ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، فهو من عُمَدِ الباب : باب السمع والطاعة للولاة والأمراء ، فإن الأمر ابتداء قد تَقَدَّم صدرَ الآية إلى الجميع فتلك دلالة الضمير في "آمنوا" فهم محل التكليف بالقوة أو بالفعل على وجه يستغرق جنس المكلفين جميعا ، والضمير في "أطيعوا" : ضمير الجمع المذكر الذي عَمَّ ، كما تقدم مرارا ، بدلالة التغليب ، فَدَخَلَ فيه كل مكلف ومنه أولي الأمر ، فهم مخاطبون أن يطيعوا الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما سائر المكلفين ولهم من ذلك قدر زائد إذ لا طاعة لهم في أمور السياسة والحرب إلا أن يواطئوا حكم الشرع آيا وخبرا وخطابهم بالأمر في هذا الموضع قد يقصر الدلالة في الضمير في "أطيعوا" على وضع المعجم الأول : الوضعِ المذكر فإن ولاية الأمر في الجملة مما لا يكون إلا في الذكور البالغين من أهل التقوى والكفاية ، فكان من الخطاب ابتداء ما توجه إلى الجميع ، فيدخل فيهم أولو الأمر فإنهم من جملة من خوطب بأمر الطاعة ، طاعة الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك طاعة الوحي آيا وأخبارا ، مقاصد وأحكاما ، أصولا وفروعا ، علوما وأعمالا ، وذلك ما استغرق ، من وجهين ، إِذِ استغرق الأمر وجوه الطاعة جميعا ، ما بطن تصديقا وما ظهر قولا وعملا ، خاصا وعاما ، فَثَمَّ طاعة في أمور الديانة وأخرى في أمور الحكم والسياسة ، فاستغرق ، من وجه آخر ، سائر الأحكام فذلك قياس العقل الصريح أن يُسَوَّى بين المتماثلات ، فيطاع الوحي في كل حكم ، فلا يطاع في بعض دون آخر ، فذلك تحكم لا يخفى ، فإذا صح الأمر فهو المذهب ، سواء أكان آحادا أم متواترا ، فلا يكون الامتثال إذا كان الهوى هو الحاكم وإن كان الوحي هو الحاكم في الظاهر ، فإذا تعارض حكم الهوى مع حكم الوحي ، فقياس العقل الناصح أن يقدم الوحي المحكم فهو يقضي في الهوى المتشابه ، فالوحي مرجع من خارج قد تجرد من الهوى والحظ وبرئ من الحاجة والفقر ، فيحكم في الأهواء والأذواق التي تميل بها الحظوظ والحاجات فهي مما يدخله التشابه فلا يزول إلا برده إلى محكم من خارج ، وذلك الوحي النازل ، آيا وخبرا فتأويله التصديق والامتثال فتلك فحوى الطاعة ، فلا تسلم من القوادح إلا أن تَطَّرِدَ فلا تخالف عن سنن القياس الصريح فتستغرق كل حكم وكل حال ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، ما كان شعيرة يَتَنَسَّكُ بها العامل أو شريعة يقضي بها الحاكم ، فكان من هذا الأمر ما قد أُطْلِقَ ، وقد كُرِّرَ العامل عامل الطاعة "أطيعوا" فلا يخلو تكراره من توكيد ، فضلا عن نكتة تَلْطُفُ إذ تكراره يُبِينُ عن مراجع الطاعة المطلقة التي لا يتوقف المخاطب في تصديق خبرها وامتثال حكمها ، خلاف ما عُطِفَ من أولي الأمر فقد جُرِّدُوا من عامل الطاعة إذ طاعتهم تَبَعٌ لطاعة من تَقَدَّمَ ، فلا يطاعون إن خالفوا عن طاعة الوحي ، فطاعتهم مقيدة خلاف طاعة الوحي المطلقة ، فضلا أنهم ممن خوطب بأمر الطاعة صدر الآية ، فإن خالفوا عنه فلا طاعة لهم ، فَيُنْتَقَصُ من طاعتهم بقدر ما يَنْتَقِصُونَ من طاعة الوحي ، فإن خالفوا في فروع وجب النصح جمالا ثم الإنكار جلالا ، بل إن وُجِدَتِ الكفاية مع أمن المفسدة وجب عزل الحاكم إن خالف ما به قد وُلِّيَ من العدالة والعدل ، فإن انخرمت العدالة بفجور أو عصيان أو انخرم العدل بظلم أو طغيان ولو لم يبلغ حد النقض لأصل الدين ، فإن كان ذلك وجب النصح فالإنكار فالعزل ، وذلك آخر الدواء فهو الكي ، فضلا أنه مما يجب النظر فيه والاعتبار إذ به الْبَلْوَى تَعُمُّ ، فتعظم المفسدة إن لم يكن ثم مكنة ، أو كان ثم تفاوت ظاهر في القوة ، فَيُتَّخَذَ الخروج ذريعة أن يَقْمَعَ الحاكم الظالم الجمعَ الخارج فَيُسْرِفَ في السفك والهتك ، فَلَئِنْ سكت الناس في هذه الحال فضرورة تقدر بقدرها يُرَجِّحُ صاحبها الترجيح المعتبر فلا يكون درء المفسدة في المقابل ذريعة للرضى بالظلم والطغيان ، فضلا أن يجاوز ذلك الحد فيكون تعطيل الوحي المنزل فتلك بَلْوَى أعظم من بَلْوَى الظلم في الحكومات والأعطيات ، ولا يكون الترجيح بين المصالح والمفاسد ، في المقابل ، ذريعة إلى الرضى بهذا الوضع الشائه ، فغايته أن يكون ميتة يتناولها صاحب المخمصة ألا يهلك فهي الضرورة التي تقدر بقدرها مع تَبْيِيتِ النية أن يكون الإنكار متى كان ثم مكنة تجزئ لا أخرى تَغُرُّ فتوهم ما ليس بكائن من قوة ، فالميتة ضرورة تقدر بقدرها فليست الأصل فمن طعم منها فلا يسرف ، وإذا وجد الطيب المباح فليمتنع ، فلا يستمرئ الضرورةَ والرخصة حتى تصير عزيمة واختيارا ! ، كما ذهب من ذهب من الغلاة في باب الطاعة إذ جعلوا طاعة الظالم المارق أبدا من طاعة الوحي وكمال الديانة وجعلوا الإنكار عليه بل ونصحه في أحيان مئنة من الخروج والفتنة ! ، وهو ما أعطى خصوم الوحي ذريعة أن يَنْبِزُوا الوحي أنه يشرع الاستبداد فيضع السلطان مطلقا في يد حاكم واحد ويأمر الناس بالطاعة العمياء بلا قيد استنادا إلى الآي آنف الذكر ، وهي ، لو تدبر الناظر ، بضد ما زعموا تشهد ، إذ طاعة الولاة ، كما تقدم ، تبع لطاعة الوحي ، فيدخلون في الأمر صدر الآية ، فهم يخاطبون كما الجميع ، فخطاب التكليف خطاب يعم فيستغرق كل مكلف ، فيخاطبون ابتداء أن يطيعوا الوحي فذلك شرط طاعتهم ، فإن خالفوا فلا سمع ولا طاعة ، فليست طاعتهم مطلقة ، كما في الخبر المشهور : "لا طاعة في معصية ، إنما الطاعة في المعروف" ، فَثَمَّ عموم قد استغرق ، فقد تسلط النفي على النكرة "طاعة" فأفاد العموم قياسا فذلك نَفْيُ الجنس الذي يستغرق آحاده فانتفت الطاعة في الخبر نفي العموم فاستغرقت طاعة الباطن فلا يرضى بل يبغض ويكره إن لم يطق أن ينكر باليد أو اللسان ، فإن سكت عن جور سلطان فسكوت الاضطرار لا الاختيار ، وسكوت الضرورة والرخصة فليس أصلا كما تَقَدَّمَ من زَعْمِ الخصم ، فهو من الضرورة التي تقدر بقدرها ، فانتفت الطاعة : طاعة الباطن فلا يرضى ولا يحمد فضلا أن ينصر ويعضد ويجعل الرضى بالظلم من آكد الواجبات وأعظم القرب ! ، فذلك خذلان عظيم أن يكون للظالم نصيرا يحرضه وسندا يجرؤه أن يسفك الدماء وينتهك الحرمات بذريعة الإصلاح في الأرض بحسم مادة الفساد والشر ، فانتفت طاعة الباطن بالرضى ، وطاعة الظاهر بالقول والعمل ، فلا طاعة أي طاعة ، فذلك العموم القياسي ، ولا يخلو السياق من آخر إذ وردت النكرة "معصية" في سياق النفي الأول ، فذلك ، أيضا ، من العموم الذي يستغرق ، فتدخل في حَدِّهِ جميع المعاصي ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، ما نقض أصل الدين الجامع أو كماله الواجب ، فكان النفي صدر الخبر ، وذلك شطر ، وكان الإثبات بعده : "إنما الطاعة في المعروف" ، فذلك شطر ثان ، وبهما استوفى السياق شطري القسمة على حد الطباق سلبا ، فَنَفَى ثم أثبت لا على حد التعارض أو التناقض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة النفي تخالف عن جهة الإثبات ، فكان الإثبات الذي صُدِّرَ بأداة القصر "إِنَّمَا" مئنة من التوكيد ، فاستأنف على وجه لا يخلو من تقدير محذوف ، فَثَمَّ سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما تجب فيه الطاعة إذ تحرم في المعصية ؟! ، فجاء الجواب يستأنف على حد القصر : إنما الطاعة في المعروف ، ولا يخلو القصر ، من وجه آخر ، أن يكون من الجنس الضعيف فاستعملت فيه "إنما" وهي من أضعف أدوات القصر إذ ذلك مما يعلم بداهة ، فالطاعة لا تكون إلا في معروف ، فلا طاعة في معصية ، فأطنب باللازم ، فلو اقتصر على الشطر الأول من الخبر لدل على الثاني بدلالة اللزوم ، فكان من الإطناب باللازم ما يزيد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا تخلو "أل" في "الطاعة" في الشطر الثاني ، لا تخلو من دلالة عموم آخر يستغرق ، فهو من العموم المعنوي إذ يستغرق وجوه المعنى ، معنى الطاعة ، باطنا وظاهرا ، فالطاعة التامة في المعروف ، وَثَمَّ عموم آخر في "المعروف" ، فتلك دلالة "أل" ، فاستغرقت أجناس المعروف وآحاده خصت أو عمت ، وإن كان السياق يشهد للطاعة العامة ، طاعة الولاة فيما تَعُمُّ به البلوى من الحكومات والسياسات ، فذلك قيد يَنْفِي ما تقدم من زعم الخصم أن الطاعة لولاة الأمر مطلقة وإن ظلموا وبدلوا ، فَلَا طَاعَةَ في عصيان ، فَيَتَوَجَّهُ النصح والإنكار متى أمكن ، فضلا أن ثم من المعاصي ما يصغر ، فلا يكون ثم فِقْهٌ أن تُخْلَعَ يد من طاعة مع ما يكون من عظم البلوى ، فلا يكون ثَمَّ فِقْهٌ أن تُخْلَعَ إن كان العصيان من جنس الصغائر فيرجح النصح والصبر في هذه الحال لا أن يكون العصيان من جنس الكبائر لا سيما ما تَعُمُّ بَلْوَاهُ من تعطيل الوحي والعدل وذيوع الظلم الذي يجاوز الحكومات الخاصة إلى نظائرها العامة في السياسة والحرب ، فيرجح النصح والصبر ، كما يقول بعض أهل الشأن ، ولا يكون من الفقه الخروج الذي تعظم به البلوى فذلك من الضرورة العظمى فتقدر بقدرها لما تستجلب من مفسدة لا تُهْمَلُ إلا إن كانت المصلحة المعتبرة أرجح ، وذلك فقه يدق ، وتحقيق مناطه في الخارج يستوجب العدل والتجرد من الأهواء والحظوظ مع ورع في حفظ الدماء والحرمات لا يجاوز الحد فَيَنْقَلِبَ إلى ضِدٍّ يرضى بالظلم والطغيان بل ويكسوه لحاء الشرع فهو عين الفقه الذي يمتثل صاحبه الأمر بالطاعة ! ، فَثَمَّ تفاوت في هذا الباب وبه تأتلف النصوص فلا تختلف ، إذ يُنَزَّلُ كل في موضعه ، فتنزل نصوص الطاعة والصبر في مواضعها ، كما في الخبر : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ" ، وذلك ، أيضا ، عموم قد دل عليه الشرط "مَنْ" وهو ما يدل ، من وجه آخر ، على تلازم به تقرير الحكم إذ يدور مع علته وجودا وعدما ، فحكم الصبر يدرو مع رؤية ما يكره ، وذلك ، كما يقول بَعْضُ أهل الشأن وهو الأليق بأصول الشرع ، ذلك مما يحمل على رؤية صغير لا تعم به البلوى فلا يبلغ حد التعطيل العام لشريعة الوحي وحكومة العدل فضلا أن يُقَارِفَ من أجناس النواقض ما يبلغ به حد الخيانة إن بمعيار الديانة أو نظيره في السياسة التي لا تسلك جادة الحق إلا أن تكون سياسة الوحي المنزَّلة لا سياسة الوضع المحدَثة مع ما يكتنفها من رعاية لمصالح تُتَوَهَّمُ ولو أفضت إلى إبطال ما تَقَرَّرَ من قيم الرسالة وأحكامها ، فيحمل العموم في الخبر آنف الذكر على الصغائر التي لا تعم بها البلوى ، أو يكون ذلك من الضرورة التي تقدر بقدرها فَيَرَى من أميره ما يكره من الكبائر إن في الديانة أو في السياسة ، لا سيما الثانية التي تعم بها البلوى فيكون من ظلمه وطغيانه ما يفحش ، فإن رأى من ذلك شيئا ولم تكن ثم مكنة معتبرة مع أمن مفسدة أخرى معتبرة ، فإن كانت الحال تلك فليصبر صبر المضطر ، فلا يرضى ، في المقابل ، بل يُبْطِنُ السخط والكره فذلك أدنى درجات الإنكار المشروع ، وليعقد العزم متى وجد إلى الإنكار باللسان أو اليد سبيلا أن ينكر على وجه يجتهد صاحبه أن يصيب عين المقصود الشرعي في هذا الباب ألا يدرء المفسدة العظيمة بأخرى أعظم ، فلا يَسْتَبْدِلُ الأقبحَ بالقبيح فليس ذلك من فقه الشرع الحنيف وقياس العقل الصريح .
فكان من الشرط ما عم ، من وجه ، وَخُصَّ من آخر ، فإن كان المكروه الذي يراه عظيما ووجد المكنة أن ينكر ، ووجد من القوة أن يكون من أهل : "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" ، وأهل : "أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ عَلَى ذَلِكَ" ، فتلك منزلة لا يبلغها إلا آحاد ، وعموم الناس في كل جيل يَتَرَخَّصُ سواء أكان ترخصه على وجه يحمد فأخذ من الإنكار حظه بالجنان إذ لا يطيق إظهارا بيد أو لسان ، أم على وجه يذم فَتَقَاعَسَ وتذرع بالعجز وإن لم يبذل ما يطيق ولم يعقد العزم أن ينكر إذا حصل له من أسباب القوة ما به يطيق ، فحكم الإنكار يدور مع الاستطاعة وجودا وعدما ، وذلك وإن كان أصلا يطرد في كل تكليف ، فهو يدور مع الاستطاعة إلا أن باب الإنكار يستوجب استطاعة أخص فهي قدر زائد على الاستطاعة الأعم ، فعموم الناس في كل جيل يأخذ بالرخصة وذلك إن جاز في حق العامة فليس في حق الخاصة ممن ابْتُلِيَ أن يَتَصَدَّرَ سواء أكان لذلك أهلا أم لم يكن ، فمنصب الصدارة يوجب على صاحبه من الجهر بالحق ما لا يوجبه على آحاد الناس ، فيكون ثم تفاوت آخر في الحكم لا على سبيل التعارض أو التناقض إذ الجهة في هذا الموضع ، أيضا ، قد انفكت ، فجهة العزيمة في حق الخاصة إيجابا وفي حق غيرهم ندبا ممن يطيق احتمال الأذى لا على وجه تَتَّسِعُ به دائرة الضرر فيكون ثَمَّ ضِرَارٌ يَنَالُ غيره على وجه لا يواطئ مقاصد الشرع في درء الشر ما أمكن ، فذلك موضع آخر من الفقه يدق إذ يراجح صاحبه بين المصلحة والمفسدة متجردا من الهوى وحظ النفس إن في الإقدام أو في الإحجام ، ورائده في ذلك الخبر المشهور : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ، وهو ما قد صار أصلا وقاعدة من قواعد الفقه الرئيسة التي عليها مدار الدين فهي من كلياته الجامعة ومقاصده البالغة ، على وجه لا يخلو ، أيضا ، من إفراط أو تفريط ، فيكون الإفراط في باب الرخصة تذرعا بالضرر وهو ما يُفْضِي ، لو تدبر الناظر ، إلى ضرر أعظم ، فإن الفقه ، كل الفقه ، أن يُنْكِرَ المنكر مع تحري العدل ، فلا يكون ثم إفراط في المقابل يتجشم صاحبه ما لا يطيق أو يتجشم ما يطيق ولا يطيق غيره من أهله وخاصته فنظره يجاوز ذاته إلى غيره ، وذلك ما اعتبره أهل الشأن في باب الإكراه المجلئ فَثَمَّ من قَصَرَ ذلك على الإكراه في النفس دون غيرها ، وثم من زاد فكل من يتأذى المكرَه بضرره فالإكراه به إكراه صحيح ملجئ وهو ما زاد بعض أهل الشأن حدَّه فأدخل فيه كل مسلم فوشائج الدين تجعل أذى أي مسلم أذى لعامة المسلمين ، فذلك مقتضى الخبر أن : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" ، فشكاية الأعضاء شكاية الألم والتوجع ، فكذلك أهل الرسالة الجامعة فإيذاء أحدهم يتعدى ألمه إلى بقية الأركان ، فوجب الترجيح لا على حَدِّ الإفراط في الترخص أو التفريط في المقابل فلا ينظر في أذى غيره إذ يَرَى في نفسه طاقة ، فذلك إن احتمله فلا يلزم أن يحتمله غيره فإن الناس في تحمل الأذى على أقدار تتفاوت فلكلٍّ من قوة البدن وصبر الروح ما يلائم حاله على وجه لا يخلو من حكمة في التقدير أن كان التغاير والتنوع ، فذلك ما فطر الله ، جل وعلا ، عليه الناس وإن اشتركوا في أصل الخلقة فكان التمايز بينهم بالنظر في أوصاف أخص ، فأصل الخلقة يجري مجرى الجنس العام الذي يستغرق أنواعا وآحادا تتمايز بأوصاف أخص وإن اشتركت في الجنس الأعم ، فمثله ، لو تدبر الناظر ، كمثل الإيمان ، فهو على درجات لا تحصى وإن اشترك أهله في الأصل ، واتحدت صورة العمل ، فيكون بين الصورتين من التفاوت في الخقيقة والماهية ما لا يعلمه إلا رب البرية ، جل وعلا ، فالقلوب على أنحاء فواحد قد تعلق بالعرش وآخر في الحش لم يغادر ، وكذلك النفوس في احتمال الأذى فمنها ما يصبر فلا يجزع ، ومنها ما يحزع فلا يحتمل فقد جُبِلَ على الضعف وقلة الصبر وإن لم يكن ذلك سببا ألا يجاهدها ويستصلحها فَيَتَعَاطَى أسباب الصبر تصبرا حتى يعتاده فلا يخلو من ضعف فلا يستوي ومن جِبِلَّتُهُ الصبر أو قَدْ تَعَاطَى من أسباب التصبر ما جعل الألم عليه يهون ، وبينهما ، أيضا ، من المراتب ما لا يحصيه إلا رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، وهو أمر اعْتُبِرَ في أسباب الشرع في باب الإكراه أيما اعتبار فلا ينظر الشرع في الحد الأعلى الذي يجري مجرى الطفرة فهو مما يندر والنادر لا حكم له ، ولا ينظر في الأدنى فهو ، أيضا ، من النوادر فلا حكم لهما إذ يَنْدُرَانِ فلا يقعان في العادة ، وإنما العبرة بالغالب من عامة أحوال الناس في باب الإكراه والألم ، وما اعتاد الناس أنه من أسباب الإكراه الملجئ ، فالعرف يعين في هذا الباب مقادير سكت عنها الشرع كما يقال في اسم كاسم السفر، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، مما لم يحده الشرع بحد مقدر فيكون الرجوع في تقديره إلى العرف ، وكذلك الإكراه والألم فهو مما لم يقدر الشرع فيه قدرا مخصوصا فيكون الرجوع فيه إلى العرف ، فضلا أن الناس يختلفون في رُتَبِهِم فالسب أو الصفع إكراه صحيح ملجئء في حق بعض لا سيما من كان ذا هيئة ووجاهة في الناس أو النساء فهن أضعف في هذا الباب وفي عامة أبواب المشقة ، فلا يُطِقْنَ بداهة ما يطيق الرجال ، فالسب والصفع ، في مواضع أخرى ، ليسا من الإكراه فهو مما يتحمله عامة الناس ، وقل مثله في سائر أجناس الإكراه فلا بد من نظر في عين السبب المكرِه وعين المكرَه فيختلف الإكراه باختلاف أحوال المكرَهين ، فلا يستوي الشريف وعامة الناس ، ولا يستوي الرجل والمرأة .... إلخ ، فذلك فقه في تحقيق المناط ، فَثَمَّ مناط عام وهو الإكراه ، وثم تحقيق له في واقعة مخصوصة فذلك ما يَفْتَقِرُ إلى فقه آخر يزيد في تقدير الأمر فيكون النظر بعين القدر وعين الشرع جميعا ، ويكون النظر في حكم الشرع وحكم العادة والعرف في تقدير الأسباب المكرِهة .
فثم فقه في الترجيح في كلتا الحالين ، حال الترخص وحال العزيمة ، إذ للنفس فيهما حظ ، وإن كان حظها في السلامة والإحجام أظهر ، فكان من أفضل الجهاد ما يجب في حق الخاصة كما قد تأوله أحمد رحمه الله في الفتنة ، فلا يسعهم من الرخصة ما يَسَعُ العامة فتلك أمانة العلم وأمانة النصح لِجَمْعٍ اتبع عَلَمًا في الناس قد اشتهر سواء أكان أهلا لذلك أم ابتلي فوضع نفسه في موضع صدارة وليس لها أهلا ، وهو ، في المقابل ، ما يُنْدَبُ في حق العامة ، فكان من الابتداء ما حُدَّ حَدَّ التفضيل في "أَفْضَلُ الْجِهَادِ" وذلك مما يحتمل المبالغة من وجه تقريرا وتوكيدا يفيد بلازمه الحض فدلالته دلالة الإنشاء أمرا يوجب أو يندب أن اجهروا بالحق في وجه السلطان الجائر ، فيحتمل التفضيل إما المبالغة وإما الحقيقة فهو أفضل الجهاد في بابه : بابِ الإنكار على أئمة الجور ، فابتدأ بحكم التفضيل ولا يخلو من التشويق إذ النفس تَتَشَوَّفُ أن تدرك هذا الوجه من الفضل رجاء أن يكون لها منه حظ ، وبعده كان الإخبار ولا يخلو من إيجاز بالحذف ، على تقدير ما يستقيم به السياق ، فتأويل الكلام : أفضل الجهاد جهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر ، فَثَمَّ تَنْكِيرٌ فِي "كَلِمَةَ حَقٍّ" يفيد الإطلاق فهو يحصل بأي كلمة حق في حضرة سلطان جائر إذ تنكر عليه جوره ، وذلك ما يحصل بكل بلاغ فلا يشترط في العندية أن تكون بالحس ، بل مناطها أن يقولها وهو في سلطانِ الجائر وإن غَابَ عن مجلسه فلم يفارق سلطانه فهو تحت يده فيصدق أنه عنده من هذا الوجه وإن لم يكن عنده في مجلس أو حبس ! ، فتلك منزلة أعلى ، وأعلى منه صاحب الشهادة التي بها نال السيادة ، فكان من الأمر والنهي ما أفضى به إلى القتل شهادة لا رياء ولا طلب وجاهة أو رياسة أو ذكرا يحسن أو حميةً للنفس فيها حَظٌّ يجاوز حظ الوحي النازل ، فَمُنِحَ حمزةُ السيادة نَصًّا على العين ، ورجلا آخر أنكر على الظالم فأمره ونهاه فقتله ولم يصبر ، فَمُنِحَ السيادة أيضا ، وإن نَصًّا على الوصف لا العين كما سيادة حمزة .
والشاهد أن العموم قد عم في الخبر أن : "أَيُّمَا رَجُلٍ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ أَمْرًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" ، فذلك عموم قياسي وتلك دلالة الشرط ، فضلا عن رؤية تجاوز ما قد يتبادر من رؤية البصر فتحصل بمدارك العلم جميعا ، وإنما خَصَّ البصر فهو آكدها وهو الغالب في درك الحقائق في الخارج ، فذكره من هذا الوجه يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه أو هو مما يخرج مخرج الغالب فلا مفهوم له يقصر الحكم على من رَأَى دون من سمع ، بل مناط الأمر أن يكون ثم علم صحيح فلا يبادر فَيُصَدِّقَ كل ما يَرَى أو يسمع حتى يفتش فيحصل له من اليقين أو غلبة الظن ما يجزئ في العمل ، وثم عموم آخر فَذُكِرَ لفظ "شيئا" نكرةً في سياق الشرط فأفادت العموم الذي يستغرق كل حال من قول أو عمل ، وذلك ، كما تقدم ، مِمَّا قَدْ خُصَّ فَاقْتَصَرَ على الصغائر التي يَرْجُحُ السكوت عنها وإن لم يخل من مفسدة ، يَرْجُحُ الجهر بالإنكار فيكون واجب الوقت هو الصبر ، أو هو مما يستصحب حال العجز عن إنكار العظائم فلا يطيق الإنكار مع أمن مفسدة عظمى فيصبر صبر المكرَه الساخط لا صبر الاختيار والرضى مع نية شريفة يعقدها أن يُنْكِرَ مَتَى وَجَدَ إلى ذلك سبيلا تصح في الشرع والحس فيكون من فقه الديانة ما به يَمِيزُ الجرم الصغير من نظيره العظيم ويكون من فقه السياسة ما به يَمِيزُ الأحوال فمتى يشرع الإنكار ويجدي ومتى يشرع الانحياز حفظا للبيضة أن تُسْتَبَاحَ لا على وجه التوسع في الرخصة وإنما جريا على محكم الشرعة ، ولا يخلو السياق من عموم ثالث يجري مجرى المثال في لفظ الأمير في "أميره" ، فهو يستغرق أي رئيس له ولاية خصت أو عمت ، فكان من الأمر بالصبر ما قَدْ حُدَّ حَدَّ الجواب إنشاء استوجب دخول الفاء في "فَلْيَصْبِرْ" فهي الفاء الرابطة وبها استصلاح اللفظ ، من وجه ، فضلا عن دلالة التلازم بين الشرط والجواب ، فذلك تلازم تعليل بين السبب والمسبَّب أو المقدمة والنتيجة كما يقول النظار ، فلا تخلو الفاء ، من هذا الوجه ، من دلالة السببية ، فضلا عن دلالة الفور والتعقيب ، وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، فكان الأمر بالصبر رخصة لا عزيمة ، وإلا فالأصل أن ينكر من هو أهل للنظر إن كان المناط مما يدق في فقه الفروع لا ما يكون من جلائل الأصول في الديانة والسياسة فيعظم الجرم تعطيلا للوحي أو حكما بجور وطغيان ، فذلك محل إنكار يعم ، والعزيمة فيه ترجح ما لم يكن ثم عجز معتبر مع خوف مفسدة تعظم فيكون امتثال الصبر في هذه الحال رخصة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، وبعده كان الإطناب على حد العطف بفاء أخرى اقترنت بالناسخ المؤكد في : "فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" فأكسبته معنى التعليل ، فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المشترك الذي تعم دلالته توكيدا وتعليلا فلا يخلو أن يكون جوابا لسؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الأمر بالصبر إذا رأى ما يكره ؟ ، فكان الجواب : "فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" ، فَثَمَّ عموم آخر استفيد من ورود النكرة "أحد" في سياق النفي ، وهي مما قيد بالوصف : "يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا" ، وفي رواية أخرى : "يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ" ، فهو مناط الحكم ، فمفارقة الجماعة ودلالة "أل" فيها تحتمل وجوها ، فهي مئنة من عهد خاص فتلك جماعة الإسلام والسنة فلا تَرْضَى بداهة أن يكون أميرها مِمَّنْ عَطَّلَ الإسلام والسنة ، وهي الجماعة العظمى التي تعطى البيعة العامة ، كما قد أُثِرَ عن أحمد رحمه الله ، في تأويل حديث : "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" ، فتلك بَيْعَةُ الإمامة العظمى ، وهي مما تحصل بها الجماعة السياسية الراشدة إن كان ثَمَّ شورى ناصحة ، فتحمل عليها الجماعة في قول سعيد بن زيد ، رضي الله عنه ، وهو يحكي حال الجمع يوم السقيفة ، فـ : "كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة" ، فتلك كراهة تُحْمَلُ على التحريم ، من وجه ، فذلك اصطلاح من تقدم ، فالكراهة عندهم تطلق على التحريم لا على الكراهة في اصطلاح من تأخر من أهل الأصول ، والمثال المشهور ما ضرب من آي الإسراء : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) ، فالإشارة إلى محرمات بل وكبائر كالزنى والقتل وأكل مال اليتيم والكبر والاختيال ...... إلخ ، فخلافة السياسة ، وإن لم تَرْقَ أن تكون من الأصول إلا أنها من الواجب فمحلها كتب الفروع ومنها الواجب ، فإمامة السياسة واجب على الأمة عموما وأهل الحل والعقد خصوصا ، فلا يغلوا الناظر فيبلغ بها حد الإيجاب على الله ، جل وعلا ، فذلك مئنة من غلو اقتبسه الغلاة في آل البيت من مقال الاعتزال إذ يوجب على ذي العزة والجلال ، تبارك وتعالى ، وذلك من سوء الأدب بمكان يعظم فلا أحد يوجب على الرب المهيمن ، جل وعلا ، وإنما هو وحده من يوجب على العباد ، فهي من الواجب ، من وجه ، وهي من السوائل من آخر فليست تُرَادُ لذاتها ركنا أو أصلا كما قد غلا من غلا ، وليست أمر اختيار أو جواز كما جَفَا من جَفَا فضلا عمن جعلها من المحرم ! فلا حكم لديانة في سياسة ، والحق وسط بين طرفين وفضيلة بين رذيلتين ، فهي واجب ولكنها لا تُرَادُ لذاتها وإنما هي من جملة وسائل بها حفظ الدين وسياسة الدنيا به وذلك من الواجب قصدا ، وهي من الواجب تبعا إذ هي الوسيلة التي لا تحصل الغاية إلا بها ، فهي مما لا يتم الواجب إلا به فحكمها الإيجاب ، فكانوا يرون تولية إمام بعد قبض خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كانوا يرونه آكد واجب فَقُدِّمَ على دفن الجسد الشريف إذ الوفاء لصاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستوجب حفظ رسالته التي بَلَّغَهَا ولا يكون ذلك إلا بحكم راشد به تأتلف الجماعة ، فلم يتأخروا ولو يوما ، فليس وراء الجماعة السياسية الراشدة إلا الفرقة والعذاب ، على حد المقابلة بين الشطرين وطباق الإيجاب بين لفظيهما في الخبر المشهور : "الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ" ، فدلالة "أل" في "الجماعة" تحمل على الجماعة السياسية المثلى ، فهي تستغرق وجوه المعنى مدحا ، ويدخل فيها ، من وجه ، ما دونها من الجماعات السياسية التالية ، فيدخل الملك العضوض وما بعده من ملك الجبر ، فيدخل فيها ذلك وإن لم يَبْلُغْ ، بداهة ، رُتْبَتَهَا ، فتكون دلالتها دلالة بَيَانٍ لجنس ، من وجه ، واستغراق لآحاده ، من آخر ، وإن لم تَسْتَوِ مثلا ، فكيف تُسَوَّى جماعة كاملة بأخرى ناقصة فذلك مما يخالف عن قياس العقل الناصح الذي يوجب التفريق بين المختلِفَيْنِ فلا تكون تسوية إلا بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ ، فدخلت الجماعات التالية وإن أُحْدِثَ فيها ما أحدث من عدول عن الوحي في مواضع بل قد بلغ في الأعصار المتأخرة حد التعطيل الكامل وعدول عن الشورى فليس إلا الأثرة والاستبداد أو التغلب بحد السيف جبرا إن سُلِّمَ به فضرورة تقدر بقدرها لا أصلا تُبْنَى عليه الأحكام حال السعة والاختيار ، وعدول عن العدل فليس إلا الظلم الذي طال الجمع كله إن في الدين أو في الدنيا ، فدخلت الجماعات التالية وإن أُحْدِثَ فيها ما أُحْدِثَ من المحدثات العلمية والعملية والسياسية الجائرة وجامعها ، لو تدبر الناظر ، هو التأويل الذي خرج بالوحي عن مقاصده إلى أهواء المتأولين إن في الدنيا أو في الدين ، فكان في الجماعات من الرحمة بقدر ما تقارب به جماعة الرسالة النازلة وجماعة الخلافة الراشدة ، وكلما باعدت الجماعة عنهما كان من الشر ما قد زاد تِبَاعًا حتى صار الأرجح بل يكاد يكون خالصا في هذه الأعصار إلا لماما ، فدلالة التنكير في "رحمة" و "عذاب"مئنة من النوعية فتفيد الإطلاق إذ وَرَدَتْ في سياق إثبات ، وهي مما يحتمل بالنظر في أصل الوضع حال النوعية فتحتمل التعظيم تارة والتحقير أخرى والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم إذ تجري مجرى الأضداد دلالة على معنى وضده وذلك من الإجمال بمكان فلا بد من قرينة في السياق ترجح وهي في هذا الموضع ترجح التعظيم فالجماعة رحمة عظية والفرقة عذاب عظيم وذلك مما يجري شطره الأول وعدا وهو خبر يحض على الفعل ، فيجري مجرى الخبر الذي يُرَادُ به الإنشاء ، فَلَازِمُوا الجماعة واجتمعوا على الحق وكونوا جماعة حق ولو واحدا ، كما أثرعن بعض السلف ، فالجماعة هي الحق وإن كنت وحدك ، وشطره الثاني وعيدا ألا تَفْرَقُّوا فتعذبوا في الأولى والآخرة ، وهو ما أمر به الوحي ونهى عن ضده في قوله تعالى : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فذلك عطف يجري مجرة التلازم وإن لم يكن تاما فنص على ملزوم الاجتماع وهو ما يكون أولا من إقامة الدين فهو سبب في الاجتماع ثم عطف بالنهي عن التفرق فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الطباق غير التام إذ لم يذكر طرفيه صراحة : الاجتماع والفرقة ، وإنما كَنَّى عن الأول بسببه وملزومه ، وذلك كسائر معاني الدين مما يتفاوت فهو جنس تحته من الآحاد في الخارج ما لا يكاد يُحْصَى في كل عصر ومصر فما من جماعة إلا وفيها رحمة بقدر ما تُوَاطِئُ الوحي والعدل ، وعذاب بقدر ما تُبَاعِدُ عن الوحي وَتُقَارِفُ من الظلم وذلك مما لا يكاد يحصى تفاوتا بين آحاده فلكلٍّ منها حظ بقدر ما يحصل فيه من السبب اجتماعا أو فُرْقَةً إذ الحكم يدور مع علته طردا وعكسا ، وجودا وعدما ، ولو تدبر الناظر لوجد أن ذلك مما يطرد في سائر الأسماء والأحكام الشرعية فهي جنس عام تحته من الآحاد ما لا يكاد يحصى بقدر حصول العلة فإن حصل قليل حصل من الحكم مثله ، وإن حصل كثير حصل من الحكم مثله وبينهما التفاوت آنف الذكر وذلك مقتضى الحكمة أن يثبت من الشيء بِقَدْرِ ما يثبت من سببه ، فلا يخلو أي جَمْعٍ من خير ولو بالنظر في آحادِه لا حُكَّامِهِ ! ، فَيُوَافَقُ فيما أصاب فيه الحق من الشعائر والشرائع والأعراف الصحيحة ..... إلخ ، ويخالف فيما لم يصب فيه ، فذلك قياس العقل الناصح ووصاية النبي الصادق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون المرء إمعة لا عقل له إلا عقل الجماعة فهو لها تَبَعُ مطلقا وإن أخطأت وأساءت ، فالصحيح أن تُلَازَمَ فيما أصابت فيه ولو نَزْرًا يسيرا ، فما لا يدرك كله لا يترك كله ، فيكون من الرحمة فيها ولو قدرا ضئيلا فالخير في هذه الأمة قد اتصل إسناده إذ الوحي فيها محفوظ وإن عطلت أحكامه ، فَيَنْقُصُ من كمالها بقدر ما تُبَاعِدُ عن الوحي والشورى والعدل حتى تصير إلى ملك جبر شَرُّهُ أعظم فهو مُعَطِّلٌ لكل معيار ناصح من الوحي والشورى والعدل كما قد عمت به البلوى في هذا العصر .
فإن شغر الزمان من البيعة العظمى فلا سلطان لأتباع الرسالة يَجْمَعُ فَثَمَّ فسحة أن يَلْقَى العبدُ رَبَّه ، جل وعلا ، بلا بيعة ، فمحلها قد فات كما يضرب المثل في الفروع بفوات محل الغسل أو المسح في الوضوء فيسقط الواجب بسقوط محله ، فليست مفارقة جماعة ظالمة قد رَضِيَتْ أن يُعَطَّلَ الوحي وَيُغَيَّبَ العدل فَعَظُمَ فِيهَا الشر ، ليست مفارقتها بأمر يذم ، بل قد دعا من دعا من المستضعفين أن يفارقها فيخرجه الله ، جل وعلا ، منها ، فـ : (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) ، وذلك معنى يستغرق فلا يستلزم أن القرية ظالمة الظلم الأكبر الموجب لنقض الأصل ، بل يستغرق الوصف كل ظلم يَعْظُمُ جُرْمُهُ ، وهو ما يكون في الغالب من رءوس الناس وَمُتْرَفِيهِم فهم أهل القرية الظالمون بما لهم من حظوة وجاه ، فلهم من أسباب الرياسة والمال ما به يعظم الشر والظلم ، فكان من العلة ما قد حُدَّ حَدَّ النفي والاستثناء في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" ، فذلك أقوى أساليب الاستثناء وبه تقرير المعنى وتوكيده ، وذكر الشبر في هذا السياق يجري مجرى الاستعارة ، فاستعار المحسوس للمعقول فذلك آكد في حصول الصورة في الذهن ، فكان الحكم بالميتة الجاهلية على من فارق الجماعة العظمى جماعة الإسلام والسنة ، وذلك ، من وجه ، ما يحمل الجماعة على معنى أخص ، فهي الجماعة الكاملة فمتى نقصت وجبت مفارقتها ولو في مواضع النقص ، فَلَا يُفَارِقُهَا في مواضع الخير من الْجُمَعِ والجماعات وسائر الصالحات لا سيما ما تَعَدَّى نَفْعُهُ إحسانا إلى فقير أو نصرة لضعيف إن كان الناصر ذا جاه ورياسة بها تكون الشفاعة المحمودة في قضاء الحاجات واستيفاء الحقوق المشروعة ، فلا يصدق فيمن فارق الجماعة الظالمة إن بالبدن أو بالجنان إن لم يطق المفارقة في الحس ، فَيُفَارِقُ في المعنى ألا يُوَاطِئَهَا على ظلم فينكر ولو باطنا يخفى ، فلا يصدق فيمن فارق جماعة هذا وصفها أنه من أهل الوعيد بالميتة الجاهلية ، بل الوعيد يقتصر على مواضع فيقتصر على من فارق جماعة قد ائتلف حالها على الوحي والعدل فاجتمعت على أمير صالح فلم يطق إلا الشر إذ جُبِلَ عليه ففيه بُغْيَتُهُ من مكاسب ومصالح وإن خَالَفَتْ عن المصلحة العامة بل ولو خالفت عن حكومة الوحي المحكمة ، فَتَأَوَّلَ لمتشابهِ حظوظه في الجاه والثروة ما قد تَأَوَّلَ ، فمفارقة الجماعة الكاملة التي ائتلفت على الوحي وحكم العدل هي مناط الذم ، سواء أكانت المفارقة سلما أم حربا فتعظم الجناية إن بلغت حد الخروج بالسلاح قتلا واستباحة وإن زعمت الإصلاح وحسم مادة الشر والفساد من الأرض فهي ، لو تدبرت ، أعظم من يفسد ويرجف فيصدق فيها ما قَدْ نَزَلَ من آي البقرة في الأخنس بن شريق ، فـ : (مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) ، فالنص عام قد استغرق وإن نَزَلَ على سبب فعمومه يجاوز السبب إلى نظائره إن بدلالة اللفظ أو بالقياس على صورة السبب على خلاف في الأصول قد اشتهر ، فالمفارقة المذمومة هي مفارقة الجماعة الكاملة أو مفارقة الجماعة الناقصة في مواضع الخير كما تقدم من الْجُمَعِ والجماعات وسائر الطاعات ، وقد تحمل على وجه ثان فَتَجْرِي مجرى الردة ، كما في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا أَحَدَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِ، وَالْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، التَّارِكُ لِدِينِهِ" ، ومحل الشاهد "المفارق للجماعة" ، فذلك عهد أخص في "أل" في "الجماعة" يوجب حمل الميتة الجاهلية على الكبرى لا الصغرى ، فاحتملت الميتةُ الجاهلية العصيانَ تارة كما يَتَبَادَرُ من الوعيد في الخبر : "لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" ، واحتملت الكفران إن كانت المفارقة لأصل الدين الجامع الذي تدين به الجماعة وإن لم تبلغ منه حد الكمال الواجب ، فكل أولئك مما تحتمله "أل" في "الجماعة" ، فلا تخلو من هذا الوجه أن تَجْرِيَ مجرى المشترك ذي الدلالات فاستغرقها جميعا على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، ولا يخلو الوعيد في شطر الخبر الثاني لا يخلو كسائر نصوص الوعيد من قيد يستصحب أبدا فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فقد يكون ثم مانع من نفاذ الوعيد إن لم تبلغ الميتة الجاهلية حد الردة ، فيكون من الموانع ما تَقَرَّرَ في هذا الباب فلا ينفذ الوعيد فضلا وإن نَفَذَ فَعَدْلًا سواء أكان الميتة الجاهلية كبرى توجب الخلد في العذاب أبدا فتكون المفارقة لأصل الدين فذلك وعيد ينفذ أبدا فلا يحتمل العفو والمغفرة إذ لا يغفر الله ، جل وعلا ، الشرك وما ضَاهَاهُ من أنواع الكفر الكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، أم كانت الصغرى التي تُوُعِّدَ صاحبها بعذاب التطهير في نار العصاة من الموحدين فقد يَنْفُذُ في مواضع عدلا وتصديقا لأصل الوعيد فلا بد أن ينفذ ولو في واحد ليصدق خَبَرُ الرسالة ، ولا يخلو الوعيد وهو خبر ، لا يخلو كسائر مواضع الوعيد الخبري ، لا يخلو من دلالة الإنشاء أَنْ لَا تُفَارِقُوا الجماعة فتكون تلك عاقبتكم ، بل الزموها فعاقبة لزومها الخير سواء أكانت كاملة تُلَازَمُ في عامة أحوالها أم ناقصة فلا تُلَازَمُ إلا في مواضع الخير والطاعة .

والشاهد أن الباب يَفْتَقِرُ إلى فقه يدق ، فَتُنَزَّلُ نصوص الطاعة والصبر في مواضعها ، وَتُنَزَّلُ مواضع الجلال والإنكار في مواضعها ، فلا تكون طاعة مطلقة إلا في الحق ، فلا طاعة في باطل من قول أو عمل ، فالطاعة ، من هذا الوجه ، كالإيمان فتستغرق سائر محال التكليف ، ما بطن وما ظهر ، فيبطن الطاعة ويظهر منها ما استطاع فذلك مقتضى البيعة إلا أن يُخَالَفَ فيها عن الشرعة ، فكان من الخبر : "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فذلك خبر يجري مجرى الإنشاء ، فأطنب سمعا فهو المبدأ وطاعة فهي المنتهى والغاية ، فالسمع أداة إدراك وبها يحصل الأمر أو النهي في الذهن بما يكون من الحس الظاهر فتأويله في الذهن ما يكون من صورة العلم بالمسموع حروفا منها تأتلف الكلمات التي تواطئ في العقل ما استقر من العلم الضروري بمبادئ اللسان ، فهي كالأصول المركوزة في الذهن التي تقاس عليها المسموعات الواردة ، فهي المعيار وما يَرِدُ على السمع هو المثال الذي يستحضر الذهن أصله حال سمعه ، فيستدعيه من الذاكرة ، ويقيس المسموع على المخزون في الذهن وذلك ما اصطلح أنه قياس التمثيل ، فذلك ما حصل بالسماع تارة ، والاستماع أخرى ، فَثَمَّ ما حصل عرضا وما حصل بالتعلم قصدا ، فاستجمع المتكلم ذخيرة وافرة من الكلمات والجمل فهي أدلة على معان بها الإفهام يحصل ، فيدرك المخاطب مدلول الكلام خبرا وإنشاء ، فهو يسمع ابتداء ، وذلك ما لا يجزئ حتى يُشْفَعَ بِلَوَازِمَ فيكون الاستماع الذي يَزِيدُ على السماع المجرد ، فثم قصد وتكلف وذلك ما به العناية والرعاية ، فليس مَنْ سَمِعَ وغفل فلم يُعِرِ المخاطب سمعه وجنانه فليس بمصغ وإن كان في الظاهر يسمع ، فلا يحصل الإصغاء إلا بالاستماع ، لا جرم كان الأمر حال القراءة أن : (إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فكان من تكلف الفعل ما دلت عليه الزيادة ، فزيادة المبنى بالألف والسين والتاء في "استمعوا" مئنة من زيادة تضاهيها في المعنى ، فضلا عن دلالة اللام في "له" فلا تخلو من اختصاص يزيد المسموع عناية ، فالاستماع قدر زائد على السماع المجرد ، فكان الأمر بالاستماع والإنصات ، فَهُمَا مئنة من القصد طلبا للفهم ، فذلك السماع النافع لا السماع المجرد فالباب يجري مَجْرَى الإيمان فمنه تصديق مجرد لا يجاوز حد المعرفة وحصول الصورة العلمية في الجنان ، وهو مما يحصل لكل سامع فيحصل للمؤمن والكافر بل قد حصل لإبليس وفرعون وعتاة الطواغيت ، ومنه تصديق مخصوص فهو يَزِيدُ على التصديق المحض ، فَثَمَّ زيادة في الحد ، فإن التصديق ، لو تدبر الناظر ، جنس عام تندرج تحته أنواع ، فثم التصديق المجرد فهو كالسمع المجرد فلا يجاوز حد الإدراك للمعلوم أو المسموع ، وثم آخر يَزِيدُ فهو تصديق الجنان إثباتا ، واللسان نُطْقًا ، والأركان فِعْلًا وَتَرْكًا ، فكذلك السمع فمنه ما يقع عرضا ومنه ما يُتَكَلَّفُ قصدا فَيَزِيدُ على السمع المجرد فهو المبدأ وبعده الاستماع الأخص ، فيكون الإنصات وهو دليل العناية بالمتكلم ، وإنزال الكلام منزلة الأمر المطاع ، فتكون الطاعة بعد السمع فهي دليل الصدق ، صدق الدعوى ، كما أن العمل دليل الصدق ، صدق الدعوى الإيمانية في القول ، فالعمل يصدق القول ، والطاعة تصدق السمع ، فتعاطفهما من هذا الوجه يجري مجرى التعاطف بين اللازم والملزوم ، فالسمع ملزوم والطاعة لازم ، وبهما استيفاء القسمة في العقل ، فكان الابتداء بالسمع والطاعة وكان الإخبار بالظرف : "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ" ، ودلالته دلالة الإيجاب ، على تقدير : السمع والطاعة واجبان على المرء المسلم ، فذلك خبر يفيد الإنشاء إيجابا أَنِ : اسمعوا وأطيعوا ، فالخبر ، من هذا الوجه ، آكد في الدلالة كما يقول الأب لابنه : الكتاب على المائدة ، فهو آكد في الدلالة من الأمر أن : ضع الكتاب على المائدة ، فكان السمع والطاعة ، ولا يخلوان من عموم يستغرق إما بإطلاقهما أو بدلالة الاستغراق في "أل" ، فاستغرقت وجوه المعنى ومواضع الأمر والنهي جميعا إن في العلم أو في العمل ، إن في العقد أو في الشرع ، إن في السياسة أو في الحرب ، فالسمع والطاعة التامان في كل أمر ونهي فذلك لازم البيعة الصحيحة التي تُوَاطِئُ الشرع فليست أَيُّ بَيْعَةٍ تلزم إلا بَيْعَةً بها حفظُ الدين آيا وأخبارا ، وسياسةُ الدنيا به في السلم والحرب ، فالواجب في الشرع أن يسمع المرء المسلم ويطيع ، وذكر المسلم في الخبر يجري مجرى القيد بالوصف ، فهو المخاطب بتكليف الشرع ، فخرج غير المسلم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن السمع والطاعة وهو من تكليف الشرع ، إنه يجب على كل أحد على القول إن الكافر يخاطب بفروع الشريعة ، فيخاطب بالسمع والطاعة ، وتلزمه بَيْعَةُ السياسةِ الكاملة وهي ما يجري على سنن الشرعة النازلة ، فضلا أن الكافر إن ثبت له عقد ذمة أو أمان أو عهد فهو يدخل في حد الطاعة على قاعدة : "أنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة" ، وإن لم يكن الأمر في حقه أمر تكليف كما المسلم فإنه يخاطب بأحكام الشرع خطابا أول خلاف الكافر فلئن صح خطابه بها فخطابا ثانيا إذ يخاطب بالتوحيد أولا ثم التشريع ثانيا ، فكان من السمع والطاعة ما وجب على المرء المسلم ، وهو ما أطنب في بيانه احترازا فاستغرق المحبوب والمكروه ، وتلك فحوى بَيْعَةِ العقبة ، فـ : "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ" ، فكان من ضمير الجمع ، "نا" الدالة على الفاعلين في "بايعنا" ، كان من هذا الضمير ما يحكي بَيْعَةً مخصوصة ، وهي بيعة العقبة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، خاص أريد به عام فهي نص البيعة القياسي في كل عصر ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يعم معناه ويستغرق إن في بَيْعَةِ الدين الأولى ، بيعة التوحيد والتشريع ، فهي بَيْعَةٌ محكمة لا يتصور بداهة أن تُنْسَخَ إذ تُعْطَى لحي لا يموت وهو الرب السبوح القدوس ، جل وعلا ، فلئن بايع الجمع صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيْعَةً مخصوصة يوم العقبة ، فقد قُبِضَ صاحبها ولم تُنْسَخْ ، فإنها محكمة المعنى وإن اختلف المبايَع الأرضي ، فإن المبايع السماوي حي لا يموت ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) ، فلا تعارض ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، فبيعة الأرض لصاحب الشرع المبلِّغ المبيِّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَمَنْ يَنُوبُ عنه في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، فهو الخليفة الذي يُوَلَّى الولاية الكاملة إن كان ثَمَّ شورى فيخلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمته ، فلا تحصل الخلافة التامة إلا بالشورى حقيقة لا دعوى ، فذلك امتثال الأمر الصريح أن : (شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ، وامتثال الأمر المستنبط من الخبر الذي يفيد الإنشاء إذ يحكي حال الحمع المؤمن ، فـ : (أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ، وهو ، كما يقول بعض أهل الشأن ، مما نزل بمكة وليس ثم سلطان فَوَطَّأَ إذ ذكر أصول الحكم والسياسة وإن مجملات كان تفصيلها في المدينة إذ كان ثم الملك الحارس للنبوة ، فهو الحديد الناصر للكتاب الهادي ، كما أثر عن بعض المحققين في تأويل آي الحديد : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ، فـمن خالف عن الكتاب الهادي قُوِّمَ وَرُدَّ إلى الجادة الرسالية بالحديد الناصر ، فكانت البيعة التامة في خلافة الرشد إذ كانت الشورى حقيقة لا صورة ، وإلا فَثَمَّ بيعة أخرى حدثت بعد انقضاء الخلافة الراشدة وصيرورة الأمر إلى ملك عضوض ، فكان العهد إلى ابن أو أكثر ، كما صنع عبد الملك بن مروان إذ جعل الولاية في ابْنَيْهِ : الوليد وسليمان ، فلم يكن ثم بيعة إلا صورة ، ولم يكن ثم شورى إلا إجماعا ولو بلا استقراء يصح يَبُوحُ فيه كل بما استكن في صدره من رِضًى أو سخط بلا خوف أن يُؤْخَذَ أو يُؤْذَى ! ، وبيعة السماء لله ، جل وعلا ، وهي الأصل ، وهي مناط البيعة التي تستلزم الوقوف على حد الشرع أمرا ونهيا ، فذلك ، بداهة ، محكم لا ينسخ ، واحد لا يتعدد ، إذ المبايَع واحد وهو الحي الذي لا يموت ، تبارك وتعالى ، فلا يجري عليه ما يجري على ولاة الأرض ، وإن أنبياءَ معصومين ، فإن الموت سنة جارية في البشر ، فالبيعة تَتَكَرَّرَ إذ المبايَع يَتَكَرَّرُ إن في الولايات العظمى أو ما دونها مما يَفْتَقِرُ إلى بَيْعَةٍ ولو شورى بها يُوَلَّى أمير أو وال على مصر من الأمصار فتلك بيعة صغرى تخالف عن العظمى في القدر وإن واطأتها في الوصف فآية الكمال فيها أن تجري على وزان الشورى الملزمة ، شورى القرار ، فلا تعارض بَيْنَ البيعتين : بَيْعَةِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأرض ، وَبَيْعَةِ الله ، جل وعلا ، في السماء ، فالثانية ، كما تقدم ، واحدة لا تَتَبَدَّلُ ، فهي أصل الدين الجامع : بَيْعَةَ توحيدٍ فذلك خبر الوحي الصادق الذي أبان عن اسم الله ، جل وعلا ، ووصفه وفعله وحكمه فوجب التصديق ، وهو ما يجاوز حد المعرفة التي تحصل بها صورة العلم في الجنان ، فثم تصديق الظاهر قولا وعملا ، وَبَيْعَةَ تَشْرِيعٍ لازمها امتثال الأمر والنهي ، ما خَصَّ وما عَمَّ ، وأما بيعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن يَنُوبُ عنه من الخلفاء ، فهي بيعة تَتَعَدَّدُ بالنظر في شخص المبايَع ، وإن كانت واحدة بالنظر في جوهر البيعة فهي بيعة الوحي والعدل ، وإن اختلفت درجاتها ، فإن بَيْعَةَ النبوةِ أعلى بداهة من بَيْعَةِ ما سواها من الحكومات ولو حكومة الخلافة الراشدة ، فَبَيْعَةُ النبوة بَيْعَةُ معصومٍ فوجب فيها من السمع والطاعة مطلقا ما لا يجب في غيرها إذ بَيْعَةُ غيرها مما قُيِّدَ أن تُوَاطِئَ الوحي المنزل طاعة لله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان من البيعة فِي خبر عبادة ، رضي الله عنه ، ما ينصرف إلى عهد خاص بالنظر في واقعة العين ، بيعة العقبة ، ولا يخلو من عموم يستغرق كل بيعة بالنظر في الفحوى ، فحوى البيعة على الكتاب والسنة فذلك محكم لا يتبدل وإن تبدلت شخوص المبايَعِينَ ، فكان من الخبر ما يحكي البيعة الرسالية الأولى ، فـ : "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ" ، فكانت البيعة على السمع والطاعة ، وهما ، كما تَقَدَّمَ ، مما استغرق وجوه المعنى ومواضع الطاعة عبادة وسياسة .... إلخ ، فذلك خبر يجري ، أيضا ، مجرى الإنشاء ، أن اسمعوا وأطيعوا في المنشط والمكره ، فثم طباق إيجاب قد استغرق كما في الخبر الأول أَنِ : "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فالطباق بين الحب والكره من جنس الطباق بَيْنَ المنشط والمكره ، فاستوفى شطري القسمة وهو آكد في تقرير المعنى فهي طاعة تجب في كل حال ، وبعده كان الإطناب في خبر عبادة : "وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" ، فذلك مما خص في مواضع أخرى ، فـ : "بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ" ، وهو ، كما تقدم ، مما يفتقر إلى نظر أدق في إثبات الحكم ، فلا بد من تعيين ماهية صحيحة للكفر البواح ، فذلك تنقيح المناط أو تخريجه ، ولا بد من اجتهاد آخر في تحقيق المناط في الخارج ، وهو ما يستوجب النصح في الترجيح بين المصالح والمفاسد على جهة العدل فلا إفراط ولا تفريط ن فلا يغلب هوى الخروج فيهدر مفاسد معتبرة ، ولا يغلب هوى القعود والراحة فتعتبر مفاسد متوهمة ، بل النظر الناصح يقتضي الترجيح بين الوجهين : المصلحة والمفسدة ، وذلك نظر يجاوز تقرير الحكم بالفسق أو الكفر ...... إلخ ، فثم اجتهاد أول في تحرير المناط أيكون الفعل من الكفر البواح أم لا يكون فلا يستوجب الخروج وإنما النصح جمالا أو الإنكار جلالا ، وثم اجتهاد ثان في تحقيق الحكم في عين الحاكم أو الوالي ، وثم ثالث في الخروج فيكون النظر في الترجيح بين المصالح والمفاسد ، وهو ما تحمل عليه زيادة : "فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَالْزَمْهُ" ، فثم من أجراها مجرى الحق فيكون الضرب في حَدٍّ أو تَعْزِيرٍ ، وأخذ المال في دية أو زكاة أو ضمان متلَفٍ .... إلخ من وجوه الضرب والأخذ المشروع ، وثم من أجراها مجرى الاضطرار أن يكون ذلك ظلما لا يبلغ حد الكفران ، فيجتهد صاحبه أن يتحمل الضرر الخاص درءا لآخر أعم ، فتحتمل المفسدة الصغرى درءا لأخرى أعظم ، أو يكون ذلك كفرانا يستوجب خلع يد الطاعة ، وهي مما يخلع ولو في عصيان لا يقدح في أصل الدين ، ولكن الإنكار حال الكفران أعظم بداهة ، فكان التخصيص آنف الذكر ، وإن وجب فيه النظر ، أيضا ، فقد يكون السكوت حال العجز فلا مكنة معتبرة ، وحال القطع أو الظن الغالب أن ثم مفسدة أعظم ، فيكون الانحياز لا رضى وإنما وَجَبَ استبطان السخط إِنْكَارًا هو الأدنى فإذا حصلت المكنة فِيمَا يزيد من إنكار اللسان أو اليد فَلِكُلِّ حالٍ من الحكم ما يلائمها فذلك قانون الشرع المحكم إذ الحكم يدور مع علته وجودا وعدما حال الرخصة وحال العزيمة وما بينهما من درجات ، وإن كان الباب في الجملة باب ضرورة فهي مما يُقَدَّرُ بقدره ، وهو ما يستوجب تمام التجرد والنصح لله ، جل وعلا ، وكتابه ووحيه تصديقا وامتثالا ، ولا يخلو خبر عبادة : "وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" ، لا يخلو من إحكام لا يفتقر إلى تخصيص ، فإن لفظ "أهله" ينصرف من وجه إلى أهل الكفاية والإجزاء فهم أهله إذ قاموا به على أكمل وجه ، فلا وجه أن يُنَازَعُوا فليسوا أهله غلبة بلا حق أو جدارة ، وإنما أهله حقا ، وبعده كان الإطناب على حد الاحتراز فلا يكون التسليم وعدم المنازعة مطلقا ، بل ثم قيام بالحق وإن اسْتَجْلَبَ اللومَ : "وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ" ، فكان امتثال الحق قولا وقياما في أي محل ، وثم إطناب على حد الإبدال ، على تقدير : وأن لا نخاف في الله لومة لائم ، فذلك إبدال يُقَيِّدُ القول والقيام فهو ممن لا يخاف في الحق لوما ، وقد يجري السياق مجرى الحذف ، فيكون ثم تقدير لِوَاوٍ بها يستقيم السياق ، فتأويل الكلام : وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ، فهي واو حال بها بيان الهيئة ، فذلك باعث القول أو القيام بالحق فليس رياء أو سمعة وإنما طلبا للقربة وامتثالا لحكم الشرعة ، وكذلك الشأن في الخبر : "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فذلك قَيْدٌ به يَحْتَرِزُ المأمور من طاعة يُغْضِبُ بها المعبود ، جل وعلا ، وبعده كان الإطناب بالشرط وهو يجري مجرى الإطناب بالمفهوم ، فمفهوم الاستثناء في : "إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ" ، أن الطاعة تجب إن كان المأمور حقا ، والعامل "يُؤْمَرَ" مما أُسْنِدَ إلى ما لم يُسَمَّ فاعله فأفاد العموم فأيا كان الآمر بعصيان فعصيانه واجب فلا طاعة له إلا في معروف ، فكان الإطناب بالشرط : "فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فَثَمَّ شرط قد أُسْنِدَ ، أيضا ، إلى ما لم يُسَمَّ فاعله تقريرا لعموم يستغرق ، وثم جواب قد دخلت عليه الفاء استصلاحا لِلَفْظِهِ ولا تخلو من زِيَادَةِ اقْتِرَانٍ بَيْنَ شطري الكلام : شرطا وجوابا ، فضلا عن دلالة فور وتعقيب فذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ يبادر السياق بالجواب فورا فذلك مما به يسارع المخاطَب في الامتثال ، ولا تخلو الفاء من دلالة السببية إذ الشرط مع الجواب كالعلة مع المعلول ، فَحُدَّ الجواب حَدَّ الاسمية نَفْيًا قد استغرق الجنس في : "فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فضلا عن إطناب بتكرار النفي فكل أولئك ، كما تقدم ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وذلك ما قال الصديق ، رضي الله عنه ، في خطبة الولاية ، فكان من الأمر بالطاعة ما قيد ، فـ : "أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ" ، فَثَمَّ قَيْدٌ يَنْفَعُ في مواضع أخرى يتوسع فيها من يتوسع في باب الطاعة ، طاعة الولاة والأمراء ، كما في عموم الشرط في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي" ، فكان من الشرط ما اطرد وانعكس في قوله عليه الصلاة والسلام : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" ، وكان من الإطناب أن ذكر المفهوم : "وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ" عقيب المنطوق ، فالمنطوق أن من أطاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد أطاع الله ، جل وعلا ، وذلك ما قد نص عليه التنزيل المتواتر : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ، فتكون السنة في هذه الحال مؤكدة لما نص عليه التنزيل ، فكان من الشرط ما يجري مجرى الإلهاب والتهييج ، فلا يخلو من إنشاء أول أن : أطيعوا الرسول فهو المبلِّغُ المبيِّن ، فذلك وجه الطاعة الرئيس فهو ، عليه الصلاة والسلام ، مُقَرِّرُ الشرع الحنيف إن نقلا لمتواتر أو آحادا نطق بها في مقام التشريع ، سواء أكانت من الوحي ابتداء فمنه الآحاد سواء أكان مما نَزَلَ به روح القدس ، عليه السلام ، إذ يَنْزِلُ بالآحاد كما المتواتر كما في أثر حسان بن عطية المشهور : "كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعَلِّمُهُ السُّنَّةَ كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ" ، وفيه كينونة تدل على ديمومة اتصاف في الزمن الماضي فهو يحكي ما انْقَضَى زمانه ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من ديمومة اتصل زمانها وذلك آكد في تقرير المعنى فلم يكن النزول بالسنة عرضا وإنما نَزَلَ بها دوما كما الآي المتواتر ، فكان من التنزل ما تشابه فتلك دلالة الكاف في "كَمَا" ولا يخلو أن يكون جزءا لا كلا فَلَيْسَ ثم تماثل بين وحي التواتر ووحي الآحاد ، فالأول مُعْجِزٌ بلفظه ونظمه متعبد بتلاوته فضلا عن التعبد بمعناه تصديقا خبريا وامتثالا حُكْمِيًّا ، والثاني لا يعجز بلفظه وإن كان من جوامع الكلم ولا يتعبد بتلاوته وإنما التعبد بمعانيه تصديقا وامتثالا ، كما تقدم ، فليس ثم تماثل بينهما وإن اشتركا في جنس عام قد أطلق في الذهن وهو جنس الوحي فتحته أنواع ، ومنها الكوني كما في وحي الله ، جل وعلا ، للنحل ، فـ : (أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ، ومنها ما يلقى إلهاما في قلب من ليس بنبي كما قد ألقي في روع أم موسى ، عليه السلام ، أن : (أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، ومنها المحظور كما في وحي الشياطين في آي الأنعام : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، ومنها المشروع وهو الأصل الذي يَتَبَادَرُ ، وهو على أنواع أخص فثم النفث في الروع ، وثم الرؤيا فرؤيا الأنبياء ، عليهم السلام ، حق ، ومنه نزول روح القدس بالنجم الرسالي ، وذلك ، أيضا ، مما تندرج فيه أنواع أخص ، فثم نجم متواتر وهو المشهور المتبادر ، وثم آخر وهو الآحاد محل الشاهد ، فَنَزَلَ به روح القدس كما التنزيل المتواتر ، فالآحاد التي نطق بها صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم سنة صريحة ، ومنها ، أي السنة ، ما كان اجتهادا أَقَرَّهُ الوحي فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، أو استدراكا فكانت السنة ما استدرك الوحي فلا يُقِرُّ صاحبَ الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خلاف الأولى فضلا أن يقره على باطل ، فطاعته من هذا الوجه ، تجاوز أي طاعة أخرى لمكان العصمة ، كما تقدم ، وكان من سنته ما أقره سواء أكان بحضرته وهو الأولى ، ودونه ما حصل في غَيْبَتِهِ فَبَلَغَهُ فَأَقَرَّهُ ولم يستدرك عليه الوحي فهو الأصل في العصمة وهو المرجع في التشريع سواء أَنَزَلَ بِنُطْقٍ أم سكت فَلَمْ يُعَقِّبْ ، ودونهما ما حصل في غيبته فِي زمن التشريع ولم يبلغه أو يطلع عليه ، كما في إمامة عمرو بن سلِمة ، رضي الله عنه ، قَوْمَهُ وهو طفل صغير لما يناهز الحلم ، فمنه استفاد بعض الفقهاء جوازَ إمامة الصبي الصغير في الفرائض إذا كان الأعلم بكتاب الله ، جل وعلا ، وكذا حديث العزل المشهور ، حديث جابر ، رضي الله عنه ، إذ كانوا يعزلون لا سيما في وقاع الإماء ، وهو ما اطرد حكمه في الحرائر بقيد الإذن وحصول الرضى على تفصيل مبسوط في كتب الفروع في حكم العزل أيباح مطلقا أم يكره ...... إلخ ، وإن بَلَغَ ذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا أَنَّ عصمة الوحي عصمة للأمة كلها ولو لم يَبْلُغِ الخبرُ صاحبَ الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان مما تعم به البلوى ولم يكن ثم نص بعينه ، فثم عصمة للأمة زمنَ التشريع فلا يكتمل الدين وثم إقرار لقول أو فعل يخالف عن الحق ، فالوحي كما يرقب صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يرقب الأمة من ورائه ، فلا يقرها على باطل ، فضلا أنه قد عصم إجماعها من الخطإ على تفصيل قد اشتهر في كتب الأصول ، فكل أولئك ما يَجْعَلُ طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مقام التشريع من طاعة الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، إذ هو مقرِّر الشريعة الأول فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقرر تَالٍ بما يكون من البلاغ والبيان كما أن روح القدس مُقَرِّرٌ وسيط بين الله ، جل وعلا ، والرسول البشري ، فكذلك الرسول البشري فهو الواسطة بين الحق والخلق ، فهو مقرر الشرع بلاغا وبيانا على وجه لا يُجَوِّزُ المخالفة أو العصيان لمكان العصمة فتلك طاعة مطلقة للوحي ، خلاف ما سواها من الطاعات التالية فهي تُقَيَّدُ أن توافقه إذ هو معيار الحق المطلق فما سواه يحتمل فَيُرَدُّ ما تشابه من المحتمل إلى المحكم من القاطع الذي لا يحتمل ، فهو كالخلاف بين الظاهر الذي يحتمل والنص الذي لا يحتمل فَيُرَدُّ الظاهر إلى النص ، فطاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تجب من وجهين : وجه الشرع وذلك ما انفرد به على حد الإطلاق فلا يُرَاجَعُ من بَشَرٍ ولا يَسْتَدْرِكُ عليه إلا الوحي كما يضرب المثل المشهور بواقعة الأسرى يوم بدر ، فيطاع عليه الصلاة والسلام من وجه الشرع بَلَاغًا وَبَيَانًا ، ويطاع من وجه السياسة والحرب فله طاعة ولي الأمر في أمور يجوز فيها الاجتهاد فهي كالمصالح المرسلة وإن كانت طاعة ولي الأمر السياسي النبوي فوق من دونه من ولاة الأمر في السياسة وإن خلفاءَ الرشد الأوائل ، فطاعتهم تجب ما لا تجب طاعة من بعدهم لا سيما والإجماع في عهدهم أشد انضباطا ، إلا أنها ليست كطاعة الرسول المبلغ ، فطاعة السياسة إنما وجبت بدليل من الوحي فطاعة الشرع هي الأصل ، وطاعة السياسة هي الفرع ، والأولى بداهة لا تقبل من الاستدراك البشري ما تقبل الثانية كما قد أشار بعض على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مواضع فَرَجَعَ عليه الصلاة والسلام إلى رأيه كما في شورى الحباب بن المنذر ، رضي الله عنه ، يوم بدر في أمر الماء ، وكما في شورى سلمان ، رضي الله عنه ، في حفر الخندق ، وقد يلحق بها شورى الأسرى يوم بدر إلا أن لها زيادة قدر إذ قد نَزَلَ بها الوحي حكما قاطعا فارتفع بها من درجة المصلحة التي يسوغ فيها من الاجتهاد ما لا يسوغ بداهة إذا كان ثم نص ، فالاجتهاد فيه لا يجاوز دائرة الفقه لأحكامه والتدبر لمعانيه ، فلا يجوز الخروج عنه ، وأما المصلحة فلا نص فيكون من دائرة الاجتهاد ما هو أوسع بقيد رئيس يستصحب في أي جنس من أجناس الاجتهاد وهو ألا يخالف الناظر أصلا كليا أو دليلا جزئيا .
فكان من طاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يجب طاعة وحي وديانة وطاعة حكم وسياسة ، فله الاثنتان وإن كانت طاعة الوحي ، بداهة ، أعلى ، فطاعة السياسة فَرْعٌ عنها إذ طاعته في السياسة طاعة ولي الأمر وهو ما استفيد بنص الوحي ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْي) ، وإن كانت ولايته السياسية ، بداهة ، فوق أي ولاية كما أن ولاية الراشدين فوق ولاية من تلاهم من الخلفاء والملوك والسلاطين ، فالخلفاء الراشدون لهم سنة متبوعة وخلافتهم أكمل خلافة إذ استجمعت معاني الشورى والعدل حقيقة لا صورة ، فكان الوحي مصدرا وكانت الشورى منهاجا وكان العدل غاية ، فتلك أكمل صور الملك السياسي بعد الملك الرسالي الذي لا يعدله ملك لما تقدم مرارا من وصف العصمة في البلاغ والبيان ، فَثَمَّ تلازم بين الشطرين في قوله تعالى : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ، وقد زيد في الجواب "قد" ، وهو ما استوجب دخول الفاء استصلاحا مع ما تقدم مرارا من دلالة سببية تحكي التلازم بين الشرط والجزاب تلازمَ العلة والمعلول ، ودلالة الفور فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده لا سيما في مواضع الإلهاب والتهييج حضا على الفعل والملازمة ، وهو ما يحكي شاهدا مستصحبا في باب العموم في دلالة اللفظ المشترك إذ دلت الفاء على أكثر من معنى في سياق واحد على وجه صحيح ناصح قد سلم من المعارضة إذ الجهة قد انفكت فجهات المعاني قد انفكت فلا تعارض بَيْنَهَا ولا تَنَاقُضَ بل بعضها يَرْفِدُ بَعْضًا فَتُثْرِي السياق بدلالات كثيرة لأحرف وألفاظ قليلة ، فدخلت الفاء في "فقد" تحقيقا إذ دخلت على العامل الماضي "أَطَاعَ" ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده لا سيما والإنشاء منه يستنبط إيجابا وإلهابا ، فثم أمر بالطاعة إيجابا وثم إلهاب وتهييج يحض السامع عليها بما ورد في الجوب من طاعة الله ، جل وعلا ، وهي منتهى السؤل إذ بها السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة وهما مطلوب كل عاقل فضلا عن المؤمن الكامل ، فتأويله : أطيعوا الرسول وهو ما أطلق فأطيعوه في الأخبار أن تصدقوا وفي الأحكام أن تَمْتَثِلُوا ، فذلك من طاعة الله ، جل وعلا ، الذي أرسله ، وذلك من التلازم بمكان بَيِّنٍ ، فإن طاعة المرسَل من طاعة من أرسله ، والمفهوم : أن من عصى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَدْ عصى الله ، جل وعلا ، ولازمه إنشاء ينهى أن لا تعصوا الرسول فذلك عصيان لله ، وهو ما زِيدَ في الخبر آنف الذكر ، فـ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" ، فَنَصَّ على المنطوق وزاد المفهوم : "وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ" ، فتلك زيادة تُبَيِّنُ فهي مما زِيدَ على نص الآي المتواتر فكان من الإطناب في السنة مفهوما لما لم ينص عليه منطوق الوحي ، فالسنة تزيد على الكتاب إِنْ زيادة البيان تارة أو زيادة الاستئناف لخبر أو حكم لم يَرِدْ في الكتاب ، وبعده كان النص على طاعة الأمير : "وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي" ، فذلك ، بداهة ، ما لا يكون في باطل من عصيان أو كفران ، ولو اجتهد الأمير فلم يكن أَمْرُهُ قَصْدًا لِشَرٍّ ، بل اجتهد فأخطأ فَرَجَّحَ باطلا يخالف عن الحق والعدل فلا يطاع وإن حُمِدَ اجتهاده فله الأجر دون الاثنين فَلَيْسَا إلا لمجتهد قد أصاب ، بل يبذل النصح له جمالا ، فإن أبى الانقياد مع حصول البيان الذي به إبطال حجته فأصر واستكبر فالزجر والإنكار جلالا ، ولم يخل السياق ، أيضا ، من إطناب باللازم بعد الملزوم أو المفهوم بعد المنطوق ، فـ : "مَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي" ، وقد يقال ، من وجه يلطف ، إن النص محفوظ لا يُخَصَّصُ ، فإن إضافة الأمير إلى ضمير المتكلِّم وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُشْعِرُ بِتَحَرِّي الوحي والعدل فهو صادر عن صاحب الشرع الذي قَلَّدَهُ الإمارة فلا يقلده بَدَاهَةً إلا إمارةَ وحيٍ وعدل فهو يأرز إلى سبب عصمة وهي الرسالة ، وإن لم يكن معصوما عصمة صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإضافته إلى ضمير المتكلم ومرجعه ، كما تقدم ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهذه الإضافة تُبْطِلُ مَا استدل به بعض المخذولين ممن حُمِّلُوا أمانة الوحي والدين فتلاعبوا بألفاظه وأحكامه وَأَنْزَلُوا نَصًّا كهذا على طواغيت في الديانة والسياسة فجعلهم مِنْ جملة أمراءِ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَتَصِحُّ نسبتهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويدخلون في العموم المستفاد من لفظ "أميري" فهو نص في العموم إذ أضيف إلى الضمير المعرَّف والإضافة إليه سبب في تعريف اللفظ ، كما قرر أهل النحو واللسان ، وسبب في عموم المعنى ، كما قرر أهل الأصول والبيان ، فَأَدْخَلَ مَنْ أَدْخَلَ أولئك الطواغيت في إِمْرَةِ الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم أشد الناس عداوة لدينه ورسالته وحكمه ، إن ديانة أو سياسة ، إذ يخالف عن أهوائهم وإن أظهروا تعظيمه رياء لا يخلو من تكلف يفضحه ما تَزِلُّ به الألسن وما تخفي الصدور أعظم ، ولو بُعِثَ لكانوا أشد الناس تكذيبا به وحربا له إذ تخالف رسالته عن الهوى والذوق وهما أصل كل شر في الأرض .
والأمر بطاعة الأمير ، وجعل ذلك من طاعة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والأمير حكمُه حكم سياسة ، هذا الأمر مما يَدْحَضُ ما قد زعم بعض من تأخر وإن سرق ما يقول فليس هو الأصل فَحَشَفًا وسوء كيلةً ! ، فَنَقَلَ من فرية الخصوم أن النبي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اقتصرت رسالته على الولاية الدينية المحضة أو السلطة الروحية الأخروية دون السلطة السياسية الزمانية فاقتبس من نظرية السياسة اللادينية التي تفصل بين الدين والدنيا ، اقتبس منها شعبة نسبها إلى نفسه لِيُقَوِّضَ بها نظرية السياسة الشرعية ذات المستمدات الرسالية : وحيا وشورى وعدلا ، ومن عجب أن هذه القسمة ، قسمة السلطة الروحية ونظيرتها الزمانية ، قد نشأت في أعصار الاستبداد الديني وهي أصل الحكم اللاديني إذ يغاير بين الدين والسياسة فَيَقْتَسِمُ أربابه الغنيمة فالملوك أصحاب حظوة باسم السياسة الزمانية الأرضية مع ما يحظون به من البركة الكهنوتية ، والكهنة ، في المقابل ، أصحاب حظوة باسم السلطان الروحي الأخروي الذي يمنح الخلاص أو يمنعه ! .
فلا يطلق القول بطاعة الأمير فذلك مُقَيَّدٌ أن يطيع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتصح نسبته إليه على حد الإضافة في "أَمِيرِي" ، فلو سُلِّمَ لأمير أو ولي بحال لكان الصديق به أولى ، كما أُثِرَ عن بعض المحققين ، فلو سُلِّمَ لأحد لكان الصديق وهو الذي قَيَّدَ طاعته فلم يطلق ، فـ : "أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ" ، فَأَمَرَ أَمْرَ الإطلاق وَقَيَّدَ بالشرط الذي حُذِفَ جوابه لدلالة الأمر المتقدم عليه ، فتقديره : ما أطعت الله ورسوله فأطيعوني ، وكان من الطاعة ما استغرق الكتاب والسنة فهو يواطئ الأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، وذلك ما أبانت عنه الآية السابقة : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، فَقَدَّمَ الواجب على الولاة أداء للأمانات وحكما بالعدل فهما ، كما يقول بعض المحققين : جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة فأطنب بعدهما بالأمر وهو الواجب للولاة ما قَيَّدُوا طاعتهم بطاعة الوحي كتابا وسنة ، كما قد نصت الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، وكما قال الصديق إذ قيد طاعته بطاعة الوحي ، فذلك شطر ، وبعده كان الإطناب بالآخر على حد الإيجاب الذي استوفى أجزاء الحقيقة في الذهن ، فلا تخرج عن طاعة وعصيان ، فإذا أطعت فأطيعوا ، وذلك الطرد ، وإذا عصيت فلا طاعة ، فـ : "إِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ" ، وذلك العكس ، وقد حُدَّ ، أيضا ، حَدَّ الشرط فثم التلازم بين شطريه ، وثم عموم الجواب إذ دخلت "لا" على النكرة "طاعة" فأفادت العموم قياسا في اللسان إذ تَنْفِي جنس المدخول .

والله أعلى وأعلم .