ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي : الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" ، فكان من المضارعة في "يترك" ما به استحضار الصورة ، فنص على التروك التي بها يتعبد التارك ، فهو يترك الطعام والشراب وما يهيجانه من الشهوة ، وثم عموم يجاوز في حد الصيام فإنه لو شرب ما لا ينتفع به البدن فقد أفطر ، ولو ابتلع التراب أو الحصا فقد أفطر ، فثم معنى يجاوز وهو ما يدخل الجوف من الفم والأنف فهي منافذ الجسد الجبلية خلاف العين والأذن والشرج ، فالشرج مما يستدفع منه الأذى ، فإذا دخل البدن منه شيء فعارض لا يقاس عليه ، فضلا أنه لا يباشر مواضع الحس التي بها يلتذ الآكل والشارب ، وما يدخله فيه من دواء فمنه ، كما يذكر أهل الشأن ، ما يستخرج به أذى البدن كما يضرب المثل بالحقنة ، وهي ما يطهر الجوف من القذر ، فما يدخل فليس يُرَادُ له أن يستقر في الجوف وإنما يَخْرُجُ وقد احتمل الأذى أو سهل خروجه من البدن فلا يفطر الصائم وإن كان المشهور أنه يفطر ، فكان من ذكر الطعام والشراب في الخبر ما يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام وهو كل ما يدخل البدن من منافذ الجبلة وإن لم يكن طعاما أو شرابا يَنْفَعُ ، وكذلك الشأن في الشهوة ، فدلالتها أعم مِمَّا يَتَبَادَرُ من الجماع ، فَتَسْتَغْرِقُ كل ما به قضاء الوطر ، حَلَّ أو حَرُمَ ، جامع أو لم يجامع ، كمن يباشر بشهوة فيخرج منه الماء رغما فهو مفطر بما تعاطى من مبدإ الشهوة فلم يعتبر بسد الذريعة مع ما قد علم من ضَعْفِ نفسه فلا يملك إربه ، فهو مفطر وإن لم يجامع ، وعليه يُحْمَلُ مَنِ استحضر صورة الشهوة في خياله قَصْدًا ، فَتَكَلَّفَ ذلك وأدخله على نفسه طوعا حتى خرج منه الماء بلذة ، خلاف من غلبته الفكرة فهجمت عليه دون أن يَتَقَصَّدَهَا فالواجب أن يجتهد ما استطاع في دفع هذه الفكرة ، فيشتغل بِنَافِعٍ من دين أو دنيا ، فما هجمت الفكرة وتمكنت إلا أن صادفت قلبا خاليا من الفكرة الرشيدة فتمكنت إذ المحل خال من الخير فسهل على الشيطان أن يشغله بوسواس وفكرة استرسل صاحبها فلم يُدَافِعْ فصارت هما جازما وذلك محل المؤاخذة ، لا هم الخاطر الذي وقع في نفس يوسف ، عليه السلام ، فتلك خاطرة طرأت سرعان ما دَافَعَهَا فلم يسترسل ، فاستحضر برهان ربه ، جل وعلا ، فَذَلِكَ ما عصمه من الوقاع المحرم ، فكذلك من هجمت عليه فكرةُ شَرٍّ فهو يجتهد أن يدافعها فلا تصير هَمًّا جازما ، فلا يؤاخذ بِهَمٍّ طارئ فهو من الخاطر العارض فدافعه حتى غلبه بما يكون من وارد الخير النافع ، فاشتغل المحل بالخير فلا يزاحمه ضده من الشر ، فقد امتلأت الكأس فلا تشتغل بمائعين ، وإنما يشغلها واحد فهي لمن غلب فسبق فَمَلَأَ الفراغ واستقر ، فالقلب لما غلب عليه من الفكرة ، خيرا أو شرا ، فإن هجم طارئ الفكرة فاجتهد الصائم أن يدفعه ما استطاع فكان من التدافع ما به رَدَّ الصائمُ الصائلَ من خيال الشهوة ، فإن غلبه الصائل وقد اجتهد في دفعه فلا إثم عليه بل قد يُثَابُ بِمَا بَاشَرَ من أسباب المدافعة ، فقد استغفر واشتغل بضد الخاطر فلم يزل يدافعه فإن غلبه فقد أتى بالواجب فلا يأثم ولا يفطر خلاف من فتح الباب على مصراعيه بل واستجلب العدو الصائل أن يدخل عليه داره ، فهو آثم وهو مفطر بما باشر من لذة التفكر وما كان من خروج الماء فهو معيار الشهوة وبه أنيط حكم الإفطار إن لم يكن ثم إيلاج وإلا فالإيلاج هو معيار الحكم الأول في فطر الصائم ، وهو المعيار في حد زَانٍ أو ثبوت إحصان أو مهر مدخول بها ...... إلخ ، فخروج الماء بِلَذَّةٍ ناقض يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من فعل الوقاع ، فذكره في حد الصيام يجري ، أيضا ، مجرى الخاص الذي يراد به العام ، وهو كل ما يصدق فيه في الخارج أنه سبب في قضاء الوطر ، ومنه خروج الماء بلذة قصدا ، فخرج ما يكون من خروجه لِعِلَّةٍ ، أو خروجه غلبةَ شهوةٍ بلا قصد مع اجتهاد صاحبه أن يُدَافِعَ الخاطر المحرم ، فكان من ترك الطعام والشراب والشهوة على التفصيل آنف الذكر ، وهو ما يستلزم نية مخصوصة ، أبان عنها ما تلاها من النص على العلة فتلك دلالة اللام في "مِنْ أَجْلِي" ، فلا تخلو من دلالة التعليل فضلا عن لفظ "أجل" ، سواء أسبقت بـ : "مِنْ" السببية كما في قول رب البرية جل وعلا : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) ، أم سبقت باللام كأن يقال : فعل كذا لأجل كذا ، فكان الترك لله ، جل وعلا ، وكل نسك فهو له وإنما خص الصيام إذ الرياء فيه أبعد ، وإن جاز ، فهو من عبادة السر ، فلا اطلاع لأحد عليه فقد يفطر العبد سرا ولا يراه أحد من البشر فالله ، جل وعلا ، قد اطلع عليه ، فكان من كمال المراقبة في هذا النسك مع غيبة الرقيب الأرضي ، كان منه ما اختص به الصيام وإن جاز أن يقع فيه الرياء إلا أنه دون الرياء في غيره ، فضلا أن جنس العبادة ، كما يقول بعض المحققين ، مما لا يتصور أن يصرف لغير رب العالمين ، جل وعلا ، فلا يشرك أحد بالله ، جل وعلا ، في عبادة الصيام فيتقرب إلى معبوده بالامتناع من الطعام والشراب والشهوة ، وإن وقع ذلك من غلاة في الشيوخ فالمريد يخضع ويذل بين يده ومن ذلك أن يَرِدَ عليه صائما ، فذلك من الغلو في المخلوق على وجه قد يبلغ بصاحبه حد الإشراك بالرب المعبود ، جل وعلا ، فكان من الإخبار أن : "الصِّيَامُ لِي" ، فَثَمَّ توكيد باسمية الجملة ، ولا تخلو اللام في "لي" من دلالة الاختصاص والاستحقاق فذلك مما لا يصح إلا عبودية لرب البرية ، جل وعلا ، وحده ، فلا يصح لمخلوق ، وذلك أمر يستغرق كل عبادة وإنما خص الصيام لما تقدم من ماهيته التي يبعد أن يَتَقَرَّبَ بها بشر لمثله ، أو عابد لمعبود محدَث باطل سواء أكان حيا أم ميتا ، وإن جاز ذلك فهو كالنادر الذي لا حكم له ، خلاف بقية العبادات فكثير يُصَلِّي لمعبوده الباطل فهو يركع له ويسجد ، وكثير يخضع لحكمه أمرا ونهيا وإن أمره بالمحرم فعطل لأجله الوحي المنزل ، فهو عبد له قد أشرك إذ حقيقة العبادة : كمال الحب مع كمال الذل ، فهو يذل لمن علاه من ذي سلطان جائر قد عطل الوحي النازل فتابعه مختارا فلا يخلو من غلو في معبوده أن قدم طاعته على طاعة الله ، جل وعلا ، وذلك مما يستغرق فلا يقتصر على حكم دون غيره ، بل يعم سائر الأحكام ما ظهر فِيهِ وجه العبودية وما خفي ، ما كان في شرع أو سياسة أو حرب ، فالجميع قد احتمل من معنى الطاعة ما به خَضَعَ الطائع فإن لم يحرر القصد فيكون امتثاله للأمر تأويلا صحيحا لنصوص الباب ، من قبيل قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، ولا يكون ذلك تأويلا صحيحا إلا أن تكون طاعة الأمير تبعا لطاعة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعليه يحمل الخبر أن : "مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي" ، فلا يخلو الخبر من دلالة العموم المستغرق ، فتلك دلالة اسم الشرط "مَنْ" فهو نص في العموم ، كما يقول أهل الشأن ، ولا يخلو إطلاق الفعل "أطاع" ، فعل الشرط الذي حُدَّ حَدَّ الماضوية في لفظه وإن كان مستقبلا في الدلالة فذلك تأويل صحيح إذ قرينة السياق به تشهد فدخول الشرط على الماضي يزيد فيه دلالة الاستقبال ، كما أن دخول النفي الجازم على المضارع يقلب زمانه إلى الماضي كما في قول الرب العالي : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ، فكان من دخول الشرط على العام ما أفاد عموما آخر ، فقد تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل كتسلط النفي على المصدر الكامن في العامل المنفي ، فاستغرق سائر وجوه الطاعة ، وذلك ما لا يطلق بداهة وإن أطلق العامل ، فلا يطلق بلا قيد إلا في حق صاحب الشرع ، سواء أكان صاحبَه إنشاء وهو الله ، جل وعلا ، أو إبلاغا وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوحدهما من تجب طاعته مطلقا ومن سواهم فطاعته لطاعتهم تَبَعٌ ، فذلك يجري ، من وجه ، مجرى العرف فهو مما اعتبر في الأصول وإن اشترط له ألا بخالف النصوص ، فكل عرف خالف مقصدا رئيسا من مقاصد الوحي أو حكما منصوصا من أحكامه فهو فاسد الاعتبار كما يقول أهل الشأن في قوادح القياس فكل ما خالف النص والإجماع فهو فاسد الاعتبار ، وكذلك الشأن في العرف ، وكذلك الشأن في الطاعة محل الشاهد ، فإطلاقها قد قُيِّدَ بِقَيْدٍ في العقل يُضَيِّقُ ، فلا تكون طاعة في عصيان الرب الشارع ، جل وعلا ، فلا بد أن توافق الوحي فلا تخالف عنه لا في مقصد رئيس ولا في فرع دقيق ، وَقُيِّدَ بآخر من الشرع ، فـ : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ، فذلك من القصر الذي يحمل على الحقيقة فلا يخلو من مبالغة ، وإن كان الأمر ، من وجه آخر ، من البداهة بمكان يَعْظُمُ فحسن أن يكون القصر بأضعف أساليبه ، فتلك حقيقة يجزئ في إثباتها أدنى أجناس المبالغة ، فأفاد الخبر إنشاء أن أطيعوا في المعروف لافي غيره فلا تطيعوا في منكر ، فالمعروف هو المشروع الذي تَنَزَّلَ سواء أكان نصا خاصا أم مقصدا عاما ، والمنكر ما قد خالف عن الوحي المنزل سواء أكان ذلك في شرع أم في سياسة أم في حرب أم في تجارة أم في رياضة وزهد ...... إلخ ، فلا يطاع السلاطين إن خالفوا عن منهاج رب العالمين ، جل وعلا ، فذلك ما يوجب معصيتهم والإنكار عليهم حسبة يَتَوَجَّهُ بها التكليف إلى مجموع الناس فلكلٍّ من هذا التكليف حظ بقدر ما يطيق من الدفع ولو بالجنان فذلك أضعف الإيمان ، ولا يطاع الشيوخ إذا أمروا بمنكر يغلو به التابع أو المريد فيخرج عن حكم الدين المتين ، فكل أولئك مما حُدَّ به الإطلاق ، إطلاق الطاعة للعمال والولاة .
والشاهد أن الصوم قد اختص بقدر زائد إذ الرياء فيه أقل وإن جاز ، والتقرب به إلى غير الله ، جل وعلا ، يندر فلا حكم له ، وإلا فَكُلُّ النسك له ، تبارك وتعالى ، وذلك ما يجاوز ما تَقَدَّمَ مِنْ ظَاهِرِهِ امتناعا من المطعم والمشرب والشهوة ، فَثَمَّ جوهره في الباطن ألا يفحش صاحبه ولا يرفث ، فـ : "الصِّيَامُ جُنَّةٌ. فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ" ، وتلك رواية مالك رحمه الله في الموطإ ، وقد افتتحها بخبر استعير فيه المحسوس للمعقول ، فالجنة تستر صاحبها وتحول دون سهام الخصم وضرباته ، فثم إخبار بالجنة وهي الستر ، فالجنة وقاية من ألم محسوس ومطعن يؤثر في الأبدان فاستعير هذا المعنى إلى وقاية من معقول يؤثر في الأديان من المعاصي والآثام فالصوم يقي صاحبه منها ومن شؤمها ، فذلك الصيام الذي ينفع فلا يكون حظ صاحبه منه الجوع والعطش ، فـ : "رُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ" ، فذلك مما يحمل على الكثرة فتلك حال الغفلة التي تعظم إذ يشتغل صاحبها بالحد الظاهر دون فقه آخر في الباطن لا على وجه التأويل الباطن ! ، فيكون الاشتغال بتأويل العبادات الظاهرة كما تَأَوَّلَ مَنْ تَأَوَّلَ الصومَ أنه إمساك السر فلا يفشيه لكل أحد ! ، فنظر في المعنى المفرد في المعجم واشتق منه وصفا يبطل المعنى الشرعي الذي ثبت في الاصطلاح فلئن كان الصوم في اللسان هو الإمساك مطلقا ، فذلك جنس تندرج تحته آحاد ، فثم الإمساك عن الكلام كما قالت مريم عليها السلام : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فذلك مما شرع في بني إسرائيل فليس يثبت شرعا في الأمة الخاتمة إذ ثم من الآثار ما يذمه ، فهو مما ذكر من شرع غيرنا في شرعنا فلا يثبت شرعا لنا إن ورد في شرعنا ما يَنْهَى عنه أو يذم ، فذلك محل إجماع في هذا الأصل من أصول الاستدلال ، أصل : شرع من قبلنا ، وإنما الخلاف فيما ذُكِرَ في شرعنا من شرعهم فَحُكِيَ بلا استدراك ، فحكايته في هذه الحال مئنة من الإقرار إذ سكوت الشرع الخاتم في هذا الموضع بيان فالسكوت موضع البيان بيان كما اشتهر في الأصول ، فذلك موضع بيان لما تعم به البلوى من أحكام الشرع فهو موضع حاجة إذ لو لم يكن المذكور مشروعا لنا ما وسع صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسكت فلا يبين أنه منسوخ لا يشرع في الدين الخاتم ، فَلَمَّا نَزَلَ به الوحي وسكت صار شرعا لنا بما استفيد من تقرير الوحي ولو سكوتا فالسكوت ، كما تقدم ، بَيَانٌ إن كان في موضع الْبَيَانِ ، وثم إمساك للسر ، فذلك قد يصح في معنى اللسان لا معنى الأحكام ، فقد زاد الشرع معنى المعجم قيدا به ارْتَقَى في الدلالة من دلالة اللسان المطلقة إلى دلالة الشرع المقيدة فهي دلالة الاصطلاح الأخص ، فَثَمَّ في صيام الشرع قدر زائد في اصطلاح الفقه الظاهر وهو الإمساك عن جملة من المباحات من المطعم والمشرب والمنكح ، وفي اصطلاح الفقه الباطن وهو الإمساك عن كل ما يذم من الأحوال الفاسدة والأقوال والأعمال المحرمة ، فذلك ما يصح في الجمع بين حد الشرع الظاهر وحد القصد الباطن فلا يغلب أحدهما الآخر .
فكثير من القائمين ليس لهم من القيام إلا التعب والسهر ، فكان القصر بأقوى الأساليب : النفي والاستثناء ، مئنة من مبالغة بها تقرير المعنى وتوكيده ، فيكون الجهد بلا طائل إذ قد خالف صاحبه عن مراد الخالق ، جل وعلا ، وإن أتى بصورة العمل في الظاهر ، فاختلفت الصوادر وإن كان المورد واحدا ، فصورة القيام واحدة بل قد تكون صورة قيام أكثر وأكمل وأطول في ركوعها وسجودها .... إلخ ، وهي ، مع ذلك دون أخرى لم تستوف ما استوفت من كمال الظاهر ، إذ لم يكن ثم من تحرير القصد ما كان في الثانية ، فالقصد الحسن يُكَثِّرُ القليلَ ، والقصد الفاسد ، في المقابل ، يقلل الكثير ويمحق بركته ، كما في هذا الخبر ، فكان من الجزاء ما ليس بشيء ، بل هو من الكد والجهد بلا طائل وذلك آكد في التحذير ، فلا يخلو من إنشاء ينهى ألا تقوموا بلا قصد صحيح ، ولا تقارفوا من المعاصي ما يذهب شؤمه بأجر العبادة ، فذكر القيام والصيام إذ الجهد فيهما يظهر ، فذكرهما ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به العام ، وهو سائر العبادات فلا تخلو من مشقة ، وهي مناط الفائدة ، فلا يغني الجهد شيئا وقد فسد القصد فإن شرط العمل المقبول : الإخلاص والمتابعة ، فَثَمَّ شروط يجب استيفاؤها منها الباطن كالقصد الحسن ، وموانع يجب انتفاؤها فهي تحول دون القبول فلا يظفر صاحبها إلا بالجهد بلا أجر وذلك من أعظم الخذلان .

فكان من استعارة الجنة المحسوسة لنظيرتها المعقولة في قول صاحب الشرعة المعصومة : الصِّيَامُ جُنَّةٌ : فهي وقاية وستر ، فكما يستر المغفر والمجن البدن فكذلك الصيام فهو يجن الفؤاد والأركان من قوادح الإيمان ما ظهر منها وما بطن ، فلا يقارف الفؤاد فكرةَ شَرٍّ ، ولا ينطق اللسان بلفظة فحش أو جهل ، ولا تباشر الأركان حركة ظلم ، فتجتهد الأركان جميعا أن تصوم فتمسك عما يقدح في الدين والمروءة ، فلا يكون حظها من الصيام الإمساك عن شهوات الحس الظاهر ، فذلك حد الصيام في الشرع المحكم ، وهو حد صحيح معتبر ، ولكنه لا يجاوز بصاحبه حد الإجزاء وإبراء الذمة إلى درجات الرضى والقبول إلا أن يستغرق الباطن والظاهر جميعا ، فَثَمَّ مقاصد باطنة لا على وجه يهدر الحقيقة الشرعية الظاهرة كما قَدْ غلا من غلا مِمَّنْ تَعَاطَي التأويل الباطن فعطل الصيام عن حقيقته الشرعية طلبا لأخرى أدق ، فالصوم في دينه إمساك السر ! ، وذلك نقض لعرى الشريعة وإن زعم صاحبه أنه من أرباب الحقيقة ! ، فاستعيرت الجنة المحسوسة لأخرى معقولة فكان من جنة الصيام ما يستر الأركان جميعا فلا تقارف فحشا أو ظلما ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الجنة جنس عام قد أطلق في الذهن ، فهو معنى يُجَرَّدُ في العقل فلا يُجَاوِزُ حَدَّ الستر المطلق فذلك الجنس العام وتحته من الأنواع : محسوس وآخر معقول ، فلا يصار لأحدهما ابتداء فيكون راجحا ، بل يجري المعنى المطلق مجرى الجائز الذي استوى طرفاه فلا بد من مرجح من خارج ، فقرينة السياق تشهد لهذا تارة ولذاك أخرى ، فهي من جملة المرجِّحَاتِ المعتبرة ، كما في هذا السياق إذ رجحت الجنة المعقولة ، فالمجن فعل لا جرم له في الخارج ، فالصيام فعل أو وصف يقوم بالصائم فلا يستقل استقلال الدرع الذي يَتَّقِي به المقاتل ضربات الحس ، وذلك ، من وجه آخر ، ما استغرق بدلالة "أل" في "الصيام" ، فاستغرق الفرض والنفل ، وبعده كان الشرط : فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ ، ولا يخلو التفريع بالفاء في "فإذا كان أحدكم صائما" أن يجري مجرى السببية ، فلئن كان الصيام جنة يتقي بها الصالئم فالواجب أن لا يرفث ولا يجهل ، فـ : "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ" ، وذلك شرط آخر قد حُدَّ حَدَّ الكثرة مع ما أشربه من معنى الظرفية فكل أولئك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فَثَمَّ عموم قد استغرق فدلالة الإضافة في "أحدكم" تجاوز الواحد المذكر ، فهي نص في العموم إذ أضيفت إلى الضمير ، والجمع فيه وإن انصرف للمخاطبين الذكور إلا أنه يستغرق الإناث بما تقدم مرارا من دلالة التغليب على تأويل : فإذا كان أحدكم أو كانت إحداكن ، ولا يخلو الإطناب بالكينونة الماضية من زيادة مبنى تُرَشِّحُ أخرى في المعنى فهي مئنة من ديمومة في الوصف وذلك آكد في استحضار شعيرة الصوم ، وبعده كان النهي : "فَلاَ يَرْفَثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ" ، فلا يخلو من دلالة النصح والإرشاد فهو يحذر من قوادح تخدش كمال الصيام ، ولا يخلو من دلالة أولى محكمة بالنظر في وضع اللسان الأول فهو مئنة من التحريم ، فَنَهَى عن مذكورات وسكت عن أخرى تضاهيها في المعنى فَذِكْرُ الرفث والجهل يجري ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فقد ضُرِبَ مثالا لعام فلا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وبعده كان الإطناب بشرط آخر ، فالأول فعله ابتداء ألا يرفث ولا يجهل ، والثاني ما يجب عليه إن ابتدأه أحد بالرفث والجهل : "فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ" ، ولا يخلو الشرط من دلالة الحذف إذ يكثر دخوله على المعنى لا الذات فقدر له عامل من جنس المتأخر ، على تقدير : فإن قاتله امرؤ ، فَثَمَّ إطناب بالتكرار ، فالمحذوف المتقدم من جنس المذكور المتأخر وكلاهما من لفظ واحد ، فَكُرِّرَ في المبنى مئنة من آخر في المعنى وبه تقرير وتوكيد ثان ، وبعده كان الجواب الذي اقترن بالفاء استصلاحا للفظ فضلا عن تلازم بين الشطرين وذلك ، أيضا ، آكد في التقرير والتوكيد ، فـ : "لْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ " ، فتلك لام أمر أشربت ، أيضا ، معنى النصح والإرشاد ، وثم تكرار في المبنى "إني صائم إني صائم" يدل على آخر في المعنى ، وذكر الصيام في هذه الحال استحضار للشعيرة التي تجن صاحبها فَتَقِيهُ الفحش والظلم ، فلا يقولها رياء أو عجبا ، وإنما يستحضر باللفظ المعنى .

فالصيام له ، جل وعلا ، وحده ، فهو يجزي به ، فـ : "أَنَا أَجْزِي بِهِ" فكان التوكيد بتكرار الإسناد فضلا عن مضارعة في "أجزي" بها استحضار المعنى ، وبعده كان الإطناب بالجزاء على حد المضاعفة ، فـ : "الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" ، وذلك آكد في الترغيب فهو فضل الغني الحميد تبارك وتعالى .

والله أعلى وأعلم .