من قضاء السنة المشهور فيمن سرق ما لم يبلغ نصابا أن عليه : غرامة مثليه وجلدات نكال ، فعوقب بالضعف ، وهو ، من وجه ، يضاهي ما اصطلح أنه العقاب بنقيض المقصود ، وذلك أمر لا يخلو من قيد آخر ، وهو ما يطرأ من الموانع شبهات بها يدرء الحد ، فإن تغريم الجائع إذا سرق رغيفا وثم من قد سرق قُوتَهُ كله ! ، فإن تغريمه ثمن الرغيف وَضِعْفَهُ وَتَرْكَ من احتكر قوته يَنْعَمُ بما سرق ، فضلا أن تكون له الحظوة بما له من جاه ورياسة ، فيصدق فيه ما يصدق في الشريف من السابقين إذا سرق كما في الخبر : "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فذلك ما يجري مجرى القصر بأضعف الأساليب "إنما" فكأنه أمر بدهي لا يفتقر إلى مزيد بيان ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى المبالغة ، فإن أسباب الهلاك لا تقتصر على المذكور في الخبر ، وإنما كان من الأسباب في مواضع أخرى ، كما في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" ، فثم من الأمر "اتَّقُوا" ما أُطْلِقَ ، فهو يستغرق ، كما تقدم مرارا ، ما بطن وما ظهر ، وإن كانت التقوى ابتداء في الجنان كما قد أشار صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى صدره ، فذلك ، من وجه ، يجري مجرى البيان بالإشارة ، وهو من وجوه البيان ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فإن البيان يكون بالقول تارة والفعل أخرى والسكوت ثالثة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يستغرق السنة ، ويستغرق الإجماع ، فَثَمَّ من الإجماع ما هو تصريح وهو أعلاها ، وَثَمَّ من الإجماع ما هو سكوت وهو دون الأول على خلاف في حجيته .
فالفعل منه فِعْلُ التَّرْكِ ، ومنه فعل الإشارة ، كما في إشارته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الموضع ، وكما في إشارته في خبر الشهر ، فهو تسعة وعشرون يوما ، فأشار بيده بسطا وقبضا ، فكان من الإشارة إلى الصدر فِي خبر التَّقْوَى : "التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" ، كان منها مَا أَبَانَ عن موضع من مواضع الفعل ، وهو الباطن ، فالتقوى منها الباطن ومنها الظاهر ، فإشارة البنان إلى الجنان تجري ، من وجه ، مجرى المثال لعام فإن الإشارة إلى الصدر لا تقصر جنس التقوى على الجنان ، وإنما ثم تقوى الظاهر قولا وعملا ، فعلا وتركا ، وقد يقال إن تخصيص الجنان بالإشارة أنه الأصل والمنشأ ، فهو معدن التقوى إذ أصل أي حركة في الباطن حبا أو بغضا ، رجاء أو خوفا .... إلخ ، أصلها علم أول به التصديق الجازم الذي يضاهي الإقرار والانقياد والاستسلام وكلها معان تجاوز العرفان المجرد ، فَثَمَّ صورة علم أولى يستوي فيها المؤمن والكافر فكل محل يعقل فهو لها يدرك ، فلا يحصل بذلك إيمان ينفع ، بل ولا يحصل تصديق فَهُوَ ، لو تدبر الناظر ، قدر زائد يستوجب القبول والرضى فبه يمتاز من عرف فَأَحَبَّ ، ومن عرف فَكَرِهَ فلا يستويان مثلا بل يتناقضان ، فلا يستوي من آمن فأحب وَقَبِلَ ومن كفر فأبغض وَرَدَّ ، فكلاهما عارف ، والاختلاف بينهما حاصل ، بل ثم ما يجري مجرى التناقض ، فالخلق على مؤمن وكافر ، وليس ثم شطر ثالث ، كما في قول الرب الخالق جل وعلا : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ، فإن الخلق على صنفين فلا ثالث ، وإن كان ثَمَّ مِنِ اجتماع أصل كل جنس وشعب من الآخر ، فلا يُخْرِجُ ذلك أحدَهما عن جنسه الأعم ، فإن جنس الإيمان الأعم وهو ما يجزئ في حصول مطلق المعنى مع انتفاء ما ينقضه فهو كالمانع الذي يجب انتفاؤه ليعمل السبب عمله ، فالسبب ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، لا بد من له شرط يُسْتَوْفَى ومانع يَنْتَفِي ، فإن هذا الجنس الإيماني يثبت أصله في الجنان وما يجزئ من القول والعمل في حصول مطلق المعنى ، وضده ما يقال في جنس الكفران ، فَلَهُ أصل وهو التكذيب والجحود قد يثبت ويثبت معه من خصال الخير وشعبه ما لا يمتنع في حق كافر فكم من كافر وهو عفيفٌ لا يفحش كريمٌ لا يبخل ...... إلخ من معاني الخير التي تحمد ، فيمدح بها ويثاب عَاجِلَ مدحٍ وَثَنَاءٍ في الأولى وسعة في الرزق وبسطة في الجسم .... إلخ فلا يظلم الله ، جل وعلا ، من أحسن ، وإن كافرا ، فَيُوَفَّى حسابه في الأولى وما له في الآخرة من خلاق إذ قد فاته أصل الإيمان الذي يصحح أعماله ، فمن حصل في قلبه أصل الكفران أو حصل فيه من شعب الكفران الأكبر ما ينقض الأصل الأول فلا يمتنع في حقه حصول شعب من الإيمان كالكرم والعفة ...... إلخ ، لا الأصل فهو مما يمتنع حصوله بداهة في قلب الكافر ، فلا يجتمع في القلب أصلان : أصل إيمان وأصل كفران ، ولا يجتمع في الجنان أصل إيمان مع شعبة من النواقض سواء أكانت في الباطن أم في الظاهر ، في القول أم في العمل ، وقد يجامعه ، في المقابل ، شعبة من شعب الكفران لا تَنْقُضُ هذا الأصل ، فقد يجامعه من شعب الكفر الأصغر في الباطن أو في الظاهر ما لا يقدح في أصل الحقيقة الإيمانية المطلقة ، خلافا إذا ما كان شعبة الكفران شعبة كفران أكبر تنقض أصل الإيمان الأول فلا تسلم منها الحقيقة الإيمانية فقد انتقضت وإن لم يكن الناقض أصل الكفر ، فهو واحد من جنس النواقض لا أنه الناقض الأوحد كما قال من قال من أهل الإرجاء إذ قصروا الباب على ناقض الباطن فلا كفران عندهم إلا ما كان اعتقادا ، وذلك ما يَفْتَحُ الذرائع إلى الردة والزندقة فيطعن من يطعن في الدين فإذا حُوقِقَ وَطُولِبَ بالحدِّ استتابةً وإلا قتلا ، فهو يشهد الشهادة بلسانه ليسلم من تَبِعَةِ ما يَقُولُ وَيَفْعَلُ من أعمال الكفر الأكبر والبلوى تَعْظُمُ إن كان مما يطعن في الدين فهو يتكلف الشبهات ويصرح بالفحش والسباب والطعن في أخبار الوحي وأحكامه ، ثم يشهد أنه على دينه ! ، فَيَغُلُّ يَدَ السلطان أن يزجره فهو مسلم معصوم الدم بهذا القول وإن قارف ما قارف من نواقضه ، فكان من حقها ما يوجب العقاب ، كما في الخبر أن : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" ، فَثَمَّ من حقها ما يوجب القتل ردة ، أو القتال على قاعدة ردة ، أو آخر على قاعدة بغي إن منع بَعْضَهَا متأولا كما الخلاف المشهور في قوم مَنَعُوا الزكاة ، فلا تخلو حالهم أن يكون المنع جحدا لها فهم يُقَاتَلُونَ قِتَالَ الردة ، أو تأولا كما قد تأول من تأول ممن منع الزكاة لا جحدا لها ولا بخلا ، وإنما تأول وضعها في قومه فأبى أن يعطيها الخليفة كما قد أعطاها صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فما رام وضعها في قومه ما رام من إعلان العصيان والخروج على السلطان بلا سبب يوجب ، بل قد كان واحدا من جامعي الزكاة زمن الرسالة فَبُعِثَ يَجْمَعُ زكاة قوم وجاء بها لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأقام الحجة على نفسه من فعله ، فكان من منعه ما يجري مجرى البغي الذي يقاتل أهله حتى يرجعوا ، وإن تأول الصديق ، رضي الله عنه ، أنهم من الجنس المرتد ، فكان الخلاف ابتداء كيف يقاتلون وهم يشهدون ، فكان احتجاج الصديق بحقها ، فالزكاة من حقها ، فَقِيسَتْ على الصلاة بجامع الأمر الذي استغرق في قول الرب المهيمن جل وعلا : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وذلك مما تواتر في مواضع ، فَبَيْنَهُمَا من الاقتران ما يبلغ حد العلم الضروري لكل أحد فهما الركنان الثاني والثالث من أركان الدين الخاتم ، فقد ردهم الصديق إلى أصل محل إجماع وهو الصلاة ، وهو مما يُضْرَبُ في كتب الأصول مثالا لإجماع انعقد ومستنده القياس عند من يجوز استناد الإجماع إلى قياس على أصل منصوص ، وفيه خلاف مشهور ، وله يضرب المثل ، أيضا ، بقياس شحم الخنزير على لحمه ، فثم إجماع على حرمة الأول استندادا إلى قياسه على الثاني ، وثم من أدخله ابتداء في دلالة اللفظ فإذا أطلق اللحم فهو يعم ما قد خالطه من الشحم والعصب ..... إلخ ، فدلالته حال أفرد أوسع من دلالته حال عطف على غيره ، فاللحم إذا أطلق استغرق غيره ، وإذا عطف على غيره فلكلٍّ مدلوله في الخارج وهو للثاني يغاير ، فيغاير اللحم عن الشحم بداهة .
والشاهد أن الصديقَ ، رضي الله عنه ، قد رَدَّ الزكاة وهي محل الاختلاف أولا إلى الصلاة وهي محل إجماع ، فكان ثم من إجماع الناس على قوله ما رفع الخلاف قبله على قول من يقول إن الإجماع بعد الخلاف يرفعه ، فارتفع الخلاف بإجماع الناس على القتال ، وثم من زاد في مستند الإجماع فقد جاءت رواية ابن عمر ، رضي الله عنهما ، وفيها النص على الزكاة محل الخلاف ، جاءت هذه الرواية تُوَاطِئُ ما قال الصديق فكان فيها النص على الزكاة وهي ما قاسه الصديق على الصلاة ، فارتقى مستند الإجماع من القياس على منصوص إلى منصوص مُعَيَّنٍ ، فمستند الإجماع إذ جاء ابن عمر بزيادة تُقْبَلُ فهي ، بداهة ، زيادة ثقة ، فمن حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن زاد علما فهو ناقل عن الأصل ، فيصار إلى قوله بما زاد من خبره ، فارتقى الإجماع من واحد مستنده القياس وهو محل خلاف إلى آخر مستنده الخبر وهو محل إجماع ، فكان الإجماع الصحيح الذي انعقد على القتال مطلقا ، فَرُفِعَ الخلاف الذي تقدمه ، على خلاف آخر مشهور بين أهل الأصول ، فكان الإجماع على مطلق القتال ، وإنما الخلاف أهو قتال ردة أم قتال بغي ، فَرَجَّحَ مَنْ رَجَّحَ أنه قتال بغي وإنما دخلوا في اسم الردة أن كانت هي الوصف الغالب ، فإطلاقها من هذا الوجه لا يستغرق جميع الأجناس المقاتَلَةَ ، وإنما خرجت مخرج التغليب ، فكان من التفصيل ما أبان عنه أهل الشأن .

فمن منع الزكاة جحدا فهو كافر قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة قد علم بِجُمَلٍ متواترة من الأدلة : الكتاب والسنة والإجماع ، وأما من منعها بخلا فقتاله قتال البغي فيدخل من هذا الوجه في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ مَنَعَهَا، فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ" ، فَيُعَزَّرُ من منعها أن يؤخذ شطر ماله فهو يشبه ما تَقَدَّمَ من عقاب من سرق ما دون النصاب ما لم يكن ثم من المانع ما يحول دون العقاب كمجاعة أو ظَفَرٍ بحق قد منعه سلطان جائر قد احتكر الأقوات وصادر الأموال وبخل بالحقوق الواجبة واغتصب الأموال بالمكوس الجائرة ..... إلخ ، فلا يقال إن الفقير الذي لا يجد ما يكفيه الحاجة أو المسكين الذي لا يجد إلا بعضها ، لا يقال نَقْلًا ولا عَقْلًا إنه يُغَرَّمُ ضعف ما يظفر به من حقه من مال الله ، جل وعلا ، الذي غصبه السلطان وَكَنَزَهُ ، فلا يُنْفِقُ إلا قترا ، وهو ، مع ذلك ، يمتن بما يعطي ، ولو شطر حق لا يؤبه ، فيمتن على الناس بما يَمْنَحُ من مالهم ! ، فليس إلا أمينا عليه لو فَقِهَ ، فيحتمل الناس من مِنَّتِهِ ما لا يلزم ، فلو أعطاهم حقهم كله وما غصب منه فلسا فلا منة له عليهم فهم فوقه في الحق فما استنابه الشرع إلا نيابة تكليف أن يقيم الدين ويسوس الدنيا به ، ومن آكد ما يساس به الناس سياسة الرسالة أن يعطوا حقوقهم بالعدل فذلك حكم الديانة ، فكيف وقد اغتصب أكثره وأعطى أقله وهو مع ذلك يطلب الثناء والمدح والخضوع والطاعة وكأنه ينفق من مال أبيه على رقيقه فما وجه من يقول إن من ظفر بحقه من هذا السلطان الجائر آثم ؟! ، فلا يأثم من أخذ ما يكفيه وأهله الذين تجب نفقتهم عليه أخذا بالمعروف قياسا على هند ، رضي الله عنها ، في الخبر المشهور : "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" ، وذلك قول الجمهور على تفصيل مشهور في مسألة الظفر بالحق ، فلا تخلو من قيد ، إذ تجري ، من وجه آخر ، مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، لا سيما إن أفضت إلى مفسدة تَرْجُحُ ، فهي مصلحة مشروعة ولكنها لا تخلو من المفسدة إذا تَوَسَّعَ الناس فيها فانفتح من باب التأويل ما به يتذرع كل أحد أن يأخذ ما ليس له بحق بذريعة أنه يستحق ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من شؤم الظلم الذي يقارفه السلطان فإن ظلمه يسري في الناس ، فإذا رتع رتعوا ، فَقَلَّ المال وشحت الأقوات ، فكثر الغصب والانتهاب والرشى ...... إلخ ، والسلطان يعلم بل ويفتح الذرائع إلى ذلك بما يضيق من أسباب الحلال ، وما يغض الطرف عنه قصدا من جرائم المال العام ، فرجالات السلطان يسرقون ويرتعون فلا يقام عليهم حد ولا تعزير ، ومن ظفر بحق يسير من فقير أو ضعيف فهو يعزر ويوبخ ويصير لجنسه عبرة ! ، فذلك ، من وجه ، ما يدخل صاحبه في حد : "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ حَدُّوهُ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، قصر بأضعف الأساليب فهو من البدائه إذ الظلم من أعظم ما تزول به الممالك فيكون من الظلم في الحكومات أن يحد الضعيف إذا سرق ، سواء أستحق القطع أم لم يستحق فتكون المصيبة أعظم ، فَيُتْرَكُ الشريف ويحد الفقير مع الحاجة ، فَلَهُ من الشبهة ما هو أقوى ، فلو أخذ من المال العام ما يسد حاجته فلا يستوي بداهة ومن يأخذ من المال العام ما يزيد ويفيض ، بل قد أخذ المال كله وراح يوزعه هباتٍ بَاعِثُهَا الولاء فهو يصطنع بها الجند والخدم ليعظم سلطانه في الأرض ، ولو سلطان الجور والظلم ، فَثَمَّ من استحق القطع وزيادة لو سلك الناظر جادة في الفقه لا تجعل الأخذ من المال العام شبهة تسقط الحد ، وهو قول المالكية والظاهرية ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يُحَدَّ فقير لا يجد ما يقيم أوده ، ولا يُحَدَّ غني يعظم كنزه ، فهو يسرق ولو سماها عطية أو منحة ، فلا يملك من يعطي ولا يستحق من يُعْطَى فذلك عين السحت الذي يعظم شؤمه في الأولى والآخرة ، وهو من أسباب الهلاك ، كما تقدم ، لا جرم كان إيراده مورد الذم ، كما في الخبر آنف الذكر : "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فكان القصر الذي استجمع ، من وجه ، دلالة الضعف ، فهو أضعف أساليب القصر فذلك من البدائه التي يدركها العقل ضرورة فأدنى توكيد في بيانها يجزئ ، إذ من تدبر سنن الممالك علم أن التفاوت في الحدود والتعازير استنادا إلى الجاه والشرف هو من أعظم الوهن ، فهو مما به تزول به الممالك ولو بعد حين إن طال فهو من الإمهال فلا يعاجل ذو الجلال والإكرام ، جل وعلا ، المجرمين بالعقاب بل يكون من الإمهال ما هو حلم في موضع ، وصبر في آخر ، فحلم في حق من ترجى أوبته ، وصبر على من فحش ظلمه فلا يرجع بل لا يزال في ازدياد ولا زال الله ، جل وعلا ، يمكر به ويستدرج ، فَيُمْلِي مِنْ بَسْطِ الأمر وإن لم يخل في ضنك في العيش لا تخطئه عين معتبر فنظره يجاوز الصور والزخارف فَثَمَّ وراءها هم وحزن وسوء ظن بالله ، جل وعلا ، فمن عصى أساء الظن بربه ، جل وعلا ، فهو عبد آبق يكره لقاء سيده فليس إلا العقاب الناجز ، وكفى بها عقوبة أن يعيش العبد معيشة الضنك ، فهو هارب ينتظر الأخذ ، فَأَنَّى يهنأ له عيش ، فلا عيشة لخائف وإن كانت صورته صورة الآمن فَلَا يطمئن إذ غَفَلَ عن الذكر وأعرض بل قد آذنه بالحرب والتعطيل ، فاستبدل به ما أُحْدِثَ من الملل والنحل والشرائع والمذاهب على تفاوت ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من تَعْطِيلٍ حَدٍّ ، وإن كان في ذلك من الشؤم وحرمان البركة ما يعظم ، ولكن الوحي سِلْكٌ انْتَظَمَ العالم بما فيه الصلاح والرحمة ، مع ما حَدَّ من حدود بها الجلال الحارس ، فالسلطان للوحي كالجند للملك ، فهو يحوطه وَيُدَافِعُ خصومَه ، وغايته أن ينتظم أمر العالم بما سن من الجلال والجمال ، وذلك ما به يحفظ الدين فهو العروة الوثقى ، وهو معدن السعادة والنجاة في الدارين ، وهو المرجع من خارج وبه يظهر القدر الفارق بين شرعة السماء وشرائع الأرض المحدثة ، وهو ما أنطق به الله ، جل وعلا ، رجالاتِ تشريع لا يؤمنون بالوحي ، ولكنهم عدلوا في الحكومة والنظر ، فكان من مقال أحدهم إن هذه الشرعة التي تنتسب إلى الوحي فلا يؤمن أنها كذلك ! ولكنه عدل في الخصومة ، أنها تعلي الحق فوق السلطان ، فلا بد أن تعلو الجماعةُ الحاكمَ ، وإن كان فوقها فما ولي أمرها إلا بشورى ، فتلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، صورة السياسة المثلى ، فهي فوقه بما لها من سلطان التولية والعزل ، فثم من الاحتساب العام ما يقمع نزعة الطغيان ، كما قال عمر يوما على المنبر ، فثم من يحتسب وينكر فحمد الله ، جل وعلا ، أن وجد من يُقْدِمُ ولا يهاب إذا انْتُهِكَتِ الشرائع والأحكام وَمَالَ السلطان إلى الدنيا برأسه ، فطغى واستبد ولا يكون ذلك إلا أن يُضْعِفَ الجماعة وَيُفْقِرَهَا فلا تَسْلَمُ له حكومتها إلا بذلك ، فيكون الإجراء والشكل الذي يضعه السلطان بالقهر والجبر ويكسوه لحاء الحشمة فهو دستور الدولة ، يكون هذا الإجراء فوق الحق العام ، حق الأمة إن في الأمر والنهي ، أو في المال والذخر ، فذلك قانون الأرض المحدث الذي يرجع إلى واضع من البشر قد جبل على نقائض فهو فقير ناقص ، من وجه ، وهو طاغ ظالم من آخر ، بما استجمع من أسباب تَوَهَّمَ فيها العصمة فذلك من عظيم الجهل والغباوة ، فلا يزيده الملك إلا حرصا وشحا ، فهو كلَّ يوم في نقص ، بما يقارف من الجناية ولو طعنا في الديانة فما يديم الملك فهو منتهى السؤل وإن مرق من الملة وساءت سيرته في الأمة ، فجمع السوأتين : ديانة وسياسة ، وأما الوحي ، في مقابله ، فهو يضع الحق أولا ، فذلك الوحي المنزل ، وبعده تكون الجماعة فَحَقُّهَا على حق السلطان يُقَدَّمُ فَهِيَ من يُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، فَلَهَا من الشورى في أمر السياسة ما يلزم ما لم تَفْسَدْ طريقتها فَتُخَالِفَ عن الوحي المنزل لا عن رغائب السلطان الْمُمَكَّنِ الذي يكيد ويمكر بما جَمَعَ من السحرة ومنهم من تَحَمَّلَ من مسائل الوحي ما قد صار عليه حجة ، فيكون من فَتْوَاهُ الباطلة أن يجعل رغائب السلطان هي الوحي ، فهو الذي له الأمر والنهي المطلق ، فلسان الحال أنه مُنَزَّهٌ لا يخطئ ، فطاعته طاعة الوحي ، وذلك إن في حق الجمع أو الفرد ، ذلك ما يُرَدُّ إلى أصل أول قد سلم من الأهواء والأذواق ، فذلك وحي السماء ، فلا يجاوزه أحد في الأرض فهو مرجع الحكومة في كل خصومة ، خصت أو عمت ، فكما تخضع له الجماعة فهو مُدَبِّرُ أمرِها وهو نَظْمُ حَبَّاتِهَا في سلك محكم ، فكما تخضع له ، فالسلطان بِذَا أولى ، فليس إلا نائبا عنها في إنفاذ الأحكام الرسالية وإصلاح الأحوال الدنيوية ، فليس إلا أجيرا وإن تسمى أميرا ، فإذا ظلم وشح ، فالحق يوخذ منه ولو بالقهر ، فكما يملك من سلطان القهر أن يحمل الناس على حكمه ، فلهم حق الاحتساب عليه إن ظَلَمَ وطَغَى ، وشرطه ، كما تقدم ، العدل في الاحتساب ، فكما يؤمر السلطان بالعدل ، فذلك ما يعم الجمع تحته ، فكلاهما يدخل في الأمر الذي حُدَّ حَدَّ الخبر في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، فَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، إطلاق يستغرق كل مأمور فَيَأْمُرُ ، جل وعلا ، كُلَّ أحدٍ ، فَثَمَّ أمر السلطان أن يعدل وهو ما يتبادر إلى الذهن بما له من ولاية الحكم ، وثم أمر الجماعة أن تعدل في سخطها ورضاها فلا تحركها بواعث الهوى والحظ فتجافي عن جادة العدل ، وثم أمر ، لو تدبر الناظر ، يستغرق كل ذي ولاية ، عمت أو خصت ، فثم أمر توجه إلى كل راع فهو مسئول عن الرعية ، كما قال خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ" ، فَعَمَّ ، ثم خص ، فثم إجمال في دلالة العموم الذي صدر به الخبر ، وهو نص في العموم ، كما قال أهل الأصول والنظر ، فلئن كان ظني الدلالة فَثَمَّ من قرينة الخبر ما ارتقى به فصار نصا في بابه ، فهو من العموم المحفوظ الذي لا يدخله التخصيص ، فإن السؤال قد عم كل أحد وإن كانت رعيته الأهل والولد ، فكان من الإجمال صدر الخبر ما أبان عنه الشطر الثاني : "فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْهُ" ، فَفَرَّعَ على ما تقدم فتلك دلالة الفاء العاطفة في "فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ........ " ، فيجري ذلك مجرى المثال الذي يُبِينُ عن العام ، فأبان عن آحاد من الرعايات الواجبة ، فَبِهَا استبان الناظر المعنى ، وختم بما بدأ إطنابا يقرر ويؤكد : "أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ" ، وهو ما زَادَ فيه الاستفتاح تَنْوِيهًا ، فتوجه الأمر في الآية : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، إلى كل أحد لا سيما من كان ذا ولاية ، عمت أو خصت ، وكلما عظمت الولاية عظم السؤال ، فلا يستوي من ولي أهله وولده ، ومن ولي فوق ذلك حتى ولي من الأمر ما قد عمت به البلوى ، فكان من الأمر ما أطلق فاستغرق كل مأمور ، وكان من العموم ما استغرق ، أيضا ، سائر أجناس العدل ، ما خص وما عم ، فعدل في الحكومات جميعا ، فثم العدل في حكومات السياسة والحرب ، وثم العدل في الأعطيات والمنح ، فلا يُعْطَى ذو الجاه والثروة ما به يَتَفَنَّنُ في أجناس اللذة ، وَيُحْرَمُ الفقير فإذا أخذ ما يسد رمقه قطع أو عُزِّرَ ! ، فذلك ما يخالف عن حكم الوحي الذي سَوَّى بَيْنَ الشريف والضعيف ، فذلك سبب الصلاح والنجاة ، والعدول عنه تَفْرِيقًا بين الناس بما لهم من الجاه والثروة ، هو سبب الهلكة في الأولى والآخرة ، كما قد أخبر صاحب الشرعة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ حَدُّوهُ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فكان من القصر آنف الذكر ، فلا يخلو ، كما تقدم ، أن يكون من أضعف أجناس الباب فذلك من البدائه إذ الظلم ، كما تقدم ، من أعظم ما تزول به الممالك ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون من القصر مبالغة تُنَوِّهُ بالمعنى المذكور ، وإن لم يكن السبب الأوحد في الهلكة ، فهو من أعظمها أَثَرًا ، فاجتمع في القصر ، من هذا الوجه ، الضَّعْفُ والمبالغة ، ولا تعارض بين الوجهين ، بل الضعف إذ يجعل ذلك من البدائه يرفد معنى المبالغة تَنْوِيهًا لا يخلو من التحذير ، فالخبر لا يخلو من دلالة الإنشاء نهيا عن الشفاعة في حد والتفريق بين الخلق تبعا للجاه والشرف ، فكان من حكاية خبر من تقدم ما استوفي شطري القسمة مقابلة ولا تخلو ألفاظه من الطباق إيجابا بَيْنَ الشريف والضعيف والترك والقطع ، فالخبر ، كما تقدم ، يحكي حال من تقدم في سياق الاعتبار فحكاية حالهم تستغرق الأمة المخاطبة بالوحي الخاتم ، فثم حكاية على جهة الذم ، ومعناها مما يعم ، وإن اختصت به أمة مضت ، فثم من عموم المعنى ما اتصل فهو يستغرق المخاطب والمستقبل ، فاستعير مثال أمة قد خلت ، فلا يخلو ، ذلك ، ولو من وجه ، أن يكون شاهدا به يستأنس من يَجْعَلُ الشرع المتقدِّم شرعا لنا ، على تفصيل مبسوط في كتب الأصول ، فقد حكى الوحي الخاتم خبرا من أخبار من تقدم في سياق الذم وهو ما يرشح دلالة الاعتبار في باب الإنشاء نهيا ألا تسلكوا هذه الجادة فَتَتْرُكُوا الشريف وتقطعوا الضعيف ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، معنى يجاوز القطع في السرقة إلى عموم آخر أرحب ، وهو عموم المداهنة في أحكام الديانة والسياسة والتجارة ..... إلخ ، فاستغرق السياق الشطرين مقابلة بها استبان المعنى ، وبعده كان الإنشاء قسما : "وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فذلك ما يجري مجرى التوكيد ، فذكرها باسمها المجرد ونسبها إلى الأب اسما ظاهرا إمعانا في التجرد فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده فلم يقل : لو أن فاطمة ابنتي أو ابنة رسول الله ، فقطع نسبتها إلى أي معنى يحتمل المداهنة ، وكان من التوكيد في الجواب : "لَقَطَعْتُ يَدَهَا" لَامًا صُدِّرَ بها ، فذلك العدل الذي أمر به الوحي أن يُسَوَّى بين الخلق في الأحكام لا أن يداهن الشريف فهو يظلم ويسرق ويفلت من العقاب فلا يؤخذ ، ويؤخذ الضعيف فيصير عبرة للضعفاء ! ، فالأشراف في مأمن إذ لهم من الجاه ما يدفع ، فذلك مرجع الحكومة في الأرض إن انقطع إسنادها إلى الوحي ، فليس إلا الظلم والشح ، فجاء الأمر أن : "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" ، فكان من الأمر ما أطلق فاستغرق ، كما تقدم ، تقوى الباطن والظاهر ، فالظلم منه ما بطن من اعتقاد السوء سواء أنقض الأصل الجامع أم الكمال الواجب ، ومنه الظاهر في القول والعمل ، ومنه الظلم في الحكومات الشرعية أو نظائرها السياسية ، ومنه ظلم الحقوق غصبا ، والتفاوت في العقوبات أخذا وَتَرْكًا ..... إلخ ، فكان من دلالة العموم في "أل" ما استغرق سائر أجناس الظلم ، فاستغرق الأكبر والأصغر ، واستغرق الباطن والظاهر ، واستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، فهو ، من هذا الوجه ، مما استغرق جميع المحال والأحوال وذلك الأصل في ألقاب المدح والذم في باب الأسماء والأحكام ، فهي تستغرق الدين كله كمالا أو نقصا أو ما زاد عليه نقضا ، فَعَمَّ الأمر إذ أُطْلِقَ ، فَتَقْوَى الباطن والظاهر ، وَعَمَّ المخاطبين جميعا فتلك دلالة الجمع في الواو في "اتَّقُوا" ، ولا تخلو من دلالة التغليب فهي تستغرق الجميع بقرينة العموم في خطاب التكليف ، وَعَمَّ سائر أجناس الظلم ، كما تقدم ، ولا يخلو الأمر ودلالته دلالة الترك ، لا يخلو أن يكافئ في الدلالة النهي عن الظلم أن : "لَا تَظَالَمُوا" ، فكان النص على المكافئ ، ولا يخلو أن يدل باللازم على أمر بِضِدِّهِ ، وهو العدل ، فذلك ما قد نص عليه الوحي في مواضع ، كما تقدم من قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، فكان من الأمر بترك الظلم ما يستلزم الأمر بالعدل ، فذلك مما يجري مجرى التلازم في الدلالة ، وبعده كان العطف بالفاء : "فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فلا يخلو أن يكون إطنابا بالعلة عقيب الحكم فذلك آكد في تقريره ، ولا يخلو الناسخ الذي صدرت به العلة ، لا يخلو وقد دخلت عليه الفاء من دلالة تعليل تقارن دلالة التوكيد التي يدل عليها بأصل الوضع الأول ، وبعده كان الإطناب أن : "اتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" ، فكان من تكرار العامل عامل الأمر "اتَّقُوا" ما حَسُنَ لِطُولِ الْفَاصِلِ ، فضلا عن التوكيد بالتكرار ، فكان النهي عن الشح ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، أن يكون من بواعث الظلم ، فيجري مجرى الإطناب بالعلة بعد المعلول ، وإن لم تكن العلة المنفردة ، فتعليل الظلم قد يجري مجرى التعليل المركب من أكثر من معنى ، فالشح من أعظمها ، فنص عليه مثالا لعام فضلا أنه من أعظم المعاني الباعثة على الظلم ، وبعده كان النص على علة الأمر باتقاء الشح : "فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" ، فَحُدَّ ، أيضا ، حد العطف بفاء دخلت على عامل التوكيد "إِنَّ" فزادته معنى التعليل ، فإنه قد أهلك من تقدم ، أن حملهم على مظالم تعظم ، فذلك ما أُجْمِلَ فاحتمل السؤال عن وجوه منه تبين ، فدل السياق على السؤال اقتضاء ، فكيف أهلكهم ؟! ، فجاء الجواب : "حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" ، فذكر منها السفك والاستحلال ، ولا يخلو ذكرها ، من وجه ، أن يجري مجرى المثال لعام وهو ما يقارف الشحيح من مظالم فلا يسدي المعروف إلى غيره فهو بخيل بل قد زاد خبث أصله ولؤم طبعه فلا يروم لغيره خيرا ولو من طريقٍ غيرِه ! ، فذلك من أخبث ما يكون من الخلق .

والله أعلى وأعلم .