ومن خبر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» : فالفرض مئنة من الإيجاب وزيادة ، والماضوية تحكي زمنا تقدم فهي على الأصل وإن اتصل زمانها بقرينة العموم في خطاب التكليف ، فهو عموم يستغرق أجزاء الزمان المستقبل لقرينة الإحكام ، إحكام الشرع الخاتم فهو الناسخ لما تقدم ، فجاء يصدق ما تقدم ، وجاء يزيد أحكاما لم تكن مشروعة من قبل ، فاستئنافها من هذا الوجه نسخ باصطلاح من تقدم إذ يطلق على كل زيادة في الشرع وإن لم تكن رافعة لحكم تقدم ، وجاء ينسخ أحكاما تقدمت باصطلاح النسخ المتأخر فهو رفع لما كان ثابتا ، وجاء يفصل ما أُجْمِلَ في الشرائع المتقدمة ، فجاء الفرض الذي اتصل زمانه فهو محكم غير منسوخ إذ لا نسخ بعد قبض الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلئن احتمل النسخ ابتداء كأي حكم فالإنشاء بالأمر أو النهي يقبل النسخ في نفسه فإذا وردت قرينة من خارج صار محكما لغيره بما احتف به من القرينة ، فاحتف بهذا الحكم ما احتف بعامة أحكام الشرع إذ انقطع الوحي وامتنع النسخ بعد انقضاء عصر الرسالة ، فكان الفرض من صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَأُسْنِدَ إليه الفعل إسناد الحقيقة ، من وجه ، فهو يشرع بما له من منصب الرسالة لا استقلالا وإنما بيانا وبلاغا ، فهو يفرض إذ يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ، وهو يفرض ما قد فرض الله ، جل وعلا ، فرض الاستئناف ، فابتداء الأحكام لا يكون إلا من الرب الحاكم ، جل وعلا ، فكان من الفرض زكاةَ الفطر من رمضان ، فـ : "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ" ، فدلالة "من" تحتمل ابتداء الغاية فوقتها ما يستأنف من الفطر الذي يحصل بغياب شمس آخر يوم من رمضان إذ به انتهاء الصوم واستئناف الفطر ، وذلك خلاف مبسوط في كتب الفروع أوقتها غياب شمس آخر يوم من رمضان أم بطلوع فجر يَوْمِ العيد فيخرجها قبل الصلاة ، صلاة العيد ، وهي ، من وجه آخر ، تحتمل السببية ، فإن الزكاة بسبب رمضان ، فهي مما انعقد إيجابه بفريضة الصوم في رمضان ، وذلك ، من وجه ، مما قد يستأنس به من يجعل وقت الزكاة موسعا يستغرق الشهر كله ، فدخول رمضان سبب انعقاد الزكاة ، إذ زكاة الفطر من رمضان ، فإذا حصلت حقيقة رمضان في الخارج وجبت زكاة الفطر إيحابا موسعا ، وذلك ما يحصل بحصول يوم واحد من رمضان فهو أدنى ما تصدق به الحقيقة الرمضانية في الخارج ، فاحتملت "من" السببية ، من وجه ، وابتداء الغاية من آخر ، وذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان فرض التشريع إيجابا فالفرض نص في الإيجاب ، بل هو آكد في الباب ، فـ : فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ: وَالْحِنْطَةُ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، فكان الفرض على حد العموم إذ "كل" نص في الباب وهو ما أطنب في بيانه إذ أبان عن الجنس ، فتلك دلالة "مِنْ" في "من المسلمين" ، فهي مئنة من بيان جنس المدخول فاقتصرت على الجنس المسلم ، وتلك زيادة مشهورة ، فقد انفرد بها مالك ، رحمه الله ، فلم ترد في طرق أخرى إذ أطلقت وهو ما احتج به من يوجب زكاة الفطر على كل من لك عليه ولاية ، فلو كان ثم ولاية على ملك يمين كافر فيجب على وليه زكاة الفطر عنه وإن كان كافرا لا يصوم ! ، فإن الفطرة طهرة للصائم مما شاب صومه من الكدر ، فالكافر لا يصوم ابتداء ، ولو صام فزكاة الفطر لا تطهر عمله إذ شابه أعظم القوادح ، قادح الكفر الذي ينقض الأصل فضلا عن بقية الفرائض فكلها له تبع ، فإن صَلُحَ صَلُحَ ما بعده ، وإن فَسَدَ فَسَدَ ما بعده ، فهو ، من هذا الوجه ، أحق بالتقديم من الصلاة في قول البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ" ، فتلك أولية مطلقة فأول ما يقضى فيه من واجبات الأعيان هي الصلاة ، وأول ما يقضى فيه من حقوق الناس هي الدماء ، وأول ما ينظر فيه مطلقا هو أول ما ورد به التكليف فذلك التوحيد أول واجب على العبيد ، فلا تعارض بين الأوليات إذ تنصرف كلٌّ إلى جهة دون الأخرى ، فالجهة قد انفكت ، كما يقول أهل الشأن ، فكان من الإطلاق في روايات أخرى غير هذه الرواية ما يدخل الكافر إن كان للمسلم عليه ولاية تصح ، فهي ولاية السيد على الرقيق الكافر ، فلا يدخل فيها بداهة ولاية المسلم على المرتد ، فالمرتد قد برئت منه الذمة فلا يخرج عنه أحد زكاة ، إذ لا يقر على كفره كالكافر الأصلي الذمي والمعاهد والمستأمن على تفصيل في قسمة الجنس الكافر في الخارج وما يجب لكل شطر من الحقوق ، فأطلق الفرض في جمهور الطرق ، وانفرد مالك بهذا القيد إذ قصر الزكاة على المسلم ، فكان من إمامة مالك وجلالة قدره فهو حافظ متقن ، متحر في الرواية فقيه في الدراية قد لازم دار الهجرة : دارَ الإسلام والسنة ففيها من طرق الرواية ما ليس في غيرها ، وفيها من كبار الحفاظ الثقات ما تؤمن زيادتهم ، فالكذب والخطأ فيهم أقل ، والغالب على حالهم السلامة : عدالة وحفظا ، لا سيما الجيل الأول من التابعين وهم من يروي عنهم مالك ، حتى تَوَسَّعَ مَنْ تَوَسَّعَ في جهالة أعيانهم دون غيرها إذ الغالب عليهم السلامة ، وإن كانت جهالة عينهم تضر فليسوا بداهة كالصحابة ، رضي الله عنهم ، فجهالة أعيانهم لا تضر لتعديل الوحي العام فقد استغرق كل من يثبت له اسم الصحبة في الاصطلاح ، فجهالة أعيان الجيل الأول من التابعين وإن ضرت فليس الضرر فيها يعظم ، بل هي من أولى ما يُتَوَسَّعُ فيه وَيُتَخَفَّفُ ، فلها من الاعتبار في المتابعة والاستشهاد ما ليس لغيرها ، وإن حكم عليها بالضعف فضعفها بداهة دون ضعف غيرها مما جهلت فيه أعيان متأخرين في الإسناد من طبقة بعد هذه الطبقة ، فتسامح أهل الشأن في جهالة أعيان هذا الجيل الأول من التابعين ، تسامحوا فيها وإن حكم عليها بالضعف فهي من أولى ما يعتبر به متابعةً أو استشهادًا ، فتلك لفظة انفرد بها مالك إذ خص زكاة الفطر بالجنس المسلم ـ، فأنيط الحكم بالمعنى الذي اشتق منه الاسم ، اسم المسلم فهو من الأسماء الشرعية التي اشتقت من معنى يؤثر في ثبوت الأحكام من وجه ، وقبول الأعمال من آخر ، وقد يجاب عن ذلك بجواب أعم وإن كان مناطه مناطَ الجزاء في اليوم الآخر أكثرَ منه مناط ابتلاء بالتكليف في دار العمل ، فيجاب عنه أن اسم الإسلام مناط القبول وليس مناط التكليف فالكافر يخاطب بفروع الشريعة ومنها زكاة الفطر ، محل الشاهد ، فالخطاب بها يتوجه إلى كل أحد آمن أو كفر ، وهو ، أيضا ، يتوجه بما لا تصح إلا به من تكليف التوحيد الأول ، فهو أول واجب على العبيد كلهم ، فهم بين مؤمن بالقوة إذ محله يقبل معنى الإيمان ، ومؤمن بالفعل قد صدق القوة بالعمل فأخرجها من حيز الإمكان إلى حيز الإيجاب بما كان من مرجح من خارج وهو إرادة العبد فبها اختار الإيمان ، ولا تخرج ، من وجه آخر ، عن مرجح أعلى ، وهو تقدير الرب الأعلى وقدرته إذ يخلق في المحل اختيار الإيمان وإرادة الامتثال ، فالإطلاق يرجح ، من هذا الوجه ، التكليفَ العام الذي يُخَاطَبُ به كل أحد أصلَ توحيدٍ أول وفروعَ تشريعٍ تَلِيهِ فهي له تبع وهو الأصل الذي ينزل من العمل منزلة الجنان من البدن ، فإذا صَلُحَ صَلُحَ العمل كله ، قياسا على الجنان فإذا صَلُحَ صَلُحَ البدنَ كله ، فإناطة الحكم باسم الإسلام الذي اشتق منه اسم المسلم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، يحتمل اسم الفاعل من أسلم وجهه فتعدى بنفسه ، ويحتمل الوصف المشبه من أسلم لله ، جل وعلا ، فلم يتعد بنفسه ، فاحتمل الوجهين : متعديا يشتق منه اسم الفاعل ، ولازما يشتق منه الوصف المشبه ، ولكلاهما حظ من النظر في اللفظ والمعنى ، فاللفظ يحتملهما جميعا ، كما تقدم ، ومعنى التعدي مئنة من الحدوث فهو يجدد من معاني الإسلام وأعماله ما به يتأول الأمر والنهي ، فيحدث التصديق ويحدث الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور ، ومعنى اللزوم مئنة من الثبوت فهو يلازم الإسلام فلا يفارقه ، وإن فارق المعنى الكامل بما يكون من الغفلة والذهول أو العصيان الذي لا يوجب نقض الأصل الجامع وإن نقض الكمال الواجب فلا ينحط به عن اسم الإسلام ، ولو مطلق إسلام وإن انحط عن الإسلام المطلق ، فأنيط الحكم باسم المسلم فتلك زيادة مالك التي انفرد بها فقد خالفه جمع من الرواة ، ولو جرى الناظر على الأصل المطرد في هذا الباب : باب زيادة الثقة ، فالجمع الكثير أولى بالحفظ ، كما يقول أهل الشأن ، فترجح رواية من أطلق ، بادي الرأي ، ولكن نظر النقاد انصرف إلى دليل أخص فليس مالك كأي راو ، فهو يرجح الجمع الكثير ، فالجمع الكثير ، من هذا الوجه ، لا يقتصر على جمع الحس ، وإنما يستغرق جمع المعنى ، فقد يقوم براو واحد من المعاني والأوصاف ما به يعدل جَمْعًا من الرواة بل ويزيد ! ، فمالك في الميزان أمةٌ من الرواة ! ، فرجحت زيادته ، من هذا الوجه ، وإن خالف جمعا من الثقات ، فهو يرجحهم جميعا ، فزيادة الثقة باب واسع يحتف به من القرائن ما يرجح الواحد في أحيان فقد يرجح جمعا من الرواة ، سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء من باب أولى ، فقد يكون الخبر مرويا من طريقِ واحد عن ضعيفٍ واحد فيسرقه ضعفاء آخرون فيوهم النظر ، بادي الرأي ، أن للحديث مخارج عدة وليس إلا مخرجا واحدا فلا عبرة بمن يروي عنه أو يسرق منه ! ، فالمخرج واحد ، واتحاد المخرج يبطل الاستشهاد في هذه الحال إذ لا يشهد طريق لنفسه ، وإنما يشهد له غيره ، إن كان مما يصلح في الاعتبار متابعة أو شاهدا ، فكان من انفراد مالك بهذه الطريق ما يجبره بما اجتمع فيه من أوصاف الحفظ والإتقان والإمامة في الرواية والدارية ، فعدل الجمع الكثير وَقُبِلَتْ زيادته فاقتصرت فطرة رمضان على الجنس المسلم ، فضلا أن ثم من الرواة من تابعه وإن لم يكن مثله في الحفظ فانتفى القول بتفرده بهذه الزيادة ، وآلت الحال إلى ترجيح بين روايتين لكل منهما طرق وردت بها ، فليس ثم انفراد ثقة ، بل ترجيح بين روايتين لكل منهما رواة ثقات عدول ، فترجحت طريق مالك إذ هو مرجح معتبر لما له من إمامة وجلالة قدر في هذا الباب فضلا أن الجمع بين الروايتين سائغ بل قد يقال ألا تعارض ابتداء ، فلا تعارض بين مطلق ومقيد فرواية مالك قد قيدت الإطلاق في الأخرى فقصرت الزكاة على المسلم ، وهو الأقرب في النقل والعقل فإن الزكاة تكليف شرعي لا يتوجه إلا إلى المسلم على حد الإلزام ، وإن توجه إلى الجميع مؤمنهم وكافرهم على حد الإعلام ، فكان من فرض الفطرة على كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، فأجمل إذ عم فدلالة "كل" نص في الباب ، وبعدها كان الإطناب على حد الطباق إيجابا بين شطري قسمةٍ : فالحر والعبد ، والرجل والمرأة ، والصغير والكبير ، فذلك آكد في تقرير العموم وتوكيده ، فيجري مجرى الاحتراز الذي يحسم أي احتمال ، فهي زكاة أبدان ، فمناطها ليس نصاب مال ، بل مناطها البدن وإن صغيرا لا يكلف ، فلا يشترط في إيجابها أن يكون صاحبها من أهل التكليف ، فَتُخْرَجُ عن الطفل الصغير الذي لا يصوم ، بل وَثَمَّ من قال بإخراجها عن الجنين ، فيصدق فيه ، من وجه ، أنه صغير ، فله جرم يحس وإن لم يستقل فيصدق فيه أنه صغير من هذا الوجه ، فندب من ندب إخراجها عنه ، وأما مناط الإيجاب فهو حصول جرمه في الخارج حصول الاستقلال ، وهو محل خلاف مشهور فيمن ولد بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان فمن قال إن وقت الفطرة هو طلوع فجر يوم العيد فهو يوجب الزكاة عن الطفل المولود فقد كان موجودا قبل زمن الإيجاب فانعقد في حقه ، خلافا لمن قال إن وقت الفطرة هو غروب شمس آخر يوم من رمضان فلا ينعقد الإيجاب في حق الطفل الذي ولد بعد الغروب إذ لم يكن موجودا زمن الإيجاب ، فكان من لفظ الصغير ما استغرق كل أولئك إما إيجابا أو ندبا كما في إخراجها عن الجنين ، وبعد بيان أعيان من تخرج عنهم ، كان الإطناب في بيان المقدار ، فحد بالصاع ، وكان ذكر التمر والشعير في بعض الطرق تمثيلا لعام وهو الطعام ، فهو ما حُدَّ أنه غالب قوت البلد ، وهو مما يختلف من مصر لآخر ، ومن عصر لآخر ، فذلك ما اصطلح أنه من باب التخصيص بالعرف ، تخصيص العام بالعرف الغالب ، فثم رواية أطلق فيها لقب الطعام ، فـ : كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ : صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ ، فذلك مما حكاه صحابي من الصدر الأول فهو يحكي ما كان زمن النبوة وإن لم يصرح فذلك ما اصطلح أنه المرفوع حكما إذ لا يحكي الصحابي في مقام التشريع إلا ما كان زمن الوحي ، فذلك يجري ، من وجه آخر ، مجرى الإقرار ، إقرار الوحي ، وإقرار صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فشهد إخراجهم الصاع من الأجناس المذكورة فأقر ولم ينكر ، وأقر الوحي من وراءه ولم ينكر فذلك سكوت في موضع البيان ، فيجري مجرى البيان إذ لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فضلا أنه ، من وجه آخر ، مما حُكِيَ في سياق آخر حكايةَ الفرض الملزِم الذي فرضه صاحب الشرع المنزَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون إخراجهم في الخبر تأويل الفرض بامتثاله ، فذكر الطعام ابتداء ، وهو لقب مجمل يحمل ، كما تقدم ، على العرف الغالب ، فأجمل ثم أطنب على حد التمثيل الذي يجري مجرى التخيير فأي الأصناف المذكورة أخرج فهو يجزئ ، وهي ، كما تقدم ، مما يجري مجرى التمثيل لعام ، فالعبرة بغالب قوت أهل البلد ، فضلا أنه قد أبان من وجه آخر ، عن تفاضل الأجناس ، فالعدلُ أن يخرج أدناها فلا يجزئ ما وراءه ، والفضلُ أن يخرج أعلاها ، أو يخرج ما يحب ، كما كان عثمان ، رضي الله عنه ، يخرجها من الزبيب فهو أحب الطعام إليه ، فتأول بإخراجه قول الله جل وعلا : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ، فثم نفي قد عم فاستغرق إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل "تَنَالُوا" ، وكان من القصر بأقوى الأساليب ما هو آكد في تقرير المعنى ، فكان التخصيص بالغاية وهي محل الفائدة ، فالبر درجة من الدين شريفة لا تنال إلا ببذل المحبوب من المال سواء أكان من المنقول أم من المطعوم كما كان ابن عمر ، رضي الله عنهما ، يطعم الناس السكر إذ يحبه ، وكما كان عثمان يخرج الزبيب فهو أحب مطعوم إلى نفسه ، فذلك الفضل ، كما تقدم ، فهو يجزئ وزيادة ، خلاف ما يكون من العدل فهو أدنى ما يجزئ ، فكان من ذكر الأصناف في طرق منها : فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ . قَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ : وَالْحِنْطَةُ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، فكان من اجتهاد الراوي أن أجرى المذكور مجرى المثال لجنس عام يستغرق آحادا أخرى غير المذكورة ، فذكرها ، كما تقدم ، مثال لعام فلا يخصصه وإنما يدخل فيه غيره من أجناس الطعام المجزئ ، إما دخولا أول في لفظه أو قياسا على المذكور ، كما قاس ابن أبي فديك الحنطة على التمر والشعير ، وثم سياق آخر ذُكِرَتْ فيه أصناف أكثر ، فـ : فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ , أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ , صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ , صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ ، أَوْ زَبِيبٍ ، فكل أولئك مما يجري مجرى المثال لعام وهو القوت الغالب فلا تعارض بين الروايات إذ حُكِيَتِ المطعومات فيها حكايةَ المثال ، وهو مما يختلف باختلاف عرف البلد ، فضلا أن الزيادة فيها لا تعارض المزيد عليه فمن ذكر التمر والشعير فقط فقد اجتزأ بمثالين ومن زاد فقد زاد أمثلة لا تعارض المذكورة في الرواية الأولى ، فلم يكن السياق حاصرا ليقال إن ثم تعارض ، فلم يقل : لا تُخْرَجُ إلا من التمر والشعير فتكون زيادة غيرهما ناقضة لهذا القصر ، وإنما ذكرهما ، كما تقدم ، ذكر المثال الذي يبين عن عام هو مناط الإجزاء وهو غالب قوت البلد .
وفي طريق آخر أبان اللفظ عن العلة : "طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين" ، فهي تجري مجرى المفعول لأجله في اللسان ـ، ولا تخلو من استيفاء لشطري القسمة ، فاختلف الحكم باختلاف المناط فهي طهرة للصائم ، وذلك شطر ، وطعمة للمساكين فذلك آخر وذكر المسكين ، أيضا ، مما يجري مجرى المثال فمناطها من احتاج إذ أمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُكْفَى مؤنة السؤال في هذا اليوم ، وذلك معنى أعم فَرَّعَ عليه مَنْ فَرَّعَ جواز إخراجها مَالًا فبه سد الحاجة كما الطعام بل قد يكون الفقير إلى المال أحوج ، وذلك إن كان مرجوحا إذ يخالف عن المنقول وعن المعقول إذ هي زكاة أبدان فحسن أن تخرج من الطعام فهو مال البدن وقوامه ، فإخراجها مالا وإن كان مرجوحا إلا أن الخلاف فيه يسوغ كما قال أهل الشأن .

والله أعلى وأعلم .