من أبرز أدوات النظام الدولي في إدارة الأطراف أداة : السلطة الوظيفية الحاكمة التي امتلكت أسباب القوة الأدبية والمادية فهي تحكم باسم الدولة والمؤسسة وإن تحولت إلى عصابة ذات تنظيم يحاكي الميليشيا السرية التي اخترقت مؤسسات الدولة فأنشأت دولة موازية أو دولة ظل فهي دولة النخبة التابعة في مقابل أخرى ظاهرة ، فازدواجية الخطاب السياسي والأخلاقي سمة بارزة في هذا الطرح الوظيفي ، فثم دولة ظاهرة للعيان تدير الشأن العام بأدنى المخصصات فليست هي المحرك الرئيس فلا تملك حرية البحث والتخطيط ولا تستقل بوضع استراتيجية ولو تنفيذية فضلا أن تجاوز ذلك إلى وضع رؤية ذات منطلقات أيديولوجية ، فليس هذه الدولة الظاهرة إلا أداة تضاهي العامة في القسمة الثلاثية التي اعتمدتها بعض دوائر البحث في المركز أن الشعوب على ثلاثة أنحاء : العامة وهو الجهلة فهم أدوات التنفيذ والسادة أو الرؤساء وهم أنصاف المتعلمين ممن يعلمون نصف الحقيقة فقط فهم أدوات التشغيل والفلاسفة والمنظرون فهم المتعلمون الذين يعلمون الحقيقة كلها ، فالقسمة على أنحاء ثلاثة : العامة الذين لا يملكون من المعرفة ما يجعلهم أهلا لاتخاذ القرار فهم أبدا القصر السذج ، فقد حجبت عنهم الحقائق قصدا فَعُزِلُوا عن مراكز البحث وصناعة القرار انطلاقا من بيانات حقيقة فلا يتداولون إلا بيانات رسمية تضعها جهات سيادية انطلاقا من دعاية وإعلام وظيفي يمارس الخداع الاستراتيجي ، فيصرف العامة عن دولة الظل وهي الدولة الأقوى بما احتكرت من أسباب الثروة والقوة ، فَلَهَا ، كما يقول بعض المحللين ، تنظيم سري قد اخترق كافة المؤسسات ، فَهَمَّشَ الأكثرية وَأَحَلَّ الأقلية محلها ، فَثَمَّ سريان لمبدأ العزل والإقصاء للغالبية إن على مستوى الدولة نفسها ، وهو ما يَرَى الناظر آثاره الآن في مصر فهي مثال قياسي على التحول الحاد من دولة الفساد إلى دولة الخيانة ، فَثَمَّ دولة بيروقراطية فاسدة فاشلة هي آخر نسخة من يوليو 52 ، وإن كانت ، من وجه آخر ، ذات مرجعية أخرى وهي مرجعية أكتوبر 73 وهي بغض النظر عن أداء الجند على الأرض وما كان من بطولات تجسد فيها معنى النضال الذي لم يخل من رافد رسالي وإن كان من بواعثه الرئيسة رافد آخر وطني ، فكان ثم عقيدة قتال وهوية نضال جمعت الرافدين : الرسالي والوطني ، فأنتج ذلك فعلا عسكريا ميدانيا يستحق الإشادة على مستوى التخطيط العسكري المحترف والأداء القتالي ذي الطابع النضالي الذي ينطلق من قاعدة رسالية وأخلاقية قوية نجحت القيادة السياسية في صناعتها ولو من طريق غير مباشرة أن أفسحت المجال لخطاب الدين أن يُعِيدَ بِنَاءَ ما تَهَدَّمَ من شخصية المقاتل الذي تشبع بالأيديولوجية الاشتراكية ذات الخطاب الشعبوي الذي يحرك في النفوس غرائز الأنا المستعلية ، سواء أكانت الأنا المصرية أم نظيرتها العربية ، فكان الخطاب العروبي الذي مارس الدعاية المبالِغة انطلاقا من شخص الزعيم الخالد الذي أصبح نواة المشروع السياسي ذي الصوت العالي مع فعل دونه بكثير فلم يخل أن يكون لاعب سياسة براجماتي يجيد الخداع والمناورة في هوامش ضيفة أفسحها النظام الدولي أو ساعدته الظروف الدولية آنذاك أن يسلكه فَنَوَّعَ من علائقه التي لم تخرج أبدا عن قاعدة التبعية ، وإن كانت بداهة خيرا من التبعية في أدوار تالية ، فلم يكن النظام الدولي لينتقل من طرح رسالي جامع ، ولو عَقْدَ سياسة باهت ، إلى طرح خيانة صريح تُمَارَسُ فيه العمالة جهرا بل وتكون لصاحبها فخرا ! ، فلا بد من التدرج بالانتقال إلى خطاب شعبوي يشغل الفراغ الذي تَرَكَهُ عقد الرسالة السياسي الذي غُيِّبَ من المشهدِ قَسْرًا فاستبدل به عقد طوراني في المركز ، وعقد عربي في الأطراف ، فنجحت الشعبوية العروبية أن تُشْبِعَ في العرب غَرِيزَةَ الأنا ، وشيئا فشيئا تَقَلَّصَتْ هذه الأنا تذرعا بالواقعية السياسية ، لا سيما وقواعد اللعبة قد صَيَّرَتِ العرب أنفسهم على أنحاء فهم على محاور وجبهات تَتَبَادَلُ تهم الشعاراتية في جانب ، والخيانة في آخر ، والجميع على قاعدة من الفكر والسياسة هشة فقد كفوا الخصم مؤنتهم بما ارتدوا إليه من أخلاق البداوة السياسية التي هذبتها الرسالة السماوية فلما انحسر ظلها وزالت شمسها من كبد الشرق عَاوَدَ العرب أخلاق الهمجية والتشرذم ، فصار كُلٌّ على نحو يخالف غيره فاشتغل بخاصة نفسه انطلاقا من قاعدة الأنا التي ضاقت فصارت الأنا الوطنية التي أُشْرِبَتِ العنصرية رِدَّةً أخرى إلى هويات سابقة على الوحي فَاسْتُنْبِطَ لِكُلِّ شعب هوية خاصة يَتَعَصَّبُ لها فهي أضيق من الهوية الرسالية الأعم ، بل والهوية العربية العامة ، فكانت لوزان 1924 تغييبا للهوية الرسالية الأعم ، وكانت يونيو 67 تغييبا للهوية العربية ، وكانت أكتوبر 73 بعثا للهوية الوطنية ذات الطابع العنصري الأناني الذي يتذرع بما تقدم من الواقعية السياسية فلا حاجة لنا في قيادة المنطقة انطلاقا من قاعدة القومية فقد ضاق نِطَاقُ الهوية فصارت مصرية خالصة ، فلا يَعْنِينَا إلا تحرير أرضنا انطلاقا من قاعدة جيوسياسية رَسَّخَهَا الاستعمار بِمَا خط من حدود ، فصارت أمرا واقعا بل وصارت مناط ولاء وبراء جديد نسخ الولاءات القديمة : الرسالية ثم العربية ، فكانت حرب أكتوبر هي الحجر الذي أُلْقِيَ في الماء الراكد كما أشار هنري كيسينجر على السادات ، فَأَنْتَ الآن بصدد انْتِقَالِ تاريخي من خطاب العداء العلني إلى خطاب التطبيع السياسي ، ولو مبدئيا ، حتى تَتَهَيَّأَ الأرض لما هو تال من التطبيع الاقتصادي وَمِنْ وَرَائِهِمَا ما يجري الآن من محاولات فجة للتطبيع الفكري والجماهيري ولو قسرا على وجه قد عَمَّ المنطقة فالجميع قد سلك جادة مصر التي سنت هذه السنة السيئة بعد أكتوبر 73 ، فصار من يكيل لها تهم الخيانة والعمالة فضلا عن رقة الديانة صار اليوم يُبَارِيهَا في هذا الميدان بل ويزيد عليها بعد أن تَرَاجَعَتْ مكانتها فصارت في الذيل وإن في التبعية والعمالة ! ، فالجميع يسارع في التطبيع انطلاقا من قاعدة القربان الذي به استقرار العرش وإن أُهْدِرَ الشرعُ وَعُطِّلَ ، فالمعادلة السياسية الآن لا تقبل أنصاف الحلول التي تحتفظ فيها الأطراف بهامش مناورة يجعل لها في أنظار الشعوب حشمة وهيبة بخطابِ عداءٍ معلن وإن كان التطبيع سرا ، فلا بد من الانتقال من مرحلة التطبيع السري إلى مرحلة التطبيع العلني ، فالأولى كانت حتما لازما لئلا تُصْدَمَ الشعوب فجأة بتطبيع فج يثير مشاعرها وذلك الخطأ الذي وقع فيه حسني الزعيم قائد أول انقلاب عربي ! في 1949 ، فكانت أول عملية انتقال سياسي حاد تنفذها أمريكا بعد أن دخلت المنطقة عبر الرئيس الراحل روزفلت في لقاء المدمرة الشهير فهو من اللقاءات المركزية في المنطقة العربية في التاريخ الحديث فحاصله انتقال المنطقة ، لا سيما منابع النفط ، من الكفالة البريطانية التي أَنْشَأَتْ هذه الكيانات السياسية الوظيفية إلى الكفالة الأمريكية التي ورثت التركة الأنجلوساكسونية البروتستانتية بعد استنزاف بريطانيا في الحربين الأولى والثانية فقد نجحت أمريكا أن تُخْرِجَ الجميع من الحربين : إما مهزوما منكسِرا أو منتصرا مستنزَفا قد أُجْهِدَ فلا يطيق الحكم العالمي فقد انحسر في حده السياسي الضيق ، فغربت شمس الإمبراطورية البريطانية إذ صارت إدارة الأطراف عبئا يَسْتَنْزِفُهَا بلا عائد يُوَازِي ما تدفع فالمشروع قد صار خاسرا ، فما السياسة الحديثة إلا صفقات اقتصادية فالمستعمر يستثمر في الأطراف بِمَا يُنْفِقُ ويحشد من جيوش وَيُقِيمُ من بنى تحتية ويصطنع من نخب فكرية وسياسية وعسكرية ...... إلخ ، فإذا حقق المشروع ربحا فهو يواصل الاستثمار فإذا صار عبئا سارع في بيعه لمستثمر آخر يعيد هيكلته ، فكان المستثمر الأمريكي هو البديل بعد فشل المستثمر البريطاني ، وكان لقاء المدمرة إشارة البدء لهذا الانتقال السياسي ، وهو ما أُتْبِعَ بانقلاب 49 في سوريا فكان نسخة تجريبية فشلت إذ خرج حسني الزعيم عن النص فسارع بالإعلان عن رغبته في التطبيع العلني مع كيان يهود وهو الذي لم يمض على إنشائه إلا عام واحد ، وجراح 48 لما تَنْدَمِلْ بَعْدُ ، فلم يكن الوجدان العربي آنذاك يحتمل هذا التصريح ، وهو ما استفادت منه أمريكا في التجربة التالية : تجربة يوليو 52 التي تبنت خطابا شعبويا يتشدق باصطلاحات مناهضة الإمبريالية والصهيونية العالمية ...... إلخ ، وهو نفس الخطاب الشعبوي الذي تَتَشَدَّقُ به إيران اليوم لتخفي طموحهتا الفارسي ذي الطابع العنصري ، فكان خطاب يوليو 52 الشعبوي وإن كان لهذه التجربة من الروافد الأمريكية ما يكذب دعوى العداء المعلن ولو في مرحلة التكوين ، فقد كانت أمريكا من أشد المرحبين بهذه النقلة النوعية في مقابل تَحَفُّظِ بريطانيا فالملكية المصرية التي استثمرت فيها عقودا قد زالت وَزَالَ معها النفوذ البريطاني في مقابل تعاظم النفوذ الأمريكي فذلك ، كما تقدم ، جزء من عملية الانتقال السياسي من التبعية البريطانية إلى التبعية الأمريكية ، وهو ما يفسر عداء بريطانيا لنظام ما بعد يوليو 52 ، فكانت من المسارعين في حرب السويس 56 في مقابل دفاع أمريكا التي ضغطت على التحالف الثلاثي ، فكانت رسالة أمريكية إلى بريطانيا أَنْ قَدْ مَضَى زمانك فلا تَقْرَبِي المنطقة فقد دخلت في الحماية الأمريكية في إطار تَقَاسُمِ النفوذ الذي لا يخلو من اشتباكات بين القوى العظمى الْمُدْبِرَةِ وَالْمُقْبِلَةِ ، فكان ذلك نجاحا آخر لأمريكا قبل أن يَزْدَادَ طموح التابع في مصر استثمارا للمد القومي الهادر الذي أنعش فيه روح العروبة بخطابه الشعبوي قليل الجدوى فلم يصنع شيئا إلا أن نَفَخَ في الأنا العربية المفلسة آنذاك فقد خرجت من سياق التاريخ والحضارة لما خالفت عن جادة الرسالة فَتَعَاطَتْ مُنَشِّطَ العروبة الذي يُنْعِشُهَا ، وهو ما جعل الزعيم الخالد يخرج عن النص في مواضع ، وإن كان مشروعه في الجملة مرحلة انتقالية ضرورية بها يتجنب النظام الدولي خطأ حسني الزعيم الذي رام الانتقال الحاد إلى التطبيع الصريح ، فكانت الدعاية القومية مرحلة انتقالية انتهت بهزيمة يونيو 67 المدوية التي تَرْقَى إلى مستوى الفضيحة التاريخية إن على المستوى السياسي أو نظيره العسكري ، فأصيبت الأنا القومية في مقتل وَكَبَّرَ الناس عليها أربعا ، وجاء من يبعث الأنا الوطنية الأضيق بذريعة ما تَقَدَّمَ من الواقعية السياسية ، فكانت أكتوبر 73 شرعية المرحلة المقبلة التي أعطت الزعيم الجديد حق التطبيع السياسي المعلن مع كيان يهود ، فنكبة 73 السياسية كانت ، لو تدبر الناظر ، أعظم من نكبة يونيو 67 العسكرية التي لم تنسخ العداء المعلن بل رسخته إذ تَشَبَّعَتِ الجماهير بالرغبة في الثأر فكان لا بد من عمل عسكري محدود يفرغ هذه الطاقة السلبية ! ، وَيُشْعِرُ الجمهورَ أنه قد انْتَقَمَ من العدو ولو في ميدان الحرب فقد انْتَهَى دوره عند هذا الحد ، ثم كان الاستثمار السياسي البراجماتي انطلاقا من هوية جديدة صَنَعَتْهَا أكتوبر 73 : الهوية المصرية الوطنية فهي الناسخة للهوية العربية القومية التي انتهت بنكبة يونيو 67 ، فنسختها نكبة أكتوبر 73 فلولاها ما خرجت مصر وهي الدولة العربية الكبرى ، لولاها ما خرجت من معادلة السياسة والحرب في المنطقة ولو في الظاهر فما كان لأحد أن يغامر بالتطبيع إلا بعد تحقيق انتصار عسكري ، ولو محدودا ، يمنح القيادة السياسية شرعية جديدة تنسخ شرعية يوليو 52 ، فأكتوبر 73 لم تنسخ نكبة 67 بل زادتها أخرى ، وإنما أكتوبر 73 بالتوصيف السياسي هي : شرعية جديدة نسخت شرعية يوليو 52 ، فكانت ذريعة القيادة السياسية المنتصرة ! ، أن تدفع قُدُمًا تِجَاهَ التطبيع السياسي انطلاقا من قاعدة الواقعية التي لا تؤمن بالشعاراتية التي مورست في سنوات المد القومي الهادر فلا بد الآن من خطاب وطني هادئ ، فما صنعت أكتوبر التي يُرَوَّجُ أَنَّهَا نصر ، ما صنعت إلا أن وَفَّرَتِ البيئة الملائمة لهذا الانتقال السياسي من الهوية القومية العربية إلى أخرى أضيق وهي الهوية الوطنية المصرية انطلاقا من أَنَا أشد عنصرية ، فانحطت دركة أخرى وما كان ذلك إلا بعد أكتوبر 73 فهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، الهزيمة السياسية والاستراتيجية الكاملة التي نسخت النصر الميداني الجزئي فقد كان الذريعة التي دشنت جيلا جديدا من العمل السياسي الذي لا يرى التطبيع العلني جريمة ، وهو ما أفرز بعد ذلك جيل الخيانة الأيديولوجية والسياسية ، فبعد كامب ديفيد ومعاهدة السلام حكمت أكتوبر بشرعية النصر وما كان دورها إلا تمهيد الأرض بإفراغ مصر من أسباب القوة الذاتية وإضعافها استراتيجيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا والأخير هو الأخطر فقد مارست السلطة نَوْعًا من أنواع الخيانة المستترة فَاخْتُرِقَ المجتمع وتمت تصفيته بهدوء عبر ثلاثين عجاف فَقَدَتْ فِيهَا مصر دورها الريادي في المنطقة إن في الخير أو في الشر ! ، فكان الفراغ السياسي الذي سارعت قوى محدثة أن تحتله وليس لها من حشمة السياسة ولو انطلاقا من قاعدة العمالة ! ما لمصر ، فكان ما يرى الناظر الآن من دعوات تطبيع فج هي إفراز من إفرازات أكتوبر غير المباشرة ، فأكتوبر قد أفرزت كامب ديفيد وما بعدها فكانت حجر الأساس لمشروع التطبيع المعلن في المنطقة ، ولم يكن الظرف السياسي والاجتماعي آنذاك يطيق ما يَرَى الناظر الآن من تطبيع فج تسعى فيه أنظمة حكم اكتسبت شرعيتها السياسية من دعوات رسالية أحسنت الاستثمار فيها فكان توظيف الخطاب الديني لتحقيق مآرب السياسة قبل أن تعلن الأنظمة التوبة والبراءة من خطاب التطرف والإرهاب وهي التي زَكَّتْهُ واستثمرت فيه بما يحقق مآربها آنذاك فَلَمَّا تَغَيَّرَتْ بوصلة المصلحة لم يكن ثَمَّ بد من التراجع والاعتذار إن على مستوى النخب السياسية أو النخب العلمية والدعوية مؤخرا في مشهد فج لم يُرْضِ العدو ولا الصديق ، فضلا أنه يحكي معاني دقيقة تجاوز حد الاعتذار عن طيف إسلامي بِعَيْنِهِ ، فَثَمَّ اعتذار مركب ، لو صح اللفظ ، فإن الصحوة ظاهرة مُرَكَّبَةٌ ساهم الظرف السياسي : المحلي والإقليمي والدولي في ظهورها لا أنها كان أداة وظيفية خالصة اصطنعتها الأنظمة السياسية لتحقيق بعض المآرب فذلك قد يصدق ، من وجه ، فأحداث الحرم مطلع القرن الخامس عشر الهجري ، وما واكبها من ثورة الملالي في إيران فضلا عن تولي الرئيس الراحل رونالد ريجان مقاليد الحكم في واشنطن وهو القادم من المعسكر الجمهوري اليميني الذي استثمر في نخبة شابة زمن الرئيس كيندي قد آتت أكلها بعد حين فكانت ثمرتها نخبة الحكم في عهد ريجان فضلا عن إيمان الرجل العميق بقيم الحضارة الغربية لا سيما القيم المسيحية الصهيونية ، وبغضه الشديد لكل ما خالف عنها وقد كان العدو الناجز آنذاك هو العدو الأحمر فكان الاستثمار الأمريكي في الحراك الصحوي الإسلامي في توفير الدعم المعنوي والمادي للجهاد الأفغاني وهو حاضن رئيس من حواضن الصحوة قد لَقِي التزكية والإطراء وكان ممن يتبرأ اليوم من الصحوة جميعا فضلا عن شقها الجهادي الراديكالي بداهة ! ، فكان من أولئك التائبين ! من ينشد الأشعار ثناء على الجهاد الأفغاني ورجالاته وتسجيلاتُه مشهورة في حضرة قادة من هذا رجالات هذا الجهاد أَثْنَى عليهم فِي أشعاره بأسمائهم ، رغم أن منهم ، أيضا ، من استزله الخصم واستدرجه بحظ النفس في الرياسة فكان ما قد علم من أخطاء جسام أعقبت خروج المحتل السوفييتي ، فكان الثناء على النوع والشخص جميعا على وجه يقطع الاحتمال فهو نص في الباب لا يحتمل ! ، وكان التلاقح بين التيار الحركي بكافة أطيافه وهو الذي نشأ في مصر ولقي من عنت السلطة ما يصح أن يُوصَفَ أنه التعميد بالدم بلغة أهل الحرب ، فكان من الصدام الحاد مع أنظمة الحكم العلمانية الوظيفية ذات الطابع العسكري ما أكسبه صلابة وخبرة حركية لم تحظ بقدر كاف من التأصيل الشرعي فالجانب الأكاديمي لم يكن مكتملا ، وساهم الظرف السياسي أن يَفِدَ هذا الجناح على الجزيرة في وقت كانت المدرسة العلمية قد أنجزت من التأصيل الأكاديمي ما لا ينكر فهو مما حُمِدَ لها ولكنها ، من وجه آخر ، لم تخرج عن نطاق المحلية بالنظر في القضايا العامة والنوازل المستغرقة فلم تفسح لها السلطة الحاكمة مساحة تأثير تجاوز حد التأصيل الشرعي والاشتغال بالجانب المحلي ذي الخصوصية التي لم تخل من مزايدة ، في مواضع فقد حجرت الواسع في فتاوى ، إذ انتحلت القول الواحد في مسائل تحتمل الخلاف السائغ لا على وجه التفريط بالتشهي في تتبع الرخص كما وقع لمدرسة أخرى في الفتوى كانت من روافد العمل السياسي المعاصر فكان تساهلها المشهور في مواضع وكان خلافها الحاد مع التيار الإسلامي العلمي ، فهم على طرفي نقيض ولم يخل أمرهما من تصارع اشْتَدَّ في مواضع حتى صار محل استثمار من الأنظمة في إذاعة الفرقة والفشل بين أطياف العمل الإسلامي ، فثم ، كما تقدم ، نوع مزايدة في التساهل في الفتوى يقدم صاحبه نفسه أنه العصري المتنور في مقابل آخر رجعي متعصب سواء أَنَبَزَهُ بذلك صراحة أم كَنَّى بما يكيل من ثناء لنفسه فهو يذم الآخر ولو بدلالة اللازم ، فلم يصرح بذلك ، ولازم القول ليس بقول ، كما يقول أهل الشأن ولكنه أمارة لا تخفى في مواضع الخلاف فالكناية فيها ذات مغزى ، وثم ، في مقابله ، نوع مزايدة في التشدد باعتماد القول الواحد في مسائل على أقوال تَتَرَاجَحُ فالحق فيها واحد ، إلا ما كان من خلاف التنوع الذي يَتَعَدَّدُ فيه الحق وإن لم يخل ، أيضا ، من وجوه تفضيل فبعضه أفضل من بعض ، وبعضه يصلح في موضع ما لا يصلح الآخر وإن كان الجميع حقا يحمد ، فكان من التشدد في غير موضع التشدد في مقابل ما تقدم من التساهل في غير موضع التساهل ، فكان من التشدد في مسائل الأصلُ فيها الإباحة وإن لم يخل الأمر من عرف معتبر ولكنه ، في المقابل ، ليس ذريعة إلى التضييق الذي يفضي إلى التنفير ، فضلا عن اعتماد القول الواحد في مسائل الخلاف المعتبر والتشديد في النكير على المخالف على وجه قد يُفَسَّقُ فيه أو يُبَدَّعُ والأمر محل نظر يسوغ فيه الخلاف بلا تفريط ولا إفراط ، فالحق فيه واحد ، وهو ، كما تقدم ، وسط بين طرفين وفضيلة بين رذيلتين ، فلا ينكر منصف الجهد الأكاديمي المشكور في التأصيل الفكري والشرعي ، ولكنه لا يؤتي الثمرة تامة إلا أن يقترن بتصور كامل يَتَّسِمُ بِرُؤْيَةٍ أممية تجاوز حد المحلية وهو ما قد وَفَدَتْ به الأطياف الحركية آنفة الذكر ، فكانت ورقة من جملة أوراق استخدمتها السلطة في الجزيرة نكاية في النظام الجمهوري الاشتراكي في مصر ، فلعبت المناكفات السياسية دورا في إتمام التزواج بين التيارات الحركية والتيارات الأكاديمية ، فضلا عما تَقَدَّمَ من عوامل ساعدت في إنضاج الطرح الصحوي ، منها المحلي كما تقدم من حادثة الحرم ، والإقليمي كالثورة في إيران ، والعالمي كآخر جولات الصراع بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الشيوعي والذي كانت ساحته الرئيسة في بلاد الأفغان ، فكل أولئك مما أسهم في إتمام هذا التزاوج وَكَأَنَّ كُلًّا قد أَعْطَى الآخر ما يُتَمِّمُهُ فالتيار الحركي لم يكن ذا تأصيل شرعي كاف ، والتيار الأكاديمي لم يجاوز نطاق المحلية فلم يكن له من التصور السياسي الواسع ما به يُفَعِّلُ تأصيله الشرعي في كل حدث إسلامي ، فكان هذا التزاوج في الأفكار والذي أنجب صحوة كانت بالأمس مباركة إذ توافق أغراض السياسة الوظيفية ثم انقلبت الآن فصارت شؤما وتعصبا يعتذر أصحابه مع أنها ، لو تدبر الناظر ، قد خففت من حدة التأصيل الأكاديمي المحلي مع حفاظها على الثوابت فلم يقع لها ما وقع للتيارات الحركية الخالصة التي غَلَّبَتِ الحركة على الفكرة ، فكان من تَرَخُّصِهَا لا في محل الترخص ما قد عُدَّ نَقْصًا شديدا ، فذلك اعتذار في غير محله فإن الصحوة ولو بالمعيار العلماني ، كانت فرجا بعد شدة ! ، لو صح أن العمل الأكاديمي والتأصيل الشرعي المجرد شدة وضيق ، وقد يصدق ذلك لا من جهة التأصيل وإنما من جهة التحقيق في الخارج إذ ليس لهذا التيار اطلاع كاف على الشأن العام خلاف التيار الصحوي الذي حمل عنه تأصيله الأكاديمي وزاد آخر حركيا اتسع به أُفُقُهُ وإن لم يخل في أحيان من تساهل وَتَنَازُلٍ في خطابه لا سيما في السنوات الأخيرة ولكنه في الجملة لم يخل من حق عظيم ليس ، بداهة ، محل اعتذار ، فأخطر ما في هذا الاعتذار أنه اتهام يستغرق طيفا واسعا ، فلا يقتصر على الطيف الأكاديمي التأصيلي ولا نظيره الحركي ولا يجري مجرى التعميم الذي يمارسه التيار العلماني أن يخلط في خطابه الساذج كل ما هو إسلامي من باب المزايدة لا أكثر فذلك جاهل مغرض ، وإنما الأخطر أن يكون الاعتذار ممن يعلم جيدا ما يقول فهو يعتذر عن ظاهرة مركبة استجمعت خلاصة فكرة وحركة ، قد زادت من مساحة الوعي الإسلامي زيادة فاعلة وإن لم تخل من أخطاء قد تكون في أحيان فادحة ولكنها قدمت طرحا جديدا جامعا يلائم العصر ويجتذب القطاع الفاعل المؤثر في المجتمع المسلم : قطاعَ الشبيبة الذي يتوق إلى الاستقلال الذاتي في أفكاره والتأصيل الشرعي والسياسي في حركاته ، فذلك اعتذارٌ شؤمه يعظم ، فضلا أنه لم ينفع صاحبه بشيء إلا أن أهان نفسه وحط منها على وجه يستوجب الحذر من الفتنة وسؤال الله ، جل وعلا ، النجاة منها والثبات على الحق فليس أحد يسلم من حظ نفس أو ضعف أو غفلة يَرْكَنُ فيها إلى الظالم فَتَنْقَلِبُ حاله ، وهو ، مع ذلك ، لم يُرْضِ حبيبا ولا عدوا ، فالعدو قد ازداد صلفا فمثله كمثل من يتلذذ بإذلال خصمه فكلما تجرد من رداء يستره طالبه بمزيد من التجرد حتى تؤول حاله أن يقف عاريا قد بدت سوأته المغلظة فما ازداد إلا هوانا في عين الخصم ، وما ازداد إلا صغارا في عين الصديق الذي كان يَرَاهُ القدوة الناصح وهو ما يفرز تلقائيا ظاهرة المصدومين ممن غلبت عاطفتهم الدينية عقولَهم فكان تدينهم عاطفة ساذجة تَعَلَّقَتْ بشخوص ورموز لا مناهج وأصول ، فإذا سقط الرمز ، وليس ثم أحد قد عُصِمَ من الفتنة بعد ارتفاع النبوة ، فإذا سقط الرمز سقطت معه الفكرة فكان التحول الحاد إلى ضدها في ظاهرة جديدة في الشرق لا تعدو مع خطورتها أن تكون رد فعل بدهي ، فالصدمة في رموز الدين دعوة أو سياسة قد أفرزت ظاهرة الإلحاد الذي يشبه أن يكون انْتِقَامًا للذات التي تشعر أنها قد أهينت إذ خدعت واستغفلت فهي تَثْأَرُ من الدين نفسه ! إذ خُدِعَتْ باسمه ، وما كان أجدرها أن تَثْأَرَ مِمَّنْ خدعها من أولئك الدعاة والعلماء والساسة الذين استثمروا دهرا في عاطفتها الدينية لتحقيق مآرب سياسية ثم أظهروا ما قد أبطنوا ، فلم يكن خطابهم السياسي إلا خطابا باطنيا يظهر ما لا يعتقد ، فقد استعمل ألفاظ الوحي كسوة لمآرب سياسية براجماتية عَظُمَ شُؤْمُهَا أَنْ نَفَّرَتِ الجمهور من الدين الذي انتحلته وهو منها ومن ألاعيبها السياسية بَرَاءٌ .
فلم يكن المشهد بعد كامب ديفيد واتفاقية السلام مارس 79 يحتمل الهرولة في التطبيع فكانت مصر هي القاطرة ، وكانت هي من تجشم عواقب البداية فَصُبَّتْ عليها لعنات الجماهير وسلمت منها بقية الأنظمة بل قد زايدت هي الأخرى فهي تكتسب شرعيتها من خيانة غيرها وإن كانت هي الأخرى خائنة ، بل ربما كانت خيانتها أعظم إذ انبعث خطابها السياسي من قاعدة الرسالة فَعَظُمَ الشؤم أن نَفَرَ الناس من دين الحق بعد ظهور ما كان مستترا فَمَا يَرَى الناظر الآن ليس تحولا في الأيديولوجيا ، وإنما إظهار لما كان منها باطنا فلم يعد ثم حاجة في تَقِيَّةٍ سياسية وقد انكشف الجميع وصار اللعب على المكشوف ، كما يقال في مصر ، وإذا سألت عن محطات رئيسة في هذه الرحلة الْبَئِيسَةِ ، فابدأ بحرب 48 فقد أقامت الكيان اليهودي بما كان من خيانات القيادات السياسية ، لا سيما دول الطوق ، وخيانات القيادات العسكرية ، بل قد عَدَّ بعض الفضلاء مشاركةَ التيار الإسلامي في هذه الحرب من أعظم أخطائه الاستراتيجية ! ، مع ما كان له من بطولات على الأرض ، فقد أثار انْتِبَاهَ النظام الدولي أَنَّ ثَمَّ نَوَاةَ صحوةٍ في الشرق بعد أقل من ثلاثة عقود على نكبة لوزان 24 ، فأظهر التيار الإسلامي قدراته في وقت غير ملائم ، فلم يكن له من القوة على الأرض ما يدفع به الأنظمة السياسية التابعة التي رأت فيه خطرا عليها انطلاقا من دورها الوظيفي التابع ، ورأى النظام الدولي فيه خلية سرطانية وليدة يجب الإجهاز عليها فورا وهي في المهد لَمَّا تَسْتَفْحِلْ بَعْدُ فأوعزت إلى النظام في مصر إبان الملكية ومن بعدها الجمهورية أن يَتَعَاطَى مع هذا التيار انطلاقا من سياسة العزل والتحجيم فكان الفعل الغشيم كما يَتَنَدَّرُ بعض الساسة إذ ينقل في مذكراته لقاء جمعه بسفير أمريكا في إحدى دول الخليج فدار الحوار عما صنع النظام العسكري في 54 إذ أمعن في استباحة التيار الإسلامي بعد أحداث المنشية أكتوبر 54 ، فأجاب السفير : طلبنا من الزعيم ! تحجيم التيار الإسلامي ولكنه رجل دموي مارس من العنف ما زاد عن المطلوب ولعل ذلك هو ما تكرر حرفيا في يوليو 2013 فلم يكن المطلوب ، ولو في تلك المرحلة الديمقراطية الْمَتَعَقِّلَةِ : مرحلة أوباما ، لم يكن المطلوب هو استئصال التيار الإسلامي وقد تَوَسَّعَ وَتَجَذَّرَ بل كان المطلوب تحجيمه وإرجاعه إلى قواعد اللعبة التي وضعها النظام الدولي فقد خرج عن النص فلا بد من إرجاعه دون استئصاله فهو لاعب سياسي رئيس في المشهد فكان من عنف السلطة العسكرية ودمويتها ما به تكرر المشهد بعينه ، مع ما قارف التيار الإسلامي من أخطاء استنسخها بأعيانها من 48 وما بعدها إذ سارع هذه المرة أيضا أن يكشف عن جميع أوراقه وَيُلْقِيَ بِثِقَلِهِ السياسي والميداني انطلاقا من استثمار عاطفي بلا عقل سياسي استراتيجي يضع البدائل وَيُوَزِّعُ القوة فلا يُلْقِي بها جميعا في جولة واحدة فإذا انكسرت انكسر المشروع كله كحال من يضع البيض كله في سلة واحدة فإذا سقطت انكسر كله أو من يضع النقود في جيب واحد فإذا سُرِقَتْ أَشْهَرَ إفلاسه ، فَظَهَرَ التيار الإسلامي ظُهُورًا كاملا كَشَفَ بِهِ عن مواضع القوة والضعف فلم يدخر من القوة ما به يخوض جولات أخرى ، ولو كان له من القوة الرَّادِعَةِ ما يُؤَمِّنُ هذا الظهور إذن لهان الخطب فقد ظهر في 48 وليس له من فئة ينحاز إليها أو ركن شديد يأوي إليه فسارع النظام الدولي بإصدار الأوامر أن يُؤَدَّبَ فلا ظهير له على الأرض يحول دون ذلك وإن كان الجمع كثيرا فهو يَقِلُّ وَيَتَضَاءَلُ إذا بلغ الأمر حد التضحية والاستهداف المباشر ، فلم يكن ثم قوة حقيقة على الأرض وإن كان ثم تعاطف من قطاعات واسعة من الناس انْتَفَعَتْ بهذا التيار فكريا واجتماعيا ولكنها لم تؤمن بطرحه إيمانا يحملها أن تُنَاضِلَ دونه وتخاطر ، فاكتفت بالتعاطف بل وبعضها قد سارع بالبراءة منه وإعلان الحرب عليه تضامنا مع السلطة ! ، فهي الغالبة والعامة أبدا في ركاب من غَلَبَ ! ، وهو ما تكرر ، أيضا ، في يوليو 2013 ، فإظهارٌ للأوراق كلها بَاعِثُهُ الطمع في مكاسب انتخابية متوهمة وهو ما أتاح للسلطة أن تَطَّلِعَ على ألوان الطيف كلها فقد كان بعضها خافيا عنها فأعطاها الخصم الفرصة أن تُنْشِئَ قاعدة بيانات كاملة استوفت القديم والجديد فَلَمَّا كانت الضربة كان الوجع شديدا فهي ضربة معلم كما يقال في مصر وهي ضربة عالم بمواضع القوة والضعف لا عن خبرة وكفاية وإنما أعطاه الخصم الفرصة وزيادة ! ، فظهر بلا غطاء من قوة حقيقية تجاوز القوة العاطفية التي يَتَبَخَّرُ معظمها مع أول مواجهة مع القوة الصلبة التي تركن إليها السلطة فضلا عما وراءها من ضوء أخضر من النظام الدولي فهي آخر أمرها سلطة وظيفية قد تخرج عن النص في القدر فتكون جرعة القمع زائدة ولكنها لا تخرج عن الأصل فالنظام الدولي قد أعطى الضوء الأخضر فالزيادة منها إفراط في العنف يستحق العتاب فلن يضحي النظام الدولي باستثماره فيها أن زادت من جرعة العنف وإن سفكت ما سفكت من الدم واستباحت ما استباحت من المحارم فخطؤها مغفور واعتذارها مقبول إذ لم تُرِدْ إلا الخير وإن زادت عن الحد ! ، فهذه السيئة مغمورة في بحار حسناتها عند النظام الدولي ، فكان الخطأ في الظهور غير المحسوب في 48 والعظام لما تَزَلْ لَيِّنَةً ، مع ما كان من بطولات هي مضرب المثل في الفداء انطلاقا من قاعدة نضال ورسالة ، ولكنها آخر أمرها بحساب العقل لا العاطفة ليست إلا مشاركة في حرب خاسرة قد عُلِمَتْ نتائجها سَلَفًا فَأُقِيمَ كيان يهود ، وبعده كانت نكبة 67 التي زادت في مساحة الكيان ودفعت بحدوده إلى الأمام ، ثم كانت نكبة أكتوبر وهي ، كما تقدم ، أعظم من نكبة 67 ، فقد أعطته الاعتراف السياسي من أكبر دولة في المنطقة ، وبعده تقاطرت الدول والتنظيمات وإن على استحياء وَتَرَدُّدٍ مع ما كان من التدرج التي كانت مبادرة قمة بيروت 2002 من أبرز محطاته قبل أن تصير الحال الآن إلى ما يَرَى الناظر ، ومحل الشاهد في مصر : دولة ما بعد حادث المنصة أكتوبر 81 ، فقد جاءت لتمهد الأرض ، فالمزاج العام وإن في دوائر السياسة والحرب لَمَّا يَسْتَسِغْ بعد هذه النقلة النوعية : نقلة مارس 79 ، فمارست التدرج طويل النفس انطلاقا من قاعدة بيروقراطية تَتَّسِمُ بالفساد الشديد ولكنها لا تحمل هذا القدر من الخيانة الذي يجعلها تجهر صراحة كما الحال الآن ، فما يرى الناظر الآن ليس إلا انتقالا من دولة الفساد المشوب بالخيانة إلى دولة الخيانة الخالصة ، فهي دولة جديدة تُمَثِّلُ دورا جديدا من أدوار التطبيع الصريح ، لا جرم كانت عِنَايَتُهَا أن تَقْضِيَ على الدولة السابقة فقد صارت عبئا بعد أن شاخت وهرمت واستنفدت أغراضها طيلة ثلاثين عاما أن تُهَيِّئَ البيئة الاستراتيجية لدولة كامب ديفيد ، فهي لا تجد الحرج أن تستعلن بالتطبيع ، وهو ما يجعلها تستحق بجدارة لقب الفاسدة الفاشلة وهو لقب وَرِثَتْهُ عن دولة أكتوبر ، ولكنها زادت وصف الفاجرة إذ أباحت عما كتمت الأولى فلم يعد ثم ما يحملها على الخجل على وزان الأغنية المشهورة : يامى اعملي معروف يامى معادش فيها كسوف ! ، فلم يعد ثم ما يدعو إلى الخجل وقد انكشفت الأوراق جميعا ، فثم الآن نخب خيانة هي نواة الدولة الجديدة فليست نخب فساد وفشل فقط كما الدولة البائدة ، وهو ما لم تدركه الدولة البائدة إذ ظنت أن يوليو 2013 هي العودة ، فلم يكتب لها ذلك إذ الدولة الجديدة ذات نخب جديدة قد تختار من الدولة القديمة العناصر الخائنة ولكنها لن تعيد إنتاج الدولة القديمة بذات النخب ، فثم الآن ميليشيات ومجموعات وظيفية باطنة في كل مؤسسة لا سيما السيادية هي من رضي بالعمل انطلاقا من النظرية الجديدة التي نسخت القديمة ، وهو ما يجعل الحكمة أن يكف أهل الإصلاح يدهم ويتركوا الخصمين يصطرعان حتى يجهز أحدهما على الآخر ويكفيهم مؤنة مواجهة عدوين سرعان ما يتحدان إذا وجدا الإصلاح والخير عدوا ناجزا ، فمن الحكمة أن يتوارى وليدع الدولة الجديدة تجهز على القديمة ، فالقديمة ، لو تدبر الناظر ، أخطر ، فلها جذور راسخة في الأرض إذ استثمرت فيها السلطة الوظيفية المباشِرة ، واستثمر فيها الإقليم والنظام الدولي استثمارًا طويل الأجل ، خلاف الدولة الخائنة فهي خائنة للجميع : الصالح والفاسد ، فليس لها من الجذور ما يرسخ ، وهي ، مع ذلك ، تملك من التفويض الدولي والدعم الخارجي المادي والمعنوي ما يجعلها ذات فعل مباشر يُؤَثِّرُ وإن لم يصنع سياسة طويلة المدى تؤتي أكلها كل حين ، فهي دولة أشرس كما يرى الناظر في هذه الآونة ولكنها ، من وجه آخر ، دولة أضعف من دولة المخلوع الذي حكم ثلاثين عاما فأرسى دعائم الحكم استنادا إلى شرعية سياسية معتبرة ، فضلا عن درجة ليست بالمنخفضة من التأييد الشعبي وإن تقلص أواخر حكمه لما هرم وشاخ وفقد السيطرة على الزمام ، فالعقل في هذه الحال يَقْضِي ألا يتدخل أحد في هذه المعركة الجانبية التي قد تَفُوقُ شراستها ، ولو غير معلنة ، معركة النظام الحالي مع التيار الإسلامي فقد نجح في حسم هذه الجولة ضد الإسلاميين بما كان من تفاوت كبير في القوة المادية والمعنوية فلم يكن ثم تكافؤ ليقال إن النظام قد خاض حربا متكافئة فحسمها بحنكة وشجاعة ، فقد مالت الكفة ابتداء ميلا عظيما تجاه السلطة فأجهزت على التيار الإسلامي ولو على المدى القريب أو المتوسط ، وأما معركتها الأصعب الآن فهي مع الدولة القديمة التي تروم القضاء على ما تَبَقَّى منها بعد أخذ ما يلائمها فقد تَنْتَفِعُ بفئام وظيفية أبدت الاستعداد أن تَتَعَاوَنَ مع السلطة الجديدة ، ولكنها ، أبدا ، لن تُبْقِيَ على هذه الدولة التي تمتلك من خبرة الأداء البيروقراطي ما يجعلها ورقةَ ضغطٍ على أي سلطة ، فالسلطة الآن تصنع ما كان واجبا على الثورة أن تصنع فهي تَنُوبُ عَنْهَا في تصفية الدولة التي فشلت الثورة أَنْ تُصَفِّيَهَا ، فلا هي اكتملت ولا الدولة قد سقطت ، فدولة لم تقم وأخرى لم تسقط ، كما قد عَنْوَنَ بعض الفضلاء في كلمات يسيرات جامعات يصف بها مشهد 11 فبراير 2011م في مصر ، فسقط رأس النظام وبقي جسد الدولة ، ولم تقم أخرى تَنْسَخُهَا ، فشرط قيامها أن يكون المحل شاغرا ولا يكون ذلك إلا أن تقوض الدولة القديمة وتجتث من جذورها فعجز الحراك أن يصنع ذلك إذ لم يكن ثوريا بالمعنى القياسي وإنما كان احتجاجا واسع النطاق أحدث هزة في النظام ولكنه لم يأت عليه بالإزالة ليقيم كيانا آخر ، فما عجز عنه فالسلطة الجديد الآن تَنُوبُ عنه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قد يكون من تدبير الرب الخالق ، جل وعلا ، أن يسلط الأظلم على الظالم ، فهو يجتث أركانه ، فالفقه أن يُتْرَكَ فهو يخوض الجولة الأصعب التي عجز الحراك الشعبي أن يخوضها ، فإذا نجحت السلطة الحالية أن تصفي الدولة العميقة ، فالسلطة الحالية ضعيفة جدا لولا أن حظيت بالدعم الدولي وهو أمر لا يدوم طال الزمن أو قصر ، فإذا رُفِعَ الدعم فليس لها جذور إذ لم تستثمر في الولاءات السياسية والاقتصادية على نطاق واسع كما قد صنعت دولة الحزب الوطني ، وإنما استثمرت في ولاءات وظيفية ضيقة جدا جعلتها أشد عزلة فيكرهها الصالحون والفاسدون جميعا ! ، فالفقه أن تُتْرَكَ حتى تستزيد من العداوات مع كافة التوجهات لا سيما التوجهات الرسمية في الأجهزة جميعا : السيادية والتشريعية والقضائية والتنفيذية والخدمية ، فذلك مما يُيَسِّرُ مهمةَ مَنْ يروم الإصلاح بل ولعله ينوب عنه في عملية الهدم كلها ، فالسلطة الجديدة بعنفها الزائد الذي يدل على رعونة ، وتوكلها التوكل الكامل على النظام الدولي فَلَمْ تُنَوِّعْ في علائقها ولم تصطنع عند المجموعات السياسية والاجتماعية الفاعلة ، لم تصطنع عندها يدا ولو من باب التوظيف السياسي أن تجعلها حجة أمام أي ضغط من النظام الدولي كما قد صنع النظام السابق الذي أجاد هذه اللعبة فكلما ضغط عليه النظام الدولي أعطى المعارضة فسحة احتجاج وتظاهر معتبرة وجعلها الحجة في تخفيف الضغط عليه ، فالسلطة الجديدة إذ فاتها كل أولئك بَرُعُونَتِهَا فهي خير آلة تهدم في سرعة قياسية ! ، وهو ما يراه الناظر الآن جاريا على قدم وساق على وجه يُتَوَقَّعُ ، والله أعلم ، أن يتفاقم بعد هروب السلطة الجديدة إلى عاصمتها الجديدة بدولتها الجديدة : الأفسد والأفشل والأفجر ، فهي دولة جديدة هشة لا يمكن أن تظل في العاصمة القديمة وقد أحاط بها المجتمع فلا بد من الانتقال إلى ملاذ آمن لا سيما وهي تضمر للمجتمع شرا أن تَرْفَعَ يدها عن واجب الخدمة الذي تَتَكَفَّلُ به أي دولة ، فقد اضمحل وصف الدولة واستبدل به وصف التاجر أو المقامر أو المرتزق الذي يفرض الإتاوة نظير الحماية على وزان ما تَنَاقَلَهُ التراث الشعبي من شخصية الفتوة فليس إلا بلطجيا يحرس الحارة وأهلها نظير ما تَبْذُلُ له من الإتاوة ، فذلك أمر يراه الناظر الآن وقد ازداد حدة في الأجهزة الأمنية ، فقد كانت في السابق تمارس هذه الحرفة التي جعلتها أشبه ما تكون بميليشيا من المرتزقة ولكنها لم تكن على هذا النحو الفج فضلا أنها كانت تسيطر على الحال سيطرة معتبرة خلافَ ما يرى الناظر الآن من تحولها إلى صورة أشد وظيفية ، فهي تعمل في وسط قابل للانفجار في أي لحظة ، وتعمل بحوافز مادية لا تُنْكَرُ ولكنها لا تكفي لكي تضحي وتبذل في محيط غير آمن وعداوة مستحكمة مع المجتمع الذي ينتظر يومَ ثَأْرٍ جديد كيوم 28 يناير ، فذلك وسط غير آمن وغير مشجع أن يعمل جهاز تنفيذي سيئ السمعة قد باشر من القمع ما قد صار مضرب المثل ، فما يلجئه أن يعمل وليس ثَمَّ حافز يضاهي المخاطرة ، فضلا عن العمل سنواتٍ تحت ضغط باعثه خوف السلطة الشديد مع أنها قد وجهت ضربات فاعلة لكل الخصوم : المجتمع والمعارضة السياسية بكافة أطيافها لا سيما الإسلامي الأشد قوة وفاعلية على الأرض ، فكل أولئك مما يُرَشِّحُ احتمال الفوضى وإن لم تبلغ حد الانهيار التام إلا أنها لا تصلح بِيئَةً مثالية لسلطة وظيفية تروم الاستمتاع بمباهج الحكم ، فلن تنجح في كظم هذا الغضب المخزون في الصدور إذا انفجر ، ولن تنجح في تقديم أي خدمة فقد أبانت عن مثالها النيوليبرالي الذي حولها إلى تاجر أو مستثمر لا غرض له إلا الربح ، بل إِنَّ خدماتها سَتَتَضَاءَلُ شيئا فشيئا إذ أرصدتها تتآكل إما بسوء الإدارة أو الفساد والسرقة أو الخيانة إذ تستنزف المجتمع وثروته لتؤمن لها حصنا يقيها غضبته فضلا أنها تستثمر في هذا الحصن المرَفَّه فقد تحولت إلى أعمال الإنشاء والسمسرة ! ، وهي ، مع ذلك ، لا تزال تصر أنها تحمل لقب دولة ، بل ولقب الدولة الناجحة ! ، وهي مِمَّا أصابه الهرم ويوشك أن يُكَبِّرَ الناس عليه أربعا ، فالفقه ، كل الفقه ، أن تُتْرَكَ حتى تسقط سقوطا حرا ، وأن يدخر أهل الإصلاح طاقتهم فلا يغامروا في خوض معركة غير متكافئة مع سلطة مختلة قد استجمعت أسباب القوة الخشنة ، فثم اختلال في موازين القوى فضلا عن اختلال السلطة إذ الخوف قد أذهلها فهي تخاف من أي حراك وتسارع باستعمال درجات قصوى من العنف استباقا تجهض به أي شبهة احتجاج ولو انطلاقا من قاعدة المطالب الحياتية دون بواعث سياسية ، فالأجدر والحال كذلك أن يشتغل أهل الإصلاح في إعداد العدة ، ولو على المدى المتوسط أو البعيد لجولات قد تطول من الفوضى والاضطراب فذلك ما سيعقب انهيار هذه الدولة وإن بقيت صورة السلطة فكان ثم أجهزة ومؤسسات ومبان ومنشآت فهي صورة بلا حقيقة والمثل ، كما تقدم ، يضرب بأجهزة الأمن التي صارت ، كما يتندر بعض الفضلاء ، تمارس عملها انطلاقا من نظرية العصابة التي تهجم فجأة فتسرق أو تخطف ثم تغادر فليس لديها القدرة أن تسيطر على الشارع سيطرة تامة ، فضلا عن تزايد ملحوظ في أدائها ذي الطابع المرتزق فلا تتحرك إلا إذا حُرِّكَتْ بالمال ، وذلك ، كما تَقَدَّمَ ، أمر قد كان بالأمس حاصلا ولكنه لم يكن على هذا النحو الفج ، فمع انهيار مؤسسات الدولة يكون تحولها إلى ميليشيات وظيفية لا تَتَحَرَّكُ إلا بعد دفع الأجرة ، وهو أمر يراه الناظر في أي جهاز ولو جهاز خدمة فلا يتحرك لأداء وظائفه إلا تحت إلحاح المواطنين المشفوع بالحلوان أو الإكرامية ........ إلخ من الأسماء الحركية للرشوة المالية ! ، فذلك ما سَيُفْضِي ، ولو على المدى البعيد ، أن يسارع المجتمع بإقامة مؤسسات موازية ، كما أن السلطة الحالية تسعى في إقامة دولة موازية في الباطن تدين بالولاء التام لها ، فَلْيَسْعَ كُلٌّ في إقامة دولته إذ قد حصل الطلاق البائن أو يوشك أن يحصل بين المجتمع والدولة التي تحولت إلى سلطة ثم إلى ميليشيا ، فالمجتمع سيجد نفسه بعد حين بلا رعاية ولو حدا أدنى وهو ما سيحمله أن يباشر أمره بنفسه بما بَقِيَ من ذخائره المادية والمعنوية والبشرية التي تسعى السلطة سَعْيًا حَثِيثًا أن تَسْتَنْزِفَ أكبر قدر ممكن منها ، وهو ما يزيد العبء على المجتمع ، مع العجز الذي يشكو منه الآن وضيق سبل الإصلاح أو عدمها في ظل حال من العسكرة ذات الطابع الاستخباراتي فهي تجتهد في التجسس والتحسس وهو ما يجعل الجميع يخشى الجميع ! ، فيمارس المجتمع من الرقابة الذاتية ما يكفي السلطة التنفيذية المؤنةَ ! ، فتلك رقابة ذاتية لا تنطلق من مرجعية سماوية يستحضر فيها الإنسان معية الرحمن ، جل وعلا ، معية المراقبة والعلم المحيط ، بل هي رقابة ذاتية تنطلق من مرجعية أرضية هي في أحسن أحوالها قانونية ، فلا غاية لها تجاوز هذه الدار إذ لا تُقِرُّ ، ولو لم تصرح ، لا تُقِرُّ بِدَارٍ تعقب هذه الدار ، أو هي تُقِرُّ بها ولكنها تَرَى ذلك خارج نطاق عملها الأرضي ذي الباعث العلماني ، فلا عناية لها إلا بهذه الدار انطلاقا من فلسفة مادية لا تقيم وزنا للغيب بل ولا تقيم وزنا لأي قيمة أخلاقية أو إنسانية إلا إذا أَثَّرَتْ في عملية الإنتاج المادي ، والرقابة الأرضية في الدولة الوطنية الحديثة تعجز أن تحيط بالناس في كل وقت فليس ذلك إلا وصف الله ، جل وعلا ، العليم الذي أحاط بكل شيء علما ، وهو ما يجعل الدولة تلجأ إلى نظرية الإرهاب فهي تَبُثُّ من الدعاية المبتذلة أنها تسمع دبة النملة وأنها تسمع ما وراء الحوائط وأنها تراقب الجميع فهي طاغوت ينازع الرب العليم ، جل وعلا ، علمه المحيط ! ، فإذا افتضح أمرها ولو بِتَعَطُّلِ آلات المراقبة استبانَ عجزها أن تضبط أداء المجتمع ولو انطلاقا من مشروع إصلاحي معتبر فأي إصلاح لا يستحضر الرِّقَابَةَ السماوية فيكون مرجعه مجاوزا من خارجِ هذه الأرضَ فهو مشروع ناقص إذ قد رَبَطَ الناس برقيب أرضي ولم يُعَظِّمْ فيهم رقابة السماء ، بل قد أهملها فلا يَعْنِيهِ إلا الإنتاج المادي في هذه الدار دون نظر فيما وراءها من غيوب ، فهذه الدولة الأرضية لا تقيم المثال الصالح الذي يخشى الإله الخالق ، جل وعلا ، في السر والعلن ، ولا تقيم المجتمع السوي الذي يشتغل بالأمور الشريفة ، فقد تحول إلى كيان معطل بما بث فيه من دعاية الرقابة والتجسس فيخشى أن يبدع أو يفكر ، فذلك أشد ما يكون على أي سلطة مستبدة إذ لا تَرَى المجتمع إلا قطيعا يساق فلا يملك إلا السمع والطاعة فلا مكان في هذا القطيع لأي إنسان يستعمل عقله ! ، فإن أصر فالقمع أو الإقصاء والتهميش ، أو الفرار بالدنيا والدين ، أو الانطواء على الذات انطلاقا من نظرية مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه فكذلك حال من يكتم أي فكرة في مجتمع يقبع تحت سلطة الاستبداد التي تضيق بأي رأي يخالف عن رأيها ولو إجرائيا لا يمس أعمال السيادة ! ، فذلك مناخ لا يصلح لأي إبداع أو ابتكار فغاية المصلحين في هذه الحال أن يشتغلوا بفروض الأعيان الدينية وفروض الأوقات من دعم الدوائر المحيطة من أهل الحق وأصحاب الابتلاء والضرر المباشر لِلْحِفَاظِ عَلَى حَدٍّ أدنى من القوة الذاتية لأن هذه السلطة الوظيفية ستغادر المشهد إن طوعا بانحيازها إلى قراها المحصنة وجدرها السميكة أو كرها بالاقتلاع ، وفي كلتا الحالين سيكون الفراغ الذي تصحبه الفوضى ، ولو عارضا مؤقتا ، وقد يطول زمانها إذ لم تَتْرُكِ السلطة للمجتمع من الأسباب ما به يحسم مادة الفوضى بل قد كانت ، لو تدبر الناظر ، السبب الرئيس في هذه الفوضى ، فَزَوَالُهَا ، طالَ الزمان أو قصر ، هو ما تؤيده السنة الكونية ، وهو ما يجب التعاطي معه انطلاقا من السنة الشرعية التي تواطئ مقاصد الوحي في استجلاب أكبر قدر من المصالح المعتبرة ودرء نظائرها من المفاسد ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على مصر فقط ، فالتجارب السياسية الحادة في دول الجوار ، كما يرى الناظر الآن في مشاريع التحديث في الجزيرة ! ، يشبه ، أيضا ، أن يكون صِراعَ أجيالٍ داخل الدولة الوظيفية ، فثم جناح متهور يروم التغريب فورا انطلاقا من نظرية الصدمة وهو ما جعله يجاوز التحالفات التقليدية داخل المجتمع ، فقد أَخَلَّ بِتَوَازُنَاتِ القوى واستجلب من العداوات ما استجلب إن داخل دائرة الحكم أو خارجها في الدوائر الاجتماعية الأوسع وإن شُغِلَ الناس حينا بِسَكْرَةِ التغريب ذي الطابع المرَفَّه ، فتلك سكرة تعقبها فكرة الانهيار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فثم سوء إدارة مع انعدام أدوات الرقابة ، فكل أولئك مما يستنسخ الحال المصرية فثم دولة جديدة تتسم بالنزق وقلة الخبرة قد سلطت على أخرى قديمة لها من الجذور ما رسخ فعصفت بها وأثارت حفيظة المجتمع إن على المستوى الأخلاقي أو على المستوى الاقتصادي فأنجزت هذه الدولة مهمة هدم الدولة السابقة وبقيت هي بلا جذور فقد قَطَّعَتِ العلائق مع الدوائر الفاعلة داخل مؤسسات الحكم وداخل المجتمع ، فما صنعت إلا عين ما صنعت السلطة في مصر أن عجلت بزوالها وإن هُيِّئَ لَهَا أنها تقيم دولتها فهي ، أيضا ، عصابات مُنْتَقَاةٌ من الدولة القديمة مع أخرى أضيفت إليها فولاؤها ابتداء للدولة الجديدة ، الدولة الباطنة في مقابل أخرى ظاهرة ذات صلاحيات محدودة فتلك دولة العامة التي لا تحظى بمخصصات كافية إذ تخدم الشرائح الأفقر التي لا تملك ثمن الخدمة المتميزة التي يحظى بها شعب آخر هو الشعب الأرقى والأكثر جاها ومالا ، فدولة الباطن قد أقامت له من المرافق والبنى التحتية ما قبضت ثمنه بهامش ربح مريح إذ احترفت التجارة مع النخبة والجباية مع العامة ، فذانك مَصْدَرَا تَمْوِيلِهَا الرئيسين مع ما تَتَسَوَّلُ تارة وتقترض أخرى ، فَثَمَّ دولة الظاهر ، وثم أخرى قد اخترقت المؤسسات كافة فأقامت ، كما يقول بعض المحللين ، كيانا موازيا يشبه الكيان الموازي في الدولة التركية والذي لعب دورا رئيسا في أحداث 2013 الناعمة إذ له أذرع فاعلة في المؤسسات القضائية والتنفيذية ذات الطابع المدني ، وأحداث تموز 2016 إذ له أذرع أخرى فاعلة في المؤسسات العسكرية الصلبة ، فهي الميليشيا التي تَرْتَدِي زِيَّ الدولة الظاهرة وإن كانت في أدائها باطنة فهي تدين بالولاء الفعلي لنخب تَتَحَكَّمُ في مفاصل السلطة عبر تنظيم هرمي قاعدته الرئيسة في الاختيار هي : الولاء المطلق مع السعي الحثيث في تحجيم دولة الظاهر وتقليص مخصصاتها في مقابل انشعاب التنظيم في كافة المؤسسات وصناعة ولاءات جديدة تهمش الأغلبية داخل أي مؤسسة وتسلم الأقلية مقاليد الأمور فلا يكون لدولة الظاهر إلا الرسوم ، فثم أقليات متنفذة في كل مؤسسة انطلاقا من قاعدة الولاء الخاص الأسري أو القبلي ..... إلخ ، فضلا عن صناعة الولاءات الوظيفية فهي تشبه صناعة المرتزقة عديمي الولاء لأي فكرة فهم الأجير الذي يعمل في خدمة أي عميل يدفع ، دون نظر في باعث أيديولوجي أو وازع أخلاقي ، فهذه الأقليات الباطنة هي التي تحكم الدولة الوظيفية إذ الغالبية الظاهرة لا تملك إرادة السياسة والتخطيط ولا أدوات الفعل والتنفيذ فضلا عن افتقارها إلى التمويل ، فالدولة الظاهرة قد وقعت في قبضة هذا التنظيم الباطني ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن هذه الصورة تتكرر ولكن في نطاق أوسع ، فالعالم كله تحكمه في الظاهر حكومات تباشر مهام التشغيل ، فَثَمَّ العامة ، كما تقدم ، وهم الأدوات المباشرة أو هم العمال في المصنع فهم العنصر الذي يباشر الإنتاج ، وثم السادة أو الساسة فهم ، كما في طرح شتراوس آنف الذكر ، هم أدوات التشغيل فهم الذين يديرون العمل وإن لم يباشروه بأيديهم فدورهم هو الإشرافُ والمراقبةُ والتدخل حَالَ العطل ، وضمان الكفاءة في الأداء ، فلا بد أن يطلعوا على جزء من خطة العمل ، فيعرفون نصف الحقيقة ، فلا يعرف الحقيقة كلها إلا الفلاسفة ! ، فهم من يصنع الأيديولوجيا ويضع الاستراتيجية انطلاقا من إحساس بالتفوق العقلي فلا يترك الأمر للعامة أو الساسة فلا يملكون القدرة على التخطيط وإنما غايتهم الإنفاذ والتشغيل ، وتلك نظرية أفلاطون في مدينته فإن رجال الحكم فيها هم الفلاسفة ، فهم نخبة باطنة تحكم بأدوات ظاهرة .

فَثَمَّ ، كما تقدم ، حكم وظيفي يحكم في الباطن في مقابل دولة الظاهر استنادا إلى نظرية الأقلية الممكنة والأغلبية المهمشة إن على مستوى الدولة نفسها فيظهر هذا التمايز في جميع مؤسساتها ، أو على مستوى الدولة في مقابل الشعب ، فالدولة الوطنية الحديثة في الأطراف ، دولة الأقلية فمن ثوابتها الرئيسة ، كما يقول بعض الباحثين ، استبعاد الأغلبية وهي الجمهور أو العامة فإذا كانت الدولة تدين بالولاء للخارج ، فهي تابعة للمركز ، فلا يمكن والحال كذلك أن تصارح الجمهور بالحقائق ، ولا يمكن أن تمثل طموحه الفكري والسياسي الاستقلالي ، فلم يُنْشِئْهَا المركز وَيَحُطْهَا برعايته إلا أنها تمارس دور الإقصاء والقمع لعامة الشعب ، ولا يكون ذلك إلا إذا تحولت إلى أقلية وظيفية تستأثر بأسباب القوة المادية والمعنوية في مقابل المجتمع الذي صار الخصم الأول ، فلا بد من إحكام السيطرة عليه ولا يكون ذلك إلا أن يجرد من أسباب القوة في مقابل استئثار الأقلية الحاكمة بها فحصول أسباب القوة في يد المجتمع يعيد له حقه المغتصب أن يضع الاستراتيجية ويباشر إنفاذها انطلاقا من بواعث ذاتية لا تدين بالولاء للخارج فهي تَصْدُرُ عن روح الحضارة الخاصة التي تقاوم الغزو الفكري الوافد ، لا جرم كانت الثقافة وما تُفْرِزُ من حضارة هي جوهر الصراع ، كما ذكر صاحب أطروحة "صدام الحضارات" وهي إحدى الأطروحات الرئيسة التي يعمل النظام الدولي الآن وفقها لا سيما في هذه المرحلة اليمينية ذات النفس الشعبوي الذي يستفز في المخاطب مشاغر الغريزة خوفا ونفورا من الآخر ورغبة في إقصائه وتهميشه بل والهجوم عليه انطلاقا من مبدأ الضربة الاستباقية قبل أن يغزو الأراضي الأمريكية .

والشاهد أن ثم دولة جديدة الآن يُرَادُ إنشاؤها بأفكار جديدة ونخب جديدة وخطابات جديدة ودعادة جدد وربما دين جديد ! ، وعواصم جديدة فثم الآن انسلاخ من مرحلة ودخول في أخرى على وزان ما تقدم مرارا من نظرية الشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الجديد فهو شرق أوسط علماني ضد ديني يُوَاجِهُ بعد أن كان علمانيا لادينيا يهادن ، بل ومنه ما كان علمانيا يداهن فصب علمانيته في قالب إسلامي صحوي ! .

والله أعلى وأعلم .