دلالة السماء مما تكرر في نصوص الوحي المنزل آيا وخبرا وهي في كِلٍّ مما يحتمل وجها قد دل عليه السياق فهو قرينة تُبِينُ عن مراد المتكلم وإن نطق باللفظ الواحد فدلالته تَتَغَايَرُ تَبَعًا لما احتف به من قرائن وأقواها في البيان : قرينة السياق الذي يرد فيه الكلام ، فَوَرَدَ لفظ السماء في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ" ، فَثَمَّ عموم قد استغرق فتلك دلالة الموصول "مَا" ، وهو ما أجمل ثم كان بيانه في الصلة "سقت السماء" ، فأجمل ثم أبان ، فتهيأ الذهن بالعام المجمل ثم كان البيان بالصلة ، فالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو سقي السماء ، هذا المعنى هو مناط التعليل في إيجاب العشر الذي قدم مُتَعَلَّقُهُ من الظرف "فيه" وحقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد وقد ورد مورد الجملة الاسمية فاقترنت به الفاء إيجابا فهي فاء رابطة بها استصلاح الكلام وهي ، من وجه آخر ، مئنة من الفور والتعقيب وذلك آكد في تقرير الحكم وتوكيده وهو مما يرشح دلالة الإيجاب ، ولا تخلو الفاء من دلالة سببية إذ الجواب فرع على الشرط كما الحكم فرع على العلة ، ولا يخلو السياق وهو خبر ، لا يخلو من دلالة إنشاء مقيد بالعلة فتأويله تأويل الأمر أن : أَدُّوا العشر فيما سقت السماء ، فثم مفهوم يخالف وهو ما كان من سقي بالمؤنة ، فالزكاة فيه أقل إذ العمل أعظم ففيه نصف العشر ، كما أطنب في شطر الخبر الثاني وبه استكمال القسمة في هذا الباب : "وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ وَالدَّالِيَةِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ" ، ولا يخلو ذكر السماء أن يكون من المثال الذي يبين عن عام وهو كل ما لم يسق بمؤنة كما في سياق آخر قد أطنب : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ؛ الْعُشْرُ" ، فيشرب من العيون بلا كلفة أو يمتص بالعروق من ماء الأرض فلا يحتاج سقاء من خارج فذلك البعل ، وكل أولئك من الأمثلة لعام هو مناط الحكم وهو المعنى الجامع لها وهو مالم يكن في سقيه كلفة ولا مؤنة ، ولم يكن فيه جهد إلا يسيرا لا يعتبر كشق قناة يجري فيها الماء شَقًّا يسيرا لا يفتقر إلى آلة شق وأجرة يد .... إلخ .
ولا يخلو ذكر السماء ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى خاص آخر ، وهو ما علا الأرض من السحاب ، فالمطر يتنزل من أعلى ، فمادة السماء مئنة من العلو مطلقا ، فيستغرق كل ما علا الأرض ، فَثَمَّ العلو المطلق ، وهو السماء التي فيها الله ، جل وعلا ، فليست ، بداهة ، السماء المخلوقة ، فإن الله ، جل وعلا ، لا تحيط به جهة مخلوقة ، فتعالى الخالق أن يحيط به مخلوق ، إن في الحس أو في المعنى ، فَتَعَالَى أن يحيط به عقل ، فالعقل لا يحيط دركا بالحقيقة والماهية الإلهية في الخارج إذ لم يَرَهَا ولم يَرَ لها نظيرا يقاس عليه فإن الله ، جل وعلا ، لا نظير له ولا ند ، فكان من أعظم الظلم في النقل والعقل أن اتَّخَذَ من اتَّخَذَ لله ، جل وعلا ، ندا فتلك تسوية بين مختلفين أيما اختلاف بل هي التسوية بين المتناقضين ، فإن قسمة الوجود : خالق ومخلوق ، فلا يحيط المخلوق بالخالق ، فهو لا يحيط بمخلوق مثله فمن ذا يحيط بالسماء التي تعلوه بما فيها من كواكب ونجوم فهي مخلوقة لا يحيط بها المخلوق ، فكيف يحيط بخالقها ، جل وعلا ، فلا يدرك ماهيته في الخارج لِيَتَّخِذَ له ندا فَوَحْدَهُ هو الخالق المعبود فَتَفَرَّدَ بهذا الوصف في الوجود ، فليس ثم إله غيره ، فما كان من إله أو ند قد اتُّخِذَ فهو باطل وذلك الغلو في باب المحبة ، كما قد أبان عنه الخبر في قول رب البشر جل وعلا : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) ، فكان من دلالة "مِنْ" صدر الآية ما يجري مجرى التبعيض ، ولا يخلو من دلالة الابتداء ، وبيان الجنس فمن جنس الناس وهو ما قد عم فاستغرق ، فالشرك مما يستوي فيه أهله فاستغرق كل من أشرك في المحبة فَاتَّخَذَ لله ، جل وعلا ، ندا ، وهو ما يجاوز ، من وجه آخر ، ما نصت عليه الآية من المحبة فَثَمَّ من اتخذ له ، جل وعلا ، ندا في الرهبة والجلال كما الرغبة والجمال ، فَثَمَّ تقييد من وجوه ، فتقدير الكلام : من الناس صنف يتخذ أندادا من دون الله يجبونهم كحبه ، فقدم الظرف "من دون الله" ، فهو حال ، كما قرر أهل الشأن ، فالظرف قد تلا نكرة "أندادا" فأعرب نعتا ، فلما قُدَّمَ انقلب حالا ، فذلك قيد أول ، وثم آخر وهو شرك المحبة : (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ المضارعة وبها استحضار الصورة ، وذلك آكد في تقرير الجناية ، فضلا عن ديمومة الوصف وهو ، أيضا ، آكد في تسجيل الجناية فلم يغادروها ولم يتوبوا بل لم يزالوا عليها قائمين فحالهم الاستمرار وهو ما يناط به الذم حتى يتوبوا فإن تابوا غُفِرَ لهم وَبُدِّلَتْ سيئاتهم حسنات ، وإن أصروا وماتوا على الشرك فقد حرموا المغفرة والرحمة ، فهم في النار خالدون أبدا ، وشرك المحبة ، من وجه ، مما يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فَثَمَّ شرك أعم فَثَمَّ من اتخذ له ، جل وعلا ، ندا في تدبير الكون وتصريف أموره ، كما قال من غلا في الصالحين والأنبياء والأولياء فجعل لهم في حركات الكون شركة ، وهو ما اصطلح في بعض الأدبيات أنه حكومة العالم الباطنة من القطب والنائبين والأبدال على أقاليم العالم السبعة ، والأوتاد ففي كل إقليم أربعة بعدد الجهات فتلك حكومة تُدَبِّرُ الأمر على وجه لا يخلو من شرك في الربوبية والتدبير ، وثم من أشرك فاتخذ له ، جل وعلا ، ندا في الألوهية والتشريع ، فأحدث من الوضع المحدث ما ضاهى به الوحي المنزل فلا يخلو من الغلو ومجاوزة الحد ، إذ العقل قد ناجز الوحي فأبى الانقياد له فلا يَرْضَى بمرجع من خارج يجاوزه ، وذلك ، لو تدبر النظر ، قياس العقل لو نصح ، فإن العقول إذا اختلفت وتناجزت وكان بينها من الخصومة ما استحكم فلا بد لها من مرجع من خارج يجاوزها فهو يحسم ما كان بَيْنَهَا من تَنَازُعٍ ، فليس إلا الوحي النازل ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ولا يخلو الند في هذه الحال من معنى المحبة الذي نصت عليه الآية ، فالغلو في المحبة ذريعة إلى آخر في الديانة إن في الشعائر أو في الشرائع ، فَثَمَّ مَنِ اتَّخَذَ الند المحسوس فهو يعبد الوثن من الحجر والشجر والبشر ، وثم من اتخذ نظيره المعقول فأشرك بالوحي ما قد أُحْدِثَ من الملل والنحل والمذاهب ، فكان من العموم ما استغرق ومنشأ الفساد فيه واحد ، وهو فساد التصور إذ سَوَّى بين أعظم مختلفين ، الخالق والمخلوق ، فَتَعَالَى الخالق ، جل وعلا ، أن يحيط به مخلوق ، سواء أكان ذلك في الذهن ، فالعقل ، كما تقدم ، لا يحيط بالله ، جل وعلا ، فلا يحيط عقل مخلوق بالخالق ، وذلك ما استوجب قيدا آخر في الحكم ، وهو درك الحقائق والماهيات في الخارج ، وأما أصول المعاني في الذهن فهي مما يُدْرَكُ بالعقل ، فهي مادة اللسان المفهِم ، فلا بد من قدر مشترك من المعاني به يكون الإفهام ، فهو جنس من المعاني يجرده الذهن فلا يوجد في الخارج مطلقا فالمعاني لا تقوم بنفسها في الخارج وإنما تقوم بذوات تَتَّصِفُ بها ، فلا بد من قدر يقع فيه الاشتراك ، وإلا بطلت دلالات الألفاظ على المعاني ، فصارت أصواتا مجردة كأصوات الحيوان الأعجم ، فَثَمَّ من المعاني ما يُجَرِّدُ الذهنُ ، وَثَمَّ من الحقائق في الخارج ما فيه يكون التغاير ، فإن الذوات في الخارج تختلف وإن مخلوقة فلكلِّ ذاتٍ من الماهية في الخارج ما استقل فماهيات المخلوقات تَتَبَايَنُ ، فشتان ماهية زيد وماهية عمرو ، وإن اشْتَرَكَا في الجنس الأعم وهو جنس الوجود ، والجنس الأخص وهو جنس الخلق ، فكلاهما مخلوق وهما مع ذلك قد استقلا فلكلٍّ من الحقيقة في الخارج ما يغاير الآخر ، فَثَمَّ تَغَايُرٌ في الذات ، وإن اشتركت في الجنس العام المطلق : جنسِ الذات في الخارج ، وثم تغاير في الصفات التي تقوم بالذوات وإن اشتركت ، أيضا ، في الجنس العام المطلق ، كالعلم والحكمة ..... إلخ ، فمنها ما قد بَلَغَ الكمال المطلق كوصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، ومنها ما هو دونه فلا يخلو من نقص إذ حَدَثَ بعد عَدَمٍ واعتراه ما اعتراه من الآفات والنقائص ثم كان الفناء والموت ، وهو ما قد تَنَزَّهَ ، عنه ، بداهة ، رب السماوات والأرض ، فهو الأول والآخر أزلا وأبدا بكمال مطلق في الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فكذلك الشأن في أصل الصفات وهو الوجود ، فثم اشتراك في أصل الوجود وإن اختلفت الآحاد في الخارج ، فوجود الخالق ، جل وعلا ، أول آخر قد ثبت له الكمال المطلق أزلا وأبدا ، ووجود المخلوق في المقابل حادث بعد أن لم يكن ، وهو فَانٍ بعد وجدانه في الخارج ، وإن بَقِيَ في دار الخلد فبإبقاء الله ، جل وعلا ، له إن في دار النعيم فضلا أو في دار الجحيم عدلا ، فَثَمَّ قدر فارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فلا يحيط المخلوق بالخالق ، إن في الذهن ، فالعقل لا يحيط دركا بالحقيقة والماهية في الخارج إذ لم يَرَهَا ولم يَرَ لها نظيرا يُقَاسُ عليه ولم يكن ثَمَّ خبر صحيح ممن رأى هذه الماهية فلا يَرَاهَا أحد من البرية في الدار الأولى ، وعليه يحمل النفي إذا أطلق فاستغرق في قول الرب المهيمن جل وعلا : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) ، وإن كان ثم رؤية في الدار الآخرة ، فالنفي في هذا السياق ينصرف إلى نفي الإحاطة لا مطلق الإدراك ، فالإدراك ، من هذا الوجه ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فمنه مطلق الإدراك الذي يحصل بالرؤية دون إحاطة فذلك ما انتفى في الدار الأولى ، ومنه الإدراك المطلق الذي يحصل بالإحاطة فذلك ما انْتَفَى في الدار الآخرة وفي الأولى من باب أولى ، فلا يكون في الآخرة إلا مطلق إدراك بِرُؤْيَةِ تَنَعُّمٍ لا تحيط بالله ، جل وعلا ، فكان من المقابلة بين الشطرين في قوله تعالى : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) ، ما استوفى أجزاء القسمة في الخارج ، ولا يخلو من طباق سلب بين "لا تدركه" و "يدرك" ، وطباق إيجاب بين "الأبصار" والضمير "هو" ، فالمخلوق من الأبصار في مقابل ضمير الإله الخالق ، فاستوفى القياس شطري القسمة ، الخالق والمخلوق فتلك قسمة الوجود ، فلا يحل الخالق ، جل وعلا ، في مخلوق بداهة ، وذلك ما يَنْفِي مزاعم الحلول والاتحاد سواء أكان في الذات أم في المعنى ، فَثَمَّ من غلا في المخلوق فقال بحلول الخالق ، جل وعلا ، فيه حلول الذات ، كما غلا المثلثة في المسيح عليه السلام ، وهو ما لم يسلم منه الغلاة من أهل الطريق إن في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو في مشايخ الطريق ، فَثَمَّ في كلامهم ما اصطلح حقيقة محمدية وذلك اصطلاح أهل الإرادة والرياضة ، فَثَمَّ حقيقة أولى هي مثال الإنسان الكامل الذي استجمع الأسماء والصفات ففيه تَتَمَثَّلُ ، وذلك ، من وجه ، مما أجمل ، فلو أراد صاحبه أن هذا الإنسان قد استجمعها من باب التأله والعبادة فأحسن يتمثل أسماء الجمال وصفاته رغبة فهو يرجو ، وأحسن يتمثل أسماء الجلال وصفاته رهبة فهو يخشى ، فذلك معنى يصح بل هو من كمال الإحصاء في باب الأسماء والصفات ، فلا يكون إحصاء الأسماء الحسنى بالحفظ المجرد بل ذلك مما يجاوز فَثَمَّ تَدَبُّرُ المعاني وَتَفَقُّهُ دلالاتها وامتثالها باطنا وظاهرا في أعمال الباطن من الرجاء والخوف والمحبة ..... إلخ ، وأعمال الظاهر من التعبد والتنسك بأعمال الشعائر وأحكام الشرائع على وجه قد استغرق الخاص والعام ، السلم والحرب ، المال والتجارة ، الزهد والرياضة ...... إلخ ، فكان من الإحصاء ما يضاهي ، لو تدبر الناظر ، فحوى الرسالة تصديقا وامتثالا على وجه به تحصل الغاية العظمى من خلق الكائنات العاقلة المكلفة ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فالعبادة جنس عام يستغرق ما بطن وما ظهر ، فيكون من استجماع هذه الحقائق ، وهو محل الشاهد ، ما به الإنسان الكامل حقيقة شرعية لا أخرى محدثة قد غلا أصحابها ما غلوا ، فالإنسان الكامل ، لو تدبر الناظر ، هو العبد الكامل الذي أحسن يتأله للرب الخالق ، جل وعلا ، بما أخبر به من أسماء وصفات ، جمالا وجلالا بهما الكمال المطلق ، وبما حكم به من الأمر والنهي ، ما خص وما عم ، فكان من الإيمان بالرسالة وهي معدن الأخبار والأحكام ، كان منه التصديق في باب الأخبار والامتثال في باب الأحكام ، وبهما ينال العبد رتبة الإنسان الكامل الذي فَقِهَ الغاية من الخلق فسلك جادة الوحي ، وهي جادة العدل الذي يُوَاطِئُ النقل والعقل فكان الفرقان بداهة بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فذلك القيد الذي به يُحْتَرَزُ من أيِّ غلو في هذا الباب ، فمنشأ الفساد فيه الغلو في المخلوق فلا يخلو من جفاء يُنَاظِرُ في حق الرب الخالق ، جل وعلا ، فغلا من غلا وقاس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق ، فالمقاييس الباطلة ، كما يقول بعض المحققين ، ذريعة رئيسة من ذرائع الشرك ، وهي ، من وجه آخر ، ذريعة إلى الغلو في مقال الحلول والاتحاد ، فقد غلا من غلا في الإنسان ، فكان الإنسان الكامل هو ما استجمع الأسماء والصفات إذ حلت فيه أو اتحدت به ، فصار هو الحقيقة العظمى التي انسلخ منها الكون ! ، كما قال من قال في الحقيقة المحمدية فهي تجاوز الحقيقة البشرية المعهودة وإن اختصت بالوحي وجملة من خصائص الجبلة فلها مزيد قوة فلم تخرج مع ذلك عن حد الحقيقة الطينية المخلوقة ، فَثَمَّ من غلا فأثبت أخرى نورانية قديمة ومنها انسلخ الكون ، ولازم هذا القول أنها كالعلة الأولى في مذهب الفلاسفة فعنها صدر الكون صدور المعلول عن العلة ، فصارت هي أصل الخلق كله وفي ذلك من الغلو ما يقدح في أصل الرسالات جميعا : أصل التوحيد إذ لم يحسن صاحبه بدائه العلم الضروري فيثبت القدر الفارق بين الخالق القديم والمخلوق الحادث ، وذلك ما وعاه شيخ جليل من الأوائل فأبان عن حد للتوحيد يلطف فهو ينفي هذا الغلو المفرط فَحَدَّ التوحيد أنه إفراد القدم من الحدوث فإفراد الخالق الأول القديم ، جل وعلا ، من المخلوق الحادث ، وهو ، لو تدبر الناظر ، يجاوز ما قد يتبادر من إفراد القدم من الحدوث في الذات والصفات ، فَثَمَّ إفراد الوحي المنزل من الوضع المحدث في الألوهية ، وإفراد فعل الربوبية خلقا من فعل العبد المخلوق ، فمن لم يفرد القدم من الحدوث فلازم قوله أن يحل الخالق في المخلوق ، وأن يكون المخلوق هو أصل الكون فضلا عما قال أولئك من قول بالتناسخ ، فتلك الحقيقة المحمدية الأولى التي انسلخ منها الكون فَحَلَّ فيها من الاسم والوصف الإلهي ما قد صارت به مبدأ الوجود ، فتلك الحقيقة قد انتقلت إلى مشايخ الطريق ، فهي من جيل إلى آخر ، فكان من الحلول والاتحاد ما يلزم إذ قد حلت الحقيقة الكاملة التي استجمعت الأسماء والصفات ، قد حلت في ذوات أرضية هي ذوات الشيوخ وانتقلت من واحد إلى آخر ، فكل أولئك من شؤم الغلو في أي حقيقة أرضية يزعم من يزعم حلول الحقيقة الإلهية فيها ، سواء أكان ذلك حلول الحس ، كما تقدم ، أم حلول المعنى كقول من قال إن فلان من الرهبان أو الأحبار أو الشيوخ ينطق بالحق المطلق ، فكلامه وحي وعلى لسانه يكون الأمر والنهي المحكم وإن خالف عن الكتاب المنزل فهو ينسخه بما له من سلطان به يجاوز الوحي فما عَقَدَ في الأرض فلا يُحَلُّ في السماء ، وما نُسِخَ في الأرض فلا يُحْكَمُ في السماء ، فذلك جنس آخر من الحلول والاتحاد ، قد غلا فيه من غلا ، فضاهى قول من قال بالإنسان الكامل الذي استجمع الأسماء والصفات الإلهية حلولا أو اتحادا ، إن في الحس أو في المعنى ، إن الحلول والاتحاد المؤبد أو نظيره المؤقت ، فذلك الإنسان الكامل في هذا القول الباطل لا من استجمع الأسماء والصفات تَنَسُّكًا يواطئ قياس العقل الصريح أن أبان الخالق ، جل وعلا ، عن المخلوق ، فالخالق في السماء لا المخلوقة فلا يحل في مخلوق فذلك ، أيضا ، من ذرائع الاتحاد والحلول ، فكان من دلالة "أل" في "السماء" دلالة الإطلاق ، فكل ما علا ، كما تقدم ، فهو سماء ، ولا تخلو من دلالة عهد أخص فهي ما علا العلو المطلق فَعَلَا جنسَ المخلوقات جميعا فسقفه العرش ، فهو أعظم المخلوقات ماهية وأعلاها وصفا ، وهو سماء لكل ما تحته من الكون من السماوات إلى الأرض ، فليس وراءه إلا سماء أخرى هي العلو المطلق الذي لا حد له يطيقه مخلوق فلا يدركه إلا الرب المعبود ، جل وعلا ، فليس ثم وراءه إلا علو الخالق ، جل وعلا ، إن علو الذات والوصف ، أو علو الفعل كما قد استوى على العرش إذا شاء فذلك علو أخص من العلو العام قد أنيط بالمشيئة النافذة كسائر صفات الأفعال الحادثةِ بالنظر في آحادها القديمةِ بالنظر في أنواعها ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل جامع في باب الصفات الفعلية فجميعها قديم النوع حادث الآحاد ، فكان من الفرقان بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، ما به الفرقان في الوصف ومنه العلو ، فعلو الله ، جل وعلا ، في سماء مطلقة فليست المخلوقة المشاهدة ولا ما وراءها من العلو المخلوق حتى العرش سقف الخلق فهي تجاوزه فلا يحيط بها مخلوق كما لا يحيط بذات من اتصف بها وهو الخالق ، جل وعلا ، فهو العلي العلو المطلق بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم على وجه قد انْتَفَى به الند آنف الذكر في آي البقرة : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) .
فتلك دلالة السماء في قوله تعالى : (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) ، و : (هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ) ، فهو في السماء المطلقة بائنا من خلقه عاليا قد استوى على عرشه فلا يحل في مخلوق ولا يحل فيه مخلوق ، فكان من إفراد القدم من الحدوث ما تقدم من حد التوحيد في كلام بعض الشيوخ على وجه به القدر الفارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فتلك دلالة السماء علوا مطلقا فلا تخلو "أل" فيها أن تكون مئنة من عموم قد استغراق وجوه العلو والسمو ، وهو ما رشح أخرى عهدا خاصا فهو العلو المطلق الذي لا يشرك أحدٌ فيه الرَّبَّ الخالق المهيمن ، جل وعلا ، وقد تحمل "أل" في هذا السياق على عهد آخر يدل على السماء المخلوقة ، ولا يلزم من ذلك حلول ولا اتحاد بالنظر في الصلة "في السماء إله" ، فإن إجمال الموصول قد أبانت عنه الصلة ، ومناط البيان فيها معنى الألوهية الذي اشتق منه لفظ "إله" ، فهو في السماء إله يعبد فهو المألوه فيها فيعبده أهلها ، فهو فيها بِوَصْفِ الإله لا بحقيقة الذات ، وذلك ما قد عم شطري القسمة سماء وأرضا في قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ، فكان من التكرار ما استغرق على حد المقابلة ولا تخلو من طباق إيجاب قد استغرق ظرفي الكون : سماء وأرضا ، فيعبده من في السماوات ، والأصل في عبوديتهم الاضطرار فهي عبودية الملَك الذي لا يعصي الله ، جل وعلا ، ما أمر ، ويفعل ما يؤمر ، فهو يحمد ويسبح ولا يسأم ولا يستحسر ، ويعبده ، في المقابل ، من في الأرض والأصل في عبوديتهم الاختيار بما رُكِزَ فيهم من قوة العقل الذي يدرك ويختار فَيُهْدَى نَجْدَ الخيرِ فَضْلًا أو نظيره من الشر عدلا ، فهو يسلك أحدهما مختارا فلا إكراه ولا جبر ، وهو ، من وجه آخر ، لا يخرج بما اختار عن مشيئة رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فالجهة قد انفكت فالعبد فاعل والرب ، جل وعلا ، خالق ، فهو الإله المعبود في السماء وهو الإله المعبود في الأرض ، فتكرار لفظ "إله" يجري مجرى التقرير والتوكيد فالإله في الشطر الأول هو الإله في الشطر الثاني إذ وقعا جميعا في صلة موصول واحد ، فالإله واحد في الكون كله ، سمائه وأرضه ، فهو المعبود في السماء وهو المعبود في الأرض ، اضطرارا كعبودية الملَك وعبودية ما لم يكلف من أجناس الحيوان بل ومن أجناس الشجر والحجر وسائر ما قد خُلِقَ فالجميع يدخل في عموم قوله تعالى : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، فهو المعبود اضطرارا ، وهو المعبود اختيارا كما يكون من أهل التكليف من الجن والإنس ، فالغاية من خلقهم تحقيق العبودية وهي تأويل الألوهية : ألوهية الانقياد والاستسلام ، وهي ألوهية التصديق والامتثال الذي يعم الوحي كله ، فالأخبار تُصَدَّقُ إن إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، والأحكام تُمْتَثَلُ إن أمرا أو نهيا ، فكان من إفراده ، جل وعلا ، بالألوهية ، ما دل عليه القصر صدر الآية ، فكان القصر بتعريف الجزأين : الضمير "هو" والموصول "الذين" ، في شطر الآية الأول : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ، وكان القصر ، أيضا ، ختام الآية ، فـ : (هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) ، بتعريف الجزأين : الضمير "هو" والاسم "الحكيم" ، وذلك ما رشح في دلالة "أل" في "الحكيم" و "العليم" دلالة العهد الخاص الذي تمتنع فيه الشركة فهما من الأسماء الحسنى ، فضلا عن دلالة عموم يستغرق وجوه المعنى فذلك ما رشح العهد الخاص إذ لا يكون الثناء المطلق بهما وبجميع الصفات العلى إلا على الرب ، جل وعلا ، فوحده من انفرد بالكمال المطلق أزلا فهو الأول وأبدا فهو الآخر ، إن كمال الذات أو الاسم أو الوصف أو الفعل أو الحكم ، ولا يخلو الاسمان من دلالة ثَنَاءٍ يزيد إذ حُدَّا جميعا حد "فعيل" من "فاعل" ، فهو الحكيم من محكِم وهو العليم من عالم ، ولا يخلوان ، أيضا ، من دلالة تَرْفِدُ ما تَقَدَّمَ من دلالة "أل" في "السماء" و "الأرض" فهما المخلوقتان ، إذ هو ، جل وعلا ، فيهما بالعلم والحكمة ، كما هو فيهما بالألوهية والتشريع ، فهو فيهما بصفاته وأفعاله وأحكامه لا بذاته ، فقد تَنَزَّهَ أن يحل في مخلوق ، فهو في السماء مطلقةً إذ هي العلو الذي اتصف به ، وهو في السماء مقيدةً إذ يَنْفُذُ فيها حكمه وَتَثْبُتُ فيها ألوهيته ويكون تدبير الأمر فيها بعلمه وحكمته ، فالسياق قد احتمل كلا الوجهين ، وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فثم لفظ واحد هو لفظ "السماء" ، فإما أن يحمل على المخلوقة فهو فيها بالألوهية والعلم والحكمة وسائر الصفات والأفعال فَذِكْرُ ما تَقَدَّمَ منها في الآية يجري ، من هذا الوجه ، مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فهو فيها بالقدرة والسمع والبصر ...... إلخ ، وإما أن يحمل على المطلقة التي تدل على العلو المطلق وصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، فتلك سماء في مقابل أخرى مخلوقة ، سواء أكانت المرئية المنظورة أم بقية السماوات من الأولى إلى السابعة وما علاها من العرش ، وسواء أكانت "أل" فيها مئنة من بيان الجنس واستغراق آحاده ، كما في قوله تعالى : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، أم مئنة من عهد خاص كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ" ، فدلالة "أل" مئنة من عهد خاص وهو السحاب ، فأطلق الظرف وهو السماء التي تعلونا وأراد المظروف وهو ما يحل فيها من السحاب الذي يحمل المطر ، فيجري ذلك مجرى المجاز عند من يجوزه في اللسان والوحي ، وثم من حمل "أل" على مطلق المعنى فكل ما علاك فهو سماء ولو سقف الدار فمنه السحاب فقد علا ولو علوا مقيدا فيصدق فيه أنه سماء فلا مجاز وإنما يحمل الكلام على الحقيقة ، ومثله ما يقال في البيت المشهور :
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءَ بأَرْضِ قَوْمٍ ******* رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا .
فأطلق الظرف وأراد ما يَنْزِلُ من المظروف وهو السحاب فما يَنْزِلُ منه فهو الماء ، فيرعاه إذ يَرْعَى النبت الذي يُخْرِجُهُ ، فأطلق السبب وأراد المسبَّب الناتج منه ، فدلالة "أل" من هذا الوجه مئنة من عهد أخص ، وهو الماء الذي ينزل من السحاب الذي يحل في السماء فانتقل الذهن من السماء وهي الظرف الأول إلى السحاب وهو الظرف الثاني إلى الماء وهو المظروف في كلا الظرفين فهو ابتداء مظروف في السحاب وهو بعده مظروف في ظرف أعلى وهي السماء التي تعلونا ومنها يَتَنَزَّلُ الماء غَيْثًا ورحمة .

والله أعلى وأعلم .