ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ :
فكان من الشرط ما قد عم ، فتلك دلالته في الأصول واللسان ، فاستغرق وذلك أصل يستصحب أبدا في نصوص الوحي عامة ، والوعد والوعيد خاصة كما في هذا الموضع ، فثم عموم يستغرق كل مكلف إلا إن كان ثم دليل تخصيص يقصر دلالة العام على بعض آحاده نوعا أو شخصا في الخارج ، فكان من العموم ما استغرق كل صائم ، وذلك تكليف يعم ، فيعم الصائم والصائمة ، ويعم الكبير والصغير وإن كان صيام الصغير نفلا ، فهو يدخله في الوعد بقرينة العموم آنف الذكر ، فإن تسلط الشرط على المصدر الكامن في فعل الشرط يجري مجرى تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل المنفي ، فيستغرق كل صيام لرمضان ، سواء أكان صيام الكبير أم الصغير ، ودخول المرأة في هذا العموم يثبت وإن لم تصم رمضان كله فذلك الغالب من حالها لا تفريطا في الفرض وإنما لعارض الجبلة المانع من صيام الحائض ، فتفطر وتقضي ، وقضاؤها مما به تتم عدة الشهر فيصدق فيها من هذا الوجه أنها قد صامت رمضان ، وهو مما يحتمل ، فإن القضاء من الاصطلاح الحادث في الأصول وهو أداء العبادة بعد خروج وقتها المقدر في الشرع ، خلاف القضاء في اصطلاح الوحي فهو يطلق على الأداء كما في قضاء الصلاة من يوم الجمعة في قول رب العزة جل وعلا : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، فقضاؤها أداؤها في وقتها المقدر شرعا وهو يوم الجمعة وهو من المضيق بالنظر في الجماعة الأولى فإذا فاتت أتمها ظهرا ، خلاف ما يكون من وقت الظهر الموسع في سائر الأيام فيكون من الجماعة الثانية ما به يسقط الواحب على القول إن صلاة الجماعة واجبة على أعيان الذكور فذلك الأصل الذي يرجع إليه من فاتته الجمعة فيرجع من وقت الجمعة المضيق إلى نظيره في الظهر فهو موسع فيصلي الظهر وإن فاته أجر الجمعة ولم تبرأ الذمة البراءة التامة إن كانه تركه للجمعة من غير عذر .
والشاهد أن القضاء في اصطلاح الوحي الأول يطلق على الأداء وهو إيقاع العبادة ابتداء في وقتها المقدر شرعا ، وهو ما قد يحمل عليه قضاء الحائض فهو أداء إذ لم ينعقد الإيجاب في حقها ابتداء فالحيض يمنع ذلك ، وثم من يُجْرِي الأمر مجرى الإيجاب والفرض فقد وجب عليها الصيام فهي محل يقبل آثار التكليف ، فيجري تكليفها بالصيام مجرى التكليف بالقوة ، وإن لم تُكَلَّفْ بالفعل لوجود المانع من الحيض ، فَيُقَالُ ، من هذا الوجه ، إن الإيجاب قد انعقد في حقها ولكن المانع قد حال دون الأداء في وقت العبادة المضيق ، فتقضي بعد خروج الوقت ، كما الصلاة في قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فيكون وقت الفائتة من نوم أو نسيان هو وقت قضائها بعد خروج الوقت المقدر أولا في الشرع ، كما في الخبر : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، فقد يقال إن الصيام يقاس على الصلاة من هذا الوجه ، وذلك ما يُرَدُّ من وجهين : أن تلك عبادات الأصل فيها التوقيف ، فلا يكون ثم إثبات أو نفي إلا بدليل ، وأن هذا القياس لا يستغرق مانع الحيض ، فقد نص الخبر على النوم والنسيان وهما مما يجري مجرى المثال لعام وهو كل مانع معتبر من ذات المصلي أو من خارجه كمانع الإكراه ألا يصلي ، فهو مانع من خارج ، فنص الخبر عليهما مثالا يراد به عام ، وهو كل مانع من الأداء فيجب القضاء ، وذلك ما لا يطرد في الحيض ، فكان من الخبر ما فَرَّقَ بين الصلاة والصيام ، وهو حديث عائشة ، رضي الله عنها ، وفيه : "كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" ، فلا يُقَاسُ قضاء الحائض الصيامَ على قضاءها الصلاةَ وإن رجح ذلك ، بادي الرأي ، فثم وجه تماثل يظهر ابتداء فكلاهما ركن من أركان الدين ، ومع ذلك فقد فَرَّقَ النص بين الصلاة والصيام فتقضي الثاني ولا تقضي الأولى ، فلو لم تدرك العلة فالحكم نافذ فيجري مجرى ما لا يعقل معناه من أحكام التعبد التوقيفية ، كما استدلت عائشة ، رضي الله عنها ، فردت الأمر إلى ما كان زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من أمر بقضاء الصيام دون الصلاة ، والعلة مع ذلك قد أُدْرِكَتْ ، من وجه ، فَثَمَّ مشقة في قضاء الصلوات إذ تتكاثر لا سيما إن طال زمن الحيض فهو مما يتفاوت ، خلاف الصيام فلا تعظم فيه المشقة ما تعظم في الصلاة ، فكان من مشقة قضاء الفوائت في حق الحائض ما جلب التيسير ، خلاف ما يكون من قضاء الناسي أو النائم فذلك ما لا يكثر في العادة فصلاة أو اثنتان أو ثلاثة ، فليس ثم في الغالب من ينام يوما وليلة ! ، فتفوته خمس صلوات ، فإن كان ثم غياب للعقل يطول بمرض أو نحوه من الأسباب المباحة ، فذلك ، من وجه ، مما يقاس على قضاء الحائض إذ تعظم المشقة فلا يقضي فوائت كثيرة وإنما يجتهد في النوافل ما استطاع ، فإن الإيجاب الإلزامي لم ينعقد في حقه ، وَإِنِ انعقد الإيجاب الإعلامي ، كما قد فَرَّقَ المحققون من المالكية رحمهم الله ، فالأول إيجاب الفعل والثاني إيجاب القوة ، فيتوجه التكليف إليه بالفعل بعد أن يفيق ، فإن طالت غيبوبته ، فذلك ما يلحقه بالحائض إذ تكاثرت الفوائت فحصل الحرج في قضائها ، فكان التيسير برفعه ، فذلك ، من وجه ، مما يدخل في عموم النفي في قول الرب جل وعلا : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ، فثم نفي قد استفيد من وجوه ، فتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل وهو ما خص ، من وجه آخر ، بالإرادة الشرعية الحاكمة فَثَمَّ حرج يحصل بالإرادة الكونية النافذة ، وهو خلق الرب جل وعلا من وجه ، وهو مما اكتسبت أيدي العباد من آخر ، فَثَمَّ من يَتَنَطَّعُ فَيُدْخِلُ الحرجَ على نفسه فيضعه وقد رفعه الرب ، جل وعلا ، فهو كمن رد رخصة الخالق ، عز وجل ، وثم عموم آخر استفيد من دخول النفي على النكرة "حرج" فاستغرق سائر أجناس الحرج ومنه الحرج آنف الذكر ، حرج الحائض أن تقضي الفوائت إذ تتكاثر ، فسقطت عنها فوائت الصلاة دون الصوم على الخلاف آنف الذكر أهي ممن انعقد الصيام في حقه ابتداء فكان فطره رخصة ، وكان صيامه بعد خروج الوقت قضاء ، أم الصوم لم ينعقد في حقها ابتداء لوجود المانع ، فيكون صيامها بعد خروج الوقت أداء ، لا سيما والأداء والقضاء في اصطلاح الوحي الأول مما استوى في الدلالة فيخالف عن اصطلاح الأصول المحدث .
فهي ممن صام رمضان وإن أفطرت أياما منه ، فلم يكن فطرها عمدا ، بل صيامها وهي حائض عصيان يأثم صاحبه ، فسواء أكان ما تصوم بعد رمضان قضاء لِمَا انعقد إيجابه ابتداء أم أداء يستأنف ما لم ينعقد إيجابه ابتداء ، فسواء أكان الأول أم الثاني فهي ممن يدخل في عموم الوعد أن : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" ، فثم عموم ، كما تقدم ، عموم الشرط ، وعموم المدخول ، مدخول الشرط الذي يستغرق كل صيام لرمضان : صيام الرجل والمرأة إيجابا وصيام الصغير نفلا ، وثم قيد رمضان الذي أخرج صيام النفل إلا ما كان من صيام الصغير رمضانَ فهو من صيام النفل ، وإن كان محله الفرض إذ لم ينعقد في حق الصغير إيجابه وإن حسن أمره به ليعتاده ، فيقاس من هذا الوجه على الصلاة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ" ، فكان من الأمر ما يجري مجرى الدربة ، وهو ما اقتصر على الأبناء ، وذلك معنى يجاوز من تحت ولايتك ، فيعم الأخ الصغير والربيب ويعم الأهل ، كما في قوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ، فكان من أمر الأهل لمكان الولاية والقوامة الخاصة ، ودلالة "أل" في "الصلاة" مئنة من العهد الخاص وهي الفريضة ، فهي مما يؤمر به المكلف ، فثم التكليف الأعلى ، تكليف الرب الأعلى ، عز وجل ، وثم تكليف الولي القيم بما له من قوامة فهي تكليف آخر أن يأمر أهله وولده بالحق الذي نزل ، فهو يأمر أمرا دون أمر الرب الأعلى ، جل وعلا ، إذ الجميع يدخل في تكليف الشرع ، وهو على أنحاء فلا يستوي تكليف ذي الولاية ومن ليس له ولاية ، فالأول له تكليف أعلى ، إذ له ولاية أعم ، وكلما اتسعت ولايته كان له من الأمر ما يستغرق آحادا في الخارج أكثر ، حتى تبلغ الولاية ولاية الجماعة فهي الولاية الأعم فيكون له من الأمر ما يدخل في عموم المعنى في قول الرب الأعلى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) ، فإن الآي وإن كان من المكي وليس ثم ولاية عامة إذ لم ينشأ كيان جامع إلا في المدينة ، حاضرة الرسالة الأولى ، إلا أنه لا يخلو من دلالة تَطَّرِدُ في حق كل ذي ولاية ، فالأمر يستغرق وإن توجه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المخاطب الأول بالتكليف ، فيقاس عليه كل ذي ولاية خاصة أو عامة ، فهو مأمور أن يأمر من تحته بأمر الشرع الأعلى ، فالأمر في حقه أمران : أمر يتوجه إليه في نفسه ، وأمر يتوجه إليه في غيره ، فهو مأمور أن يأمر وخطاب الأمر في هذه الحال لا يتوجه إلى المأمور الأدنى وهو مَنْ يأمر ممن دخل في ولايته ، فلا يتوجه الأمر إلى هذا المأمور الثاني إن كان صغيرا فالأمر في حقه استصلاح وتهذيب ، وكذا الضرب في الخبر : "وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ" ، فليس عقابا إذ العقاب على تَرْكِ واجب ، والصغير لَمَّا يكلفْ لِيُعَاقَبَ ، فتكليفه ، على قول ، تكليف الندب فالمندوب مأمور به فهو داخل في حد التكليف ولكنه تكليف لا على سبيل الاقتضاء والجزم وإنما على سبيل التخيير ، فالمكلف مخير بين الفعل والترك ، وكذلك الشأن في الصغير إلا أن جانب الفعل أرجح ليعتاد العبادة فلا يجد الحرج والمشقة إِنْ كُلِّفَ فجأة فإنما هي رقدة ، فينام غير مكلف فيحتلم فيستيقظ وقد كلف بالشرع كله ، فكان الأمر أن : "مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ" ثم العقاب : "وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ" على حد التأديب ، لئلا يجد الحرج والمشقة في قابل أيامه ، فذلك من الألم الذي يجد نفعه ، فيصبر ساعة ويجد الخير أبدا ، فلولا ضربه ما اسْتُصْلِحَ ، خلاف من يغفل عنه وليه فيهمل أمره فهو يلعب ويلهو ولا يجد من يؤدب ويرشد فيجد من المشقة بعد ذلك ما ينسخ هذه اللذة العابرة فلا تعدل في عمره شيئا ، فكان من الأمر في الآية : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ما استغرق بدلالة العموم في المضاف "أهلك" ، فهو يجاوز المخاطب الأول ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إلى كل ذي ولاية ، ويستغرق الأهل والولد ، بل وثم دلالة أعم ، فإن صاحب الولاية يأمر من تحته أن يمتثل أمر الوحي الذي يستغرق الجميع ، فذكر الأهل الأخص في الآية وهو ما يتوجه إلى الصاحب بالجنب ، ذكره يجري مجرى الخاص الذي يراد به العام ، فثم عموم معنى يستغرق أصحاب الولايات جميعا أن يحكموا في أوليائهم بالوحي ، فهو حكم العدل ، فالأمر بالصلاة حكم الوحي ، وذكر الصلاة من هذا الوجه يجري ، أيضا ، مجرى المثال ، فهو من الخاص الذي يراد به عام ، فيستغرق الأوامر جميعا ، وذلك معنى يجاوز حد التكليف بالعبادات التوقيفية ، فيعم سائر الأحكام ، وهو مما يتفاوت تَبَعًا لتفاوت الولايات ، فكلما عمت الولاية واتسعت كان أمرها أشد نفاذا في المأمور بما لها من سلطان الأمر والنهي ، وهي ، مع ذلك ، تَابِعٌ لِمَا أَمَرَ به الوحي ، فلا يطلق الأمر بطاعتها ، بل من الولايات ما تجب معصيته إن أمرت بمنكر ولو في فرع فكيف لو عطلت أصلا محكما بل وعطلت الوحي جملة ؟! ، فطاعتها تَنْتَقِضُ ، والإنكار عليها يجب على وجه لا يخلو من تدبر واجتهاد في تقدير المصالح والمفاسد ، وإلا فالحكم محكم ، وإنما التقدير فيما احتف به من قرائن قد تجري مجرى الموانع ، فهي من الطوارئ الجادة ، كما تقدم من صيام الحائض ، فإن الصيام قد انعقد في حقها فمحلها يقبل آثار التكليف قوة ، ولا يكون التكليف بالفعل إلا إن خلا المحل من المانع ، فكذلك الإنكار على الآمر إن كان ذا ولاية فأمر بمنكر محرم أو نهى عن معروف واجب أو زاد فعطل الوحي النازل ! ، فذلك أصل محكم وإنما قد يَرِدُ من الموانع المعتبرة مفاسدَ عظمى تعم بها البلوى ، قد يرد من ذلك ما يوجب التوقف لا نسخا للحكم ، وإنما يجري مجرى المجموع المركب ، فهو حكم وسبب وشرط ومانع يجب انتفاؤه ، فإذا تخلف واحد تخلف الحكم لا أنه قد نسخ ، وإنما أنيط بمعنى فلما تخلف المعنى تخلف الحكم ، فهو يدور معه وجودا وعدما ، وكذلك المانع فلا بد من انتفائه ، فالطاعة في المعروف فإن أمر الولي أهله بمعصية فلم يأمرهم بالصلاة والطاعة فأمره هدر ، والإنكار عليه قد وجب ، فلا طاعة في عصيان الوحي ، فـ : "أَيُّمَا أَمِيرٍ أَمَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ، فأَمَرَكُمْ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" ، فذلك عموم يستغرق ، فثم نص في العموم وهو الشرط ، فكان الشرط المركب ، ولاية المتأمر ، وأمره بغير الطاعة فليس إلا المعصية ، إذ نفي الشيء يستلزم إثبات ضده ، فذلك شرط مركب يوجب العصيان فلا يطاع ، وهو الجواب : "فَلَا تُطِيعُوهُ" ، فذلك نهي يحمل على التحريم ، وهو الأصل في الباب ، وبعده كان التعليل الذي عطف بالفاء مئنة من فور وتعقيب : "فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة السببية ، وإن لم يكن نصا فيها ، فيجري مجرى الجواب عن سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة هذا النهي عن طاعة أمير تجب طاعته ابتداء بما له من ولاية نافذة ؟! ، فجاء الجواب : فإنه لا طاعة في معصية الله ، فثم توكيد بالناسخ ولا يخلو من دلالة تعليل إذ دخلت عليه الفاء فأكسبته معنى السببية فضلا عن قرينة السياق اللفظية إذ ورد عقيب تكليف استدعى السؤال في الذهن فكان الجواب على الفور : "فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" ، ولا يخلو السياق من توكيد آخر ، فثم ضمير شأن ، وبعده كانت الجملة الاسمية التي صدرت بِنَفْيٍ قد استغرق ، فذلك نفي الجنس إذ دخلت "لا" على النكرة "طاعة" ، فالاسمية مئنة من الثبوت والديمومة ، والنكرة في سياق النفي مئنة من العموم المستغرق ، فلا طاعة أي طاعة في المعصية ، فذلك مفهوم يستنبط بالنظر في الدلالة الأعم في قول الرب جل وعلا : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ، فأمرهم بالصلاة مئنة من عموم يجاوز وهو الأمر بكل طاعة تشرع ، فالمفهوم ألا تكون الطاعة في أمر منكر ، فكان الأمر في الآية : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) ، فمعناه يعم ، فَأْمُرْ أبناءك وَأْمُرْ رعيتك إن كنت ذا ولاية تعم ، فَأْمُرْ أولئك بالصلاة خاصة وَأْمُرْهُمْ بطاعة الوحي عامة ، وذلك ما يجري في أحوال مجرى ما تقدم من أمر الاستصلاح والتهذيب في حق غير المكلف ، ولا يخلو ذلك أن يستغرق المكلف كمن له أهل يقصرون في الطاعة فهو مأمور أن يستصلحهم باللين تارة والشدة أخرى لا سيما وله من الولاية ما يوجب عليه ذلك فهو مأمور أن يمتثل الشرع ومأمور أن يأمر من تحت سلطانه أن يمتثل الشرع ، ومأمور أن يصطبر ، وذلك قدر زائد على الصبر فيتكلف منه ما يحسن في استصلاح الأهل والولد فلا يكون ذلك إلا من صابر محتسب فهو يصطبر على من تحت ولايته فلا يعاجل بالعقاب ولا يهمل في النصح والإرشاد ، ولا يلين في موضع شدة ، فثم من مواضع الزجر والإنكار ما تجب في الشدة في غير عنف ، فلا يزيد في الحد ولا ينقص عنه ، وإنما يجتهد أن يصيب العدل فهو الوسط بين طرفين والفضيلة بين رذيلتين ، وبعده كان النفي أن : (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) ، فذلك ما به الكفاية لو صح التوكل والأخذ بالسبب ، فينصرف صاحبه إلى امتثال أحكام الديانة ، فالرزق قد كُفِيَ همه ، فكان من النفي ما قد عم فتلك دلالة النكرة "رزقا" في سياق النفي ، وبعده كان الإثبات : (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) فثم طباق سلب بين النفي والإثبات ، وذلك آكد في تقرير المعنى وبه استيفاء شطريه في المبنى ، نفيا وإثباتا ، فكان النفي : (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) ، ثم الإثبات أن : (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ، فتلك اسمية لا تخلو من توكيد وديمومة ، فضلا عن دلالة التعظيم في ضمير الجمع "نحن" ، فذلك مما يحسن في مواضع الكفاية ، فلا يكفي المؤنة إلا عظيم يرزق فعطاؤه لا ينفد ، وزد عليه تكرار الإسناد فاعلا مضمرا إيجابا في عامله "نرزقك" قد دلت عليه نون المضارعة فهي مئنة من الجمع فهو ضمير تقديره نحن ومرجعه الضمير الأول "نحن" فهو مبتدأ في لفظه فاعل في معناه فكان من تكرار الإسناد ما به أسند الفعل إلى ضميرين مرجعهما في الخارج واحد فكرر إسناد الفعل إليه معنويا مظهرا وهو المبتدأ "نحن" فهو فاعل المعنى ولفظيا مستترا وهو الضمير الذي استكن إيجابا في العامل "نرزقكم" ، وبعده كان الختام بالوعد بشرى بعاقبة هي المثلى ، فـ : (الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) فتلك دلالة "أل" في "العاقبة" فهي مئنة من عهد خاص ينصرف إلى استغراق معاني الخير فهي عاقبة تسر وتفرح فلا حزن بعدها ، ومناطها التقوى ، فدلالة اللام في "للتقوى" ، دلالتها من هذا الوجه دلالة السببية فتعدل الباء على تقدير : العاقبة المثلى تكون بالتقوى ، ولا تخلو من دلالة الاختصاص والاستحقاق ، فلا يستحقها إلا من امتثل الأمر والنهي ، فذلك لازم التقوى ، وهو ما يجري ، من هذا الوجه ، مجرى الإيجاز بالحذف على تقدير : والعاقبة لأهل التقوى فهو يجري مجرى الحقيقة فلا مجاز بحذف إذ قد اشتهر حتى صار كحقيقة العرف المقيدة أو المجاز المشتهر وكلاهما يقدم على حقيقة اللسان المطلقة .
والشاهد أن الصبية يؤمرون بالصلاة والصيام ندبا ليعتادوا التكليف إذا بلغوا فيكون من أمر الصبية أن يصوموا ما يقاس على أمرهم أن يصلوا ، وهو ما امتثل القوم كما في حديث الربيع : "«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ» فَكُنَّا نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُهُ صِبْيَانَنَا، وَنَعْمَلُ لَهُمُ اللُّعَبَ مِنَ الْعِهْنِ، وَنَذْهَبُ بِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا بَكَوْا أَعْطَيْنَاهُمْ إِيَّاهَا" ، فذلك مما حُدَّ حَدَّ الكينونة الماضية مئنة من الإثبات فهو دليل الديمومة والتكرار ، ولا يخلو الفعل من دلالة التعدي بالتضعيف ، تضعيف العين في "صوَّم" ، فتعدى إلى غيره وهم الأبناء بما للآباء من قوامة الاستصلاح والتأديب ، فذلك ما يدخل الصبية في حد الوعد وإن لم يكن ابتداء فرضا يلزمهم .
فكل أولئك ممن يدخل في عموم الوعد في الخبر محل الشاهد : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" ، وثم القيد بالحال "إيمانا" ، وذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى الاشتراك ، إذ الإيمان الأول ، وهو الأصل الذي لا يقبل عمل إلا به ، هذا الإيمان يدخل في حد الحال "إيمانا" فضلا عن إيمان زائد ينصرف إلى مناط أخص وهو باعث الإخلاص في القصد ، قصد الصوم خاصة ، وإن اشترط في كل عمل ، فالنية شرط صحة في العمل بالنظر في أحكام الدنيا ، وشرط قبول بالنظر في أحكام الآخرة فهي تجاوز نية المكلف التي بها يعين الواجب من المندوب ..... إلخ ، فَثَمَّ معنى أخص وهو الإخلاص وصحة القصد ، فكان من التقييد بالحال ما يجاوز بها حد الفضلة في المبنى فهي في هذا السياق عمدة في المعنى ، قد استغرقت الوجهين آنفي الذكر ، وبعده كان الإطناب بأخرى فصاحبها يحتسب ، والاحتساب مئنة من قصد زائد فذلك ، أيضا ، دليل نية وعزم فصاحبه قد جاوز بالصوم حد العادة أو العبادة المجزئة في أحكام الدنيا فَبِهَا إسقاط الفرض دون أن تقع موقع القبول عند الرب ، جل وعلا ، ولا تخلو كل حال أن تجري مجرى المبالغة إذ حدها حد المصدر ، وتقديرها الوصف المشبة في "إيمانا" واسم الفاعل في "واحتسابا" ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : من صام رمضان مؤمنا محتسبا ، فـ : "مؤمنا" وصف مشبه ، و "محتسبا" اسم فاعل من الخماسي "احْتَسَبَ" وبعده كان الجواب : "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" ، فَحُدَّ الوعد حَدَّ الماضوية مئنة من تقرير وتوكيد فالمغفرة قد ثبتت يقينا فكأنها وقعت وانقضت ، وحذف الفاعل إيجاز يصح إذ قد دل السياق على المحذوف فلا يغفر الذنوب بداهة إلا الرب المعبود ، جل وعلا ، وذلك موضع كسائر مواضع الوعد فلا بد من استيفاء الشرط وانتفاء المانع فلا يجزئ ذلك ، بداهة ، في الكبائر فلا بد لها من توبة خاصة ، فكفارة رمضان من هذا الوجه ككفارة الصلوات والجمعة ، فـ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ" ، فاحترز بالشرط "مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ" ختامَ الخبر ، فخرجت الكبائر وكذلك كل معصية تعلق بها حق لمخلوق ، فلا بد أن يعفو أو يُرَدُّ إليه حقه ، ولا يخلو الوعد من إطناب يجري مجرى الطباق إيجابا بين التقدم والتأخر في : "مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" ، فاستغرق الجميع وذلك آكد في الترغيب ، ولا يخلو الخبر من إنشاء يأمر بالصوم رجاء أن ينال الصائم هذا الأجر العظيم من تكفير الذنوب ، كما في موضع آخر من قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَعَرَفَ بِحُدُودِهِ، وَتَحَفَّظَ بِمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ، كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ : فذلك عموم آخر قد استغرق ، وثم شرط قد زيد فيه معرفة الحدود فلا يجاوزها ، فيأتي بالصوم على الوجه الذي به قد أُمِرَ ، فلا يخالف بقادح في الماهية الشرعية يبطل الصوم أو بآخر يبطل الأجر وإن صح الصوم في أحكام الدنيا فهو مما تبرأ به الذمة فيجزئ في إسقاط الفرض وأما القبول والرد فهو ما لا يعلمه إلا الرب ، جل وعلا ، والمعرفة في هذا الموضع تجاوز العرفان العلمي المجرد بل لا بد من عرفان الجنان وما يستتبعه من عرفان العمل ، فلا يجزئ علم مجرد بلا عمل يصدق ، فذلك أصل يستصحب في كل عبادة ، فهي مجموع مركب من تصور علمي أول وحكم عملي تال يصدق ما قام بالجنان من صورة العلم ، فكذلك الشأن في الصوم ، فثم عرفان العلم بالحدود والماهية وما يبطله من النواقض القادحة في الصفة الشرعية كالأكل والشرب والجماع عمدا ، وما يلحق بها من حصول معنى الأكل والشرب بدخول شيء إلى الجوف ، وحصول معنى الشهوة إما بالإيلاج ولو لم يكن ثم إنزال ، أو بالإنزال شهوة يتقصدها صاحبها فيستحضر أسبابها من مباشرة أو فكرة ، خلاف ما يكون من غلبة فكرة يجتهد في استدفاعها فلا يسترسل فإذا غُلِبَ وقد أتى بما يطيق من مدافعة فقد برئت ذمته وإن صدق فيه أنه قد أنزل بشهوة ، فليس من فجأه الأمر وحزبه كمن اختاره وتقصده فأدخل على نفسه أسبابه خلاف من اجتهد أن يسد الذريعة وتحفظ بما وجد من طريقة فهجم عليه الوسواس فلم يطق له دفعا مع اجتهاده في صده ، فذلك عرفان الحد الشرعي ، وثم آخر وهو عرفان العمل والسلوك وهو ما يكون من هجران الفحش والاشتغال بالحق ، وترك الغش والزور ، فـ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" ، فكان من الشرط في سياق الذم ما يجري مجرى الأصل فهو يستغرق جميع آحاده ، فثم عموم الشرط ، وثم جنس أعم ، وهو جنس الزور فتحته القول والعمل ، فاستغرق السياق الوجهين ، وهو ما ذكره التنزيل بعنوان جامع رئيس وهو الشهود ، فكان من وصف العباد المؤمنين أنهم : (الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) ، فشهادته تكون بالقول والعمل ، ودلالة "أل" في "الزور" مئنة من بيان الجنس فضلا عن استغراق لآحاده ، فهو كالجنس العام الذي يجرده الذهن فيدل على حقيقة مطلقة وهي ما خالف عن الحق ، وتحته أنواع فمنه زور القول ومنه زور العمل ، وكلاهما ما قد نص عليه الخبر : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ" ، فكان الشرط الذي استغرق القول والعمل ، وكذلك الشأن في حدود رمضان ، فإن الإضافة في "حدوده" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَعَرَفَ بِحُدُودِهِ" ، تستغرق حد العلم وحد العمل ، فالصيام كسائر العبادات له ماهية شرعية مخصوصة فهي تجاوز الماهية اللسانية ، فقيدت بالإمساك المخصوص فذلك حدها الظاهر ، وثم آخر في الباطن وهو ما يكون من أثر الصيام في الأقوال والأفعال ، فيكون من تهذيب الطبائع ما به تأويل المقصد ، فليس الأمر جوعا وعطشا بهما يتألم الإنسان فليس ثم غاية لذي المنة ، جل وعلا ، أن يجد عباده ألم الجوع والعطش وإنما ابتلاهم بذلك ليمحص نفوسهم فينفي عنها مادة الخبث بما يكون من طهرة الصيام فهو يطهر الروح والجسد جميعا ، فالجسد ينفي خبثه إذ الصوم يطهره ، والروح تخف بما يكون من تخفف البدن من حاجاته الجبلية لا غلوا في الزهد ورهبانية ما كُتِبَتْ فليس لله ، جل وعلا ، حاجة أن يُحَمِّلَ العبادُ أبدانهم ما لا تطيق ، وأن تضعف أبدانهم وتتقذر في خروج عن صريح الفطرة التي تقضي ضرورة بحسن الطهارة والاعتدال في المـأكل والمشرب ، فينال الجسد قسطه من الحلال الطيب بلا إسراف يقابله تَقْتِيرُ المترهبنة الذين خالفوا عن جادة الرسالة الحنيفية السمحة ، فكان منهم الغلو والتنطع وإحداث رهبانية ما أنزل الله ، جل وعلا ، بها من سلطان ، فكان من الاعتدال الجامع بين حاجة البدن وحاجة الروح ، وطهرتهما فالصوم يطهر كلا المحلين فيطهر المعي من فضول الطعام والشرب ، ويطهر القلب من فضول الإرادات والحظوظ ، فيستقيم الباطن على جادة التوحيد ، ويستقيم الظاهر على جادة التشريع ، فكان من غاية الصيام بالنظر في أحكام الآخرة أن يأتي تأويله في ترك الزور والعمل به ، فتلك غاية تجاوز حد الإجزاء في أحكام الدنيا بالإمساك عن شهوة البطن والفرج من الفجر إلى الغروب ، فنص الخبر على الذم الذي يجري مجرى الوعيد فظاهره أن الصوم باطل لا بطلان الماهية الشرعية المخصوصة على وجه يستوجب القضاء ، وإنما بطلان الأجر وإن ثم إجزاء في أحكام الشرع الظاهر ، فكان من الذم ما قد حُدَّ حَدَّ الجواب : "فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" ، جوابِ الشرط فاقترن بالفاء إيجابا وهي مئنة من فورية وتعقيب فضلا عن سببية وتعليل لا تخلو منهما فاء ، وكان من دلالة الربط بين الجواب والشرط ما يجري مجرى الإيجاب فذلك موضع يجب فيه اقتران الجواب بالفاء إذ ورد على حد النفي ، وثم عموم قد استغرق فتلك دلالة النكرة "حاجة" إذ وردت في سياق النفي وأداته "ليس" ، وثم إيجاز قد اشتهر في اللسان واطرد ، وهو إجاز الحذف والإيصال ، فتقدير الكلام : فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فحذفت ظرفية "في" إيجازا فكان الاتصال بلا واسطة ، فذلك ذم يشعر ببطلان الصيام في أحكام الآخرة فقد خالف صاحبه عن الجادة ، وإن صح الصوم في أحكام الدنيا بما يكون من استيفاء شرائطه وأركانه ، وذكر الطعام والشراب في هذا السياق يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فذكر أشهر محظورات الصوم ، والقياس لو أطنب : فليس لله ، جل وعلا ، حاجة أن يدع طعامه وشرابه ووطأه ، حرم أو حل ، فكل أولئك من معرفة الحدود ، في الخبر محل الشاهد : "فَعَرَفَ بِحُدُودِهِ، وَتَحَفَّظَ بِمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ، كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ" ، فكان العرفان بالعلم والتحفظ بالعمل إن فعلا للمأمور أو تركا للمحظور ، فاستوفى الشرط الصيام مع قوة العلم والمعرفة بالحدود ، وقوة العمل بالتحفظ ، وهو مئنة من التحرز بالترك وذلك ما يواطئ جوهر الصوم ، فماهيته ترك شهوات البطن والفرج ، فزاد الصائم أن تحفظ واجتهد في التحفظ بما يَنْبَغِي ، فلم يسرف في قول أو عمل ، فكل أولئك من الشرط المجموع وجزاؤه في هذا السياق التكفير ، تكفير ما تقدم ، وهو ما أسند إلى الصوم إسناد السبب ، وأما الفاعل ، وهو الرب الغافر ، جل وعلا ، فقد حذف ، أيضا ، للعلم به بداهة ، فلا يكفر الذنوب إلا الله ، جل وعلا ، فـ : (مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) ، فتلك زيادة في الآي المتواتر أبانت عن الفاعل المحذوف في خبر الآحاد .
وتكفير الذنوب في هذا الموضع أيضا مما ينصرف إلى الصغائر ، فالكبائر لا بد لها من توبة خاصة ، فَكَفَّرَ صيام رمضان ما قبله من الذنوب التي يكفرها العمل الواجب دون اشتراط توبة خاصة .

والله أعلى وأعلم .