ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا :
فذلك من العموم الذي استغرق بدلالة الشرط "مَنْ" أولا ، وما تسلط عليه من المصدر الكامن في الفعل الذي استغرق كل صيام ، فرضا أو نفلا ، وذلك ما خص بالصوم المعهود في اصطلاح الشرع الخاتم فجاوز الدلالة اللسانية أو أخرى اصطلاحية في شرائع تقدمت كان الصوم فيها على أنحاء فمنه الصوم المعهود المتبادر ومنه الصوم عن مباحات أخرى كالكلام ، كما نذرت مريم ، عليها السلام ، فنذرت الإمساك عن الكلام ، فـ : (قُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) ، فذلك ما أبانت عنه بعد إجمال ، فـ : (لَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فكان الإطناب ولا يخلو من دلالة تعليل ، فإن نذرها الصيام سبب ألا تكلم اليوم إنسيا ، وذلك ما صرفه إلى صيام معهود ، وهو الصيام عن الكلام المنطوق ، لا الإشارة فإنها أشارت بعد ذلك والإشارة مما يحصل به الإفهام فيصدق فيها ، من هذا الوجه ، أنها كلام بالنظر في الغاية وهي إيصال المعنى ، وهو ما استعمله المغيري في بيته المشهور :
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ******* إشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ******* وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم .

فقال الطرف إشارة ولم يقل نطقا فذلك ، بداهة ، مما لا يجوز في الحس والعقل ، فالطرف يَرَى وَيَلْحَظُ فلا يلفظ ولا ينطق ، فإشارته لحظا كنطق اللسان لفظا من جهة البيان والإفهام وهو الغاية من الكلام ، فلا يراد الكلام صوتا بلا معنى ، فذلك اللفظ وهو ما لا يجزئ في حد الكلام حتى يقيد بالوصف فهو لفظ مفيد ، فَيُفِيدُ معنى فإذا أريد بالكلام ما اتصل سياقه فانتظمت كلماته في سلك جامع يفيد معنى مركبا فلا يقتصر على معاني المفردات ، فذلك قَيْدٌ ثان : أن يحسن الوقوف عليه سواء أكان سياقه مذكورا أم مقدرا ، فذلك حد الكلام الجامع فالسياق فيه مذكور أو مقدر ، وهو في جميع الأحوال مما يحسن الوقوف عليه فيفيد حال الوقف معنى تاما لا يفتقر إلى ما يكمله ، فليس الكلام لفظا بلا معنى ، وليس لفظا يفيد معنى لا يحسن السكوت عليه فلا يفيد معنى تاما في سياق مذكور أو آخر مقدر بل لا بد من إفهام لا يحصل إلا بسياق مجموع فما أُفْرِدَ من ألفاظه فالوقف عليه لا يجزئ في الإفهام وهو الغاية من الكلام فلا يكون كَلَامٌ إلا وصاحبه يُرِيدُ إفهام غيره فَوَضَعَ بَعْضٌ آخرُ شرطَ القصد ، فيخرج بذلك كلام النائم والساهي والمجنون وكل من رُفِعَ عنه قلم التكليف رفعا دائما أو آخر مؤقتا ، لعارض طارئ كالجنون فهو آفة سماوية أو آخر معتاد كالنوم فهو عادة جبلية ، فكل أولئك قد ينطقون بما ظاهره يفهم معنى صحيحا يحسن الوقوف عليه ولكنهم لا يقصدون ما ينطقون فَثَمَّ عارض أفسد الإرادة فانحط بمنطوقهم من الكلام إلى اللفظ فيجري مجرى الصوت المبهم الذي لا يفيد معنى يُفْهِمُ ، فلم تُبْطِلْ مريم ، عليها السلام ، النذرَ أن أشارت إلى طفلها في المهد ، فذلك كلام بالنظر في الغاية وهي الإفهام وليس كلاما بالنظر في الحد ، فَحُدَّ الكلامُ أنه لفظ مفيد يحسن السكوت عليه ، فلم يكن في إشارتها من هذا الحد ركنه الأول وهو اللفظ فإنها لم تلفظ وإنما أشارت وإن حصلت الفائدة التي يحسن السكوت عليها ، وإلا ما أجابوا بقولهم : (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) ، ففهموا أنها تحيل الجواب على الصبي ، فلو لم يفهموا ذلك ما سألوا هذا السؤال بل لسألوا فقالوا : ماذا تقولين أو ماذا تقصدين ...... إلخ من أسئلة الاستعلام عن مراد المتكلم بلسانه أو المشير بيده أو عينه ، فنذرت البتول عليها السلام أن تصوم صياما مخصوصا ، فالواجب في نص الشرع أن يحمل على الاصطلاح المخصوص ، وهو الإمساك عن المباحات المعهودة لزمن مخصوص ، فالأصل في ألفاظ الشرع أن تحمل على الحقائق الاصطلاحية الخاصة حتى يرد دليل يَرُدُّهَا إلى الأصل وهو الحقيقة اللسانية المطلقة ، فكان الدليل من قولها : (لَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فردت الصيام إلى أصل أول وهو مطلق الإمساك الذي يصدق في أي فرد من أفراد الحقيقة ، فهي كالجنس العام الذي تندرج تحته أنواع أو آحاد ، فثم الإمساك عن الكلام ، وثم الإمساك الشرعي ...... إلخ ، فإما أن يقال إن الصيام في نصوص الشرع يحمل ابتداء على الصيام الشرعي فذلك ظاهر يتبادر فلا ينصرف الذهن عنه إلا لقرينة كما في هذا الموضع فانصرف إلى آخر مرجوح لقرينة السياق ، فذلك تأويل صحيح ، وإما أن يقال إنه ابتداء من الجائز مستوي الطرفين ، فاستوى طرفاه أو أطرافه إن كان من اللفظ المشترك الذي يدور على أكثر من وجهين ، فاحتمل وجوها عدة على حَدِّ التساوي فلا يرجح أحدها الباقي ، فلا بد من مرجح من خارج وهو ما تقدم من قرينة السياق وهو ما كان من إشارة مريم ، عليها السلام ، فيكون كالمجمل الذي ازدحمت فيه المعاني ازدحاما يفتقر إلى البيان فليس ثم رجحان أول لبعض وجوه المعنى على بعض ، بل الجميع قد استوى ، خلاف القول الأول الذي رجح أحدها ، فهو ما يصار إليه ابتداء إلا أن يكون ثم قرينة ترجح غيره ، فكان من قولها ما قد صَرَفَ الصوم عن المعنى الراجح المتبادر وهو الإمساك الشرعي إلى آخر مرجوح وهو الإمساك عن الكلام ، وكان من العموم ، أيضا ، ما أفاده دخول النَّفْيِ على المصدر الكامن في الفعل "أكلم" وَثَمَّ نذر تقدم وهو ما نُكِّرَ في سياق إثبات مؤكد بالناسخ في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) ، فأفاد الإطلاق الذي يصدق بواحد من أفراد الجنس فذلك ما كان من سكوت مريم فلم تنطق ذلك اليوم ولم تكلم إنسيا ، فـ : (لَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، أي إنسي ، فذلك ، أيضا ، موضع عموم آخر ، إذ ثم نكرة قي سياق نفي أفادت العموم بالنظر في أصل الوضع ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فلم تنطق ، وإنما أشارت فلا تكون إشارتها من الكلام المعهود في اصطلاح النحاة وإن أفادت مثله معنى يدرك بالنظر والاعتبار .

والشاهد أن ثم من العمومات في الخبر : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ" : الشرط وهو نص في الباب ، فضلا عن تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل : "صام" ، وهو ما خص ، كما تقدم ، بحقيقة الصيام الاصطلاحية ، فلا ينصرف إلى الحقيقة اللغوية المطلقة إلا بقرينة ، كما تقدم من صوم مريم عليها السلام ، فصامت عن الكلام ، فتلك هيئة مخصوصة تخالف عن المتبادر من الحقيقة الشرعية الاصطلاحية ، فهي أَوْلَى ما يصار إليه حال النظر في نصوص الشرع ، إلا إن كان ثم قرينة صارفة وهي ما ورد من بيان بعد إجمال في آي مريم المتقدم إذ أبانت عن هيئة صيامها بقرينة من لفظها : (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، والعطف بالفاء مئنة من السببية ، فإن نذرها الصومَ سبب في السكوت ، وهو ، كما تقدم ، ما صيغ في لفظ عموم آخر إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "أكلم" ، فتسلطه ابتداء يفيد مطلق النفي ، ومن ثم يكون من قرينة التأبيد أو التأقيت ما يقيد المعنى ، ففي نحو قوله تعالى : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ، أفادت القرينة التأبيد فذلك عذاب الكافرين فلا نجاة منه بل الخلد فيه جزاء الجنس الكافر أيا كان نوعه : أصليا أو منافقا أو مرتدا ...... إلخ ، وفي هذه الآية آية النذر المريمي : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، كان من التقييد بالظرف "اليومَ" ما يقصر دلالة "لن" فهي تفيد التأقيت بالظرف المذكور ، فضلا عن قيد آخر قد دلت عليه الإشارة في قوله تعالى : (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) ، فخرج من الكلام الإشارة فهي كلام بالنظر في معناها المفهم ، فاقتصر النفي على الكلام المنطوق ، ولم يخل السياق من عموم آخر ، وهو عموم الكلام المنطوق ، فاستغرق سائر أجناسه ، ولم يخل العموم الآخر ، عموم "إنسيا" ، من تخصيص ، فإنها لا تحنث إذا كلمت نفسها فذكرت الله ، جل وعلا ، مع أنه يصدق في هذه النفس أنها من الإنس ، فكلاهما لهذا الإنسي لا يبطل نذرها .

والشاهد أن في الخبر : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا" ، عموما قد استفيد من اسم الشرط ، كما تقدم ، فاستغرق كل مكلف يخاطب بالصيام ، فجاوز دلالة اللفظ المفرد المذكر بالنظر في دلالة المعجم المفردة ، فهو يستغرق كل مخاطب ، وثم آخر قد استفيد من دخول الشرط على المصدر الكامن في الفعل "صام" ، وهو ما اقتصر على الحقيقة الشرعية الاصطلاحية ابتداء فلا يلتمس لها دليل يُقَيِّدُ إذ هي الأصل في نصوص الشرع المنزل حتى يرد دليل ناقل يردها إلى حقيقة اللسان الأولى ، فلا يصار إليها وإن كانت هي الأصل الأول في وضع اللسان فإن محل النظر في هذا الموضع هو الشرع ، فالنص من أخباره فليس نصا من نظم أو نَثْرٍ ، فقرينة الشرع توجب حمل الألفاظ على الحقائق الشرعية الاصطلاحية الأخص فهي في هذه الحال أصل يستصحب حتى يرد الدليل الناقل ، فالأصل المستصحب في نصوص اللسان نظما أو نثرا هو الحقيقة اللغوية المطلقة حتى يرد دليل ناقل إلى الحقيقة العرفية أو نظيرتها الشرعية فكلاهما قدر زائد على الأصل الأول فلا بد له من دليل يثبت إذ يجري مجرى الدعوى بالزيادة فلا بد لها من دليل ، إذ البينة على من ادعى ، وأما المنكر فهو مستمسك بالأصل الأول فلا يلزمه الدليل كما المدعي فلو لم يُقِمِ المدعي بَيِّنَةً ، فيجزئ المستمسك بالأصل أن يدعي دعوى الإبطال فكلاهما قد تساوى إذ جُرِّدَ من الدليل ، فَتَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا فضلا أن المستمسك بالأصل يأرز إلى دليل أول قد استقر ، فلا يلزمه أن يقيم ثانيا إلا إذا أقام المدعي للزيادة دليلا يوجب الانتقال من الحقيقة المطلقة إلى أخرى مقيدة ، فيلزم المستمسك بالأصل في هذه الحال أن يقيم دليلا يرد به دليل المدعي أو يقيم من الطعن ما يقدح في صحة دليل المدعي قدحا معتبرا إن في الإسناد أو في المتن ، إن في النقل أو في الدلالة ، فلا بد أن يبين عن وجه قدح معتبر يوجب تضعيف دليل المخالف أو إبطال دلالته ، فلا تقبل دعوى القدح مجردة لأنه يخالف العقل أو الحس ..... إلخ بلا تفصيل يبين ، فباعث ذلك ، لو تدبر الناظر ، هوى يَرَاهُ صاحب الرأي هو العقلَ المحكم فقد صَيَّرَ عقله هو الحكم المهيمن فما خالف عن هواه وقياسه فقد خالف عن العقل المحكم فوجب رده من هذا الوجه ، وذلك باب لو فتح لسقط الاستدلال بأي دليل يخالف عن هوى المستدل أو ذوقه ، والأصل المستصحب في نصوص الشرع كما في هذا الموضع : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا" ، هو الحقيقة الشرعية الاصطلاحية فهي ما يجب المصير إليه ابتداء حتى يرد دليل ناقل ، ومرد الأمر ، كما تقدم ، دليل صحيح صريح سالم من المعارِض المعتبَر فلا يجزئ في الانتقال عن الأصل الشرعي في نصوص الأحكام ، لا يجزئ في ذلك دعوى مجردة ، كدعاوى الغلاة من الباطنية الذين صرفوا ألفاظ الشرع عن معانيها الاصطلاحية المتبادرة إلى معان دقيقة لا يدل عليها اللسان ولو من وجه بعيد مهجور ، أو هو من الاقتصار على المعنى اللغوي المطلق جنسا عاما يجرده الذهن ، كما قال أولئك في الصوم إذ أخذوا منه الجنس العام وهو الإمساك ، وزادوا فيه بلا دليل ، فجعلوا الصيام هو إمساك السر فلا يبذل لأي أحد ! ، فلا يجزئ في التأويل الصحيح إلا دليل معتبر يوجب الانتقال من الحقيقة الشرعية المقيدة إلى أخرى عرفية أو لسانية ، كما يضرب المثل بالصلاة في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ، فتلك صلاة الدعاء المطلقة لا صلاة الاصطلاح الخاصة فالسياق يأباها ، فضلا أن الآثار قد دلت على الأخرى ، صلاة الدعاء ، كما في حديث آل أبي أوفى ، رضي الله عنهم ، فـ : "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى" ، فكان من القرينة في السياق ما رشح الدلالة الشرعية المتبادرة وهي الصيام المعهود ، وَثَمَّ يوم قد نُكِّرَ في سياق الشرط فَأَفَادَ أيضا العموم فمن صام يوما أي يوم وهو ما يستغرق الفرض والنفل وإن كان السياق وَعْدًا مما قَدْ يُرَجِّحُ الفعل نَفْلًا فلا يخلو ، مع ذلك ، من عموم يستغرق الاثنين ، فيصدق الوعد فيمن صام الفرض في سبيل الله ، فسبيل الله ، جل وعلا ، في العبادة منها الفرض ومنها النفل ، فصح ، من هذا الوجه ، الجمع بين الاثنين : الفرض والنفل ، فالسياق يحتملهما جميعا وذلك مما قد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا تخلو "في" في : "فِي سَبِيلِ اللهِ" من دلالة السببية فهو في سبيل نَوَالِ الثواب فرضا أو نفلا على ما تقدم من احتمال الاشتراك بين الوجهين .

ومن ثم كان الجواب : "بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا" ، فثم تلازم يجري مجرى التعليل وذلك آكد في تقرير المعنى حملا للمخاطب على المبادرة والامتثال حال الوعد ، والكف والانزجار حال الوعيد ، ولا تخلو المباعدة من مفاعلة وإن كان المباعِد في هذا السياق واحدا وهو الله ، جل وعلا ، فذلك من وصف فعله المتعدي الذي يُنَاطُ بالمشيئة النافذة ، فيصدق فيه ما يصدق في كل وصف فِعْلِيٍّ أنه قديم النوع حادث الآحاد إذ تُنَاطُ بالمشيئة فإذا شاء الله ، جل وعلا ، فَعَلَ ، وإذا شاء لم يَفْعَلْ ، فكانت المباعدة بالنظر في المباعدَيْن : الصائم والنار فهما اثنان وإن لم يتباعدا من بعضهما ، وقد يقال إن الصائم إذ يمتثل فهو يباشر أسباب المباعدة ، فتكون تلك مفاعلة من واحد كما قيل في المعالجة ونحوه ، فعالج فلان فلانا ، فالفعل من واحد وقد حُدَّ ، مع ذلك ، حد المفاعلة التي تدل بادي الرأي على المشاركة ، وقد خص الوجه في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ" إذ هو مجمع الحواس ولا يخلو ذكره أن يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام أو الجزء الذي يراد به كُلٌّ جامع ، فكان من البعد سبعين عاما ، والسبعون إما أن تراد تحديدا أو يكون ذلك من المبالغة التي اطردت في لسان العرب ، كما قد حُمِلَ عليه قوله تعالى : (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ، فخرج مخرج الغالب فلا مفهوم له إذ لو استغفر لهم ألف مرة ما غفر الله ، جل وعلا ، لهم .
فثم وعد في الخبر : "بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ عَامًا" ، إذ المباعدة من النار وهي من أشد الوعيد ، المباعدة منها وعد يحمد أن يجنب صاحبه العذاب المؤلم ، ولا يخلو كسائر نصوص الوعد والوعيد أن يجري مجرى السبب فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فلو صام يوما وقد قارف ناقضا من نواقض الإيمان فذلك مانع قد ثبت فحال دون إنفاذ الوعد ، ولو ترك واجبا فذلك شرط لم يستوف ، فَصَيَّرَهُ ذلك أهلا لوعيد يحول دون إنفاذ الوعد ، إلا أن يكون الحائل دون إنفاذ الوعد سواء أكان شرطا قد تخلف أم مانعا قد ثبت ، إلا أن يكون هذا الحائل مما يدخل تحت المشيئة سواء أكان كبيرة أم دونها فقد يتجاوز عنه الرب ، جل وعلا ، ابتداء ، فينفذ الوعد ولو مع وجود التقصير بما قارف من الذنب ، فلم يبلغ حد النقض لأصل الدين فذلك ما لا تجدي معه أي طاعة .

والخبر كسائر نصوص الوعد والوعيد ، فهو مما يفيد الإنشاء بدلالة اللازم حضا على الفعل حال الوعد كما في هذا الخبر ، أو حضا على الترك حال الوعيد .

والله أعلى وأعلم .