ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" ، فذلك عموم يستغرق ودلالة الشرط فيه على الأصل الأول في اللسان إذ تَذْكِيرُ اللفظ في هذا الموضع يكافئ المعنى ، فالفعل المذكور في الخبر لا يكون إلا بين الذكور ، فكان من الشرط ما قد عَمَّ ، ولا يخلو الضمير المجموع في "وجدتموه" أن يحكي حال الجماعة إذ لها من سلطان الاختيار ما به تُوَلِّي من يقوم بأمرها ، وَيُنْفِذُ شَرْعَهَا ، فهو نَائِبٌ عَنْهَا فِي إِنْفَاذِ الشرع الذي تَنْتَحِلُهُ فَهُوَ معدن ثَقَافَتِهَا ومعيار حضارتها ، وهو وصفها الذي يميزها من بقية الأمم ، فالأمم تمتاز بما به تؤمن فهو رائد التشريع والحكم إذ يحكي روح الحسن والقبح ، فذلك قانون يلزم المحكوم والحاكم ، فالحاكم نائب من وجهين ، فهو نائب عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، وهو نائب عن الأمة أن يحكم فيها بما انْتَحَلَتْ من الوحي وأن يحفظ عليها قِيَمَ الفكر والشرع ، وأن يَسُوسَهَا بأحكام الرسالة في السلم والحرب ، فهي مصدر الاختيار وهي مرجع التولية والعزل ، وهي الفاعل بالنظر في الأصل ، أصل الاختيار فَتَخْتَارُ من ينوب عنها في الحل والعقد فَلِكُلِّ أمة من السراة مَنْ يَصْدُقُهَا في النصح فهو رائد لا يكذب ولا يكون ذلك إلا أن يكون على دينها فلا يخون ولا يغدر ، فقد رضع لبانها رضاعة البنوة فهو ابن الْقِيَمِ والأخلاق فَلَيْسَ على طريقة أخرى تغايرها فتلك خيانة تأباها أي جماعة تَعْقِلُ فلا تولي من ليس على طريقتها ، ولا تُوَلِّي من يغدر فَيُفْسِدُ فِكْرَتَهَا وَيَسْرِقُ خُبْزَتَهَا ، فإنه إِنْ آنس القوة وآنس من الجمع غَفْلَةً غَدَرَ فَقَتَلَ وَسَفَكَ ، وحاز من المال والثروة ما به يلتذ لذة النهم فلا يشبع ، فَثَمَّ شح أن يَبْلُغَ غيره من الخير شيئا ، فهو الحاسد الذي يكره أن يُرَى على غيره من الخير ما يضاهيه ، فضلا أن يكون له ما يَرْجُحُ ، لا سيما في العقل والمنطق ، فالجاهل الأشر يكره من له من العقل والعلم ما يفضح جهله وَيُبِينُ عن سَفَهِ رأيه ، فَثَمَّ أثرة لو استطاع صاحبها لأفنى الناس ليحيى وحده ، وإن كان في الدنيا سَعَةٌ فَهُوَ يُحَجِّرُ الواسع ، فـ : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) ، فلو وضعت المقاليد في يده ما أنفق ، فهو لئيم العنصر ، فلا يصلح لرياسة نافعة ، فاللئيم مجموع مركب من خصال لا تكون لرأس في دين أو دنيا إلا إذا فسدت الحال فَعُطِّلَ الدين وَضَاقَتِ الدنيا ، فلا يكون ذلك إلا والملك لِلَئِيمٍ ، فقد استجمع خيانة الفكرة والشرعة فهي أصل كل خيانة في سياسة أو حرب ، فمبادئ الأقوال والأفعال في الخارج أفكارٌ وأخلاقٌ في الباطن يَنْشَأُ عليها صاحبها نشأة التربية التي تحصل شيئا فشيئا ، فهي كالرضاع الذي به يَنْشُزُ اللحم فهو أصل القوت ، فلا يفارق المفطوم ولو طال العمر ، فالأصل لا يفارق إذ جبل عليه فمازج اللحم والعصب والدم ، فكذلك الأخلاق إذ تمازج النفوس ، فهي لبان النشأة ، وهي ما لا يكون دفعة ، فثم مجموع يَتَرَاكَمُ من الأفكار والأخلاق فهو يَحْكِي أصل النشأة ، وإن اجتهد اللئيم أن يكتمها فلا تَزَالُ تظهر في فَلَتَاتِ القول والعمل ، لا سيما إن عَزَّ بعد ذُلٍّ ، وإن لم تفارقه الذلة ، فعزة السلطان والقوة لا تَرْفَعُ صاحبها إن لم تُشْفَعْ بعزة النفس أن تَسْتَعْلِيَ بالفكرة والفعلة ، فكل فعلة تحكي فكرة تَقَدَّمَتْهَا ، فلا يكون الأمر ، كما تقدم ، دفعة ، فليس ثم مولود يولد على غير الفطرة ، فهي الأصل المجمل ، فإما أن يرزق المبين الذي يفصل فيكون من حسن النشأة ما يرفد المعدن الشريف ، فإنه خيار في الدين إذا فَقِهَ ، فلا يزيده الوحي إلا شَرَفًا وَعِزَّةً ، وإما أن يُبْتَلَى بأصل قبيح في النسبة فهو معدن خسة وضعة فلا يؤمن بالوحي ولا يُعَظِّمُ الْفِكْرَةَ إلا ما يشبع غَرَائِزَ الحس والنفس ، فَثَمَّ جوعة لا يشبع صاحبها ، وإن شبع فشبع البطن فَلَيْسَ إلا البطر والأشر ، لَا جَرَمَ كان الشبع بعد الجوع مع ضعة الأصول ، لا جرم كان مِنْ أعظم الشؤم على جماعة أن يُوَلَّى فيهم من تلك حاله فهو مؤذن بفساد الديانة والسياسة ، فلا يكون بين الملوك إلا أذلهم فهو التابع إذ لا يفارقه الوصف الأول وإن اجتهد ما اجتهد أن ينكره فيدعي من شرف النسبة ما ليس له ، فهو كالملصق بقوم رغبةً في جاه وشرف يرفع به خسيسته ، فلا تكون حاله إلا ذلة بين الملوك وعزة على النفوس التي ابتليت بولايته ، فهي الشؤم الأعظم أن يُعَطَّلَ الوحي والعدل جميعا فلا بَقَاءَ له إلا أن يَسْتَضْعِفَ الناس فَيَجْعَلَهُمْ شيعا ، فَثَمَّ ، كما يستقرئ بَعْضٌ ، ثَمَّ الملِكُ الذي يَطْغَى ، وتحته رجال الدين والحرب فهم عدته في استرقاق الجمع وتحتهم من يعمر الأرض عمارة الحس بما يواطئ أهواءه ، وليس بعدهم إلا جَمْعٌ قد استضعف ، فهو لا يأكل إلا الفتات مع أنه أكثر من يعمل فهو خادم من عَلَاهُ حتى الملِك ! فذلك نظر الكون إذ يرحم ، ولا تخلو حاله من شر ، فذلك نظر الشرع إذ يذم الجمع إذ قَصَّرَ بِمَا عَطَّلَ من شريعة وَاقْتَرَفَ من نقيصة وَبَطَرَ من معيشة ، فكان من العقاب ما يُؤَدِّبُ تارةً وَيَسْتَأْصِلُ وَيَسْتَبْدِلُ أخرى ، ولكلٍّ منه حظ فلا يسلم من شؤمه أحد ، وإن كان في حق بَعْضٍ خيرا فهو كِيرُ ابتلاء به انْتِفَاءُ الخبث ، وهو عبرة إن كان له في الأرض استخلاف عَقِيبَ استضعاف ، فإن حصوله لا يوجب ديمومة ، بل متى كانت المخالفة عن جادة الحق كان العذاب ، فذلك سنن محكم لا يَتَبَدَّلُ ، فليس ثم نسبة بين الله ، جل وعلا ، وعباده إلا الطاعة ، وهي طاعة الفرد والجمع ، فلكلٍّ من التكليف ما يُوَاطِئُ ، فَإِنَّ فَرْضَ العينِ على العبد أن يسلك جادة التوحيد ، وأن يلتزم ما أطاق من أحكام التشريع ، وفرض الكفاية على الجمع أن يُوَلِّيَ من يُنْفِذُ أحكام الرسالة وينصب ميزان العدالة فلا يظلم في أقضية ولا يداهن في أعطية ، بل يَقْسِمُ لِكُلٍّ بالسوية ، ولا يُقَدِّمُ في دين أو دنيا إلا من كان أهلا أن يُقَدَّمَ ، فتلك أمانة لا يسلم صاحبها إلا أن يُؤَدِّيَهَا ، فإن خان في ديانة أو سياسة فعليه من الوزر ما عظم ولا يفقه ذلك من عمي وجهل فَظَنَّ الرياسة مغنما به يَتَرَفَّهُ فعلى الجمع يَتَرَفَّعُ وقد كان أذل الخلق فَلَمَّا علا أبان عن لؤم الأصل ، فكان من ذلك محل الشاهد في إنفاذ الحكم في عمل قوم لوط ، فقد أسند الفعل إلى الجمع في "وجدتموه" و "اقتلوا" ، فإن الجماعة هي مَنْ يُكَلَّفُ تكليف المجموع في إنفاذ الشرع الحاكم ، ولا يخلو الإسناد من تكليف الجميع وإن لم يُنْفِذْ كُلُّ أحدٍ الحدَّ أو التعزير ، فليس ذلك مما يستوفيه آحاد الناس وهم ، مع ذلك ، قد خوطبوا به ، فخطابهم أن يقيموا من يَسْتَوْفِي الحكم فهو النائب عنهم في منصب الرياسة ، فليس إلا الأجير الذي يُسْتَأْمَنُ فإن قَصَّرَ أو خان فَلَيْسَ إلا أن يُسْتَبْدَلَ أمينٌ به ، فلا يستقيم الأمر إلا أن يُوَلَّى الأمين وَيُعْزَلَ الخائن ، وإلا فانتظر الساعة إذ تفسد الحال بالمخالفة عن سنن الحكمة ، فَإِنَّهَا تَقْضِي أن يُوضَعَ الشيء في محله اللائق ، فَيُسْنَدَ إلى كل أحدٍ ما يلائم من الحكم ، فإنه يناط بالوصف الجالب ، فلا يستوي الأمين والخائن ، فالأول يمدح ويقرب ، والثاني يُنْفَى ويستأصل ، والأول يولى إن ولاية خاصة أو أخرى عامة فإن في ولايته الخير والصلاح إذ يعدل في الحكومة ويسوي في الخصومة فلا يداهن ولا يظلم وإن قَسَمَ بَيْنَ الناس لم يمنع صاحب الحق ويمنح من ليس له بأهل ، والثاني لا يولى ابتداء فإن في ولايته فساد الحال والمآل ، فشؤمه يعم جميع المحال والأحوال ، فلا يعظم دينا ولا يصلح دنيا ، فَتَعْطِيلٌ للأول وَتَضْيِيقٌ للأخرى ، فلا يَنْتَفِعُ به تَقِيٌّ ولا فاجر ، فمن رام الدين فَقَدْ عطله ومن رام الرزق فقد ضيقه ، إن حلالا يشرع أو حراما يحظر ، فقد ضيق على أهل الخير والشر جميعا ! ، وحسبك من شحيح قد عم شؤمه كل أحد ، من وافقه على فحشه ومن خالف ! .
فكان من العموم صدر الخبر ما تقدم ، فإسناد الفعل إلى ضمير الجمع في "وجدتموه" تكليف عام يستغرق وإن لم يباشره كل أحد لئلا تفسد الحال ويعظم الشر فإن هذه الجناية وسائر الجنايات مما تَعُمُّ به الْبَلْوَى فلا يكون استيفاؤه إلا بعد نَظَرٍ في الواقعة واستيفاء للأدلة يجاوز جمع الألفاظ والطرق والجمع بَيْنَهَا أو الترجيح ....... إلخ فذلك عمل المجتهد الذي يحرر المعاني والعلل ، فَيَسْتَنْبِطَ الحكم ، فعمله يَتَرَاوَحُ بَيْنَ تَنْقِيحِ المناط وذلك الأيسر إذ المعنى الذي أنيط به الحكم مذكور وإن لم يُفْرَدْ ، فجمع إليه من المعاني ما يطرد فليس يؤثر في الحكم وجودا أو عدما ، فاجتهد المجتهد أن يُهَذِّبَ هذا المعنى من الشوائب فهو يُنَقِّحُهُ مِمَّا علق به من المعاني الطردية فليست مناط تعليل في الأحكام الشرعية ، فَثَمَّ من العلل ما يسهل على أي ناظر دركه كما في الخبر محل الشاهد ، فَقَدْ أُنِيطَ الحكم ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الجواب : "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" ، فَاقْتَرَنَتْ به الفاء استصلاحا لِلَفْظِهِ إذ ورد أمرا يوجب ، فذلك الأصل في دلالته وهو من الإنشاء الذي تَقْتَرِنُ به الفاء إذا وَرَدَ جوابا لشرط فذلك موضع إيجاب في الباب كما قرر أهل النحو ، فمن مواضع اقتران الجواب بالفاء أن يُحَدَّ حَدَّ الأمر خاصة والإنشاء عامة فيستغرق الأمر والنهي ..... إلخ من وجوه الإنشاء في اللسان ، فأنيط الحكم وهو القتل الذي يستغرق الفاعل والمفعول ، أنيط بالمعنى الذي اشتق منه الشرط وهو ما كَنَّى عنه بالعمل فلم يذكره صراحة إذ يقبح ، فضلا أن نَسَبَهُ إلى القوم فَبَرَّأَ لوطا ، عليه السلام ، منه فلا ينسب إليه ، من وجه ، وهو ما اتخذه بعض النظار حجة أن يَنْفِيَ اشتقاق الفعلة من اسم النبي لوط ، عليه السلام ، فقد تَنَزَّهَ عنها إذ أَنْكَرَ وَتَبَرَّأَ ، ولو واحدا ، فامتثل ما وجب عليه ، فـ : (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) ، فلو كان ثم قوة وملك لتأول الحكم وأنفذه بما له من سلطان النبوة فهي منصب تشريع وقضاء وإنفاذ ، فالوحي يُشَرِّعُ ، والقاضي يحكم ، والسلطان يُنْفِذُ ، فلا يستقيم مُلْكٌ إلا بأولئك ولا يبلغ حد الاستخلاف الصالح إلا أن يسلك جادة الوحي النازل ، فلا يكون ملك طَبْعٍ أو ملك سياسة لا يقيم وزنا لمعنى الوحي الذي يجاوز الأرض فهو المرجع الحاكم من خارج ، فالناس ، كما يقول بعض المحققين ، الناس في الملك على أنحاء ثلاثة ، فثم الملك الرسالي الذي يخلف النبوة فهو معدن الصلاح في الدين والدنيا ، وثم ملك الطبعِ فصاحبه يحكم بالهوى والذوق ، وثم ملك السياسة فصاحبه وإن تحرى العدل فلا يجاوز نظره الدار الأولى ، فلا يستوي ذلك ، بداهة ، وَفَرْدٌ ليس له قوة يأرز إليها ، فلكلٍّ من التكليف ما يطيق ، فليس آحاد الناس ممن لا قوة لهم ولا سلطان كأصحاب الولايات ، وليس أصحاب الولايات على حد سواء ، فكلما اتسعت الولاية كان من التكليف في الأولى ما يضاهيها ، وكان من الحساب في الآخرة ما يُوَازِيهَا .
فَكَانَ مِنَ الْعِلَلِ ، كما تَقَدَّمَ ، ما يسهل دركه فهو منصوص مفرد لم يقارنه غيره من أوصاف الطرد التي لا تُؤَثِّرُ ، كما في الخبر محل الشاهد ، فكان الحكم بالقتل الذي أطلق فلا يمتاز فيه بكر من ثيب ، خلافا لمن قاسه على الزنى ، فثم قياس مع الفارق إذ لا شهوة في الجبلة قد ركزت في هذه الفعلة خلافا للزنى فثم فِيهِ ما يُشْتَهَى بالطبع السليم ، لا جرم كانت عقوبة الفعلة الأولى أكبر ، إذ لا داعي من الفطرة يستوجبها بل الطبع السليم منها يَنْفِرُ فلما كانت المخالفة للديانة والفطرة أعظم كان العقاب أعظم فأطلق واستغرق كُلَّ مَنْ قَارَفَهَا مكلفا مختارا ، وذلك قانون الحكمة أن يُعْطَى كُلُّ جرمٍ من العقاب ما يلائمه فلا تستوي العقوبة والجرم قد اختلف .
فكان من الفارق ما أثبته النقل والعقل والحس والفطرة ، فُقُبْحُ هذه الفعلة أظهر وفسادها أعظم فلا يُنْتَفَعُ بِمَنْ قَارَفَهَا في العادة ، فَقَلَّ ، كما يقول بعض المحققين ، أن يُسَدَّدَ إلى توبة أو علم نافع أو عمل صالح ، وإن كان الرب ، جل وعلا ، على إصلاحه قادرا فلا يعجزه شيء ، وإنما النظر في الغالب العام ، فالنادر لا حكم له فضلا أن إناطة الأحكام في الرسالة تكون بالمظنة فلا تعتبر حقيقة الحكمة في كل واقعة ، فذلك ، من وجه ، يشبه حكم الزنديق الذي تكررت ردته فلا تقبل توبته في أحكام الدنيا وإن صَدَقَ فهي تنفعه في أحكام الآخرة ، فإن تاب الفاعل والمفعول في فاحشة قوم لوط فلا تضيق بهم رحمة الرب المعبود ، جل وعلا ، في أحكام الآخرة ، فأحكام الدنيا تَنْفُذُ وصاحبها قد أَفْضَى إلى ما قد قَدَّمَ ، فهو عند ربه ، جل وعلا ، إن شاء عَذَّبَ عدلا وإن شاء غفر فضلا ، فَتِلْكَ كبيرة كسائر الكبائر فَثَمَّ قانون محكم يَنْتَظِمُهَا جميعا وإن كان بعضها أقبح من بعض ، فالجميع تحت مشيئة الرب ، جل وعلا ، ما لم تكن الكبيرة في نفسها ناقضة لأصل الدين ، أو يكون الفعل على حد الاستباحة أو الاستهزاء ، فإن مات من غير توبة فهو تحت المشيئة فضلا بالعفو أو عدلا بالأخذ ، وإن تاب وَقَدْ وَجَبَ الحد لم يَرْتَفِعِ بالتوبة فهو حق واجب لا يسقط إلا باستيفائه وقد رُفِعَ إلى الحاكم ذي السلطان النافذ ، فمحل العفو قبل الرفع ، وهو مما يَتَفَاوَتُ فيه النظر ، فقد يَعْظُمُ شَرُّ الفاعل أو الفعلة فيكون الرفع أولى من العفو ، وقد يرجح العفو في حق كريم قد عثر فإقالة عثرته أرجح ، ولكلِّ حال من النظر ما يلائم فذلك ، أيضا ، محل اجتهاد يضاهي اجتهاد القضاة في تحقيق المناط ، فعمل المجتهد ، كما تقدم ، أن يحرر المناط ومنه اليسير الذي يدركه كل أحد وهو ما قد نَصَّ عليه الوحي مفردا لم يَقْتَرِنْ به غيره كما تقدم في الخبر محل الشاهد ، فمناط الحكم وصف واحد قد ذُكِرَ مفردا وهو ما يُقَارَفُ من فعلة قوم لوط ، ومنه ما يجري مجرى التنقيح فيقترن به من وصف الطرد ما لا يُؤَثِّرُ في المعنى ، ومنه ما هو أدق فهو عمل المجتهد الحق فذلك تخريج المناط غير المنصوص فَثَمَّ نظر معقول يتفاوت فيه النظار ، كما يُضْرَبُ المثل باختلافهم في تخريج المناط في الربا ، فقد اختلف أهل الشأن في علة تحريمه خلافا مشهورا قد بسط في كتب الفروع وهو مثال قياسي في الدرس الأصولي على اختلاف المجتهدين في تعيين علة الحكم ، وثم عمل القاضي فهو من ينوب عن الجماعة في الحكم ، فذلك قدر يجاوز عمل المجتهد ، فسلطان المجتهد في النظر أوسع ، وسلطان القاضي في الإنفاذ أوسع إذ له من منصب الولاية ما ليس لآحاد المجتهدين ، إلا إن جَمَعَ إلى القضاء الاجتهاد ، فحاز المنصبين وجمع الحسنيين وذلك الوصف الأكمل ، وهو ما يجري على كل ذي ولاية إن في الديانة أو في السياسة ، فاشترط في ولاة السياسة والحرب من العدالة والكفاية ما لا يكون على الوجه الأكمل إلا إذا كان صاحبه من أهل العلم والاجتهاد ، فَشَرَطَ من شَرَطَ من أهل الشأن شَرْطَ العلمِ بل وزاد الاجتهاد ، وهو ، من وجه آخر ، مما يَتَفَاوَتُ ، فإن اجتهاد القاضي أن يحرر الأدلة والأحكام وأن ينفذها في الوقائع فعمله بالشرع أليق ، واجتهاد الولاة وإن اعتبر فيه الشرع إلا أن ثم قدرا آخر يزيد ، فلا بد من علم بطرائق السياسة والحرب ، وما يكون فيها من الخداع والمكر ، لا جريانا عليها وإنما حذرا واحتياطا على وزان عمر ، رضي الله عنه ، فليس بالخب ولا الخب يخدعه ، فاجتهاد كُلٍّ بما يَلِيقُ بمنصبه وهو أليق بقول من جَوَّزَ التجزؤ في الاجتهاد فلكلٍّ منه حظ فَيُوَلَّى من الأمر ما يضاهيه وذلك ، أيضا ، مناط حكمة به حفظ الدين والدنيا أن تؤدى الأمانة فَيُوضَعَ الشيء في المحل الذي يلائم ، فَيُوَسَّدَ الأمر إلى أهله ، فمجتهد القضاء يُوَسَّدُ إليه أمر الفصل في الخصومات ، ومجتهد السياسة يُوَسَّدَ إليه الأمر في العدل بَيْنَ الناس ، ومجتهد الحرب يُوَسَّدُ إليه الأمر في تعمير الثغور وإنفاذ البعوث وقيادة الفتوح ..... إلخ ، والجميع تحت سلطان واحد ، فالوحي رائدهم في الأمر والنهي ، فهو المرجع الذي يجاوز الجميع ، والحكمة توجب هذا التقسيم فَيُعْطَى كُلُّ ذي كفاية ما يلائم ، فإذا لم يُعْطَ وأعطي غيره فائتمن الخائن في ديانة أو سياسة أو قُدِّمَ من ليس ذا كفاية ولو كان ذا ديانة وأمانة فهو ضعيف ، فإذا كان ذلك كان النقص في الشرع والملك ، فلا يقوم به إلا القوي الأمين ، فهو الأجير المصلِح ، فهو صالح في نفسه أمين مُصْلِحٌ لغيره فهو قوي مكين له من إنفاذ الحكم ما به يستقيم الأمر .

وكل أولئك : الاجتهاد والقضاء والولاية وإنفاذ الأحكام كلها مما خوطبت به الأمة خطاب العموم كما في هذا الموضع إذ أسند الفعل "وجدتموه" إلى ضمير الجمع ، فذلك ، من وجه ، مما يجري مجرى المثال لعام يستغرق جميع الأحكام ، فالأمة قد خوطبت بها أن تُنِيبَ عَنْهَا من به تحصل الكفاية في وظائف الدين والسياسة ، فيكون من شُورَاهَا ما به اختيار الجمع الناصح : أهلِ الحل والعقد حقيقة لا مجازا ! ، فأولئك سَبَبُهَا أن تأطر أصحاب الولايات على كلمات الوحي والعدل المحكمات ، فإن فسد أولئك وهم الملح فصاروا تَبَعًا للولاة إذ اشتروا العاجلة بالآجلة فضاهوا الأحبار من بني إسرائيل فكانوا من الخلف المذموم في قول الرب المعبود جل وعلا : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فإن فسد أولئك فقد فسدت الحال جميعا فَعَظُمَ الشؤم دُنْيَا وَدِينًا ، وإن لم تأطرهم الأمة على الحق فَلَهَا حق أصيل في الإنكار والتولية والعزل بما يواطئ مقاصد الشرع وأحكامه في ملك الوحي الراشد ، فإن صار ملك طبع ، أو ملك سياسة لا غاية له إلا إصلاح الأولى دون نظر في الآخرة ، فعدله يَقْصُرُ إذ لا يجاوز دار العمل ، فالعدل التام ما بشرت به الرسالات فبه صلاح الدارين ، فإن صار الملك جورا ومداهنة للظالم وطمعا في فُتَاتِهِ فذلك وصف اللص الذي يطرق باب السلطان الجائر طلبا لعطية بها يَبِيعُ الدين والأمانة ، وذلك معدن الشؤم والفساد الذي يستغرق الدارين ، فإعمال الوحي صلاح لهما ، وإهماله فساد لهما وإن حصل من عدل السياسة المحدثة ما لا ينكر إن كان السلطان يقسط ويقسم بالسوية ، ففي عدل الوحي ما هو أكمل إذ يستغرق الدارين .
فأسند الفعل إلى الجمع على الوجه آنف الذكر إن في الشرط : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ " ، والوجدان هنا ، وجدان الحس كأن يوجد حال المقارفة أو وجدان الشهادة إن قَذَفَ غيره بهذه الفاحشة ، فيجب عليه أن يقيم أربعة شهداء وإلا جلد حد المفتري ، فيلحق ، كما يقول أهل الشأن ، بالقذف بالزنى والقذف بإتيان المرأة من دبرها .... إلخ من سائر أجناس الإتيان المحرم سواء أكان مما يشتهى طَبْعًا أم مما ينفر منه الطبع السليم فذلك وجه في القياس يطرد إذ مناطه صيانة الأعراض أن تستباح فألحق القاذف بفاحشة قوم لوط بالقاذف بالزنى ، فهو يدخل في عموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، فقذف المحصَن يلحق بقذف المحصنة ، وذلك قياس أول ، والقذف بفعلة قوم لوط يُلْحَقُ بالقذف بالزنى ، وذلك قياس ثان ، فلا يقتصر الحد على القذف بالزنى وإنما يعم كل فواحش الفروج وإن لم يُسَوَّ بينهما ، كما تقدم ، فلا يفرق بين البكر والثيب في فاحشة قوم لوط فمحل القياس في باب دون آخر ، في القذف فكلا القاذفين يُحَدُّ ، دون الفعل فيفرق بين الزاني البكر ونظيره الثيب خلاف من قارف فاحشة قوم لوط فحكم الثيب كالبكر سواء بسواء .
والشاهد أن الفعل قد أُسْنِدَ إلى ضمير الجمع إن في الشرط : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" ، أو في الجواب : "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" ، وإسناده في الجواب يجري ، كما تقدم ، مجرى التنويه بتكليف الجمع أن يقيم من سلطان الشرع والعدل من ينوب عنه في إقامة الشرع واستيفاء الحد ، وذلك أمر يعم كل أحكام الشريعة فلا يقتصر على أحكام الجلال كالحد وإنما يَعُمُّ أحكام الجمال ، فيستغرق سائرَ الحكومات الشرعية الدينية أو الدنيوية ، ولا يخلو الإسناد ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى المجاز ، عند من يُثْبِتُهُ في الشرع واللسان إذ خاطب الجماعة بضميرها في "اقتلوا" وأراد الواحد وهو الحاكم الذي إليه إنفاذ الأحكام ، فخوطب في مجموع الأمة التي تُنِيبُهُ عنها في استيفاء الحق العام ، ومن ينكر المجاز في الشرع واللسان فذلك عنده مما يجري مجرى الحقيقة بالنظر في عرف اللسان إذ خطاب الجماعة في الوظائف العامة يَسْتَلْزِمُ بداهة إقامة من ينوب عنها في ذلك ، وكلا الوجهين يصح ، إذ الجهة قد انفكت فخطاب الجماعة بالنظر في التكليف العام ، وخطاب الواحد ، وهو الحاكم ، فهو بالنظر في التكليف الخاص بمباشرة الإنفاذ ، على حد التلازم بين الشطرين تلازم العلة والمعلول ، فلا تخلو الفاء في : "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" ، وإن كانت نصا في الاقتران الواجب أن كان الجواب ، كما تقدم ، إنشاء ، لا تخلو أن تكون سَبَبِيَّةً ، ولا تخلو أن تدل على فور وتعقيب فذلك آكد في تقرير الحكم فالمبادرة إلى إنفاذه حتم لازم ، وذلك ، أيضا ، ما قد أُسْنِدَ إلى ضمير الجمع ، وإن استوفاه واحد وهو من له الإنفاذ من أصحاب الولاية فَعَنْ قَضَاءِ الشرع يصدرون ، فَثَمَّ شرع يوجب وثم قاض يحكم وثم سلطان يُنْفِذُ ، فلا يكون ذلك ، أيضا ، لآحاد الناس ، وإن خوطبت الجماعة في الشطرين فخطاب الكفاية الواجب على المجموع وإن كان منه قدر يُنَاطُ بالجميع فلا يخلو أحد من تكليف ، ولو في الأحكام العامة ، فإن واجب الآحاد حمل أصحاب الولايات عليها ، فالأمة من يستشار ، والأمة من يختار النائب في حراسة الدين وسياسة الدنيا بأحكامه ، والأمة من يرقب وينكر على من يقصر ، وهي من يُوَلِّي ويعزل على وجه محكم لا إفراط فيه يُفْضِي إلى الفوضى ولا تفريط يُفْضِي إلى إقرار الظلم والطغيان ، فذلك باب يدق والبلوى به تعم لا سيما في الأعصار المتأخرة إذ غاب الرائد الناصح وَعُطِّلَ الوحي النازل فعظم الشؤم فلا نظر يصح لا في تولية ولا في عزل ، فقد سُلِبَ الجمع حقه الأصيل في الشورى ، واستبد السلطان وطغى بما استجمع من أسباب الجاه والرياسة ، فسلب الجمع قوة الإنفاذ التي بها يحكم ، كما في شطر الخبر الثاني : "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" ، فليس هو من يباشر القتل وإنما يستنيب عنه من ينفذ أحكام الشرع ، كما في هذا الموضع ، فهو ، كما تقدم ، مما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فكان من إطلاق الحكم قتلا ما قد عَمَّ كل مُقَارِفٍ لهذه الفعلة فاعلا أو مفعولا ، بكرا أو ثيبا ، فلا يقاس على الزنى فذلك القياس مع الفارق ، فهو قيد لاغ لا يعتبر إذ لم يعتبره الوحي ، والموضع موضع بيان لا يجوز فيه التأخير عن وقت الحاجة ، فَلَمَّا سكت فَتَرَكَ الاستفصال في موارد الاحتمال فالمقال يَتَنَزَّلُ منزلة العموم المستغرق فَيَسْتَوِي فيه كل فاعل وكل مفعول ، فيقتل قولا واحدا بلا تفريق بين ثيب وبكر ، فضلا أن يكون الاجتهاد مع النص فَثَمَّ من أجراه مجرى التعزير ، فذلك اجتهاد وثم نص ، وذلك مما فسد اعتباره إذ خالف عن النص المحكم ، فكان من الأمر ما أطلق وهو ، بداهة ، مما يجري فيه التخصيص كسائر أحكام التكليف ، فَثَمَّ تخصيص بالعقل يخرج صغيرا لا يدرك أو هو يميز ولكنه لا يكلف ، ويخرج المكرَه الذي غُلِبَ على نفسه فَدَافَعَ مَنْ صال على عرضه فغلبه ، فلا يُؤَاخَذُ إذ لم يقارف الفعلة اختيارا .

والله أعلى وأعلم .