من وجوه التفضيل لصاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قد ورد في مواضع من الآي والآثار ، كما في الخبر المشهور : "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش ، واسترضعت في بني سعد بن بكر" ، وإن كان لا يصح في النقل فمعناه يصح ، كما يقول أهل الشأن ، فَحُدَّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين "أنا" و "أفصح من نطق بالضاد" ، وهو ما حكاه حكايةَ الخبرِ لا الفخر ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" ، فذلك ، أيضا ، من الخبر لا على جهة الفخر ، وإنما يجري القول ، كما يقول بعض المحققين ، مجرى التأويل امتثالا للأمر في قول الرب جل وعلا : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، فكان من "أما" شرط يجري مجرى العلة فالجواب هو الحكم الذي يدور معها وجودا وعدما ، فَحَدِّثْ تَحْدِيثَ الشاكر لا الأشر المفتخِر الذي ينسب الفضل إلى نفسه فيجحد نعمة الله ، جل وعلا ، وفضله ، فذلك وصف قارون وهو من أعظم من جحد النعمة فكان الخسف به وبداره عبرة أي عبرة ! ، وهو ما حكاه التنزيل حكاية التعليل فتلك دلالة الفاء في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) ، فما كان من الخسف إلا لما تقدم من الجحد والكبر ، والفخر والأشر ، فكان الخسف فرعا على ما تقدم فهي العلة وهو المعلول فكان من الحكم ما هو مع العلة يدور وجودا وعدما ، فيلازمه طردا وعكسا ، فمن وافقه في الوصف فله من الحكم بقدر ومن خالفه فَقَدْ سَلِمَ من العقاب فلا خسف ولا فضح ، وذلك قياس محكم قد اطرد في باب الوعد والوعيد فمن سلك جادته فله من جنس العقاب شعبة وإن لم يوافقه في الماهية والكيف ، ومن خالف عنها فَلَهُ من السداد والتوفيق بقدر ما وافق الحق وخالف عن ضده .
والشاهد أن التحديث بالنعمة فرع على منحها ، فكان من الشرط "أما" في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، ما أفاد التلازم ، ولا يخلو السياق ، كما يقول بعض المعربين ـ من دلالة الإيجاز حذفا فالفاء صدر الكلام : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) ، مئنة من شرط مقدر على تأويل : فإذا كانت الحال كذلك وكان من فضل الرب المانح ، جل وعلا ، فمهما يكن من يتيم فلا تقهر ، ومهما يكن من نعمة فَحَدِّثْ بِهَا تحديثَ الشاكر ، ولا يخلو ذكر التحديث أن يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فالشكر فعل ذو شعب تتوزع على المحال الباطنة والظاهرة ، فالشكر منه اعتقاد بالجنان ، ومنه قول باللسان ، ومنه عمل بالأركان ، فـ : (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، وهو ، من وجه آخر ، مما يقتصر على النعم والمنح خلاف الحمد فهو يكون في المنح والمحن جميعا ، فكان من التحديث ما ظاهره التحديث باللسان ، فذلك المذكور فلا يخلو من دلالة على آخر محذوف وهو ما يكون من شكر بالجنان وآخر بالأركان ، فذكر اللسان ، من هذا الوجه ، خاص يراد به عام وهو عموم الشكران ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن دلالة التحديث وهو من الحدث الذي يكون بعد عدم ، فَيُوجِدُ الشاكر من آلاء الشكران ما به يتأول الأمر ، فيكون إيجاد الصورة العلمية في الجنان شكرا باطنا ، ويكون إيجاد الصورة اللسانية نطقا يظهر ، ويكون إيجاد الصورة العملية أفعالا وتروكا تصدق ، فلا يكون ثم مجاز ، فالتحديث ، بادي الرأي ، قد استغرق جميع المحال ، فلا يقتصر على تحديث اللسان ، وهو ما يرفده إطلاق العامل ، عامل التحديث في الآي المنزل : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، ولا يخلو من خصوص آخر قد دل على عموم إذ خوطب به ، بادي الرأي ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتوجه إليه الخطاب ، من وجوه ، فهو أول من خوطب أن يؤمن ، وهو أول من خوطب أن يبلغ ويبين هذا النجم الرسالي المتواتر ، وهو ما يصدق في كل ما نَزَلَ من الوحي ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا بلسان عربي يفصح ، فكان له صلى الله عليه وعلى آله وسلم منه المنزل الأعلى ، فهو أفصح العرب ، وإن لم يصح لفظ الخبر ، فـ : "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش ، واسترضعت في بني سعد بن بكر" ، فالمعنى يصح ، فكان من ذكر الخصيصة ما يجري ، أيضا ، مجرى التحديث بنعمة الله ، جل وعلا ، فهو كالمثال الذي يبين عن العموم المستغرق الذي دل عليه عامل التحديث الذي أطلق في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، فَتَأَوَّلَهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بالنظر في معنى الخبر آنف الذكر ، فَحَدَّثَ أنه الأفصح ، وهو ما صَدَّقَهُ بجوامع كلمه فكانت الدليل على الدعوى ، فَصَدَّقَتْهَا ودحضت دعوى الخصم أنه مجنون أو ساحر ...... إلخ ، فقد جاء بما أشاد به قومه وهم معدن اللسان الأفصح ، فما عَهِدُوا عليه الكذب أو التخليط ، فكلامه كلام العاقل المفصِح الذي يحسن يقضي وينطق بالحق ، فكان له من القضاء قبل البعثة ما شهد بكمال العقل ، وهو المنطق الباطن ، فكان من منطق الظاهر ما يصدقه فهو تأويله في الخارج ، كما في يوم إكمال البيت ووضع الحجر موضعه فاختلف الجمع أيهم يضعه وكاد الاقتتال يقع حمية وعصبية حتى رضوا حكم خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الصادق الأمين الذي رضي القوم سريرته وعلانيته ، فَحَدِّثْ بالنعمة ، فهي داخلة في عموم "نعمة ربك" ، في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وإضافتها ، لو تدبر الناظر ، مما يجري مجرى العموم المستغرق لجميع النعم ، فمنها نعم وهبية كالفصاحة وجمال الخلق والهيئة ..... إلخ ، ومنها أخرى كسبية كالعلم وإن كان منه ما هو وهب ، فثم قوة العقل والمنطق ابتداء فيكون المحل معدن حِفْظٍ وَفِقْهٍ ، فضلا عن الهبة العظمى التي لا تقبل الشركة فلا تكتسب برياضة أو نظر وهي هبة النبوة فهي أعظم نعمة ، ولو حملت النعمة في الآية عليها حملان العهد الخاص فذلك مما يقصر دلالة الأمر في الآية : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ لم يضاهه أحد في هذا المنزل فلا كسب فيه ولا اجتهاد ، بل الوهب فيه يظهر إما وهب المحل الأول أن أعده الله ، جل وعلا ، باطنا وظاهرا أن يتحمل الوحي حملان البلاغ والبيان الأول ، وهو إعداد يزيد على ما قد جبلت عليه بعض المحال من زكاء وذكاء فذلك محل اشتراك بالنظر في المعنى المطلق الذي يجري مجرى الجنس العام فتندرج تحته آحاد منها ما قد زِيدَ في إعداده أن يقبل من الوظائف الرسالية ما لا يحصل بالطرق الكسبية فلا يحصل برياضة بدن أو نظر ، وإنما يحصل بهبة ثانية تجاوز الهبة الأولى ، فالمحل قد زِيدَ فيه ما به انفرد فامتاز من بقية المحال الزكية الذكية بمزيد عطية وهي ما جعله أهلا أن تُجْعَلَ فيه الرسالة فذلك فضل الله الأجل ، تبارك وتعالى ، فَيَهَبُهُ من يشاء وهب القدرة والحكمة فلا يضعه في محل لا يقبل وإنما أَعَدَّ المحل ابتداء واختاره بالعلم الأول المحيط ، ثم اصطفاه الاصطفاء الأخص الذي لا تجوز فيه شركة الكسب ، من وجه ، وإن جازت فيه شركة الوهب فهي تقتصر على من اصْطُفِيَ من الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، فذلك من التفضيل الذي نُزِعَتْ دلالته إذ الله ، جل وعلا ، العالم العلم المحيط الذي يستغرق جميع المقادير الكونية والشرعية ، فذلك وصف لا يقبل الشركة وإن جاز التفضيل ، من وجه آخر ، بالنظر في معنى العلم المطلق ، فهو كالجنس العام الذي تندرج تحته آحاد تتفاوت ، فـ : (فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ، وفوق الجميع الرب الحكيم الخبير ، تبارك وتعالى ، بعلمه الأول المحيط وعلمه الثاني الذي يحصي فهو يُصَدِّقُ ما قد ثَبَتَ في الأزل من المقادير الربانية ، فهو ، جل وعلا ، أعلم بالمحال التي اختار لتقبل آثار الوحي فأعدها إعدادا يزيد فهي ترجح بقية المحال ، وإن زكية ذكية ، فَزَكَاءُ الرسالة ورعا وذكاؤها حفظا وفقها قدر يزيد لا تصح فيه الشركة وإن صحت في المعنى المطلق في الذهن ، فثم من القدرة في إعداد هذه المحال ، وثم من الحكمة في اختيارها ، وثم أخرى في التفاضل بينها ، فالهبة الرسالية ، لو تدبر الناظر ، مما يتفاوت بالنظر في الآحاد لا النوع ، فماهية الرسالة المطلقة واحدة ، وإن كان ثم تباين في الآحاد في الخارج فَثَمَّ من التفضيل ما استحق التحديث آنف الذكر ، فـ : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، فكان من الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن ، معنى الرسالة ، ما لا يحول دون الاختلاف بين آحادها في الخارج فهي على درجات تتفاوت ، وذلك ما لا يكون إلا بالقدرة والحكمة أن أَنْزَلَ الله ، جل وعلا ، كُلًّا منزله الذي يلائم ، فالحكمة في التفضيل بين الرسل ، عليهم السلام ، فلكلٍّ من الرسالة ما يلائم حاله ، فكان التفاوت أن اختص أولو العزم بقدر زائد ، بل وَتَفَاضَلُوا فيما بينهم ، على الترتيب المشهور ، فأعلاهم صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده الخليل ، عليه السلام ، ثم موسى الكليم ، عليه السلام ، ثم نوح والمسيح في منزلة واحدة ، على تفصيل ، فالحكمة في التفضيل بين الرسل ، عليهم السلام ، كالحكمة في تفضيلهم على بقية البشر إذ اختصوا بوهب زائد : وهب الإعداد للمحال أن تقبل آثار الرسالات ، ووهب الإمداد بمادة الوحي بواسطة الملَك الذي ينزل بالخبر والحكم .
والتفضيل بين الرسالات ، كما في الآية : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، لا يخلو ، كما تقدم ، من الحكمة والقدرة ، فثم جمال الحكمة في الاختيار وجلال القدرة في جَبْلِ المحال أن تقبل آثار الرسالات ، فذلك من الكمال الذي حَسُنَ معه إسناد العامل ، عامل التفضيل الذي تعدى بتضعيف العين ، عين الفعل "فضَّل" ، إسناده إلى ضمير الفاعلين في "فَضَّلْنَا" مئنة من التعظيم فهو مما يحسن في هذا الموضع ، وهو ما قُيِّدَ فَلَمْ يُطْلَقْ ، فكان من النهي أن : "لا تفاضلوا بين الأنبياء" ، فذلك إنشاء يقيد الخبر في الآية : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، فيحمل ، كما يقول أهل الشأن ، على تفضيل التعصب الذي يُنْتَقَصُ فيه من المفضول ، فذلك محرم لا يجوز ، بل قد يُفْضِي بصاحبه أن يمرق من الملة فانتقاص نبي واحد كالكفر به ، والكفر بواحد كفر بالجميع ، وذلك قياس العقل المحكم إذ من فَرَّقَ فقد خالف بين المتماثلين فَخَالَفَ المنقول الصحيح والمعقول الصريح ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) ، وذلك ما يهدم الركن الرابع من أركان الإيمان : الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، فكان من تَأَوُّلِ صاحبِ الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم للأمر في الآية : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، أن حدث بما تَقَدَّمَ من فصاحة اللفظ وبلاغة المنطق ، فهو أفصح العرب وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى العهد الخاص فهو مما يستفاد من أفعل التفضيل "أفصح" ، وإن جازت الشركة في المعنى المطلق في الذهن ، فالفصاحة جنس عام قد اشترك فيه العرب جميعا ، لا سيما النخبة من قريش ، فكان من الإطناب بالعلة : "بيد أني من قريش ، واسترضعت في بني سعد بن بكر" ، على تقدير : من أجل أني من قريش ، فذلك شطر أول ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فذلك شطر ثان فهم من أفصح البوادي فَنَشَأَ عندهم وتحمل من لسانهم ما هو الأفصح ، فكل أولئك من الإعداد الأول ، وهو ما زاد في المحل ، فكان من الوهب ابتداء ما يلائم الوهب انتهاء أن يتحمل من الرسالة ما هو أخص من وهب الفصاحة وكمال الخِلْقَةِ التي تطيق الاتصال بروح القدس فَتَتَحَمَّلُ عنه من الرسالة ما يَثْقُلُ ، فلا يَحْتَمِلُهَا عامةُ الخلق وإن شاطرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصل الخلقة ، فذلك ، أيضا ، من الجنس العام الذي تجوز فيه الشركة بالنظر في المعنى المطلق في الذهن ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، وإن كان ثم خلاف في الهيئة والماهية في الخارج وإن بين آحاد الناس من غير الأنبياء ، عليهم السلام ، فكيف بالأنبياء ومن دونهم فالاختلاف أعظم وإن لم يخرجهم عن حد البشرية كما قد زعم بعض الغلاة أن خلقتهم نورانية تخالف عن الجبلة البشرية ، بل لهم منها ما يماثل في الأصل بقية الجبلات وإن كان ثم فرق رئيس فهو الفرق بما تحمل من الكلمات الرسالية ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فذلك شطر أول يبين عن التماثل في الخلقة الكونية وإن في الأصل الطيني الأرضي المحدث ، و : (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، فذلك شطر ثان يميز ، فامتاز منهم بما تحمل من الوحي المنزل ، فكل أولئك من نعمة الوهب الزائد على الأنبياء عليهم السلام ، فمعنى العهد الخاص فيه يرجح ، وهو ما تأوله صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في موضع آخر ، كما في الخبر آنف الذكر : "أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة" ، فَحُدَّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين "أنا" و "سيد ولد آدم" ، وهو مما يحمل على الحقيقة فذلك وصف لا يقبل الشركة ، فتأويل الكلام : أنا أفضل البشر ، فتلك مقدمة أولى ، وهو ما يستجلب مقدمة أخرى في النظر المركب : والبشر أفضل الخلق فهم أفضل من جنس الملَك على تفصيل في ذلك ، فالنتيجة : أنا أفضل الخلق ، وهو ما رشحته أفعل التفضيل فهي ، كما تقدم ، مئنة من العهد الخاص ، وكذلك الشأن في الشطرين التاليين : "وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر , وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع" ، فأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه المنازل الشريفة والأوليات المنيفة لا فخرا وإنما تأولا لما تَقَدَّمَ من الأمر في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، ولا يخلو الإخبار ، من وجه آخر ، أن يكون من البلاغ والبيان ، فيدخل في عموم الأمر أن : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ، فذلك مما به كمال الدين اعتقادا ، فوجب البلاغ والبيان له ليصدق ، كما قد وجب البلاغ والبيان للأحكام لِتُمْتَثَلَ فيكتمل الدين خبرا وإنشاء ، تصديقا وامتثالا ، قولا وعملا بهما حد الإيمان ، فهو القول والعمل ، فالقول منه ما بطن من التصديق والإقرار ومنه ما ظهر كالشهادة والذكر ، والعمل منه ما بطن كالرجاء والخوف ، ومنه ما ظهر كالصلاة والصيام والحج ومناجزة أعداء الملة إن بالكتاب الهادي أو بالحديد الناصر ، فلو اقتصر التحديث على هذه النعم الخاصة ، وأخصها نعمة الرسالة ، فإن الأمر في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، يقتصر على خطاب المواجهة الأول ، فذلك محل لا يقبل الشركة ، لا سيما وسياق الخطاب يقتصر على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُتْمًا وَفَقْرًا ...... إلخ ، وإن كان ثم أصل أول يستصحب في خطاب الشرع وهو ما يستغرق كل مخاطب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وإن اختص المخاطَب الأول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقدر زائد فهو أول مَنْ كُلِّفَ أن يؤمن فيصدق ويمتثل ، وهو أول مَنْ أُمِرَ أن يُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ ، فلو اقتصرت النعمة على نعمة الرسالة فكانت الإضافة في "نعمة ربك" مئنة من العهد الخاص فذلك ما يقصر الأمر في "حَدِّثْ" على صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ، من وجه آخر ، ما يجعل الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف فذلك يحمل على النعمة الدينية المنزلة ، النعمة الرسالية خبرا وحكما ، فكلها من كلمات الله ، جل وعلا ، والكلام من وصفه ، من وجه ، وهو من عِلْمِهَ ، من آخر ، وكلاهما الكلام والعلم من وصف الرب ، جل وعلا ، وتلك نعمة تعظم والنعم ابتداء مما ينصرف إلى عطاء الربوبية فحسن ، من هذا الوجه ، أن تضاف النعمة إلى اسم الرب ، جل وعلا ، فكل أولئك مما يقصر الأمر على المخاطب الأول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن المخاطب الثاني وهو أهل التكليف عامة ، إنه يدخل في حد الأمر ولو اقتصر على نعمة النبوة فهو مخاطب أن يحدث بها ثانيا بعد تحديث الرسالة الأول ، فَيُبَلِّغَ مِنْهَا وَيُبَيِّنَ ما قد تحمل ، فـ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً" ، فيدخل ، من هذا الوجه ، ويدخل من آخر أولى ، لَوْ حُمِلَتِ النعمة على المعنى الأعم ، الديني والدنيوي ، فتكون الإضافة ، من هذا الوجه ، ذات شطرين ، شطر التشريع من كلمات الرسالة وهو ما يُحْمَلُ ، كما تقدم ، على إضافة الوصف إلى الموصوف فنعمة التشريع وحي وهو من وصف الرب ، جل وعلا ، كلاما وعلما ، وشطر التكوين فَنِعَمُ الله ، جل وعلا ، المخلوقة تَتْرَى فلا تُعَدُّ ولا تحصى ، فـ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ، فمنها نعمة الخلقة التامة والصحة الوافرة والمال والجاه ...... إلخ ، فذلك من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فاحتملت الإضافة كلا الوجهين فلا تعارض وهو ما يرفد دلالة الأمر في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، فاستغرق كل أحد فكلٌّ يُحَدِّثُ بِمَا قد وُهِبَ مِنْ نِعَمٍ ، وما اكتسب من أخرى فاكتسابه لا يخلو من منة ربانية أولى أن أعد المحل وهيأ له أسباب الاكتساب ، واستغرق جميع أجناس التحديث بالجنان واللسان والأركان ، فكل أولئك مما استغرقه العامل "حَدِّثْ" إذ أطلق ، وهو ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

والله أعلى وأعلم .