مما يقرر أهل الأصول في باب الأدلة ، أدلة الأحكام ، أن الإجماع كالنص وإن كان له تاليا في الرتبة ، فالإجماع كالنص لقرينة العصمة أن تجمع الأمة على خلاف الحق ، أو أن يخفى فيها الحق فلا يقوم بحجته أحد ، ولو واحدا يعتبر خلافه ، فكان من نيابة الإجماع عن النص إذا لم يُوجَدْ ، فضلا أن الإجماع لا بد له من مستند فهو يرجع آخر أمره إلى نص .
فكان من امتناع الإجماع على خلاف الحق بل يمتنع أن يكون الإجماع على خلاف الأولى ، وذلك شرط الشهادة فاشترطت لها العدالة ، وعدالة الأمة الشاهدة تَسْتَلْزِمُ بقاء الحق وإن خَفِيَ في أعصار أو أمصار كما يكون في عهود الانكسار وَالانْحِسَارِ ، فيكون من ظهور الباطل بالزخرف والشبهة فلا دليل يصح ولا وجه استدلال يصرح ، فذلك ما قد يخدع الناظر لا سيما وَسِحْرُ الباطلِ يُزَيِّفُ الصور في أعين من لم يَتَضَلَّعْ من الحق ، فالتضلع من الحق يشغل المحل بمادة الخير فلا يكون ثم فضاء يحتله باطل ، فالمحل لا يشتغل بالنقيضين ، فإذا زاد حظه من الحق كان من العدالة ما يرجح ، وكلما زاد نقيضه كان من الخارم ما يقدح ، فاشترط في عدالة الراوي الذي ينقل خبرا واحدا أن يكون سالما من خوارم المروءة ، فهو عدل ، واشترط فيه الحفظ فهو ضابط ، فإذا اشترط ذلك في نقل خبر واحد ، ولو في فرع دقيق من فروع الدين ، فكيف بالأمة الشاهدة التي تحملت الرسالة الخاتمة ؟! ، وهي الشاهدة شهادة العموم على الناس جميعا ، فلو جاز أن تجمع على خلاف الحق أو يغيب الحق من أقوالها إذا اختلفت ، لو جاز ذلك لبطلت شهادتها إذ تطرق الاحتمال إلى دليلها الذي تقيمه على غيرها ، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، كما يقول أهل الشأن ، فكان من لازم العصمة ، عصمة الإجماع ، أن يظهر الحق ، ولو قام بحجته واحد ، فقد قام بحجة الرسالة مبدأ البعثة واحد كان المؤمن الأول بما أَنْزَلَ عليه الرب المهيمِن ، جل وعلا ، فأمره أن يقرأ ، قراءة التوحيد باسم الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وهو ما به تَصِحُّ الأحكام ، فهو الأصل الأول فلا يصح قول ولا عمل إلا إذا صح الأصل ، فالتوحيد محل إجماع ضروري في الدين الرسالي فهو جوهر العصمة ، فلا يُتَصَوَّرُ فيه خلاف ، بداهة ، فلا يكون الخلاف السائغ في أصل ، وإنما يسوغ الخلاف في بعض الفروع إذا خفيت أدلتها ، أو كان ثَمَّ من التعارض بَيْنَهَا فَتَعَذَّرَ الجمع واستوجبت الحال الترجيحَ إن نظرا في الدليل صحة أو ضعفا ، أو الاستدلال ظهورا أو خفاء ، فكان من تفاوت الأسانيد في الصحة والضعف ، وتفاوت الألفاظ في الدلالة ما به الترجيح بين الأدلة إذا تعارضت فلا تخلو من وجه ترجيح ، وإن دق ، وبه يستبين الحق ، فلا يخرج عن أقوال المختلفين ، وإن في فرع من فروع التشريع ، فضلا عن أصول الدين المحكمة فلا يتصور فيها خلاف معتبر ، فقد خالف فيها من لا يعتد بخلافه من أصحاب المقالات المحدَثة التي نقضت ما استقر من إجماع تقدم في القرن الأول وما تلاه من قرون الفضل والعدالة ولو سكوتا عما خاض فيه المتأخرون من المحدثات العلمية أو العملية فقد خرجت عما استقر من كمال الدين وتمام النعمة ، فما كان من محدَث يزعم صاحبه أن الحاجة إليه تمس ، وهو مما كان له في العصر الأول مدخل ، فسكت عنه الشرع المحكم وقد قامت إليه الحاجة فهو من تمام الديانة كما يزعم من يزعم من محدثة المقالات والأعمال والسياسات الجائرة والأحكام الباطلة والأحوال الفاسدة ، فيزعم أصحابها أنها رياضة النفس وليس إلا الزيادة والغلو ، قما سكت عنه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحاجة إليه قد مست ، فامتناعه عن البيان في موضع البيان بَيَانٌ ، فلو كان حقا ما سكت عنه الوحي إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الأصول ، فما يزعم المحدِث ليس إلا خرقا لإجماع استقر ولو إجماع السكوت عما أَحْدَثَ مع قيام الداعي وانتفاء الموانع ، فالحاجة إليه تمس ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، طعن في عدالة القرون المتقدمة التي أَثْنَى عليها الوحي ثَنَاءَ التواتر ، فكان من اتهامها بالخيانة أن كتمت من الحق ما أظهر المحدِث المتأخر ! ، أو آخر بالجهل والغباوة فلم تفطن إلى ما فطن إليه وهي التي باشرت من الوحي غَضًّا ما لم يباشر ، فكان لها من صحة اللسان وعقل المعنى إذ تشاهد ، كان لها من ذلك ما ليس للمتأخر ، فخلافه بعد إجماعها لا يعتبر ، إذ الخلاف بعد الإجماع لا ينقضه ، فكان من إجماع الأولين على أصول العلم والعمل ، وجملة من الفروع والأحكام ، ولو سكوتا في موضع البيان ، فسكتوا عما أحدث المتأخر ولو كان خيرا ما فاتهم ، وإلا انقرض جيلهم ودينه لم يكمل ، وهو الذي أخبر الوحي أنه قد اكتمل ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، قدح في الآي المتواتر الذي امتن باكتمال الديانة ، فالإجماع يعصم العقل من هذه اللوازم الباطلة ، فسكت الأولون إذ أجروا الوحي على ظواهره الراجحة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مما ائتلف من دلالة اللفظ في المعجم وقرينة السياق المحكم ، فكان من إجماعهم وهم أهل اللسان والبيان ، فعندهم من منطق اللفظ ومنطق العقل ما به استبان المعنى فلم يخالف منهم أحد خلاف من تأخر ممن تأول أو عطل ، أو اعتبر من المصالح ووجوه الاستحسان والعرف ما قد فسد إذ خالف عن النص المحكم ، لفظا صحيحا ومعنى صريحا ، فكان من إجماع الأولين ، ولو على تَرْكِ ما أحدث المتأخرون ! ، فلم يكن القول المحدَث في المسألة قولًا لمتقدم معتبر ، فقد خرق إجماع الأولين إِنْ إجماعَ الكافة فلا خلاف لا سيما في مسائل الأصول العلمية والعملية ، أو إجماعهم على ترك ما أحدث المتأخر فخلافهم في مواضع الاختلاف السائغ قد انحصر بَيْنَ أقوال ليس منها قول المحدِث المتأخِّر الذي زاد في موضع لا تسوغ فيه الزيادة ، فإن ثم من المصالح ما أرسل فاعتباره لا يقدح في إجماع الأولين وإن زاد حكما في نازلة لم تكن في زمانهم ، فاعتبار ما جَدَّ من المصالح ما لم تخالف عن مقصد رئيس من مقاصد التشريع أو نص مخصوص في حكم جزئي من أحكام الفروع ، اعتبار ما جَدَّ من المصالح بالقيد السابق ليس خرقا لإجماع تقدم ، فلم يكن الطارئ زمن المتأخر حادثا زمنَ المتقدم ، فَاتَّسَعَ باب المصالح المرسلة واستغرق سائر النوازل الحادثة فليس ثم إجماع فالخلاف فيها سائغ ما لم تخالف دليلا معتبرا من نص ، آيا أو خبرا ، أو إجماع أو قياس جلي ، فتلك مواضع لا يسوغ فيها الخلاف ، وإن كان ثم فسحة في النص فالخلاف فيه قد يسوغ بالنظر في دلالات الألفاظ التي تَتَفَاوَتُ فيها الأنظار ، فإن الدليل الخبري قد يصح إسناده إن متواترا أو آحادا ، فيكون من قطعية الثبوت أو ظَنِّيَّتِهِ ما يجزئ في قبول الدليل فهو حجة على تفاوت بين حجية المتواتر وما دونه ، وحجية الآحاد فهو في نفسه على مراتب ، فما تلقته الأمة بالقبول من أخبار الصحيحين فهو بداهة فَوْقَ غيره من الآحاد ، بل ثم من جعل ذلك قرينة بها يفيد الخبر الواحد في الصحيحين العلم النظري فجاوز الظن الراجح ، وذلك ، بداهة ، ما يقتصر على الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول فذلك إجماع آخر مِحِلُّ شاهدٍ ، فإن الإجماع يَرْقَى بالخبر الصحيح ، فالصحيح ليس واحدا في النوع ، وإنما هو جنس عام قد استغرق أنواعا تَفَاوَتَتْ في الرتبة ، فكان من الإجماع ما يرفع بعضها من الظن الراجح إلى العلم النظري ، فنظر المستدل في القرائن التي احتفت بالخبر ومنها تَلَقِّي الأمة بالقبول للجمهرة العظمى من أحاديث الصحيحين ، نَظَرُهُ في هذه القرائن يَرْقَى بالخبر من الظن الراجح إلى العلم النظري ، فكان من قرينة الإجماع ما به استوفت الأمة الخاتمة شرطَ العدالة لتشهد على بقية الأمم ، فتلك مِنَّةٌ عظمى حَسُنَ أن يسند العامل فيها إلى ضمير الجمع في قول الرب جل وعلا : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ، فذلك ، من وجه ، جعل كوني إذ اصْطَفَى الرب العليُّ هذه الأمة أن تَتَحَمَّلَ أعباء الشهادة ، وذلك اصطفاء العدل فمعياره التقوى لا الجنس واللون ، فاستغرق سائر الأجناس ، فالأمة الخاتمة أمة رسالة عالمية قد استغرقت ، ولا يخلو الجعل في الآية ، من وجه آخر ، أن يكون جعل تشريع حاكم ، فما صار لها هذا المنصب الشاهد إلا أن سلكت جادة الوحي الخاتم فذلك اصطفاء مقيد ، فليس لها منه إلا بقدر ما وَفَّتْ من الشرط ، فالخيرية الدينية والسياسية لا تثبت بدعوى مجردة من الدليل أمرا ونهيا ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، فدلالة "أل" في الشطرين في "المعروف" و "المنكر" شاهد آخر به يستأنس من يثبت الإجماع حجة ، فإن الأمة الخاتمة تنكر ما قد خالف عن الحق ، فلا يسعها أن تسكت على باطل من قول أو عمل ، فلا بد من قائم بحجةِ رسالةٍ تُنْكِرُهُ ، ولو واحدا به حِفْظُ الحقِّ أن يندثر فكان الإجماع في هذه الحال إجماعا على عدم الإجماع ! ، فقد أجمعت ألا تجمع على باطل وإن ظهر وغلب في أحوال ، فلا بد من حق يدحضه ولو خفي فمآله الظهور تأويلا للحق الموعود ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ، فكان من الجعل في آية الشهادة ما احتمل الكوني تشريفا والشرعي تكليفا ، وحمله على كلا الوجهين جائر بل هو من الحسن الراجح إذ يُثْرِي السياق بوجوه من المعنى صحيحة لا تعارض بينها ، فجاز الجمع بل وحسن وذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان من الجعل جعل الأمة وسطا ، فذكر الأمة ، من هذا الوجه ، يجري مجرى التوطئة لما بعده ، فهو محل الفائدة إذ يُثْنِي عليها بعنوان الوسط ، فهو عنوان العدل وذلك ما أطلق فاستغرق عدالة القول والعمل ، الأخبار والأحكام ، الإلهيات والشرعيات ، السياسات والأحكام ، الأخلاق والأحوال ..... إلخ ، فهي وسط قد أصابت العدل في سائر الحكومات ، عمت أو خصت ، فأصابت العدل وليس ذلك ما يكون بإصابة وسط في الحساب بين طرفين ، وإنما العدل معنى يجاوز التسوية بين اثنين ، فالتسوية بين مختلفين مما يخالف عن بدائه العلم الضروري ، فليس العدل أن يسوى بينهما وإنما العدل أن يُفَرَّقَ ، فَيُعْطَى كُلٌّ ما يلائم ، فكان من لقب الوسط ما أطلق فهو يستغرق سائر الأحكام والأحوال ، ولا يخلو إطلاقه من دلالة التعظيم ، فأخبر بالاسم مبالغة ، على وزان قول القائل : محمد عدل ، فذلك آكد في الثناء من قوله : محمد عادل ، فكأن العدل قد تجسد في ذاته ، أو أنه قد اسْتُجْمِعَ في لفظ مستغرق دخلت عليه "أل" الجنسية الاستغراقية فلم تغادر منه شيئا فأخبر به عن محمد فهو معدن العدل كله ، فكذلك الأمة الوسط التي استجمعت معادن الوسط فاستحقت الثناء ، وصار لها من عصمة الإجماع ما به استحقت هذا المنصب لتشهد على غيرها ، شهادة العموم ، فتلك دلالة "أل" في "الناس" .
فالإجماع حجة في العلم والعمل ، وبه العصمة التي استحقت بها الأمة الخاتمة منصبَ الشهادة ، فكان من سؤال صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا" ، فكان من السؤال ما دل على الدعاء ، فهو سؤال مخصوص تَوَجَّهَ من أَدْنَى إلى أعلى ، فسأل المخلوق الخالق ، جل وعلا ، سؤال الطلب الذي اقترن بالثناء توسلا بين يدي المطلوب فذلك من الأدب المطلوب بين يدي الرب المعبود ، جل وعلا ، فكان من اسم الألوهية الجامع ما أطلق إطلاق العهد الأخص ، فذلك اسم لا يطلق إلا على الإله المعبود بحق ، رب السماء والأرض وما بينهما ، فكان من اسم الألوهية الجامع ما استغرق وجوه الثناء التام ، ولو بدلالة التلازم ، فإن اسم الله ، جل وعلا ، ألوهية التصديق والامتثال فذلك تكليف العبد الآلِهِ الذي يَتَقَرَّبُ إلى الرب الخالق بما شرع من تكاليف التأله ، فهو الله الشارع الحاكم الذي أَنْزَلَ الوحي صدقا وعدلا ، وهو الله المألوه وحده بحق بما أنزل من الخبر والحكم ، فالأول تأويله التصديق والثاني تأويله الامتثال إن فعلا أو كَفًّا على وجه قد استغرق محال التكليف جَمْعًا ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، فانتظم اسم الألوهية سائر الأحوال الاختيارية العلمية والعملية ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا لمن اتصف بالكمال المطلق في الذات والاسم والوصف والفعل ، فكان من اسم الله ، جل وعلا ، ما استغرق وجوه الكمال المطلق فذلك وصفه ، جل وعلا ، في الأزل والأبد ، فله من أولية الكمال وآخريته ما ظهرت آثاره في أفعال الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا ، فذلك ملزوم أول لازمه اسم الله ، جل وعلا ، المذكور في الخبر فقد استغرق بدلالة التلازم اسم الرب ، فكان من الثناء ما استوفى أجناس التوحيد جميعا ، فاسم الله هو الاسم العلم على المعبود بحق وحده ، جل وعلا ، ولا يكون ذلك إلا وقد كمل في الذات والاسم والوصف ، فذلك توحيد الخبر والعلم أو ما اصطلح أنه توحيد الاسم والوصف وهو أشرف العلم الذي بلغت الرسالات إذ مناطه أشرف معلوم وهو ذات الرب المعبود ، جل وعلا ، ولا يستحق اسم الله إلا من استحق اسم الرب فهو ملزومه الأول ، وذلك ما يكون بالفعل ، فعل الخلق والرزق والتدبير ، فكل أولئك مما انفرد به الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، فكان من وصفِ فعلِه ما يدخل في توحيد العلم والخبر ، من وجه ، وتوحيد الفعل من آخر ، فعل الخلق والرزق والتدبير .... إلخ ، فكل أولئك باعث لغاية عظمى من توحيد التأله عبودية استغرقت ، كما تقدم ، التصديق والامتثال الذي عم جميع الأحوال ، فهو تأويل صحيح لعنوان الألوهية الصريح عنوان "الله" الذي أنزل من الرسالات ما يَعْصِمُ ، وكان ختامها رسالة العصمة ، فقد أخبرت بالصدق وحكمت بالعدل ، فكان من عصمتها عصمة الإجماع آنف الذكر ، فقد سأل النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله ، جل وعلا ، هذه الرتبة العليا ، فكان الثناء باسم الله الذي استجمع أجناس الثناء بالجلال والجمال ، وهو ما زيد فيه الخبر : "عز وجل" ، فهو خبر يراد به إنشاء دعاء آخر وذلك ما يتوسل به بين يدي الطلب ، فكان الثناء به بين يدي السؤال : "أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا" ، فكان من الإطناب في المسئول أن حُدَّ حَدَّ المصدر المؤول ، فدخلت "أن" على العامل المضارع "يَجْمَعَ" ، فكان من التأويل بالمصدر ما دل على المسئول وهو عدم الإجماع على ضلالة ، فكان من الإطناب في المبنى ما زاد في المعنى كما اطرد عند أهل المعاني ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن تُسْتَحْضَرَ به صورة المسئول ، فدلالة المضارعة دلالة الحال ، وَزِدْ عليه ما أفادت "أَنْ" إذ رشحت دلالة الاستقبال فذلك آكد في تقرير المنة بالعصمة فهي مما استغرق زمانه الحالَ والاستقبالَ فكان من الإجماع ما قد عُصِمَ إن زمنَ الرسالة أو بعدها ، على خلاف أيكون ثم إجماع والوحي يَتَنَزَّلُ ، فإن الإجماع إن تُصُوِّرَ في تلك الصورة فمرده ، لو تدبر الناظر ، مرد جميع الأحكام ، فالوحي شاهد العصمة زمنَ النبوة ، فلا يُقِرُّ الأمة على خلاف الأولى فضلا أن يُقِرَّهَا على باطل أو ضلالة ، فما اجتهدت فيه فهو شاهد صدق ولو سكت فلم يعقب فسكوته في موضع البيان سكوت ، فعصمة الأمة بالوحي عصمةٌ حالَ النُّطْقِ وحال السكوت ، حال الابتداء بنجوم الوحي المتعاقبة أو التَّنَزُّلِ على أسباب حادثة ، فكان من عصمة الإجماع بعد انقطاع الوحي ما خلف الرسالةَ ، من وجه ، فكانت هي العاصمة والوحي يَتَنَزَّلُ ، وبقي من آيها وخبرها ما هو مناط العصمة الأول ، كما قرر أهل الأصول إذ يُرَتِّبُونَ أدلة الأحكام ، فأولها الكتاب ثم السنة وزيد بعدها الإجماع فلا يكون على خلاف الحق لا في أصل ولا في فرع ، لا في منصوص ولا في حادث قد استجد ، وذلك حكم قد استمر ، كما تقدم من دلالة الاستقبال في "أن" وما بعدها من المضارع ، فذلك حكم مؤبد ، فالإخبار به لا يَقْبَلُ النسخ أبدا ، فهو من المحكم لذاته ، كما يقرر أهل الأصول ، والمنة لا يدخلها التخصيص إذ به التَّنْغِيصُ على تفصيل في ذلك ، فكيف يدخلها النسخ فهو أولى بالامتناع ، ولا منة أعظم من منة الله ، جل وعلا ، أن عصم الأمة الخاتمة أن تُجْمِعَ على ضلالة ، فذلك خبر لا يقبل النسخ ، فضلا أنه مِنَّةٌ لا تُرْفَعُ فالكريم إذا أعطى لم يسترد عطيته ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فهو الأعز الأكرم ، ولا يخلو السياق من إيجاز حذف على وزان ما اصطلح أنه الحذف والإيصال إذ يوصل العامل بالمعمول بلا واسطة ، وإن كان القياس ألا يتعدى إلا بواسطة ، سواء أكان لازما ابتداء فلا يتعدى إلا بواسطة من الحرف ، كما في عامل الخروج فتعدى بابتداء الغاية في "مِنْ" ، كما في قوله تعالى : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) ، فتعدى العامل إلى المحلةِ التي خرج منها فهي المعمول ولو في المعنى دون المبنى ، إذ لا يتعدى العامل في هذا الموضع بنفسه ، وإن كانت المحلة التي خرج منها مفعولا في المعنى فقد ابتدئ الفعل منها ، فلا يخلو الظرف "منها" ، من وجه ، أن يحل محل المفعول ولو في المعنى المعقول ، وقد يكون متعديا إلى واحد فلا يتعدى إلى ثان إلا بواسطة ، كما في قول القائل : ضرب الأب ابنه فتعدى إلى واحد ، فإن رام التعدي إلى آخر فبواسطة كالباء في قوله : ضرب الأب الابن بالعصا ، وكذلك الشأن في الخبر محل الشاهد ، فإن عامل السؤال مما يتعدى إلى واحد وهو المسئول ، فالاسم الكريم في لفظه مفعول ، فإذا رام العامل التعدي إلى ثان فبواسطة تقدر وهي الباء في هذا الموضع ، على تقدير : سألت الله بأن لا يَجْمَعَ أمتي على ضلالة ، فحذفت الباء قياسا في باب الحذف والإيصال فشرطه أن يكون المدخول ، مدخول الباء أو ما يضاهيها من الحروف ، شرطه أن يكون المدخول اسما مؤولا من "أن" وما دخلت عليه ، كما في بيت المخزومي المشهور :
غَضِبَتْ أَنْ نَظَرْتُ نَحْوَ نِسَاءٍ ******* لَيْسَ يَعْرِفْنَنِي مَرَرْنَ الطَّرِيقَا
والقياس : غضبت من أن نظرت ، ومررن بالطريق ، فَحُذِفَ من الشطر الأول على القياس المشهور وَحُذِفَ من الثاني لا على قياس فليس من باب الحذف والإيصال ونظيره قول جرير المشهور :
تمرون الديار ولم تعوجوا ******* كلامكم علي إذا حرام .
والقياس : تمرون بالديار ، فذلك ، أيضا ، حذف لا على قياس .
فكان من الحذف في الخبر محل الشاهد حذف الباء في "أَنْ لَا يَجْمَعَ" ، فحذفت الباء قياسا في باب الحذف والإيصال ، كما تقدم ، فإما أن يجري ذلك مجرى الإيجاز بالحذف وهو من باب المجاز عند من يثبته في الشرع واللسان ، وإما أن يقال إن ذلك مما اطرد في لسان العرب فجرى مجرى الحقيقة ، ولو مجازا مشتهرا يجاوز الحقيقة اللغوية المطلقة ، فهو كالحقيقة في عُرْفِ النطق فلا حاجة أن يَتَكَلَّفَ الناظر القول بالمجاز واللفظ قد جرى على الألسن جريان الحقيقة المشتهرة ، وثم من لفظ الأمة ما قد عم ، فتلك دلالة الإضافة إلى الضمير ، ضمير المتكلم في "أمتي" ، وذلك ظاهر في العموم قد يستأنس به من يَعْتَبِرُ في الإجماع قولَ العامة ، خلافا لمن قصر الإجماع على الخاصة من أولي العلم ممن بَلَغَ رتبة الاجتهاد فَاعْتُدَّ بخلافه ، فيكون لفظ الأمة ، من هذا الوجه ، عاما أريد به خاص وهو من حَصَّلَ آلة الاجتهاد من الأمة الخاتمة ، فيكون من تقدير المحذوف ما يدل على أهل الإجماع المعتبر ، على تقدير : سألت الله ألا يَجْمَعَ مجتهدي أمتي على ضلالة ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وذلك ، أيضا ، من إيجاز الحذف في لسان العرب وفيه ما تقدم من الخلاف ، فَثَمَّ من أجراه مجرى المجاز حذفا ، وثم من جعله من الوجه المشتهر في اللسان ، فَحَذْفُ المضافِ وَنِيَابَةُ المضاف إليه عنه مما اشتهر فصار كالحقيقة في عرف الكلام فهو يجاوز الحقيقة المطلقة ، وذلك وجه معروف في كلام النحاة ، كما أشار إليه صاحب الخلاصة في بيته المشهور :
وما يلي المضاف يأتي خلفا ******* عنه في الإعراب إذا ما حذفا
وثم من أدخل العامة مع الخاصة في باب الإجماع لا مطلقا كالقول الأول وإنما يدخلون في الإجماعات القطعية المشهورة كالإجماع على فرض الصلاة والزكاة وحرمة الربا والزنى ..... إلخ ، فدلالة الأمة في جميع الأقوال دلالة عصمة لها إن بآحادها جميعا أو بآحاد مجتهديها ، فكان من استقبال الخبر بما تقدم من دلالة "أن" ما استغرق أجزاء الزمان المستقبل جميعا ، وهو ما يرشح ما اشتهر من تعريف الإجماع في الأصول أنه اتفاق المجتهدين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حكم شرعي ، فذلك محذوف آخر قد دل عليه السياق إذ ورد في خَبَرٍ في الشرع ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : سألت الله ألا يجمع أمتي بعد وفاتي على ضلالة تخالف عن الحق في حكم شرعي ، ودلالته ، لو تدبر الناظر ، تجاوز الحكم المشهور في قسمة التكليف ، فلا تجمع الأمة على خلاف الحق إن في خبر علمي أو في حكم عملي ، فكل أولئك مما استغرقه لفظ الضلالة إذ أطلق فكانت العصمة من الإجماع على ضلالة إن في القول أو في العمل ، إن في الباطن أو في الظاهر ، إن في السياسة أو في الحرب ، إن في الأخلاق أو في الزهد ، فالعصمة قد عمت سائر مواضع الاختيار فهي مناط التكليف ، ولا يخلو لفظ "أمتي" أن ينصرف إلى أمة الإجابة فَوَحْدَهَا من عُصِمَ من الضلالة فذلك وجه تخصيص آخر في اللفظ ، فالعموم في "أمتي" على هذا التخريج يجري مجرى ما تقدم من النيابة ، نيابة العام عن الخاص فأطلق العام المستغرق الذي تدخل فيه أمة الدعوة وأراد الخاص وهو ما اقتصر على أمة الإجابة فوحدها من عصم أن يجمع على ضلالة ، وكان من تمام المنة أن سأل صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الخصلة فأعطيها على حد الفور فتلك دلالة الفاء في "فَأَعْطَانِيهَا" ، وذلك ، كما تقدم ، خبر لا يقبل النسخ أبدا ، إذ المنة لا تؤخذ بعد العطاء فهي فضل قد تَنَزَّلَ من الرب الأعز الأكرم جل وعلا .

والله أعلى وأعلم .