حكومة الظلم ليست ، بداهة ، بحكومة عدل تُرْضَى ، فلا يَزَالُ الناس يخالفون عنها فلا تَقْسِمُ بالسوية ولا تعدل في القضية وإنما تداهن من علا ، وتبطش بمن دنا ، فهي تَلْعَنُ الناس بلسان المقال أو الحال ، والناس يلعنونها فهي شر الرعاء ، كما في الخبر ، خبر عائذ بن عمرو رضي الله عنه مرفوعا : "إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ" ، فكان التوكيد بالناسخ صدر الخبر ، وثم استعارة من رعاية الأنعام لرعاية الناس فلا يحسنها كل أحد ، بل ثم من الوصف لين في غير ضعف ، وشدة في غير عسف ، فكان من أفعل التفضيل "شَرَّ" ما زاد في المعنى ، وكان من التوكيد ، أيضا ، ما استفيد من تعريف الجزأين "شر الرعاء" و "الحطمة" ، فاسمية الجملة مئنة من الديمومة والثبوت ، وتعريف الجزأين مئنة من قدر زائد ، فشر الرعاء من يحطم فذلك مئنة من العسف والبطش ، وهو أمر لا يحسن في رعاية شأن عام ، ولو شأن أنعام لا تعقل فإن الراعي لو بطش فالقطيع يَنْفِرُ ويشرد فلا يصلحه إلا الرفق في غير ضعف ، فالضعيف ، في المقابل ، لا يصلح راعيا كما العنيف الباطش ، فالفضل أبدا وسط بين طرفين غَالٍ وَجَافٍ ، فَثَمَّ من جفا وَنَقَصَ فأذهب حشمة الرياسة وهيبتها ، وَثَمَّ من غلا فَبَطَشَ فلم يصلح وإن أقام حقا فلا يريد به الصالح العام ، وإنما وافق ما يهوى من جباية أو بطش بالناس فهو يُرْهِبُهُمْ ، فَيَرْسَخُ ملكُه بالسيف والسوط وإن كان الظاهر أنه يقيم في الناس حكم العدل بل وحكم الشرع ! ، فَيَتَّخِذُ أحكام العدل والشرع ذريعة أن يبطش بالرعية فغرضه ، كما يقول بعض المحققين ، أن يبذلوا له الطاعة والجباية ، فلا يريد بهم رحمة فهو أشد الناس قسوة وغلظة ، فكان من الشر في ولايته ما قد عمت به البلوى ، وكان من لَعْنِهِ الرعية وَلَعْنِهَا له ما به استحق الذم في الخبر : "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، فكان من المقابلة ما استوفى الشطرين ، وكان من تعريف الجزأين في كل شطر ما زاد في المعنى ، فَثَمَّ تعريف للجزأين : "خيار أئمتكم" و "الذين تحبونهم ويحبونكم" فهو قصر يفيد التوكيد والحصر ، وهو ما يجري مجرى الحقيقة ، وثم من الإسناد في الشطر الأول ما حُدَّ حَدَّ الوصل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ" ، فكان من العموم ما استغرق ، وهو ، من وجه آخر ، مما أجمل فيفتقر إلى بيان الصلة ، وهي ما حُدَّ حَدَّ المقابلة فاستوفى الشطرين ، الحاكم والمحكوم فكان من المحبة حقا لا دعاية ما يحكي وصف الخيار من الأئمة ، فهم يحسنون إلى الرعية محبة باعثها الورع ، وهو ما تَرُدُّهُ الرعية بمثله أو أحسن ، فإن النفوس قد جبلت أن تحب من أحسن إليها ، وإحسان الراعي إلى الرعية مئنة من الخيرية التي حُدَّتْ حَدَّ التفضيل صدر الخبر "خيار أئمتكم" ، وهو ، لو تدبر الناظر ، معنى يستغرق كل وال آمن أو كفر ، لا رِضًى بالكافر أو ولايته ، وإنما نظرا في معنى العدل والرحمة ، فتلك معان بها تحفظ الأمم والممالك ، فلا قرار لها إلا بالعدل وإن كفرت ، فيكون من الإحسان والرفق ما به صلاح الأمر في الأولى وهو ما جعله النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم معيارَ الهجرة إلى الحبشة ، فإنها كانت دار حرب ، ولكنها كانت دار عدل ، فكان فيها من عدل الحكومة ما يأمن به الخائف أن يقيم من أمر دينه ما لا يطيق في أرضه ، فلم يخل أمر قريش من مكر كبار فَبَعَثَتْ مَنْ يحرض على أولئك فهم يقدحون في دين النصارى ويقولون في المسيح عليه السلام قولا عظيما ، فما أشد غيرتهم على دين القوم ! ، فقد أوفدوا من يحرض على المهاجرة الأوائل الذين فروا بالدين والبدن ، وهو أمر لا يزال الناظر يرى تأويله في كل عصر فَثَمَّ من يحرض على الفارين من دور الجور والعصيان فَيَفِدُ على بلاد المهجر لِيُخَوِّفَ وَيُحَرِّضَ ، فثم من جمع المهاجرين ما يروم الشر فليس المحرِّض إلا ناصحا يحمل الخير ! .
فكان من إحسان الراعي ولو كافرا ما به سلك جادة النجاشي الأول ، وهي جادة تحمد وإن كفر صاحبها فكفره لا يحول دون مدحه بما أقام من حكومة العدل فلا بقاء لملك إلا بها ، وإلا فزواله سنن رباني لا يتخلف تقدم زمانه أو تأخر فيكون من الظلم مجموع قد تراكم حتى يبلغ الغاية ، فيكون من المكر ما يحمد ، مكر الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فـ : (مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فكان من المشاكلة في اللفظ وأصل المعنى ، معنى المكر ، ما يجري مجرى المقابلة التي استغرقت شطري القسمة ، فمكروا وذلك شطر الذم ، وكان في المقابل مكر العدل فهو شطر الحمد والمدح ، وهو ، كسائر ألفاظ الباب ، باب الإلهيات أوصافَ أفعال ، فيجري مجرى الحدوث بالنظر في الآحاد وإن كان نوعها قديما فهو من وصف الرب ، جل وعلا ، الذي اتصف به أولا ، ثم كان من تأويله آحادا في الخارج تحدث فكلما أحدثوا من المكر ما يذم أحدث ، جل وعلا ، منه ما يحمد فكان من الفرقان ما به الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، إذ بضدها تتمايز الأشياء ، فكان من تأويل العلم الأول المحيط ما قد قضى به الرب القدير المجيد ، تبارك وتعالى ، أن يمكروا مكر السوء ، وكان من تأويله في المقابل أن يمكر بهم إمهال الصبور فقد تقدم في علمه أن هذا الجنس الظالم لا يتوب ، فكان من الإمهال استدراج به اغتر الظالم فظن أن الله ، جل وعلا ، عنه غافل ، فكان من النهي ما به التحذير والإرشاد فضلا عن دلالة التحريم أن يظن العبد بالله ، جل وعلا ، ظن السوء ، فيظنه قد غفل عن الظالم بما مَدَّ له من السلطان ، فكان من النهي إرشادا وتحذيرا ، فـ : (لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ، فَثَمَّ من التوكيد بالنون المثقلة في : "تَحْسَبَنَّ" ، فَثَمَّ تنزيه بالنفي ، نفي الغفلة عن رب العزة ، جل وعلا ، وهو ما لا يحصل به الثناء التام حتى يشفع بإثبات الكمال ، كمال ضده من العلم المحيط فلا يغفل ولا ينام ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فذلك لازم النفي ، نفي العيب تنزيها ، فلا يحصل الثناء التام إلا بالإثبات ، إثبات الكمال لضده ، وذلك أصل آخر في هذا الباب ، باب الإلهيات ، فالأصل فيه الإطناب في الإثبات ، والإجمال في النفي ، والأصل فيه الإثبات فهو المراد لذاته ، وأما النفي فإن أريد لذاته احترازا في مواضع توهم إلا أنه في الجملة مما يراد لغيره من إثبات الكمال لضده من وصف الإثبات الذي أطنب الوحي فيه ، فذلك الأليق في الثناء على الله ، جل وعلا ، فكان من النفي في هذا الموضع ما يجري مجرى الاحتراز من نقص يتوهم فكان النص عليه خاصة ، ولا يحصل الثناء ، كما تقدم ، إلا بإثبات كمال الضد من وصف الكمال المطلق فهو محل الإطناب والتفصيل في هذا الباب ، فكان النهي أن يتوهم الناظر غفلة فذلك ما لا يليق بداهة بمقام رب العزة ، جل وعلا ، وهو ما استوجب بدلالة التلازم إثبات كمال الضد من العلم المحيط ومكر الخير أن يُسْتَدْرَجَ أولئك إذ ظنوا الله ، جل وعلا ، قد غفل عما يقارفون من الجنايات ، وهو ما حد ختام الآية حد العام في قوله تعالى : (عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) فتلك دلالة "ما" الموصولة وهي نص في العموم ، كما تقدم مرارا من تَقْرِيرَاتِ الأصول ، ومناط البيان فيها الصلة وهي ما حُدَّ حَدَّ المضارعة "يعمل" فذلك مئنة من ديمومة واتصال زمان ، وهو ، من وجه ، مما تسجل به الجناية استحضارا لصورتها بالمضارع فهو مئنة من الحال ، فضلا عن آخر فذلك وصفهم الذي اطرد فلم يكن عارضا قد طرأ ، وقد أُسْنِدَ العامل "يَعْمَلُ" إلى الظالمين ، فلا يخلو اسمهم وقد حُدَّ حَدَّ الاشتقاق من مادة الظلم ، فهو اسم فاعل ، لا يخلو من وصف يُنَاطُ به الحكم ، ولا يخلو من عموم بالنظر في دلالة "أل" سواء أحملت على البيان لجنس المدخول مع استغراق آحاده أم حملت على الوصل فأفادت من التعليل ما يزيد ، فسجلت الجناية ظلما فلا يغفل عنه الرب العليم ، جل وعلا ، وذكره في هذا الموضع رعاية للمعنى فقرينة السياق قد شهدت به ، ولا يخلو ، من وجه ، أن يكون من الخاص الذي يراد به عام ، وهو أعمال العباد جميعا من ظلم ومن عدل ، فلا يغفل الله ، جل وعلا ، عنها جميعا بل يحصيها في كتاب الملك الحافظ وهو ما يواطئ كتاب التقدير الأول ، وإنما خص الظالم بالذكر في هذا الموضع لما يكون من سنن الاستدراج الذي قد يتوهم الناظر فيه ، بادي الرأي ، أن الله ، جل وعلا ، قد غفل عنه ، فليس ذلك من الغفلة فقد تَنَزَّهَ عنها رب العزة ، جل وعلا ، وإنما هو على سنن آخر محكم قد جرى ، وهو سنن المكر والاستدراج ، فيكون من الأخذ ما لا يفوت فهو من القدر المحتوم ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ، فكان من سنن الإملاء ما أنيط ، أيضا ، باسم الظالم فلا تخلو "أل" في "الظالم" من دلالة تعليل كما الآية إذ ختم شطرها الأول باسم "الظالمون" : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ، فلا تخلو "أل" من دلالة الوصل فهو مئنة من العموم ، من وجه ، ومئنة من تعليل من آخر ، إذ أنيط الحكم ، حكم الإملاء ، بمعنى الظلم الذي اشتق منه الاسم ، اسم الفاعل "ظالم" ، وكذلك الشأن في الآية : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ، وهو ، لو تدبر الناظر ، جنس عام يستغرق ، فيدخل فيه كل ظالم سواء أكان ظالما لنفسه أم لغيره ، ذا ولاية عامة تعظم بها البلوى أم أخرى دونها ، ظَالِمًا الظلم الأكبر الناقض لأصل الملة أم آخر أصغر فهو ناقض لكمالها الواجب ...... إلخ ، فاستغرق كل ظالم فلكلٍّ حظه من الوعيد بقدر ما قارف من الظلم وذلك قياس العدل والحكمة أن يُعْطَى كُلٌّ ما يستحق إن من المدح حال الخير أو الذم حال الشر ، فكان من النهي ما يجري مجرى التحذير والإرشاد ، وكان من الإطناب بعده ما به زيادة في البيان ولا يخلو أن يكون جوابا عن سؤال يقتضيه السياق ، فما علة النهي ؟ ، فجاء الجواب : دفعا لتوهم النسيان ، فلم ينس الرب ، جل وعلا ، ولم يغفل , فـ : (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ، مع ما يكون من الأخذ المتقدم ، كما في الخبر آنف الذكر : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ، فكان من العقاب الناجز في الأولى ما به شفاء الصدور من غيظها ، وهو ما قد يخفى في أحيان فيكون العقاب الناجز في أعيان الظالمين وأهليهم وأولادهم وأموالهم فذلك عيش الضنك الذي لا تخطئه عين بصير وإن كان الظالم ذا مشهد في الظاهر مهيب ، فلا يزال الله ، جل وعلا ، له يفضح ويهين ، في نفسه وخاصة أهله وولده ، فلا يخلو من عقاب ناجز وعقاب اليوم الآخر أدهى وأمر إذ تشخص الأبصار ، فكان من وصف اليوم بالجملة "تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" ، ما أفاد عهدا خاصا قد عَيَّنَ اليوم فهو يوم الحشر ، فَكَنَّى عنه بمشهد من مشاهده إذ الأبصار تشخص ، ولا تخلو المضارعة فيه من دلالة الاستقبال فلما يأت تأويله بعد ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة استحضار للصورة فذلك آكد في الاعتبار والزجر .
فكان من المكر ، كما تقدم ، ما مَكَرَ الظالم فذلك شطر الذم ، وما مَكَرَ الرب الخالق ، جل وعلا ، فذلك شطر المدح ، فكان من المقابلة ما استغرق الشطرين على حد الجزاء العادل مقابلة من جنس العمل مع قدر فارق في الوصف والماهية فشتان مكر الظالم مكر السوء ، ومكر الخالق ، جل وعلا ، مكر الخير والعدل ، فثم اشتراك ومشاكلة في اللفظ وأصل المعنى إذ يجرده الذهن ، فذلك وجه الاشتراك في هذا الباب ، باب الإلهيات ، إذ لا يخلو من قدر مشترك وهو المعنى المجرد في الذهن فمن نفاه فقد عطل ، وثم آخر به الافتراق ، وهو الحقيقة والماهية في الخارج فمن نفاه فقد شَبَّهَ فثم قدر فارق هو ، لو تدبر الناظر ، فرعا عن الموصوف في الخارج ، فشتان وصف الخالق ، جل وعلا ، الكامل ووصف المخلوق الناقص ، فالكلام عن الصفات فرع على الكلام في الذات ، كما قرر أهل الشأن ، فذلك أصل آخر في هذا الباب الجليل ، وبه الاحتراز من أوصاف قد تُوهِمُ النقص ، بادي الرأي ، كما في وصف المكر محل الشاهد ، فكان من إسناده إلى الله ، جل وعلا ، ما به انتفت الشبهة ، فلا يتوهم الناظر فيه نقصا ، وهو ما حد في هذا الموضع حد العامل الماضي وفي آخر حد المضارع ، فـ : (يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فاستوفى قسمة الزمان فهو من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، فكان من قدم النوع ما يجري مجرى الوصف الذاتي ، وكان من حدوث الآحاد بالمشيئة النافذة والحكمة البالغة فلا يمكر جل وعلا إلا بمن مكر مكر السوء فيكون من وضع الفعل في المحل الذي يلائم إن في الثواب فضلا أو في العقاب عدلا ، كما في هذا الموضع ، فكان من هذا الحدوث ما يجري مجرى الوصف الفعلي الذي يناط بالمشيئة والحكمة ، خلاف الشطر الأول فَكَانَ من مكرهم ما هو شَرٌّ يُذَمُّ ، وفي مقابله مكر الرب ، جل وعلا ، وهو خير كله ، فانتفت الشبهة بتحرير الإسناد ، إسناد الفعل إلى الفاعل ، فلا يستوي مكر المخلوق ومكر الخالق ، جل وعلا ، فكان من المقابلة جَزَاءَ عَدْلٍ يُحْمَدُ ، وبهما استيفاء القسمة العقلية ، ولا يخلو السياق من إطنابٍ نَصَّ على الخيرية في قوله تعالى : (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فهو احتراز آخر ينفي عن الرب الخالق ، جل وعلا ، ما قد يتوهم الناظر من وصف النقص ، فكان النص على حد الاسم المقيد بالإضافة "خير الماكرين" فليس من الأسماء الحسنى فشرطها الإطلاق مع أمن الإيهام أن تُوهِمَ مادتها ، بادي الرأي ، نقصا ، وهو ما لا يكون في وصف المكر وإن كان من تحرير معناه ما به انْتَفَى الوهم ، فالسياق مقابلةً قد أزاله ، فضلا عن النص على الخيرية ، ولم يخرج ، مع ذلك ، أن يوهم ولو بادي الرأي فاحترز في باب الأسماء الحسنى التي يطلق الثناء بها ولا يقيد احترز من هذا الجنس من الأوصاف التي لا يطلق الثناء بها وإنما يجب التقييد تَنْزِيهًا لرب العبيد ، جل وعلا ، من معنى باطل قد يتوهم ، وكان من القصر بتعريف الجزأين في قوله تعالى : (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، ما زاد في المعنى تقريرا وتوكيدا ، فضلا عن إظهار اسم الله ، جل وعلا ، وحقه في اللفظ في هذا السياق الإضمار إذ تقدم ذكره ، في قوله تعالى : (وَمَكَرَ اللَّهُ) فَأُظْهِرَ في موضع الإطناب رعايةً في موضع الثناء بالخيرية وهو ما يَنْفِي وصف النقص ، ولو وهما مرجوحا ، عن رب البرية ، جل وعلا ، فمكرهم لا ينفع وإن بلغ من العظم ما بلغ ، فـ : (قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) ، فكان من التوكيد بالتحقيق إذ دخلت "قد" على العامل الماضي "مكروا" ، كان منه ما به تسجيل الجناية ، وكان من المقابلة ما به إبطال مكرهم ، فهو عند الله ، جل وعلا ، فقدم الظرف "عند الله" مئنة من تقرير وتوكيد زائد فحقه في اللفظ التأخير ، فهو عند الله ، جل وعلا ، بعلمه الأول المحيط فلا يعجزه بداهة ، بل ثم من مكر الخير إمهالا وإملاء ما به استدراجهم وإن عظم مكرهم ، فـ : (إِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) ، فثم جملة مؤكدات قياسية ، توكيدا بالناسخ المخفف ، فضلا عن ضمير الشأن المحذوف فذلك من مواضع حذفه القياسية فلا يخلو من دلالة التنويه فهو مكر شأنه عظيم ، وزد عليه دلالة الكينونة الماضية مئنة من ديمومة في الوصف ، وَثَمَّ لام زِيدَتْ في اللفظ فهي فارقة من وجه : بين إن الناسخة المخففة ونظيرتها الشرطية ، وهي ، من آخر ، لام توكيد قد زيدت في المبنى فأفادت زيادة أخرى تضاهيها في المعنى ، وكان من زوال الجبال ما به المبالغة في تعظيم مكرهم فلا ينجيهم من مكر ربهم ، جل وعلا ، فقد علم ابتداء فمكرهم عنده أولا في علم محيط قد استغرق الجليل والدقيق .
والشاهد أن المكر الرباني يجري تأويله في الملك الجبري وسائر أجناس الملك الظالم فيكون من المظالم ما يتراكم فهو سبب في زوال الملك وإن كان صاحبه مسلما فكيف إن كان فاسقا مارقا قد جمع في ملكه قبح السريرة والسيرة ، فحشفا وسوء كيلة ، في مقابل ما يكون من بقاء ملك الكافر إن كان عادلا فهو يَتَقَرَّبُ إلى الرعية بالإحسان ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم : "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ" ، وإن لم تكن الخيرية خيرية الإيمان الكاملة فهي خيرية العدل في أحكام الدار الناجزة ، دار الدنيا ، فيجازى بما عدل بَقَاءَ مُلْكٍ وَحُسْنَ سِيرَةٍ بها يمدح فيمدحه كل عاقل فضلا عن المؤمن الكامل ، فهو يمدح منه العدل وإن أبغض منه الكفر ، فالجهة قد انفكت فلا تعارض إذ يمدح الإنسان من وجه ويذم من آخر ، ولا يوجب مدحه في عدله كمالَ الولاية له فلا يكون ذلك إلا للمؤمن ، فالمؤمن العادل خير منه ، بداهة ، وإن ندر في الأعصار المتأخرة ! ، فكانت الفتنة بالحكم العادل في الجنس الكافر ، فهو محل مدح ، كما تقدم ، ولكن الناظر في أحيان يجاوز الحد إذ افتتن بهذا العدل فظن أن طريقة صاحبه خير مطلق وليس ذلك مما يطلق الحكم به ، بل يقيد فهو يمدح بما أحسن من حكومة العدل فهي ، كما تقدم ، محل إجماع بين العقلاء كافة ، وهي ما أمر به الرب ، جل وعلا ، في آيه المحكم : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، وأمر به عباده ولو مع كافر يُبْغَضُ ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، و : (إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، فثم من الشرطية في "إذا" ما لا يخلو من دلالة الظرفية من وجه والكثرة من آخر إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فكان الحكم بالعدل بين الناس عامة لا المؤمنين خاصة فدلالة "أل" في "الناس" دلالة العموم المستغرق لآحاد الجنس الذي دخلت عليه ، فالعدل مما يحمد أبدا مع مَنْ وَافَقَ وَمَنْ خالف ، فهو واجب الوقت في كل حكومة ، فصاحب الحق يُقْضَى له بحقه ولو كافرا على مؤمن فذلك تأويل الأمر العام الذي استغرق سائر الناس .
فكان من الشطر الأول في الخبر : "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ" ، كان منه قصر بتعريف الجزأين ، ووصل يجري مجرى التعليل فهو سبب الحكم بالخيرية صدر الخبر فيدور معه وجودا وعدما ، فمناط العلة ما اشتقت منه الصلة ومعطوفها من معنى المحبة التي ثبتت للراعي والرعية جميعا فكان من المقابلة ما استغرق ، ومعنى الصلاة ، وهي ، أيضا ، مما ثبت لهما جميعا فكان من المقابلة ما استغرق ، ولا يخلو الإطناب بها بعد المحبة أن يجري مجرى التلازم ، فعطف الصلاة دعاءً لهم وَثَنَاءً هو لازم من لوازم محبتهم ، فيجري ، أيضا ، مجرى التعليل ، فإن محبتهم سبب في الصلاة عليهم ، وتلك صلاة اللسان دعاء فليست صلاة الشرع بداهة إذ ثَمَّ من قرينة السياق ما رجح رَدَّ الصلاة إلى أصلها الأول في اللسان فهي مئنة من مطلق الدعاء فلا تنصرف إلى الحقيقة الشرعية وإن كان ذلك الأصل في نصوص الشرع ، فكان من القرينة ما ردها إلى الأصل الأول في اللسان فذلك موضع ثناء على خيار الأئمة ، وتلك قرينة تصرفها إلى الدعاء بالخير ، فضلا أنها تقابل في الشطر الثاني وصف اللعن في حق شرار الأئمة ، وهو دعاء بالذم ، فَاسْتُدِلَّ به على الدعاء بالخير في الشطر الأول ، وثم إطناب في الشطر الثاني كما الأول فقد أبان عن شرار الجنس من الحطمة ، وكان من الإطناب ، أيضا ، ما يجري مجرى ما تقدم إسنادا على حد الوصل في : "وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، فضلا عن إناطة الحكم أنهم الشرار بما اشتقت منه الصلة من معنى البغض الذي حُدَّ حَدَّ المقابلة بين الراعي والرعية وثم ، أيضا ، عطف تلازم ، فاللعن لازم البغض ، فهو فرع عليه على حد الإطناب بالحكم بعد العلة ، فكان من اللعن ما قابل الصلاة في الشطر الأول على وجه به السياق قد أُحْكِمَ إذ أُنِيطَ الحكم مدحا أو ذما بالمحكوم الذي يواطئ ، فوصف المدح وحكم الصلاة لمن قام به وصف الخير ، ووصف الذم وحكم اللعن لمن قام به وصف الشر ، ولا يخلو كلا الشطرين ، وهو خبر ، لا يخلو من دلالة إنشاء يطرد وينعكس أَنْ : صَلُّوا على خيار الأئمة ، كما صَلَّى علي على عمر في الأثر المشهور ، والعنوا شرار الأئمة كما هي الحال الغالبة في الأعصار المتأخرة ، فحقهم البغض واللعن ولو إبراء للذمة من ظلمهم وتعطيلهم أحكام الملة وأحكام العدل في السياسة والحرب فلا دينا حفظوا ولا دنيا أصلحوا وَأَبْقَوا .

والله أعلى وأعلم .