمت ولايته أو خصت ، وبنو إسرائيل في ذلك أصل ، فكان من شرعة الجلال وهو محل شاهد تقدم ، كان من شرعة الجلال ما يستصلح هذه النفوس الخسيسة ، فلا تستصلح إلا بالشدة إذ اعتادت الذلة في سلطان فرعون فهو يستضعف طائفة من الناس ، وهم العامة ، ويصطفي طائفة لا تخرج لو تدبر الناظر عن وصف الذلة فهي تخضع له فتسمع وتطيع وإن زعم الأثيم أنه الإله الذي يشرع والرب الذي يعطي ويمنع فأمره أمر الرشيد الناصح وإن أوردهم المهالك فلا يعمل بأمره إلا ذليل لا يراجعه وإن أمره بما يضره ويضر غيره ، فلا ينفعه لا في أولى ولا في آخرة ، فلسان مقاله يوم الحشر : (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) ، فغاية ما يصنع المأمور أن يتأول لما يقارف من الجناية أنها من كمال الديانة إذ تأمر بالسمع والطاعة لمن ولي الأمر وإن كان فرعون ؟! ، فكل أولئك مما استعير من أخلاق يهود فهم أشد الناس لؤما ، ومن والاهم فهو يضاهيهم في الخلق ، فما طغى طاغ إلا لذلة في نفسه رام نسخها بما يظهر من الطغيان والتكبر فلا زال الله ، جل وعلا ، يذله ويفضحه ويظهر ما اجتهد في إخفائه من خسة الطبع ولؤم الأصل فأبى الله ، جل وعلا ، إلا أن يذل من عصاه ، فكان من شرعة الجلال ما تقدم ، وبه استصلاح ما سفل من النفوس وفسد من الطبائع في سلطان فرعون الجائر ، ثم كان التخفيف في شرعة الجمال فجاءت بما ينسخ بعضا فتحل بعض ما حُرِّمَ استئلافا للقلوب القاسية أن تدخل في العبودية الكاملة وقد خرجت عنها بما قارفت من حب الدنيا والتراث كما صنع يهود إذ اشتغلوا باللهو والتجارة فانفضوا عن الديانة والعبادة ، فلم يخرج عيسى المسيح عليه السلام عن عهد التشريع الأول ، عهد التوارة المنزل ، فهو ختام النبوات الإسرائيلية فلا يصدر إلا عن الشرعة التوراتية وإن جاء بما يخفف وجاء بناموس يكمل ، فلم يأت بما ينقض الناموس الأول ، ثم كان الختام بشرعة الكمال التي نسخت ما تَقَدَّمَ نَسْخَ الجمع والزيادة ، فجمعت الجلال والجمال فهي شرعة الكمال وزادت من الأخبار والأحكام ما يُفَصِّلُ ما أُجْمِلَ في الكتب الأولى وإن صدق فيه أنه ناسخ فبما اصطلح من كلام الأولين أن الزيادة مطلقا نسخ سواء أرفعت الأول أم زادته تخصيصا أو تقييدا ..... إلخ من صور البيان ، وزادت في التكليف فقد جاوزت القوم والقبيل ، فخالفت عن نبوات بني إسرائيل ، فجاءت شرعة الجميع ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فختمت بها الرسالات وَكُفِيَتْ بها النفوس فلا تجد في نفسها حاجة إلى ما سواها إلا وقد قَلَّ أخذها من محكم آيها وأخبارها ، فهي الأصدق والأعدل وما في سواها من حق فَفِيهَا قد ضُمِّنَ بل وزيادة .
فإذا رأيت لئيما لا أصل له يحمد قد حكم في قوم فاستذلهم وجعلهم شيعا فما صنع ذلك وإلا وتحته من اللئام كثير كُلٌّ في ولايته فهو يضاهيه في الكبر والعزة بالإثم إذ يضاهيه في الأصل اللئيم ، فإذا ضعف أو افتقر رأيته أسرع الناس ردة إلى أصله الأول فهو من أذل الناس وأكثرهم استجداء واسترحاما وهو الذي كان بالأمس القريب أعز الناس بالإثم وأسرعهم في العدوان والبطش وأعجبهم برأيه وإن كان سفيها حقه الحجر لا الحكم أو الولاية ، ولو ولاية في أهل بيته فضلا أن تعم البلوى بولايته ، فما كان العموم في البلوى إلا بعد خصوص في كل ولاية تحته فكانت ولايته عقابا لمن تحته ، من وجه ، وكانت صناعة رب قدير حكيم يصطفي في المحن من اتخذ شهيدا أو مظلوما في الأزل ، فاصطفاء الشهيد أن يَتَقَبَّلَهُ واصطفاء المظلوم أن يجيب دعوته في الأولى فيشفي صدره من عدوه أو يدخرها ليوم عظيم فيبيح له من حسنات الظالم ما به تُرْفَعُ درجته فإذا فَنِيَتْ حسنات الظالم إن كان ابتداء ممن له حسنات ! ، تحمل من سيئات المظلوم ما يرفع المظلوم درجات إذ يخف وزره وينحط بالظالم دركات إذ يثقل ظهره ، ويصطفي ، جل وعلا ، في المحن ، أيضا ، من بهم يُصْلِحُ ما فسد ويجدد من الحق ما درس طال الزمن أو قصر ، فيكون من الشروع في الأسباب بذل جهد يحمد واستفراغ وسع فلا يفرط صاحبه ولا يقصر بل يجتهد ما استطاع فإن أصاب فالأجران وإن أخطأ فأجر ولا يكون ذلك إلا لمن تجرد من الهوى والحظ فابتغى الحق خالصا ، فإن غلب فغلبة الكريم فلا يبطر ، وإن كُسِرَ فكسر الكريم فلا يجزع خلافا لما تقدم من حال اللئيم فهو أكثر الناس بطرا وفرحا إذ غلب وهو أشدهم يأسا وجزعا إذا كُسِرَ ، فلا فقه ولا نظر لا في سعة ولا ضيق وذلك من أعظم الخذلان الذي منه يحذر العاقل فلا يغتر بقوته ولا يكل الأمر إلى نفسه فهو يجتهد في سؤال السداد إلى الخير والثبات على الحق ، فقد يسدد ولا يَثْبُتُ ، فيكون ، كما يقول بعض المحققين ، من أهل إياك نعبد دون إياك نستعين ، فقد عَلِمَ الحق ولم يطق سلوك جادته أو سلك حينا ثم انقطع لضعف العزم أو لدخيلة سوء استخرجها الله ، جل وعلا ، بالحكمة والمكر ، وقد يثبت فهو ذو عزم وجلد ولا يسدد فيضل وقد ظن أنه يحسن صنعا ، فيكون من الأخسرين أعمالا كما حكى الوحي إخبارا أَنْ : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) ، وإن كان السياق يحكي حال الكافر فيدخل فيه المؤمن كلٌّ بِحَسَبِ وصفه إذ العبرة ، كما يقول أهل الشأن ، بعموم المعنى لا بخصوص اللفظ .
فما كان من ظلم الرأس إلا حكاية ظلم في كل رأس تحته فغالبها على الظلم قد أقام ، والناس على دين ملوكهم ! ، وغالبها ذليل حقير فإذا وَلِيَ رياسة صار من الجنس العزيز عزة الإثم ، فلا يجدي قطع الرأس شيئا وقد فسد الجسد فسرعان ما يستنبت رأسا أخرى تكون أظلم وأطغى لا سيما إن مُنِحَ الناس فسحةَ عدل فلم يحكموا به بل طغوا وتجبروا وكان من بطر المعيشة وكفران النعمة أن استحقوا المحنة بعد المنحة فابتلاهم الله ، جل وعلا ، بأظلم وأطغى ، فالجسد الخبيث لا تصلحه رأس صالحة وإنما الخبيث لا يليق به إلا الخبيث فإذا طهر لم يطق الخبيث فيه رياسة ولا كانت له عليه ولايةُ سمعٍ أو طاعة ، فالظالم رأس للظالمين ولو في الجملة فالحكم للغالب وإنما العزة للكاثر فلا عبرة بالقليل أو النادر ، فصار قطع دابر الظلم في كل ولاية من ولاية ظالم في أهل بيته إلى من ولاية من ظلم في رياسة صغرى حتى يبلغ القطع رأسَ الظلم والطغيان ممن ولي ولاية عامة ولو في الظاهر فهو أيضا من الجنس التابع فلا يتوقف أمامه العقل إلا بقدر ما يُزِيلُهُ فَثَمَّ رأس أظلم وأطغى قد جعله في الناس إماما فأساء السيرة فكان من التوجه إلى الأعلى ما يواطئ الحكمة إذ لا يجدي قطع الذراع دون الرأس فسرعان ما تُعَوَّضُ الذراع بأخرى أشد بطشا ، فلا يشتغل العاقل بالفرع عن الأصل وإنما الحكمة أن يُعْطِيَ كُلًّا حقه وأن يسعى ما استطاع أن يُزِيلَ الظلم من الأدنى إذ العامة إلى الأعلى إذ الخاصة ممن ابتليت بهم العامة بل وابتليت بهم نفوسهم التي بين أجنابهم ! .

فكان من أمر الكليم ، عليه السلام ، وهو ما تقدم أن : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، كان منه ما تعددت دلالاته ، فَثَمَّ دلالة المواجهة ، فذلك خطاب الكليم فهو الأول كما حكى الوحي المنزل ، وثم دلالة التكليف الأخص ، تكليف بني إسرائيل بشرعة الجلال التوراتية ، فهم له تبع ، وثم تكليف ثالث على خلاف فيه قد اشتهر في الأصول ، وهو تكليف الأمة الخاتمة على قول من يجعل شرع من تقدم شرعا لنا ، فكان من حكاية شرعنا له حكاية صحيحة متواترة ما به اليقين الجازم وإن كفى في إثباته الظن الراجح ، فشرع من قبلنا يثبت بالخبر الصحيح وإن آحادا ، وكان من السكوت عليه فلا نسخ ، فلا يجري مجرى السجود في قوله تعالى : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) ، فذلك مِنْ شرع مَنْ تَقَدَّمَ وقد حكاه شرعنا حكاية التواتر ولكنه نسخه إذ نهى عن السجود لغير الله ، جل وعلا ، ولو تعظيما ، فَنَهَى عنه سدا لذرائع الشرك بما يكون من الغلو في المسجود له ، فكان من حكاية شرع من تقدم في قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، كان منها ما صح متواترا ، وكان من السكوت فلا نسخ ولا تعقيب بتخصيص أو تقييد ، فذلك شرع لنا عند من يأخذ بهذا الدليل : شرع من تقدم ، وهو شرع لنا عند من يخالف ، فهو في هذا الموضع شرع لنا فقد جاء شرعنا بما يواطئه ، فالعبرة بشرعنا لا به ، فكان من نص شرعنا ما رفع الخلاف فهو شرع لنا بالإجماع سواء اقتصر الناظر على حكاية شرعنا حكاية صحيحة ولم يُعَقِّبْ بِنَسْخٍ أو إلغاء ، أو لم يقتصر فاشترط أن ينص عليه شرعنا ، فقد نص في الخبر آنف الذكر : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، فكان من العموم ما دلت عليه "من" فهي نص في الباب وإن أُفْرِدَ لفظها وَذُكِّرَ ، فَثَمَّ من التغليب ما به اتسعت الدلالة فاستغرقت الجماعة وإن أُفْرِدَ اللفظ ، واستغرق الإناث وإن ذكر اللفظ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، هو الأصل في خطاب التشريع ، فالأصل فيه التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف فذلك أصل يستصحب إلى أن يَرِدَ الدليل الناقل الذي يقصر الخطاب على واحد بعينه كما في وقائع الأعيان فلا عموم لها ، أو يقصره على واحد بنوعه كما يقال في تخصيص العام بصورة السبب لا بعين الواقعة التي نَزَلَ عليها السبب ، أو يقصره على نوع دون آخر كما يقال في أحكام تخص الرجال فيكون تذكير اللفظ على أصل الوضع الأول في اللسان ، وإن خالف عن وضع الشرع الثاني فهو أعم في الدلالة الاصطلاحية ، فكان من القرينة ما أوجب الرجوع إلى الوضع الأول ، فاقتصر اللفظ على جماعة الذكور كما يضرب المثل المشهور بنصوص القتال فهو وظيفة الرجال .
فكان من العموم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»" ، ما جرى على الأصل في خطاب الشرع إذ لا قرينة تصرف عنه ، فاسم الشرط "مَنْ" قَدْ عَمَّ فاستغرق الجماعة واستغرق الإناث فلم يقتصر على الفرد المذكر كما يدل عليه وضع اللسان الأول ، فاستصحب الأصل إذ لا يُعْدَلُ عنه إلا بدليل معتبر ، فمن جاء به فعنده من العلم الزائد ما يوجب الانتقال إلى قوله وإن خالف عن الأصل ، فَثَمَّ أصل آخر أحكم وهو الدليل فمن حازه صحيحا صريحا سالما من المعارضة فقوله يُقَدَّمُ ، وإن خالف عن أصل تقدم ، فيكون قوله ناسخا أو مخصصا أو مقيدا ما لم يُقِمِ المخالفُ في المقابل ما يبطل استدلاله فلا يجزئ في رده أن يستمسك بالأصل الأول فذلك إنما صح مع عدم المعارض فإذ وُجِدَ المعارضُ الذي جاء بدليل يخالف فلم يُعَارِضْ هو ، أيضا ، دعوى بلا دليل ، بل أقام من الدليل ما يعتبر ، فلا يرد إلا بدليل مثله ، فيقيم المخالف ما يدل على نسخ دليل الأول فهو المتقدم لا المتأخر كما يزعم أو هو المخصَّص لا المخصِّص ، أو هو المقيَّد لا المقيِّد فيجري الأمر مجرى الترجيح بين الأدلة إذا تعارضت فمن كانت حجته أقوى فقبول قوله هو الأولى بل هو الواجب الناجز ، فهو فرض الوقت فلا يجوز العدول عنه أبدا ، فكان من العموم في اسم الشرط "مَنْ" ما استغرق ، كما تقدم ، وكان من ذكر النوم والنسيان في السياق : "«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»" ما يجري مجرى المثال فلا يخصص العام الذي يندرج فيه وهو كل سبب معتبر في باب العذر ، فخرج ما كان عمدا ، فلا يشرع له القضاء على قول بل يجب عليه التوبة مما قارف من الإثم فيكثر من النوافل ما به يمحو أثر الذنب ، وَأُلْحِقَ به ، ولو في الجملة ، من كان نومه ونسيانه استخفافا وإن لم يَتَقَصَّدْهُ ، فَكَثُرَ على وجه ينبئ الناظر أنه مفرِّط لا يَتَوَخَّى الأسباب ، وكان من الجواب ، جواب الشرط ما دخلت عليه فاء الربط في "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، فدخولها واجب إذ بها استصلاح اللفظ ، كما يقول أهل الشأن ، وكان من اللام ما جزم المضارع في "فَلْيُصَلِّهَا" ، فهو مما جزم بِحَذْفِ حرف العلة آخره ، فتلك قرينة رجحت الأمر ، وهو على الأصل إيجابا : "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، وكان من التقييد بالظرف "إذا" ما أطلق فَعَمَّ فَيَقْضِيهَا إذا خرج وقتها والأصل أن يبادر فلا تبرأ الذمة إلا بذلك طال الزمان أو قصر ، ولا تخلو دلالة "إذا" من معنى الكثرة وهو آكد في تقرير الحكم ، ولا تخلو من حذف إيجاز لو ضُمَّ إليها معنى الشرط على تقدير : إذا ذكرها فليصلها ، فحذف المتأخر إيجازا لدلالة المتقدم المذكور عليه ، وكان من الاستشهاد بالآية ما به يجزم الناظر ، كما تقدم ، أنه شرع لنا ، وإن خوطب به الكليم عليه السلام ، فـ : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فكان من دوائر الخطاب : خطاب الكليم مواجهة ، وخطاب بني إسرائيل خاصة ، وخطاب الأمة الخاتمة عاما ، إما على القول إن شرع من تقدم شرع لنا أو القول إنه قد ثبت في شرعنا فما كان ذكر النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم للآية إلا استشهادا بعد تقرير الحكم في شرعنا ، ودلالة "أل" في الصلاة دلالة بيان للجنس ، فيدخل فيها كل صلاة سواء أكانت صلاة يهود المنسوخة أم صلاة الإسلام المحكمة ، فلو نُظِرَ في خطاب المواجهة فلم يكلف موسى عليه السلام بداهة بصلاة أهل الإسلام ، ولو نُظِرَ في عموم المعنى فدلالة "أل" مئنة من بيان الجنس ومئنة من عموم قد استغرق ، فاستغرق صلاة يهود لما كان شرعهم هو المحكم ، وصلاة أهل الإسلام لما نزل شرعهم ينسخ ما تقدم ويحكم ما استقر من الفرائض ، وثم من دلالة اللام في "لذكري" ما يجري ، من وجه ، مجرى التأقيت على تقدير : على ذكري ، أو مجرى التعليل على تقدير : لأجل ذكري ، وكلا الوجهين جائز إذ لا تعارض فجاز الجمع بينهما بل وحسن ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

والله أعلى وأعلم .