مما انفرد به الله ، جل وعلا ، من وظائف الأولوهية : كتب التشريع الحاكم ، فليس ذلك إلا للإله الحق ، تبارك وتعالى ، فوحده من ينزل الشرع المحكم إذ وحده من يعلم العلم المحيط ، علم التكوين وعلم التشريع ، لا جرم كان الكتب على أنحاء تستغرق فمنه كتب التكوين النافذ ومنه كتب التشريع الحاكم ، فالله ، جل وعلا ، يكتب الشرع إذ هو من كتب الكون ، فقد خلق ورزق وَدَبَّرَ ، فهو الذي يشرع ويحكم فيأمر وينهى ، فَثَمَّ من التلازم بين الوجهين : كتب التكوين وكتب التشريع ما يجري مجرى التلازم بين شطري التوحيد : توحيد التكوين وهو توحيد الربوبية العلمي ، وتوحيد التشريع وهو توحيد الألوهية العملي ، فكان من الكتب ما اختص به الله ، جل وعلا ، فمن نازعه كتب التشريع فهو طاغوت قد جاوز الحد فَرَامَ تَعْبِيدَ الخلق لأهوائه وإخضاع الجمع لأذواقه ، فما استحسن فهو يروم حمل الناس عليه كرها ، وما استقبح فهو ينهى الناس عنه ويزجر ! ، وإن خالف عن معيار الوحي المحكم فأباح ما حَرَّمَ أو حَرَّمَ ما أباح ، فهو من جملة الشركاء الذين نفاهم الله ، جل وعلا ، نفي الإنكار والتوبيخ في محكم التنزيل : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) ، فذلك مقام لا يقبل الشركة فإما الإله الحق وإما آلهة الباطل من طواغيت الدين والسياسة ، فشؤمهم قد عظم وجرمهم قد فحش إذ اقترفوا ما اقترفوا باسم الدين المنزل وهو منهم براء فصدوا عن سبيل الحق ، فالفتنة بهم أعظم فتنة وبها فساد الدين والدنيا ، فلا يستقيم الأمر إلا أن يكون الكتب لواحد وهو الإله الشارع ، جل وعلا ، فَوَحْدَهُ من يكتب بالحق ، فهو يكتب بالعلم الأول المحيط الذي أحاط بجميع المقادير الشرعية والكونية ، ويعلم من دقائق النفوس وَسَنَنِ الِخلقة ومقادير الحكمة في الإباحة والحظر ، في العطاء والمنع ما انفرد به فلا يشاركه فيه أحد ، فلا يشاركه غيره في لوازمه من التكوين والتشريع فكلاهما بالعلم الأول المحيط فإذ لم يكن ثَمَّ شريك له في العلم والإحاطة ، فلا شريك له في الخلق والحكم ، فذلك قياس العقل الصريح إذ ثم تلازم بين الوجهين ، فانفراده بالتكوين والتشريع فَرْعٌ على انفراده بالعلم الأول المحيط ، كما أن انفراده بالتكوين فلا خالق إلا هو سبب في انفراده بالتشريع فلا حاكم إلا هو ، فكان من كتبه ما به انْفَرَدَ إذ ليس له فيه شريك ، وليس ثم من يضاهيه فلا يُتَّهَمُ كما الخلق فهو الغني الذي لا يفتقر ولا يحتاج إلى سبب فلا يحيف في حكم ، فذلك ما استنكره وأبطله كما في قوله تعالى : (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فلا يخلو السياق أن يستغرق أجزاء القسمة احتمالا في سياق الإنكار ، فاستقرأ أسباب الإعراض عن الحق من حكم الوحي ، فَثَمَّ من التحكم في الإعراض تارة والإقبال أخرى لا على وجه صحيح يطرد ، وإنما باعثه الهوى والذوق ، فَيُعْرِضُ إن لم يوافق الحكم هواه وغرضه ويقبل إن وافق فلم يكن إقباله طاعة وعبادة ، وإنما وافق الحق هواه ، فقد جعل الهوى رائد الحكم ، فهو المحكم والوحي متشابه يُرَدُّ إليه ، ولا يكون ذلك إلا من فقير جاهل ، فهو جاهل بالمصالح حقا وإن خُدِعَ بادي الرأي بما يكون من عاجلها وإن أفضى بالنظر في مآله إلى فساد أعظم ، وإنما قَصُرَ نظره وعمي بما كان من سكرة اللذة التي أذهبت الفكرة فمن رام العاجل حُجِبَ عن الآجل فهو ينظر في لذة طارئة وإن أَوْرَثَتْهُ نقمة دائمة ، فضلا عن العقوبة العاجلة فَسَادَ رأيٍ ومزاج ، واعتلال بدن وأركان ، فتلك سنة الرب الحكيم ، جل وعلا ، فمن خرج عن ناموسه في الكون والشرع اختل حاله وفسد مزاجه واعتل بدنه ، فموافقه السنن الرباني صلاح النوع الإنساني فلا يعلم ما يصلح الأديان والأبدان إلا رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فمن أعرض عن السنن الرباني فباعثه ، كما تقدم ، الجهل فلا يحسن ينظر في العواقب ويرجح بين المصالح المعتبرة فلا نظر يصح في دين أو دنيا ، وإنما فساد رأي وطبع بما كان من شؤم الإعراض عن الوحي فلا يحسن يدبر أمرا وإن ظن أنه يصلح فهو ممن أفسد في الأرض بما عَطَّلَ من الوحي والعدل ، فقوله كذب وفعله ظلم ، فلا يصدق ولا يعدل ، ولا يستقيم أمر دين أو دنيا إلا بالصدق والعدل ومعدنهما الأول كلام الرب المهيمن ، جل وعلا ، فـ : (تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) ، ولا يخلو الباعث في هذا المسلك الباطل ، مسلك التشهي في قبول الأحكام وَرَدِّهَا ، لا يخلو الباعث أن يكون فَقْرًا ، فإن الخلق قد جُبِلُوا على النقص والشح فلا يُهَذِّبُ هذه الطبائع إلا الوحي وما دونه فهو الشر إذ يجتهد الطاغوت في الأرض أن يستجمع من حظوظ الرياسة والغنى والرفاه واللذة ما به يظلم غيره إذ يغصب حقه فلا يريد لسواه أن يحيى إلا تابعا خاضعا ولو أطاق لاتخذه عبدا ، فهو فوق الناس إلها يحكم وربا أعلى يدبر ، فذلك باعث كل طاغوت حاد عن الوحي ، ولا يزيده ذلك ، لو تدبر الناظر ، إِلَّا ذُلًّا ، فهو مُبْتَلًى بمن قوفه إذ يقهره وَيُبِينُ عن ضعته ، وفوق كل ظالمٍ ظالمٌ به يقتص الله ، جل وعلا ، من الظالمين فضلا عما يكون من عذابهم بأيدي عباده المؤمنين إذ تأولوا نصوص الدفع والطلب ، فأعرض الطاغوت عن حكم الله ، جل وعلا ، المنزل ، وهو ما أَطْنَبَتِ الآية في حده إذ استوفت شطري القسمة : الله جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، في قوله تعالى : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ، فالدعوة إلى الله ، جل وعلا ، دعوة إلى كتابه ، والدعوة إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعوة إلى خبره ، وكلاهما يدخل في حد الوحي فهما شطراه آيًا متواترا وأخبارا منها المتواتر وهو الأقل ومنها الآحاد وهو الأكثر ، وكلاهما وحي يُلْزِمُ بما أخبر صدقا وحكم عدلا على وجه قد سَلِمَ من الكذب والخطأ والظلم والحيف فذلك ما لا تسلم منه حكومات الأرض إذ باعثها ، كما تقدم ، الجهل والفقر ، فلا تسلم إلا أن تُرَدَّ إلى مرجع يجاوزها من خارج ، فلا يكون ثم طغيان ومجاوزة للحد أن يُتَّخَذَ غَيْرُهَا معيارَ خبرٍ وحكمٍ ، فذلك اتخاذ أصحابها أربابا تُعْبَدُ إذ تُحِلُّ وتحظر ، وهو ما ذُمَّ به الأوائل ، إذ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وذكر الأحبار والرهبان في هذا السياق يجري مجرى المثال الذي يُبِينُ عن عموم يستغرق كل طاغوت في الدين أو السياسة فهو يطلب ما لا يكون إلا لله ، جل وعلا ، من منصب التشريع وواجب الطاعة المطلقة ، وخطابهم خطاب لنا ، فقد ذكره شرعنا ولم يُعَقِّبْ بإلغاء بل ذلك من آكد ما تُوَافِقُ الأمة الخاتمة ما تقدمها من الأمم ، فثم مقاصد وبدائه وَجُمَلٌ من العقائد والأحكام قد تواطأت عليها الرسالات جميعا لا سيما في أصول الدين التي لا اختلاف فيها بين الرسالات ، فدينها واحد وهو التوحيد فلا يَسْلَمُ لصاحبه إلا أن يكفر بالنديد الذي يتخذ من دون الرب المليك ، جل وعلا ، ربا يدبر فيكون من الغلو في المخلوق أن يُنْسَبَ إليه من تصريف الكون والتأثير في أحداثه ما به الشرك في وظائف الربوبية ، ويتخذ من دونه ، جل وعلا ، إلها يشرع فينفذ حكمه ولو لم يوافق الوحي المنزل ويعطل حكم السماء فذلك الشرك في وظائف الألوهية ، وأعظمها الخضوع والتسليم وكمال الانقياد لله ، جل وعلا ، بالطاعة باطنا وظاهرا فيكون الإقبال على حكم الوحي والإعراض عن غيره ، فَيُعْرِضُ عن غيره إذ يكفر بالطاغوت المحدث ، ويقبل عليه فذلك توحيد الرب المهيمن ، جل وعلا ، فذلك معنى الشهادة نفيا لكل آلهة باطلة من الطواغيت حسا أو معنى ، حَجَرًا أو شَجَرًا أو فكرا ، فَيُعْرِضُ عنها ويخلي المحل ويطهره من رجسها فَيَتَهَيَّأُ لقبول الشطر الثاني إذ يُقْبِلُ على الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليحكما في كل أمره باطنا وظاهرا ، خاصا وعاما ، فلا يكون ثم تناقض فيقبل في حال إن وافق هواه ، ويعرض في أخرى إن لم يوافق ، فيكون من فساد الرأي ما يفضح مذهبه إذ يفرق بين المتساويين ويفرق بين المختلفين ، فما أعرض عنه من الوحي وما أقبل عليه سواء ، فما الباعث على التفريق إلا اتباع الهوى والذوق ، فلا يكون ثم توحيد ينفع إلا أن يُطَهَّرَ القلب من حكم الطاغوت فَيَنْفِيَ ما سوى الله ، جل وعلا ، من الآلهة المدبِّرَةِ أو الشارعة ، المحسوسة أو المعقولة ، فكل أولئك مما يدخل في عموم النكرة "إله" إذ وردت في سياق النفي في شطر الشهادة الأول : لا إله ، فأفادت العموم المستغرق كما قرر أهل الأصول والنظر ، وهو ما ضُمِّنَ معنى مقدرا على تأويل : لا معبود بحق ، فَثَمَّ القيد بالظرف "بحق" ، وبه الفرقان بين الله ، جل وعلا ، وسائر الآلهة فيصدق فيها لقب الإله ، وإن باطلا فقد طَغَى بها الأتباع وجاوزوا الحد في العبادة والطاعة والاتباع كما حَدَّ مَنْ حَدَّ من المحققين الطاغوت ، فهو مئنة من زيادة تجاوز الحد ، وهو ما استغرق ، كما تقدم ، كل إله باطل يطغى به أتباعه ، فكان تطهير الجنان منه بالكفر به والجحود فلا يُعَظَّمُ في الباطن ولا يُتَّبَعُ في الظاهر ، فالكفر به إعراض عن حكمه الباطل ، وذلك شطر آخر من شطري القسمة في قول رب العزة جل وعلا : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ، فالكفر بالطاغوت يضاهي شطر الشهادة الأول ، وفيه من العموم ما في الأول : المنكر "إله" في سياق النفي ، إذ دلالة "أل" في "الطاغوت" مئنة من العموم المستغرق ، فأبان عن جنس المدخول ، من وجه ، واستغرق آحاده في الخارج من آخر ، فهو على تقدير : ومن يكفر بالطواغيت ، وهو ما يكون باجتنابها والإعراض عن عبادتها ومنها ما به تَقْضِي من حكومة الباطل وضعا محدثا أو ظلما منكرا ، فكان من الاجتناب ما ورد به النص في موضع آخر من التنزيل ، فـ : (الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ) ، فأبان مرجع الضمير في "يعبدوها" عن وجه التأويل آنف الذكر ، فكان من القرينة ما رَجَّحَ الجمع على تقدير : والذين اجتنبوا الطواغيت أن يعبدوها ، فَثَمَّ عموم آخر يضاهي العموم آنف الذكر ، فقد استغرق الفعل إذ أطلق استغرق سائر أجناس الاجتناب ما بطن منه وما ظهر ، ما كان في شرع أو سياسة أو حرب أو رياضة أو زهد ، فكان تجريد المحل من عبادة الطواغيت ، فدلالة "أل" ، بادي الرأي ، مئنة من بيان لجنس المدخول ، واستغراق لآحاده ، فكان من دلالة الضمير في "يعبدوها" بالنظر في مرجعه ما رَفَدَ الدلالة الأولى فَقَرَّرَ ما تقدم من دلالة الجمع المستغرق ، فذلك اجتناب يعدل الكفران في آي البقرة : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) ، وهو ما يضاهي نفي الآلهة الباطلة شطر الشهادة الأول ، فهو يعرض عنها فيخلو المحل ، ثم يقبل مذعنا منقادا مُتَجَرِّدًا من الهوى فلا يتحكم في القبول والرد بما يوافق أهواءه ، فإذا كان الإقبال على الحق بعد الإعراض عن الباطل ، كانت التحلية بعد التخلية ، والتزيين بعد التطهير ، والتعطير بطيب الريح بعد الغسل الرَّافِعِ للنجس الخبيث ، وهو ما يخالف عن أولئك ممن دُعِيَ إلى الحق النازل ، فكان من الشرط صدر الآية ما يحكي الكثرة ، فتلك دلالة "إذا" في قوله تعالى : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ، وذلك آكد في تسجيل الفعلة ، فكان من العموم ما استفيد من تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل "دعوا" ، وهو ما يستغرق سائر الدعوات تَصْرِيحًا أو تَلْمِيحًا ، مباشرة أو بواسطة ، دعوةً إلى حق في علم أو عمل ، في عقد أو شرع ، في سلم أو حرب ..... إلخ من الأحوال المتعاقبة ، وكان من انتهاء الغاية الشريفة إلى مصارد الشرع الصحيحة : الله جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَثَمَّ عطف في قوله تعالى : (إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قد استغرق شطري القسمة في باب التشريع : المرسِلَ جل وعلا ، والمرسَلَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاستغرق الآي والخبر جميعا ، وبعده كان النص على العلة ، فيدعون لحكم الوحي أن يَفْصِلَ بينهم في الخصومات فذلك ما حُذِفَ إذ أطلق العامل ، عامل الحكم في "ليحكم" فاستغرق كل حكومة إن في العلم أو في العمل ، إن في السلم أو في الحرب ، فاستغرق حكومات الوحي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ، وكان من إسناد الفعل إلى واحد والقياس : ليحكم بينهما ، إذ حُكْمُ الله ، جل وعلا ، هو حُكْمُ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما في الخبر : "أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ" ، فهو المبلِّغ المبيِّن لما بُعِثَ به من صادق الأخبار وعادل الأحكام ، فيحكم في كل نازلة بالحق بما أوتي من الوحي كتابا وسنة ، فلا يخلو المرجع ، مرجع الضمير المستكن في عامله "ليحكم" على حد الجواز ، لا يخلو أن يكون مُتَصَيَّدًا من السياق المتقدم فهو الوحي الذي ائتلف من شطري القسمة : كلام الله جل وعلا آيا وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبرا ، أو المرجع إلى الله ، جل وعلا ، فهو الشارع الذي ابتدأ التشريع ، فيصدق فيه من هذا الوجه أنه صاحب الشرع ، فيكون عود الضمير إلى المذكور البعيد ، أو المرجع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي يباشر الحكم بينهم في الأرض بما يقضي بينهم بالحق ، وهو الذي يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ فيصدق فيه ، من هذا الوجه ، أنه صاحب الشرع ، فذلك مناط اشتراك على وجه لا تَنَاقُضَ فيه ولا اختلاف إذ الجهة قد انفكت ، وهو مما يشهد لمن جَوَّزَ العموم في دلالة اللفظ المشترك ، فجهة الابتداء بالتشريع تخالف عن جهة البلاغ لألفاظه والبيان لمعانيه الخبرية والحكمية ، وإن خُصَّ الحكم بالذكر فالخبر شطره الثاني فالوحي يستغرق الوجهين : الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام ، فيكون ذكر الحكم من هذا الوجه مثالا لعام وهو البلاغ والبيان خبرا وحكما ، فَذَكَرَ الحكم نَائِبًا قد استغرق كلا الشطرين ، ولا يخلو بالنظر في معناه الأعم أن يَسْتَغْرِقَ وجوها من الإخبار فهو يحكم بين المتخاصمين بما يصدق في باب الغيب وقد عظمت فيه الخصومة فلا يقضي فيها إلا مرجع صدق محكم ، كما لا يقضي في خصومات القضاء إلا مرجع عدل محكم وبهما يستكمل العبد مادة التأله خبرا وحكما ، كما يستكمل مرجعه آيا وأخبارا من الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومرجع الضمير ، كما تقدم ، على أنحاء ثلاثة ، فإما الرجوع إلى المذكور البعيد رب العبيد ، جل وعلا ، فهو الذي استأنف الوحي وابتدأ الشرع ، وإما الرجوع إلى المذكور القريب وهو البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، وإما الرجوع إلى المصدر المتصيد وهو الوحي المنزل ، فكان من الشرط ما استغرق صدر الآية : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، وكان من الجواب في قوله تعالى : (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ، ما صُدِّرَ بالمفاجأة إمعانا في تقرير الجناية فليست مفاجأة من يجهل فالله ، جل وعلا ، بحالهم أعلم ، فهي كالعجب فليس عجب الله ، جل وعلا ، عن جهالة ، وإنما هو عجب من ينظر بالعلم المتقدم فَيَرَى من تأويل معلومه الأول خروج الشيء عن سَنَنِهِ الغالب ، فليس كعجب الجاهل من الخلق إذ لا يَعْلَمُ الغيبَ ، فكذلك المفاجأة فَبِهَا تقرير الجناية فهي مما يفجأ الناظر بما خالفت عنه من سنن العدل أن يكون الإقبال على الوحي فإذا : (فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ، وهو ما أطلق فاستغرق الإعراض في الباطن تكذيبا ، والإعراض في الظاهر تعطيلا ، والإعراض في سائر أبواب الديانة : الخبرية والحكمية ، الخاصة والعامة .... إلخ .
وبعده كان شرط آخر قد حُدَّ حَدَّ الندرة ، فتلك دلالة "إن" فَقَلَّ أن يوافقوا الوحي وإن وافقوه فحظ نفس قد واطأ ما يشتهون ، فـ : (إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) ، فكان من الحال "مذعنين" ، ما يُبِينُ عن هيئة الإتيان ، فلم يكن ذلك رغبة في الحق وإنما رائده حظ النفس ، وبعده كان الاستفهام إنكارا وتوبيخا على وجه استوفى أجزاء القسمة ، قسمة الباعث على مُقَارَفَةِ ما تَقَدَّمَ مما يخالف عن البدائه إذ أعرضوا تارة وأذعنوا أخرى والباب واحد ، والواجب فيه الإذعان مطلقا وافق الحق أهواءهم أو لم يوافق ، فكان من الآي : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) ، ما يجري مجرى المقابلة استيفاء لشطري القسمة : إعراضا وإذعانا ، ولا يخلو من طباق إيجاب بين الإعراض والإذعان ، وهو ، لو تدبر الناظر ، طباق غير تام ، فالقياس أن يكون بين الإعراض والإقبال ، فكنى عن الإقبال بلازم من لوازمه وهو الإذعان ، فَيَجْرِي مَجْرَى الطباق باللازم .
فكان من استيفاء القسمة قسمة الباعث على هذه المخالفة : (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، كان منه ما به زِيَادَةٌ في الذم فلا تخرج حالهم أن تكون مرضا نُكِّرَ لفظه تعظيما فضلا عن تقديم ما حقه التأخير من الظرف "في قلوبهم" ، فخص القلب بالذكر وهو الأصل الذي تصدر عنه الجوارح فإذا فسد بمرض أو شبهة فقد فسدت في القولة والفعلة ، فلا تخرج حالهم أن تكون مرضا أو ريبا أو فساد تصور بسوء الظن : (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ) ، فذلك من القياس الباطل على المخلوق فإنما تخشى حكومته لما يلازمه من وصف الفقر والحاجة فهو باعث عدوان وحيف إلا أن يكون ثم لجام من الوحي ، فَقَاسَ من قَاسَ الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سائر الْحُكَّامِ من الخلق ، وذلك ما حَسُنَ معه الإضراب انتقالا إلى حكم ناجز بالظلم الذي أطلق في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فضلا عن دلالة "أل" فلا تخلو من دلالة الاستغراق لوجوه المعنى وهو ما ينصرف ابتداء إلى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فالإعراض عن الوحي لا يتعلمه ولا يعمل به إن في خاص أو في عام ، ذلك كما قرر أهل الشأن من نواقض الإيمان ، فضلا عن الاشتغال بضده فذلك لازم الإعراض عنه فيحكم بغيره فيكون من الظلم الأكبر ، أيضا ، ما أبان عنه الوحي في غير هذا الموضع ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، وهو ما حسنت معه الإشارة باسم البعيد في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، مئنة من التحقير فضلا عن جمل مؤكدات بها تسجيل الجناية من اسمية الجملة ، فهي مئنة من الثبوت والديمومة فذلك وصف يلازمهم ، وضمير الفصل "هم" ، وتعريف جزأيها "أولئك" و "الظالمون" ، فذلك قصر يفيد الحصر والتوكيد ، وهو مما يجري مجرى المبالغة فكأنهم الظالمون لا غيرهم فمعنى الظلم قد اقتصر عليهم بما قارفوا من جناية الإعراض عن الوحي .


والله أعلى وأعلم .