ومن قوله تعالى : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) ، فَثَمَّ من الابتداء باسم الله ، جل وعلا ، وهو عنوان الألوهية الجامع ، وإطلاقه قد استغرق سائر أجناس التأله ، ما بطن من التوحيد وما ظهر من التشريع ، فالأول اعتقاد ، والثاني امتثال ، على وجه يستغرق سائر المحال والأحوال الإرادية ، فهي مناط التكليف بالأقوال والأعمال الاختيارية ، فأطلق الاسم ، اسم "الله" على القول باشتقاقه ، فهو المعبود بحق وحده ، فلا معبود بحق إلا هو ، فذلك منطوق يفيد بدلالة التلازم أن كل معبود مألوه سواه فهو باطل ، فاطرد الحكم وانعكس ، فإذا كان الله ، جل وعلا ، في باب التأله فهو الحق وإذا كان ما دونه فهو الباطل ، وذلك وجه الاشتقاق من الْأَلَهِ وهو التَّنَسُّكُ فهو المألوه الذي يَتَأَلَّهُ لَهُ العاقل البالغ : مَنْ تَوَجَّهَ إليه خطاب الشارع جل وعلا ، فمناط التكليف قد سلم من الآفة الدائمة أو العارضة ، فكان الآلِهُ الذي يَعْبُدُ في مقابل المألوه الذي يُعْبَدُ ، فَتِلْكَ قسمة العقل في الخارج ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا إله وآلِهٌ ، رَبٌّ وَعَبْدٌ ، خالق ومخلوق ، وهو ما يُرَشِّحُ في "أل" في اسم "الله" دلالة العهد الخاص ، فليس ثَمَّ من استحق الاسم إلا واحد ، فهو اسم لا يقبل الشركة ، فليس ثم إلا الإله المعبود والآله العابد سواء أكان يعبد اختيارا فَإِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ التَّكْلِيفُ وإليه أُرْسِلَتِ الرسل ، عليهم السلام ، وَأُنْزِلَتِ الكتب أم كان يَعْبُدُ اضطرارا سواء أكان ذا عقل كجنس الملَك ، فهم عباد توجه إليهم التكليف وهم عابدون أبدا فلا يعصون الله ، جل وعلا ، ما أمرهم ، أم كان بلا عقل فَلَهُ من التسبيح ما يُوَاطِئُ حاله وإن لم يفقه السامع أو الناظر ، فَكُلُّ أولئك تأويل التأله الذي يتوجه إلى الإله المعبود بحق ، فلا إله إلا هو ، فهو الله اسما ومسمى لا يقبل الشركة ، فَثَمَّ عَلَمٌ لا أعرف منه فهو أعرف المعارف كما أُثِرَ عن صاحب "الكتاب" ، فذلك اسم الله جل وعلا : العلم الذي لا يقبل الشركة ، فَرَجَحَ فيه من دلالة العهد الخاص ما رفد معنى التوحيد ، توحيد الإلوهية ، فتوحيد الإله الشارع ، جل وعلا ، فلا حاكم إلا هو فهو الإله بما حَكَمَ ، وهو المصدَّق بِمَا أَخْبَرَ ، فكان من التَّكْلِيفِ ما استغرق الخبر والحكم ، فَيُصَدَّقُ في خَبَرِ الرسالة وَيَمْتَثِلُ المخاطب أَمْرَهَا وَنَهْيَهَا ، فذلك تكليف العبد في الرِّسَالَةِ ، فَقَالَ من قَالَ إن شطر الرسالة الثاني : شطر الشهادة بالرسالة الخاتمة لصاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستوجب تصديقه فِيمَا أَخْبَرَ ، وطاعته فِيمَا أَمَرَ ، واجتناب ما نَهَى عنه وَزَجَرَ ، فاستغرق الخبر والإنشاء ، فالأول يصدق والثاني يمتثل ، فَيُصَدَّقُ الخبر بإثبات ما قد أَثْبَتَ وَنَفْيِ ما قد نَفَى والسكوت عما عنه قد سكت من أخبار الغيب التي لا اجتهاد فيها فلا تَثْبُتُ إلا بالنص ومثله سائر مَوَاضِعِ التَّوْقِيفِ في أحكام التَّشْرِيعِ ، فما سكت عنه الوحي فالواجب فيه السكوت فلا إثبات ولا نفي ، ولا أمر ولا نهي ، إذ الأصل براءة الذمة ، فلا تَشْتَغِلُ إلا بدليل ، فاليقين ألا تكليف إلا بدليل خاص ، فهو مرجح من خارج في مواضع التجويز العقلي ، فَيُثْبِتُ تارة وَيَنْفِي أخرى في باب الأخبار ، ويأمر تارة وَيَنْهَى أخرى ، وَيُبِيحُ تَارَةً وَيَحْظُرُ أخرى في باب الأحكام ، فلا يجزئ تجويز الشيء تجويزا مطلقا في الذهن لا يجزئ في إثبات أو نفي ، في أمر أو نهي ، فلا يكون التكليف بِمَحْضِ التَّجْوِيزِ ، فلا بد من قدر زائد من خارج العقل فلا يجزئ تجويز العقلِ وقوعَ الشيء ، لا يجزئ في إثبات وقوعه بل لا بد من دليل يشغل الذمة فالأصل بَرَاءَتُهَا ، فَيَشْغَلُهَا الدليل إذ يُرَجِّحُ وجها دون آخر ، فإما أن يُثْبِتَ وَيُوجِبَ ، وإما أن يَنْفِيَ وَيَنْهَى فيكون الانتقال عن الأصل الأول الذي اسْتُصْحِبَ وهو البراءة فلا تكليف إلا بدليل ، ولا تشتغل الذمة إلا بشاغل يشغلها ، فلا تشتغل بالاحتمال المجرد فذلك ما يجزئ في رده دعوى أخرى تكافئ فهي تَنْفِي ما ادُّعِيَ من الإثبات فَدَعْوَى في مُقَابِلُ دعوى ، فتقابلا وتكآفئا فَتَسَاقَطَا كما يَقُولُ أهل الشأن ، فالأصل براءة الذمة في باب التكليف إن بالتصديق أو بالامتثال ، فلا يكون التكليف إلا بالنص ، كما قال أهل الشأن في باب الجنايات ، فَثَمَّ مِنَ الجنايات ما قُدِّرَ له حَدٌّ كَالْقَتْلِ والزِّنَى ، وثم منها ما ثبت تحريمه ولم يثبت له حد مقدر فكان ثم من الوعيد في الآخرة ما دل على التحريم ، وهو ما يفتقر إلى التَّوْبَةِ ، فلا يسقط العقاب في الآخرة إلا بحد يُكَفِّرُ أو تَوْبَةٍ تَمْحُو آثارَ الذنب ، فَثَمَّ من الْجُرْمِ ما قد نَصَّ الشارع ، جل وعلا ، على تحريمه ونص على حَدِّهِ مُقَدَّرًا وبه الكفارة تحصل ، وبه الجماعة تحفظ من شر الجاني ، وبه الجاني يستصلح ، فتلك ، كما يقول أهل الشأن ، غايات العقاب في الوحي فإنه لم يَنْزِلْ لِيُنَكِّلَ بالبشر ، بل الأصل فيه الرحمة ، والأصل في الذمة البراءة فلا تشتغل بِتَكْلِيفٍ ولا عقاب إلا أن يَرِدَ الدليل الذي يُثْبِتُ التكليف أو يقارف صاحب الذمة من الجناية ما يَشْغَلُهَا فلا تبرأ إلا بامتثال ما قد كُلِّفَتْ ، ولا تَبْرَأُ إن قارفت جناية إلا بالحد إن كانت مما حُدَّ له في الشرع حَدٌّ مقدر ، أو التعزير إن قارف من الجناية ما ثَبَتَ أنه مُحَرَّمٌ ولم يَثْبُتْ له عقاب مُقَدَّرٌ فكان من اجتهاد الحاكم العدل أن يُقَدِّرَ من العقاب ما يَزْجُرُ الجاني فلا تَعُمُّ بجنايته البلوى ، فقد ثَبَتَ تحريمها ، وذلك ، كما تقدم ، مما لا يثبت إلا بالنص ، سواء أكان خاصا في محرم بعينه أم عاما قد استغرق ، فهو جنس تندرج تحته آحاد ، كما في الإباحة والتحريم في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وقد تبرأ الذمة بعد اشتغالها بالجناية ، قد تَبْرَأُ بالتوبة ، وبها يستصلح المحل وهو الغرض من العقاب فإن حصل بالتوبة أو العفو قَبْلَ رفع الأمر إلى الحاكم فيما يسقط من حق العبد ، فإن حصل الاستصلاح بالتوبة وكان من العفو في مواضع يجزئ فيها العفو إذ حق العبد فيها يرجح كالقتل والقذف عند من يرجح فيه حق العبد ، فإن حصل الاستصلاح بما تَقَدَّم فالذمة قد بَرِئَتْ مما به قد اشتغلت فلا يكون اشتغالها إلا بالنص ، وإلا فالأصل بَرَاءَتُهَا ، فلا تشتغل إلا بالنص ، فهو المرجح من خارج ، فَتَارَةً يرجح الإثبات وأخرى يرجح النفي في باب الأخبار ، وتارة يرجح الإيجاب أو الإباحة وأخرى يرجح التحريم أو الحظر في باب الأحكام ، فهو المرجع الذي يجاوز العقول وما يَعْتَرِيهَا من الأهواء والنفوس وما يَعْتَرِيهَا من الحظوظ ، فيرجح من خارج ، فإذا سكت وجب التوقف فذلك من العفو فلا يُفَتِّشُ المخاطَب فِيمَا لم يُكَلَّفْ به ، فذلك من التَّنَطُّعِ الذي ذمه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ" ، فما سكت عنه فلم يَذْكُرِ ابتداء فهو عَفْوٌ إذ الحاجة قد قَامَتْ زَمَنَ الرسالة فلا حاجة تَرْجُحُ بَيَانَ الشرع المحكَمِ فَبِهِ صلاح الأولى والآخرة ، فلا يجوز تأخير البيان في هذه الحال ، حال الحاجة ، فلما سكت صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو المبيِّن عن ربه ، جل وعلا ، ما قد تحمل من ألفاظ الوحي وأحكامه ، فَلَمَّا سَكَتَ فِي مَوْضِعِ البيان كان السكوت بَيَانًا ، فما سكت عنه فلم يذكر فالتفتيش فيه تَنَطُّعٌ وَتَكَلُّفٌ ، وما ذَكَرَ فأطلق كما في الخبر آنف الذكر ، فالبحث عن القيد زيادةٌ لم يُكَلَّفْ بِهَا المخاطَب وذلك مما قد يستأنس به من يقول إن العمومات تجري على عمومها حتى يَرِدَ الدليل المخصِّصُ ، فلا يَتَكَلَّفُ النَّاظِرُ ابتداء التفتيش في الأدلة وإنما يَمْتَثِلُ ما قَدْ وَرَدَ وَيَعْقِدُ النية أن يَمْتَثِلَ ما قَدْ يَزِيدُ إن جاء به الدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة ، فكل أولئك مِمَّا لا يَثْبُتُ إلا بالنص ، ولا يكون ذلك وحيا يَتَنَزَّلُ من الإله الشارع ، فوحده ، تبارك وتعالى ، من يُنْزِلُ الأخبار وَيَشْرَعُ الأحكام ، فهو الإله الشارع ، وهو المألوه بِحَقٍّ بِمَا قَدْ أَنْزَلَ من الوحي وهو ، لو تدبر الناظر ، مَئِنَّةٌ من العهد الخاص فذلك المنصب الذي لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ ، فما نَازَعَ من الآلهة فهو باطل وَنَقْصُهُ وَجَهْلُهُ على ذلك شاهد وبضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، فَنَقْصُ الآلِهِ العابد من البشر يدل على كمال المألوه بحق ، وهو الله ، جل وعلا ، وإطلاق اسمه قد عَمَّ فاستغرق سَائِرَ الأحوال الاختيارية فهي مناط التكليف ، وَبِهَا يتأله العبد ويقترب ، ولو بالمباح فلا يخلو من قدر زائد به يصير مناط التعبد ، فهو ذريعة إلى واجب أو مندوب فَيُلْحَقُ بهما أمرا جازما أو غير جازم أو أخرى إلى محرم أو مكروه فَيُلْحَقُ بهما نَهْيًا جازم أو غير جازم ، وَيَعْتَقِدُ فاعله ، من وجه آخر ، أنه مباح فذلك ما يحسم مادة الغلو وَالتَّنَطُّعِ فَيُبَاشِرُهُ إقرارا بالمنة وامتثالا للشرعة فلا يجاوز حدها بِالتَّنَطُّعِ والزيادة ، فالأصل ، كما تقدم ، البراءة ، فلا تشغل الذمة بِزِيَادَةٍ إلا إذا وَرَدَ مَا يُوجِبُهَا من خبر الرسالة ، فذلك ما يدخل في اسم "الله" فهو المعبود بحق على حد الانفراد ، وهو الشارع بما أَنْزَلَ من الوحي على حد الانفراد ، كما هو الخالق للسماوات والأرض على حد الانفراد ، فتلك مظان الانفراد وهو ما يُرَشِّحُ في الاسم الأعظم دلالة العهد الخاص ، فلا يطلق الاسم إلا عليه ، فهو أعرف المعارف ، كما تقدم ، فلا شركة فيه إلا شركة الباطل فهي رَدٌّ ، وهو الاسم المطلق الذي استغرق ، فاستغرق سائر أجناس التأله ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، واستغرق سائر نصوص الوحي فهي مناط التأله ، فَأَنْزَلَهَا الله ، جل وعلا ، مناط الصدق والعدل ، سواء أكانت من المتواتر آيا أَمِّنَ الآحاد أخبارا ، فَيَتأَلَّهُ بها العبد تصديقا وامتثالا ، ولا يكون الحمد المطلق إلا لله ، جل وعلا ، كما قد صُدِّرَ به التَّنْزِيلُ ، فـ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فذلك حمد قد استغرق سائر المحامد ، ما بطن منها وما ظهر ، فدلالة "أل" في "الحمد" دلالة بَيَانٍ للجنس واستغراق لآحاده وهو ما يُرَشِّحُ في الدلالة عهدا أخص فذلك حمد لا يليق إلا بالله ، جل وعل ، إذ اسمه الأعظم مئنة من عهد آخر أخص فهو الْعَلَمُ على مسمى واحد في الخارج قد عُهِدَ في الفكرة وَاسْتَقَرَّ في الفطرة فلا تجوز فيه الشركة إذ ليس ثَمَّ واحد يصدق فيه الاسم حقا فهو المعبود بحق ، ليس ثم واحد يصدق فيه إلا الله ، جل وعلا ، فكان من عهد الحمد الأخص ، وهو ما استغرق سائر المحامد باطنا وظاهرا فذلك تكليف العبد الآله المتنسك ، كان منه ما ثَبَتَ لله ، جل وعلا ، فاسمه لا يخلو من عهد آخر أخص وهو المألوه بحق بما شرع من الأحكام فإطلاق الاسم لا يخلو ، كما تقدم ، من عموم قد استغرق سائر نصوص الوحي فجاوز الحكم إلى الخبر ، وكان من الامتثال والتصديق ما به الحمد لله رب العالمين ، فالحمد دعوى والتصديق والامتثال دليل صدقها في الخارج ، ولا يخلو السياق من زيادة معنى ، فَثَمَّ من اللَّام في "لله" في قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ما أفاد الاختصاص والاستحقاق ، فَوَحْدَهُ ، جل وعلا ، من استحق الحمد الخاص ، حمد العموم المستغرق ، وثم من الإطناب ما يجري مجرى التعليل فقد استحق منصب الإله الشارع المألوه بما أَنْزَلَ من الوحي الجامع ، استحق هذا المنصب أَنْ كَانَ رب العالمين ، فهو الخالق الرازق المدبر فَقِيَاُس العقل أن يكون هو الشارع الْمُحْكِمَ الذي يُعْبَدُ بما قد أَنْزَلَ من كلمات الصدق والعدل ، فكان من الربوبية ما قد عم فلا تخلو "أل" في "العالمين" من دلالة العموم ، وهي ربوبية قد جاوزت العقلاء فاسم العالمين قد دل عليهم ، فذكرهم من هذا الوجه خاص يراد به عام يستغرق العقلاء وغيرهم ، فَذُكِرَ العاقلُ كالمثال فلا يخصص العام الذي استغرق كل شيء كما في آي الأنعام : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فلو تَدَبَّرَ الناظر هذه الآية مطلع التنزيل آية : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لَوَجَدَ أَنَّهَا قد استجمعت الدين كله فتوحيد التأله بالحمد الذي استغرق ، وهو ما لا يثبت إلا بالوحي الذي تَنَزَّلَ ، فهو توحيد الإله الشارع أن يَتَأَلَّهَ له الآلِهُ بخبر الصدق ، ومنه الحمد والثناء بالأسماء والصفات إحصاء يجاوز الحفظ إلى تَدَبُّرِ المعاني والتأله لله ، جل وعلا ، بما يليق من معانيها جمالا به الرجاء والرغبة ، وجلالا به الخوف والرهبة ، فذلك توحيد الذات والاسم والوصف ، فيتأله له الآله بخبر الصدق وحكم العدل أمرا ونهيا ، فذلك ما استغرق سائر محال الاختيار وسائر أحواله ، ما خص وما عم ما ثَبَتَ نصا وما قيس عليه ، ما استفاده السامع منطوقا وما استفاده الناظر مفهوما ، وكان من توحيد الربوبية ما استغرق إذ أضيف الاسم في "رَبِّ الْعَالَمِينَ" فلا يخلو من دلالة عموم تستغرق ، من وجه ، سائر الخلق ، وتستغرق ، من آخر ، سائر أجناس الربوبية اختراعا وعناية ، خلقا ورزقا وتدبيرا ، فالآية ، لو تدبر الناظر ، قد استجمعت الدين كله إذ استجمعت قسمة التوحيد في الخارج ، ومثلها ما تَقَدَّمَ من آي الرعد ، فقد ابْتُدِئَتْ باسم الله الشارع الحاكم بِمَا يَتَأَلَّهُ به الآلِهُ من الخبر الصادق والحكم العادل ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) ، فصدرت الآية بالاسم الأعظم الذي استغرق سائر أجناس التأله ، فذلك توحيده بما أَنْزَلَ من الخبر الصادق والحكم العادل ، وبعده كان الإطناب بالوصل الذي أبانت صلته عن وظائف الربوبية : (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ، فكان رفع السماوات ، فذلك من ربوبية الاختراع فهو البدع لا على مثال سابق ، فالرب ، جل وعلا ، هو : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، وكان من الإطناب بالحال "بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا" ما قد زاد في دلالة الإعجاز ، فذلك من إتقان الخلق ، ولا تخلو الصلة من توحيد آخر في الفعل ، وهو رفع السماوات ، فذلك من وصف الفعل وبعده آخر من الاستواء فهو العلو الخاص على أعظم المخلوقات ، وذلك ، أيضا ، من توحيد الوصف وهو قدر زائد على العلو المطلَقِ في آي الكرسي المحكم ، فـ : (هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ، فَثَمَّ من العلو على العرش استواء يَلِيقُ بذاته القدسية ، فلا يحيط بماهيته أحد من البرية ، فوجب توحيده بالأوصاف ما ذكر منها في السياق أوصافَ أفعال من رَفْعِ السماوات والاستواء على العرش وتسخير الشمس والقمر ، وذكرهما في السياق قد اسْتَوْفَى شطري القسمة طباقَ إيجابٍ ، وإن لم يخل من ضرب المثال لعام ، فالأجرام جميعا قد سخرت وَكُلُّهَا يجري لأجل مسمى فخص الاثنان بالذكر إذ هما النَّيِّرَانِ وبهما يَتَعَاقَبُ الليل والنهار وهو ما به صلاح الأبدان والزروع وسائر الشئون بما يكون من انتظام الحال سعيا في النهار وسباتا في الليل ، وبعد التسخير الأخص كان التدبير الأعم : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) ، وهو ما حُدَّ حَدَّ المضارعة استحضارا للصورة ، من وجه ، ولا تخلو من دلالة الانتظام ، فذلك سنن محكم قد استغرق الأمور جميعا ، فلا تخلو دلالة "أل" في "الأمر" من معنى العموم المستغرق ، فذلك تدبير الأمر الكوني وبعده تفصيل الآي الشرعي : (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) ، فاستغرق آيات الأخبار الصادقة وآيات الأحكام العادلة ، ولا يخلوان من عموم يستغرق ، فالأمر إذ يُدَبَّرُ فلا يقتصر على الأمر الكوني بل ثم من تدبير الأمر الشرعي ما به نَزَلَ الوحي أخبارا وأحكاما فيجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من الأمر في اصطلاح الأصول ، فالأمر هنا يعم كل ما قد نَزَلَ من الكتاب والشريعة ، وكذلك تفصيل الآيات فلا تقتصر على آيات التشريع بل ثم من آيات التكوين ما قد فُصِّلَ ، فـ : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) ، فمنها ما في الآفاق ومنها ما في الأبدان ، فلا تخلو "أل" في "الآيات" ، من دلالة العموم الذي رفد جمع القلة ، الجمع المزيد بالألف والتاء "آيات" ، فكان من العموم ما استغرق الآي جميعا ، كونية أو شرعية ، وكان من التدبير والتفصيل ما يدخل ، أيضا ، في وصف الفعل آنف الذكر : رفعا للسماوات واستواء على العرش وتسخيرا للشمس والقمر وتدبيرا للأمر وتفصيلا للآي ، فهي صفات أفعال تُنَاطُ آحادها بالمشيئة فأنواعها قديمة ، ولا يخلو ذكرها في سياق التوحيد ، لا يخلو أن يكون ، أيضا ، خاصا يُرَادُ به العام فهي مثال من عام يستغرق جميع الأوصاف ، الذاتية والفعلية ، المعنوية والخبرية ، فكان بها من توحيد الاسم والوصف ما به الثناء والحمد ، وكان من دلالتها على الربوبية خلقا وتدبيرا ما أسند إلى اسم الله ، جل وعلا ، صدر الآية ، فهو مناط التوحيد ، أيضا ، توحيد التأله ، وقد خُتِمَ بِفَرْدٍ من أَفْرَادِهِ وهو الإيمان بالبعث واللقاء فذلك من توحيد التأله الباطن وهو ركن الإيمان السادس ، فكان ما تقدم من آي التكوين لِتَعْتَبِرُوا أيها النظار : (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) ، فَحُدَّ حَدَّ التعليل على تقدير : لِتُوقِنُوا بلقاء الله ، جل وعلا ، ولا يخلو من دلالة الرجاء إحسانا من الله ، جل وعلا ، بلا حاجة أو افتقار فَيَرْجُو لعباده الخير مع كمال غناه عنهم ، فاستجمع لفظ "لعل" الوجهين بلا تعارض وهو مما يُثْرِي السياق وبه ، كما تقدم مرارا ، يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .
فكان النص على ما تقدم من توحيد الربوبية وتوحيد الوصف ولازمه من الابتداء باسم الله فهو عنوان التأله الأعم ، وكان من آحاده ختامَ الآية : إيمانٌ باليوم الآخر ، فهو كالمثال لعام وهو توحيد التأله بالامتثال والتصديق ومنه التصديق باليوم الآخر .

والله أعلى وأعلم .